مقدمة

يُعَدّ عدم الاستقرار السياسي السمة الرئيسية لنظام الحكم في سودان ما بعد الاستقلال، حيث ظلّ يتقلّب ما بين الحكومات الديمقراطية البرلمانية على نمط وستمنستر وأنظمة الحكم العسكرية التي تأتي عقب قيام عصبة من الضباط في الجيش السوداني بانقلاب عسكري يُقوّضون بموجبه نظام الحكم الديمقراطي القائم ويُؤسسون نظامًا عسكريًا، وقد تكرر ذلك لثلاث مرات حتى الآن، وفي ما يُعرف أوساط السودانيين بـ «الدائرة الشريرة» لنظام الحكم.

استقل السودان عن الاستعمار البريطاني في عام 1956 تحت حكومة ديمقراطية بقيادة الزعيم إسماعيل الأزهري، غير أن الجيش سرعان ما تدخّل واستولى على السلطة بعد عامين، وظل حاكمًا للبلاد تحت نظام عسكري يقوده الفريق إبراهيم عبود لمدة ست سنوات، إلى أن اندلعت في البلاد ثورة/انتفاضة شعبية في تشرين الأول/أكتوبر 1964 نجحت في إطاحته وأسفر ذلك عن تأليف حكومة انتقالية بقيادة سر الختم الخليفة عملت على تجهيز المسرح السياسي لإجراء الانتخابات العامّة في مناخ ديمقراطي. أعادت هذه الانتخابات الديمقراطية كنظام للحكم مرّة ثانية، وذلك في عام 1965، ولكن النظام استمر لأقلّ من أربع سنوات، حيث قام عدد من الضباط في الجيش السوداني يقودهم العقيد جعفر محمد نميري بتدبير انقلاب عسكري في أيار/مايو 1969، نجحوا من خلاله في إجهاض النظام الديمقراطي لثاني مرة.

استمر حكم العسكر بقيادة نميري لست عشرة سنة كاملة، إلى أن أسقطته في نيسان/أبريل 1985 انتفاضة شعبية، عُرفت بـ «انتفاضة رجب/أبريل»، التي أعقبتها مرحلة انتقالية مهّدت الطريق لعودة النظام الديمقراطي، لثالث مرّة، في عام 1986، الذي استمر حتى وقوع الانقلاب العسكري الثالث بقيادة عمر البشير في حزيران/يونيو 1989، الذي يُعدّ أطول النظم التي حكمت السودان عمرًا، حيث ظل مستمرًا زهاء الثلاثين عامًا إلى أن أزاحته ثورة شعبية في نيسان/أبريل 2019، عرفت باسم «ثورة ديسمبر»، التي أسست لحقبة حكم انتقالي قُرّر لها أن تستمر تسعة وثلاثين شهرًا يعقبها إجراء انتخابات عامة والعودة إلى النظام الديمقراطي ليحكم البلاد مرة رابعة. غير أن حكومة المرحلة الانتقالية بقيادة عبد الله حمدوك أطاحها العسكر في انقلاب 25 تشرين الأول/أكتوبر 2021، ليعيش السودان مرحلة من الاضطراب في ظل حكم عسكري بقيادة قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان. إلى أن اندلعت الحرب 15 نيسان/أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع التي أوجدها الرئيس عمر البشير كقوات مساندة للجيش في حروبه ضد الحركات المسلحة في دارفور، ولتقوم بحمايته لاحقًا من انقلاب الجيش عليه.

رغم التبدُّل أو التقلُّب في نظم الحكم في السودان، فإن المحتوى الاجتماعي للسلطة ظلت تُهيمن عليه نخبةُ الوسط أو ما يُعرف أيضًا بـ «النخبة النهرية»، وبقيت الأطراف مُبعدة، وهو ما أدّى في النهاية إلى أن يأخذ الصراع حول السيطرة على مؤسسات الدولة في البلاد طابعًا إثنيًا ولا سيّما أن التطور التاريخي للدولة السودانية كان من ضمن ما قاد إليه هو انقسام القوى السياسية إلى قسمين كبيرين: قوى سياسية مركزية ذات أبعاد عرقيّة وجهويّة مُتشابهة تُسيطر على مقاليد السلطة وقوى سياسية «طرفيّة» أو «مُهمّشة» ذات أبعاد عرقيّة وجهويّة مُتشابهة أيضًا تسعى لاستعادة التوازن لمركز السلطة ولتحقيق التوازن التنموي المفقود بين أقاليم البلاد. وهذا في الوقت نفسه الذي تزامن هذا الانقسام مع إخفاق أنظمة الحكم المُتعاقبة في التوسيع الجغرافي لدائرة التنمية ومراعاة العدالة في توزيع عوائدها، وبحيث تنعكس على حياة جميع السودانيين[1]، فأدّى ذلك في مجمله، في خاتمة المطاف، إلى تفاقم الصراع بين المركز والهامش، حيث سيطر المركز على عملية اتخاذ القرار، أي صار وحده من يُقرّر في: مَن يحصل على ماذا، ومتى، وكيف؟ وأخذ يستخدم المُحدّدات الثقافية كأدوات أيديولوجية لتبرير هذه السيطرة.

في المقابل أدى هذا التمركُز إلى تمركُز المهمشين بصورةٍ إثنيةٍ أيضًا، وتمردوا على هذه السيطرة، وسعوا إلى المشاركة في جهاز الدولة بصورةٍ عادلةٍ تتناسب مع أوزانهم وأعدادهم وثقافاتهم وتمثيل مناطقهم، ومن دون أن يستفرد به أحد، وهي المشاركة التي تعني لهم إنهاء حالة التهميش التي تعرضوا لها، ولا يزالون.

هكذا، تحوّل الصراع ليكون صراعًا شاملًا حول الهوية والسلطة، فعقّد من أزمة الدولة في السودان وبخاصة بعدما تحول من صراع سياسي إلى نزاعات مسلحة ظلّت مُستعرة منذ ما قبل الاستقلال وحتى اليوم، إذ شهد السودان أطول هذا النوع من النزاعات في أفريقيا وهو النزاع الذي كان دائرًا في جنوبه، والذي انتهى بتوقيع اتفاقية السلام الشامل، التي في ضوئها انفصل الإقليم الجنوبي في عام 2011، وأصبح دولة. ولكن انفصال الإقليم لم يكن يعني انتهاء النزاعات المسلحة في السودان، فقد ظلت مستمرة في منطقتي جنوب كردفان/ جبال النوبا وجنوب النيل الأزرق وإقليم دارفور، ليختم كل ذلك بحرب أهلية جديدة بدأت في 15 نيسان/أبريل من عام 2023، بين الجيش وقوات الدعم السريع، تنذر بتفكك الدولة السودانية.

كان لنظام الإنقاذ القدح المعلى في تأجيج النزاعات المسلحة في السودان وأخذها الطابع الهوياتي، وهو ما عقّد من أشكال توزيع الثروة والسلطة فيه وأصبح مع خواتيم حقبة حكم الإنقاذ أقرب إلى التشظي لعدة دول لولا قيام انتفاضة ديسمبر وإزاحته عن سدة الحكم. لقد خلقت ثورة ديسمبر فرصة للرجوع إلى منصة التأسيس للدولة السودانية والتفكير في كيفية المحافظة على استمراريتها بإيجاد صيغة للحكم تخاطب قضايا ومطالب مكونات المجتمع السوداني المتعددة وتوزع الثروة والسلطة بصورة ترضى عنها هذه المكونات. إلا أن هذه الآمال العريضة قد تبخرت بقيام الحرب الاخيرة، فأصبح لزامًا على السودانيين البحث عن صيغة للحكم يمكنها أن تحل أزمة المشاركة السياسية التي ولدت مع ميلاد دولة ما بعد الاستقلال في السودان وتحفظ كيان دولتهم من الانقسام مرة أخرى. وهذا ما تسعى الورقة إلى أن تدير النقاش حوله، بجعل هدفها الرئيسي الذي تسعى لبلوغه يتمثّل بمحاولة الوصول إلى (نموذج) لنظام حكم يمكن أن يؤدي إلى التوافق السياسي في السودان عبر صيغة للحكم تستطيع أن تحوي تمثيلًا شاملًا لمكونات المجتمع السوداني المختلفة، وتكون قادرة على تحقيق التوافق بين هذه المكوّنات، وبالصورة التي تُمكّن صيغة الحكم هذه من المساهمة في إحلال السلام الشامل وتحقيق الاستقرار السياسي والتنمية في كل ربوع البلاد.

تُحاول هذه الورقة الإجابة عن السؤال المحوري التالي: ما هو نظام الحكم الذي يُمكن تبنّيه وتطبيقه في سودان ما بعد الحرب، ويكون قادرًا على التمثيل والتعبير عن مصالح المُكوّنات المُتعددّة للمجتمع السوداني ويحقق الاستقرار السياسي للسودان؟ تتبنى الورقة افتراضًا رئيسيًا يتمثّل بأن الديمقراطية التوافقية المصحوبة بنظام الحكم الرئاسي والنظام الفدرالي مع اعتماد التمثيل النسبي كنظام انتخابي هي ما ينبغي تطبيقها في حكم سودان ما بعد الحرب.

توظف الورقة منتوجات الثورة السلوكية في علم السياسة التي أحدثت تحولًا في المنهجية والمفاهيم والأدوات البحثية التي كان يستخدمها علماء السياسة قبل ذلك، حيث تم الانتقال من المنهج المؤسسي القانوني الذي كان سائدًا في علم السياسة قبل الحرب العالمية الثانية، إلى المنهج السلوكي، وعنى ذلك تحولًا من التركيز على دراسة المؤسسات السياسية إلى دراسة السلوك السياسي.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 549 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 549 تشرين الثاني/نوفمبر 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 549 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.

الفاتح جمعة تبار: أستاذ مساعد، جامعة بحري، قسم العلوم السياسية – السودان.

[1] شريف حرير وترجي تيفدت، السودان النهضة أو الانهيار؟، ترجمة مبارك عثمان ومجد النعيم (القاهرة: مركز الدراسات السودانية، 1997)، ص 57.

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز