مقدمة
عُدّت حقبة التسعينيات من القرن العشرين أفضل مرحلة في شأن انتشار حُمّى الاستثمارات الدولية بعد اندثار الاتحاد السوفياتي والانتصار «النهائي» للمعسكر الليبرالي على المعسكر الاشتراكي (بحسب فرانسيس فوكوياما)، وقد تمكّنت معها مجموعة من الدول النامية من تحقيق تنمية اقتصادية هائلة (كبعض دول البريكس)، إلّا أن الوضع الدولي تغيّر جذريًّا بفعل وجود أزمات سياسية واقتصادية وحروب ونزاعات مُتكررة وتنافس دولي وإقليمي شرس على الاستثمارات الدولية. وفي سياق وجود أزمات بيئية ومناخية خانقة وحادّة تنبّه صُناع القرار السياسي بضغط من الرأي العام الدولي والوطني إلى وُجُود أضرار/أخطار بيئية مُتعددة بالموارد الطبيعية وسُبل عيش المجتمعات المحلية وبقائها. وبدأ التفكير في رسم استراتيجيات (جديدة) قصد اختيار الاستثمارات الدولية المستدامة مع مُراعاة المتطلبات الاجتماعية والمعيشية للسكان واستدامة الموارد الطبيعية للأجيال المقبلة. وبتزايد الوعي العالمي بخطورة المعضلة البيئية وتداعياتها السلبية على المجتمعات المحلية، عملت الاتفاقيات الدولية والمعايير الدولية والإعلانات الدولية الكبرى (كإعلان ستوكهولم 1972، وإعلان ريو دي جانيرو 1992) على إدماج صريح لمرجعيات التنمية المستدامة وحماية البيئة والصحة العامة كعناصر أساسية لحماية حُقوق المستثمر وتأطير العمليات الاستثمارية بالتّوجهات الجديدة لقيم حماية المشترك البيئي.
لا تُوجد كتابات أكاديمية غربية رصينة في الموضوع تُركز على مستويات تعزيز الاستدامة البيئية/المجتمعية والأخذ في الحسبان تعدّد وتناقض المقاربات في هذا الصّدد؛ لذا تتحدّد القيمة المضافة للمقالة في التركيز على مقاربتين متضادتين (النمو الاقتصادي الخَطّي في مُقابل الاستدامة البيئية) مع تفكيك الموضوع اعتمادًا على مقاربة سيرج لاتوش (Serge Latouche) المتمثلة بالحدّ من وتيرة النمو الاقتصادي الخطي وإعادة النظر في مبادئه ومرجعياته لتجاوز مقاربة العرض والطلب. كما أن مشروع إلريش بيك (Ulrich Beck) حاضر بقوة في مقاربته مجتمع المخاطر.
تتمثل أهمية هذا الموضوع في البحث في ثنائية متناقضة وهي تعزيز الاستثمار الدولي من أجل النمو الاقتصادي اللانهائي الخَطّي، ولضرورة حماية الموارد الطبيعية للأجيال المقبلة في ظلّ الاستدامة والاعتماد على مُقاربة المدى الطويل للقيام بمشاريع استثمارية.
يقوم هذا البحث على الأداة المنهجية التي تركز على المنهج الجدلي، أي استعراض الأطروحة الأولى، ثم نقيضها؛ وبعد ذلك القيام بتفكيك الموضوع. مع العلم أن هذا المنهج يمنح رُؤى متنوعة للموضوع الذي نتناوله بالتّحليل والنّقد.
بناءً عليه، طرحت هذه المقالة إشكالية مؤرقة لصانعي القرار السياسي والاقتصادي، تتمثل بضرورة تعزيز الاندماج الاقتصادي الدولي والاستفادة من التنافسية بين الأقطاب الاقتصادية، ومن ثم احتضان الاستثمارات الدولية كقاطرة للتطور الاقتصادي والحدّ من الفقر والتفاوتات المجتمعية من جهة أولى؛ وحتمية حماية الموارد الطبيعية لضمان العيش الكريم للجيل الحالي والأجيال المقبلة من جهة ثانية. فهل يستطيع، إذًا، صانع القرار التوفيق بين تعزيز قاطرة التطور الاقتصادي وحماية حقوق الأجيال المقبلة في العيش في بيئة صحية وسليمة؟
تبعًا لذلك، وبالاعتماد على منظور نقدي، سنركز على المنهج الجدلي، إذ سنعرض مقاربة الليبرالية الجديدة (مقاربتا البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية) كأطروحة أولى، وفي المُقابل سيتم النظر في الأطروحة النقيضة التي تؤمن بوجود رابط عضوي بين الاستثمار الدولي وتدهور البيئة (إلى حدّ ما منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، الأونكتاد) كما برزت تيارات مُناهضة للعولمة تؤمن بأهمية حماية الموارد الطبيعية للجيل الحالي والأجيال المقبلة ورفض منطق الربحية وتسليع البيئة ومواردها. وقد نادت هذه التيارات بإمكان بناء عالم آخر.
لم يكن الباحثون المختصون (في مختلف حقول المعرفة الاجتماعية) غائبين عن هذا النقاش، لذلك ركز مايكل ساندل (Michael J. Sandel) مثلًا جُهوده الحثيثة على وُجوب وضع الحدود الأخلاقية على السّوق، واتجه آخرون أمثال سيرج لاتوش إلى الدعوة إلى الحدّ من النمو الاقتصادي الخطي.
في سياق هذا التناقض بين الأطروحتين، سنفحص مدى إمكان التوفيق بينهما أو محاولة تجاوزهما معًا لتعزيز الرفاهية الاقتصادية والحفاظ على المشترك الإنساني البيئي في آن واحد.
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 550 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 550 في كانون الأول/ديسمبر 2024.
الحسين شكراني: أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية، جامعة القاضي عياض،
مراكش – المغرب، ومدير الكتاب العربي للقانون الدولي.
الحسين شكراني
باحث في العلاقات الدولية، من مواليد سيدي بوزيد، أكليم (المغرب) عام 1971. حاصل على الدكتوراه في الدينامية الجديدة للعلاقات الدولية من جامعة محمد الأول (كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية)، وجدة – المغرب. وهو عضو بالجمعية الروسية للقانون الدولي البحري. من مؤلفاته: المقاربة المتوسطية الخضراء للبنــك الأوروبــي للاستثمار (1958-2012): دورها ومحدوديتها وسبـل تطويرها (قيد الطبع)، ونحو مقاربة بيئية للمياه العربية (مركز دراسات الوحدة العربية، 2021)، وتناقضات القانون الدولي: مدخل تحليلي (مركز دراسات الوحدة العربية، 2019). كما نشر عددًا من المقالات والتقارير العلمية في عدة دوريات متخصصة.
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



