يقف العرب اليوم مشدوهين جماهيرَ وحكامًا ونخبًا. ويقف العالم مشدوهًا أمام التحولات الدراماتيكية التي تشهدها المنطقة العربية بعد أن كشَّر العدو الصهيوني بدعم أمريكي لا حدود له، عن أنيابه، بكل وحشية وصفاقة. فهو يستهدف إبادة الشعب العربي في فلسطين وتهجير من تبقى منهم حتى يستولي على الأرض من دون شعب. ودفعته غطرسته وشعوره بالتفوق أمام تخلي الأنظمة العربية عن القضية وعن بناء قوتها المشتركة، إلى الكشف عن مشروعه القديم الجديد للتوسع بقضم المزيد من الأرض العربية في لبنان وسورية واختراق سيناء والأردن، وحتى السعودية والعراق وامتداد تهديداته لتشمل إيران وتركية؛ بل إن من آخر جرائمه إقدامه على الإغارة على عاصمة قطر – «الصديق الحميم» الذي يستضيف عملية التفاوض بينه وبين وفد حركة «حماس»، فالعدو لا صديق له.
وسط هذه التحولات الدراماتيكية، يستحضر الشعب العربي دائمًا ذكرى «سنوات التحدي والكبرياء»، سنوات جمال عبد الناصر قائد الصراع العربي – الصهيوني بلا منازع، الذي رحل فجأة في مثل هذه الأيام، ذات 28 أيلول/سبتمبر 1970، و«في الليلة الظلماء يفتقد البدر» كما يقولون. فلماذا كل هذه الهالة على شخص رئيس مصر الأسبق حتى وإن كان زعيم الشعب العربي كافة ومن أبرز زعماء العالم؟ ولماذا يستذكره الأحرار بعد كل هذه السنين على رحيله؟ بل الأدهى وأمَرّ، لماذا يختلف أنصاره ومحبوه من العرب الذين يدعي كل منهم أنه «الناصري الحق» المؤهل لمواصلة مسيرة جمال عبد الناصر، يختلفون فيتشتتون فيتصارعون فـ«تذهب ريحهم» ويذهب معهم مستقبل أمة؟
ما لا شك فيه أن الرجل كان يتمتع بصفات نادرة وكاريزما استثنائية جلبت له محبة كل المهمَّشين والوطنيين الصادقين المتعطشين لنهضة أمتهم وتحررها من الاستعمار والمهانة والعبودية بل جلبت له احترام العالم أجمع والأعداء قبل الأصدقاء. فهل تكفي هذه الصفات والخصال لاستحضار تلك المرحلة؟ وهل أن التعلق بهذه الشخصية الكاريزمية الفريدة يجيز الانتماء لـ«الناصرية» كمدرسة في الفكر السياسي وكمشروع فكري اقتصادي اجتماعي بديل لما سبقه أو عاصره أو حتى لما بعد رحيله؟
فما «الناصرية» ونحن في عام 2026؟
ما يعنينا في هذا الحديث هو ما يمكن أن نطلق عليه، إن صح التعبير، اسم «النظرية الناصرية» التي يلتقي عليها ويلتزم بها «الناصريون» وتصلح محكًّا يحتكمون إليها عند الاختلاف بينهم والتي تميز بين الناصرية وأهم المدارس الفكرية والسياسية بل وبخاصة بينها وبين المدارس الفكرية والسياسية «القومية»، إذ إن أكثر ما عُرف به عبد الناصر، هو، قيادته معارك التحرر العربي، وشاركه في تلك المعارك عدد من الحكام والقادة والأحزاب والمفكرين العرب الذين قد تطلق عليهم صفة «التقدميون» أو «الوطنيون» أو «العروبيون» أو حتى «القوميون».
قد يتبادر إلى الذهن أن «الناصرية» هي تلك المبادئ الستة (القضاء على الإقطاع، والقضاء على الاستعمار، والقضاء على سيطرة رأس المال على الحكم، وإقامة جيش وطني قوي، وإقامة عدالة اجتماعية، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة)، التي قامت عليها ثورة 23 يوليو 1952 وكتب فلسفة الثورة في 1954 والميثاق الوطني في 1962 وبيان 30 مارس 1968 التي أصدرها عبد الناصر شخصيًا، إضافة إلى مجموع خطب ومقالات وتوجيهات وقرارات الزعيم من عام 1952 حتى رحيله عام 1970، أو مضافًا إليها شروحات مساعديه والعاملين تحت قيادته في السياسة والاقتصاد والإعلام والثقافة والتنظيم… إلخ. غير أن هذا الرأي لا يمكن أن يصمد أمام بعض الحقائق البديهية، نسوقها باختزال شديد:
– عندما قامت الثورة لم تكن للضباط الأحرار أية نظرية. ذكر ذلك عبد الناصر نفسه أكثر من مرة.
– أن عبد الناصر توخى الأسلوب المتاح أمامه آنذاك، كما أعلن، «التجربة والخطأ»، لغياب النظرية.
– وظل يمارس به حتى وفاته رغم دعواته المتكررة وتشجيعه المفكرين العرب حتى ينجزوا نظرية وكان قد دعا حتى إلى مراجعة أحد أهم اضافاته الفكرية، «الميثاق الوطني»، بعد 10 سنوات من إصداره، أي في مؤتمر الاتحاد الاشتراكي العربي المزمع عقده في نهاية 1970، لتقييم التجربة فكريًّا وتنظيميًّا.
– أن مسار الثورة ومسار جمال عبد الناصر تميز، اعتمادًا على هذا الأسلوب، وعلى قدرة القائد على التطور بالمراجعة والإضافة فكرًا وممارسة، باستيعاب دروس التجربة سلبًا وإيجابًا. وهنا نسوق الأمثلة الأكثر تعبيرًا ودلالة:
1 – التطور في الوعي القومي: لا بد من التذكير بأن ثورة 23 يوليو 1952 لم تبدأ قومية، بل بدأت مصرية فقط، ولم يخطر ببال عبد الناصر وهو يعدّ لثورة 23 يوليو أن يتسع تنظيم «الضباط الأحرار» لغير المصريين أو أن يشمل مجال حركتهم الأقطار العربية الأخرى. وبعد أن قامت الثورة لم ترَ في انفصال السودان إلا أنه تحرير للسودان. لقد كان همها الأول تحرير مصر من الاحتلال الإنكليزي ولم يكن الوطن العربي إلا دائرة ثانية محيطة بالدائرة المصرية، ثم جاءت المعارك تلو المعارك… ففي معركة تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي، «اكتشف عبد الناصر أن العلاقة بين مصر والأمة العربية ليست علاقة دائرة بدائرة، بل علاقة الجزء بالكل. وتعلم من الخطأ في تجربة التحرُّر الإقليمي، أن الحل الصحيح للحفاظ على حرية مصر هي حرية الأمة العربية التي تنتمي إليها». كما قال المفكر عصمت سيف الدولة في أحد مقالاته. وتأكدت هذه القناعة في حرب الجزائر وأثناء مواجهة حلف بغداد الاستعماري ثم في معارك الوحدة وعند انفصال الإقليم الشمالي وفي حرب اليمن وفي حرب النكسة سنة 1967 لما كانت سماء ليبيا بوابة غربية يرتع فيها طيران العدو لاختراق الدفاعات الجوية المصرية فيدمرها، إذ لم يُغْنِ جلاء القواعد الاستعمارية عن مصر في 18 حزيران/يونيو 1956 عن بقائها في ليبيا حتى إجلائها بعد ثورة الفاتح من أيلول/سبتمبر 1969 بقيادة معمر القذافي… لقد ترسخت، من خلال تلك المعارك، الوحدة العربية غاية لمعارك التحرر العربي، كما ترسخت الديمقراطية جناحًا لحرية الشعب العربي، ينقصه جناح آخر… الاشتراكية، حتى يمتلك ثورته وثروته، فيحميها ويقودها للنصر الكبير.
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 570 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:
مجلة المستقبل العربي العدد 570 آب/أغسطس 2026
كتاب ذات صلة:
زيارة جديدة لتاريخ عربي: عبد الناصر كما حكم
ورقة ذات صلة:
عبد الناصر والتجربة الناصرية في طوابع البريد العربية والعالمية
المصادر:
نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 570 في آب/أغسطس 2026.
الناصر الـمدوري: كاتب وباحث من تونس.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



