مقدمة

قبل مرحلة انخراط الحركات الإسلامية في السلطة بعد أحداث ما يسمى «الربيع العربي»، اهتمت التنظيرات السياسية للإسلاميين منذ نشأة حركة الإخوان المسلمين سنة 1928 بإنشاء دولة الخلافة، التي مثلت هدفًا وحلمًا للحركات الإسلامية الرافضة للأنظمة الحاكمة السائدة في تلك الحقبة. وقد تم الاعتماد لتأكيد وجوب إقامة دولة الخلافة على «شعار الإسلام هو الحل»، استلهامًا لنموذج تاريخي، تعتقد الحركات الإسلامية، أن بإمكانه تقديم حلول للمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية للأمة الإسلامية، وأنه يمثل بديلًا للأنظمة العربية المستوردة، سواء كانت ليبرالية أو اشتراكية؛ حيث تم النظر إلى حل إقامة الدولة الإسلامية ككتلة غير قابلة للتجزئة بعدما تعذَّر حل إشكالية بين ما يمكن توظيفه من مفاهيم في التراث السياسي الإسلامي؛ بوصفه إجابة موضوعية لمرحلة تاريخية معينة، وبين ما لا يمكن توظيفه، بحكم التطور الذي طرأ على النظم السياسية من خلال اندفاعها نحو الديمقراطية الغربية.

وقد طغى النظر إلى السلطة والسياسة من زاوية الفقه والسياسة الشرعية التي كانت تركز على شخص الحاكم: ما له وما عليه والتزاماته وبيعته[1]. في المقابل لم تهتم تلك التنظيرات ببناء تصور شمولي لنظام الحكم والمؤسسات والسلطات داخل النظام السياسي وعلاقاتها ببعضها وعلاقة النظام السياسي الداخلية والخارجية.

والحال أن اجتهادات جريئة حاولت التأصيل لشروط وتنظيم ممارسة السلطة في الإسلام من بينها علي عبد الرازق الذي انتقد نموذج دولة الخلافة ورأى أنها ليست من الدين في شيء وإنما هي اجتهادات بشرية قابلة للنقد كما رأى أن ليس هناك ما يمنع المسلمين من أن يؤسسوا نظمهم السياسية على أحدث ما أنتجت العقول البشرية حول أنظمة الحكم[2].

لقد أدى انخراط حركات الإسلام السياسي في السلطة، بعد أحداث ما سمي «الربيع العربي» الذي اجتاح المنطقة العربية وشمال أفريقيا، إلى تغيير تصورها حيال الدولة وإدارة الحكم، المستمد من التجربة السياسية كما تبلورت في تاريخ الإسلام والتي كان هدفها الأسمى إنشاء دولة الخلافة. وأصبحت أحزابها التي وصلت إلى السلطة في المنطقة المغاربية وبخاصة في تونس والمغرب أكثر واقعية، ولا سيما بعد انتكاسة تجربة الإخوان المسلمين في مصر سنة 2013 وظهور الجيش بلباس مدني، فأصبحت بذلك تتجاوز فكرة أسلمة الدولة والمجتمع وتؤكد مدنية أحزابها، عبر تغيير المقررات المذهبية والتأسيسية بما يتناسب وطبيعة مرحلة ممارسة السلطة وتدبير الشأن العام وما يقتضيه الأمر من مواجهة الأعطاب والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية وتجاوز الشعارات والخطابات الأيديولوجية، بعدما اتضح أن التغيير والإصلاح السياسي والاقتصادي الذي تنشده هذه الحركات تعتريه صعوبات وإكراهات أكثر مما كانت تتوقع وهي خارج السلطة.

تكمن أهمية الموضوع وراهنيته نتيجة تجدد النقاش المجتمعي والأكاديمي في الفكر العربي المعاصر حول موضوع الدولة وشكلها وطبيعتها والمقومات التي تنبني عليها، وبخاصة مع صعود الأحزاب الإسلامية إلى منصة الحكم وممارسة السلطة بإكراهاتها وتحدياتها إبان حقبة الربيع العربي، من خلال تقديم هذه الأحزاب مراجعات نظرية في شأن طبيعة وشكل الدولة وعلاقة الدين بالسياسة في الدولة المنشودة، عبر محاولة التوفيق بين مفاهيم الدولة الحديثة وليدة الفلسفة السياسية الليبرالية وبين مقاصد الدين والشريعة الإسلامية حول الحكم والسلطة.

يمثل حزب العدالة والتنمية نموذجًا للأحزاب التي وصلت إلى السلطة عبر الديمقراطية وصناديق الاقتراع بعد أن كانت في المعارضة البرلمانية، حيث قام بمراجعات نظرية نحت منحى الإشادة بالدولة الحديثة وتبنّي خطاب يتميز بالوسطية والاعتدال وتُوِّجت بالمشاركة السياسية في الحكم وتدبير الشأن العام لولايتين متتاليتين، وهو ما أفرز إلى الواجهة إشكالية التوفيق بين الدين والسياسة وكيفية حل المشكلات السياسية من وجهة نظر دينية، أو المشكلات الدينية من وجهة نظر سياسية، وبدأ الحديث من داخل حزب العدالة والتنمية عن التمييز بين الدين والسياسة وفصل الدعوي عن السياسي، عبر تغيير المقررات المذهبية والتأسيسية بما يتناسب مع مرحلة السلطة وتدبير الشأن العام انطلاقًا من تأويل للدين والفقه عبر الاستناد إلى الفقه المقاصدي. لذا أضحت مفاهيم «المصلحة والأولويات عناصر مهمة تؤطِّر نظرة منظّري الحزب للدولة وللممارسة السياسية التي كشفت حجم التغيرات التي أصابت هوية الحزب، منذ توقيع الأمين العام للحزب إعلان المغرب إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل في 22 كانون الأول/ديسمبر 2020، حيث أوقعه ذلك في دائرة التناقض مع مبادئه ومرجعتيه الإسلامية وأظهر ذلك جليًا، التعاطي المكيافيلي مع السياسة، من طرف الحزب. وهذا ما يطرح بقوة إشكالية التوفيق بين القيم والتمثلات الدينية التي يؤمن بها الحزب حيال الدولة والسلطة والتي مجالها الدين ومنطق ممارسة السلطة والسياسة مع ما تفرضه من تقديم التنازلات لتحقيق التوازنات، نتيجة تعدد إكراهات الممارسة السياسة.

لمعالجة هذا الموضوع سوف نختبر فرضية أساسية مفادها أنه: رغم تقديم حزب العدالة والتنمية مراجعات نظرية من خلال المرجعية الإسلامية للقبول بالدولة الحديثة، غير أن انخراطه في تدبير الشأن العام وممارسة السلطة بإكراهاتها وتحدياتها الداخلية والخارجية، في ظل خصوصية النظام السياسي المغربي المتمثلة بسمو المؤسسة الملكية على باقي المؤسسات الدستورية، نجم عنه عدم استجابة الحزب للكثير من تطلعات هيئاته الناخبة فاحتل بذلك مرتبة متدنية في الانتخابات الأخيرة.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 536 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 536 تشرين الأول/أكتوبر 2023

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 536 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

سعيد بنان: باحث في الشأن الديني في المغرب.

[1]   من بين تلك التنظيرات كتاب: أبو الحسن علي بن محمد الماوردي، الأحكام السلطانية (الكويت: مكتبة دار ابن قتيبة، 1989).

[2]   علي عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر؛ عمّان: دار الفارس للطباعة والنشر، 2000)، ص 155.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز