شارف الانقسام السياسي الليبي على إكمال عامه العاشر وما تزال عملية المصالحة الوطنية التي تضمن استعادة الأمن وتحقيق الاستقرار والدولة الموحدة بمؤسساتها تبدو بعيدة المنال. في هذا الوقت، نجد أن مسار الانتقال الديمقراطي في ليبيا قد تعثر تعثرًا كبيرًا، ونتجت منه حالة من التفكك والاستقطاب المجتمعي في ضوء انسداد مسار المصالحة الذي جعل من هذه التجربة بعد مرور عشر سنوات، هشّة، والمجتمع غير متماسك، في ظل تراجع المواطنة أمام الولاءات الضيقة، وتزداد الأوضاع تعقيدًا أكثر بفعل التدخلات الخارجية العبثية في المشهد الليبي.

على الرغم من مساعي الأمم المتحدة من أجل رأب الصدع الليبي فهي لم تفلح في طرح مبادرة واقعية تفضي إلى مصالحة حقيقية وشاملة. ولم تنجح كل الجهود إلا في تقديم تصورات وخرائط طريق لتقاسم السلطة. كما لم تفلح تلك الترتيبات إلا في زيادة عدد المكونات أو عناصر الأزمة السياسية. وهذا ما أثار الشكوك حول كفاءة البعثة الأممية وفاعليتها ومقاربتها لحل الأزمة في ليبيا، وفي الوقت نفسه، بدأ السجال يتمحور حول جدوى تلك الجهود، وما إذا كانت البعثة الأممية جادة في حلحلة الأزمة وتحمل في جعبتها أفكارًا بنّاءة تنهي حالة الانقسام والمضي قدمًا في تحقيق المصالحة، بوصفها البوابة التي ستخرج ليبيا من أزماتها الراهنة في ظل الإخفاق السياسي واستمرار مسلسل الأزمات التي باتت تنتج في كل مرة حكومات متصارعة لم تستطع حتى اللحظة تحقيق الانتقال الديمقراطي المنشود، ولا سيّما أن مسارات المصالحة وصيغة العدالة الانتقالية بدت مرتهنة بدرجة كبيرة لمنطق التوافق بين النخبة السياسية، الأمر الذي غذى مشاعر الإحساس بالإحباط والظلم، ومن ثم عرقلة كل الجهود لتحقيق المصالحة.

تسعى هذه الورقة إلى تحديد ملامح ممكنة للخروج من حالة الانقسام والتشرذم التي تعيش ليبيا على وقعها منذ عشر سنوات، وتقديم رؤية ومقاربة واقعية وطنية للشروع بمسار المصالحة بين مختلف أطياف المجتمع الليبي، بما يضمن عودة الأمن والاستقرار إلى البلاد.

أسئلة كثيرة ومهمّة باتت تُطرح حول أسباب الانقسام منذ عام 2014 وتداعياته على المشهد الليبي، والكوابح التي حالت دون تحقيق المصالحة الشاملة، فهل من مقاربة واقعية من شأنها أن تكون أساسًا للمصالحة في ليبيا بحيث تفضي إلى استعادة الأمن والاستقرار ودولة موحدة بمؤسساتها؟

للإجابة عن هذه التساؤلات، سوف يتم توضيح ذلك من خلال النقاط التالية: أولًا؛ جذور الانقسام السياسي وخلفياته؛ ثانيًا: المبادرات والجهود المحلية للمصالحة؛ ثالثًا، المبادرات الأممية للمصالحة؛ رابعًا، لماذا تتعثر جهود المصالحة حتى الآن؟ خامسًا: نقد مقاربة البعثة الأممية؛ سادسًا، نحو مقاربة واقعية للتصالح في ليبيا.

أولًا: أسباب الانقسام السياسي وخلفياته

بعد اشتعال الثورة التي أطاحت نظام معمر القذافي، بدأت الدولة الليبية في حالة من التيّه والضياع، في غياب المؤسسات الأمنية والعسكرية الفاعلة والقادرة على القيام بمهماتها، الأمر الذي أوجد حالة من الفراغ السياسي والأمني، وهذا بدوره فتح الباب على مصراعيه أمام ظهور الفصائل والميليشيات المسلحة بأبعادها المناطقية والسياسية والأيديولوجية من بسط سيطرتها على مفاصل الدولة، حيث شهدت البلاد الكثير من المواجهات المسلحة التي أدت إلى استنزاف طاقات البلاد البشرية ومواردها الاقتصادية والمالية.

لقد أضحى الشقاق والخصام سمة مرتبطة بالخصومة السياسية، كما ارتبط الانقسام بجملة من التجاوزات الخطيرة لحقوق الإنسان، التي تسببت في تعميق الانقسام المجتمعي. كان فوز حزب التحالف الوطني بالانتخابات في تموز/يوليو 2014، وعدم قبول بعض الأطراف الأخرى التسليم بنتائجها، السبب الرئيس في توافر أسباب بنيوية عميقة من الانقسام والتشرذم بين الليبيين. بدأ هذا الانقسام سياسيًا وأيديولوجيًا، لكن سرعان ما تحول إلى انقسام مؤسسي وجغرافي، وصولًا إلى تشظي الوجود الليبي وتعدد مرجعياته وانقسامه على ذاته. والملاحظ أن الخلافات والانقسامات في صفوف القوى والأحزاب السياسية الليبية لم تكن بين ما يسمى معسكر الإسلاميين بأطيافهم المختلفة من ناحية، ومعسكر القوى والأحزاب الموصوفة بالليبرالية من ناحية أخرى، بل كانت هناك أيضًا خلافات وانقسامات داخل كل معسكر، وهما سمتان مصاحبتان للمشهد الليبي خلال العقد الأخير. ولا تزال النتيجة مستمرة كما نراها اليوم في تسيير البلاد بجهازين تشريعيين وتنفيذيين متنافسين: برلمان وحكومة مستقلة في الشرق الليبي، تدعمها قوات خليفة حفتر، يقابلها حكومة في طرابلس الغرب المعترف بها دوليًا، وتدعمها تشكيلات عسكرية مختلفة. وتداخلت في نطاق هذين الجهازين لا السياسة والأيديولوجيا فحسب، وإنما المصالح والأجندات السياسية والأمنية والاقتصادية أيضًا، المحلية والخارجية، في إطار التجاذب الكبير. كل ذلك أسهم في تحول ليبيا إلى ساحة للتدافع حول النفوذ وهيبة الحضور والموارد وصراع محتدم لقوى إقليمية ودولية وبأيادٍ محلية، ليزيد ذلك من تعقيدات المشهد السياسي والأمني، وما أسفر عنه من انقسامات داخل المجتمع الليبي لا تزال تبعاتها مستمرة حتى الآن[2]

أفضى عدم معالجة جذور الانقسام الليبي إلى إخفاق كل المساعي والمبادرات الدولية والأممية، وتعطيل أي جهود نحو تحقيق المصالحة الحقيقية والشاملة. فمن جهة أذكت هذه الانقسامات حدة المواجهات المسلحة بين الأطراف المتخاصمة، ومن جهة أخرى، أوجدت الفراغ السياسي والقيادي الذي سمح بتكون الجماعات المسلحة التي ترفض الخضوع للسلطة المركزية في البلاد. الأمر الذي عطّل النظام السياسي الليبي وبدا منقسمًا على نفسه أمام العالم الخارجي.

الملاحظ في مشروع المصالحة الوطنية في ليبيا، أن جُل تركيز الحكومات المتعاقبة على سبيل الخروج من الأزمة ومحو آثارها في أسرع وقت. ومن هذا الباب تم تفادى أي محاولة للتعامل مع انتهاكات الماضي، واستنكف عن تأليف لجنة لكشف الحقيقة. وبغضّ النظر عمّا تحقق من بعض الجوانب الإيجابية في مشروع المصالحة، ولا سيّما منه المصالحات الاجتماعية بين مدن ومناطق مختلفة، وهي جوانب لا يمكن بأي حال من الأحوال إنكارها، إذ استطاع هذا المشروع خفض حدّة التوتر ومنسوب العنف، فضلًا عن الحد من الكثير من الظواهر السلبية الموروثة عن مرحلة الصراع المسلح وفتح آفاق رحبة نحو مناخ جديد في البلاد. بيد أن ذلك لا يخفي تسجيل عدة نقاط من الضعف ما زالت تلقي بظلالها على هذا المشروع[3].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 546 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 546 آب/أغسطس 2024

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 546 في آب/أغسطس 2024.

الصورة من غيتي.

[1]محمد عبد الحفيظ الشيخ: رئيس قسم العلوم السياسية، الأكاديمية الليبية للدراسات العليا – طرابلس.

[2]   محمد عبد الحفيظ الشيخ، «مخرجات الحوار السياسي الليبي بين الخروج من الأزمة وتحديات التعطيل،» المستقبل العربي، السنة 45، العدد 519 (أيار/مايو 2022)، ص 126.

[3]   «المصالحة الوطنية بين الضرورة والتسييس،» المركز الليبي للدراسات ورسم السياسات، 21 آذار/مارس 2023، <https://2u.pw/MSmZPMf>  (تاريخ الدخول 8 كانون الأول/ديسمبر 2023).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز