المؤلف: السيد فريد العطاس
ترجمة: أسامة عباس
مراجعة: بدران بن لحسن
الناشر: مركز نهوض للدراسات والبحوث، بيروت؛ الكويت
سنة النشر: 2021
عدد الصفحات: 351
فريد العطاس، ماليزي الجنسية، ابن عالم الاجتماع الماليزي حسين العطاس، وأستاذ علم الاجتماع في جامعة سنغافورة الوطنية. عمل سابقًا في جامعة ملايا في قسم دراسات جنوب شرق آسيا وجامعة العلوم ماليزيا، قبل انضمامه إلى جامعة سنغافورة الوطنية، وترأس قسم الدراسات الملايو فيها بين عامي 2007 و2013.
تتوزع مجالات اهتمامه بين علم الاجتماع التاريخي، وعلم اجتماع العلوم الاجتماعية، وعلم اجتماع الدين، وعلم اجتماع الإسلام، والحوار بين الأديان، والدين والإصلاح، وفلسفة العلوم الاجتماعية، والنظرية الاجتماعية، والاقتصاد السياسي، ودراسات المركزية الأوروبية.
له دراسات كثيرة في مجالات تخصصه، ومن بينها بعض الأعمال التي لها علاقة بابن خلدون، هي كتاب تطبيق ابن خلدون: إحياء تقليد مفقود في علم الاجتماع، وفصل «ابن خلدون»، ضمن كتاب جماعي عن المنظّرين الاجتماعيين الرئيسيين: المنظّرون الاجتماعيون الكلاسيكيون.
أولًا: عرض تحليلي لمحتويات الكتاب
يتكون الكتاب من تمهيد ومقدمة وعشرة فصول.
في التمهيد أشار المؤلف إلى أن ابن خلدون يعدّ «من العلماء الذين كتب عنهم الكثير من المؤلفات، ولكن تعرضت رؤيته لإهمال بالغ. فقد ظل ابن خلدون هامشيًا بدرجة كبيرة في مجال التطبيق» (ص 13). ويبرر المؤلف هذه الهامشية بعدم وجود «مدرسة لعلم الاجتماع الخلدوني يمكن الحديث عنها»، على خلاف ما يقال عن ماركس وفيبر أو دوركايم الذين طورت دراساتهم ومدارسهم الفكرية تقاليد تنتمي إليهم (ص 13). لهذا جاء هذا الكتاب «محاولة لتطبيق نظرية ابن خلدون تطبيقًا منهجيًا على حالات تاريخية ومعاصرة معينة» (ص 14).
أما في المقدمة، فقد ورد فيها «الحجة الأساسية» التي يقوم عليها هذا الكتاب، وهي «وجود علم اجتماع حديث يمكن أن يعاد بناؤه من خلال كتابات ابن خلدون» (ص 17). وهذا البناء من شأنه أن «يكون ذا أهمية كبيرة وقابلية للتطبيق في دراسة التاريخ والمجتمع المعاصر» (ص 17). غير أن «إعادة البناء تلك وذلك التطبيق، لم يتحققا بوجه عام بسبب ما يتميز به الاستشراق من هيمنة «نزعة المركزية الأوروبية في العلوم الاجتماعية والإنسانية» (ص 17). هنا يطرح المؤلف سؤالًا مهمًا: لماذا استُبعد مفكر اجتماعي مثل ابن خلدون من الدراسة الجادة لتاريخ علم الاجتماع أو النظرية الاجتماعية أو علم الاجتماع التاريخي؟ ولماذا وقع هذا التهميش؟
يرد المؤلف بأنه كان ينظر إلى ابن خلدون «على أفضل تقدير على أنه من إرهاصات علم الاجتماع، لكنه ليس عالم اجتماع في نفسه. لذلك فإن عمله في التاريخ وتفصيله لعلم المجتمعات (علم العمران)، الذي جعله شرطًا لدراسة التاريخ، نادرًا ما تمتّع بالنظر الجادّ واعتباره أساسًا لعلم اجتماع خلدوني حديث» (ص 18-19).
ويؤكد المؤلف نقطة مهمة، وهي أن «أفكاره ما زالت باقية» لكنها «تعرضت لنوع من الاستيلاء والمصادرة أدى إلى تهميش رتبته إلى حدّ ما في علم الاجتماع المعاصر» (ص 19). كما تم تهميشه في العالمين العربي والإسلامي، بفعل أنظمة التعليم المنتشرة في العالم الإسلامي، المنقولة عن الموجودة في الغرب، وتحمل معها روح المركزية الغربية ومشكلاتها، إضافة إلى «نزعة اغتراب المركزية الأوروبية في العالم الإسلامي عن التراث الإسلامي وكتاباته» (ص 19).
وبرغم حضور ذكر ابن خلدون، لكن الأمر الغائب هو «التطبيق النظري لنظرية ابن خلدون عن تكوين الدولة على المواقف والحالات التاريخية التطبيقية» (ص 20)، ويرجع المؤلف ذلك إلى حضور المركزية الغربية في العلوم الاجتماعية، التي «تقف عائقًا أمام اعتبار المصادر غير الأوروبية في النظريات والمفاهيم»، واستنادًا إلى هذا «يعد فكر ابن خلدون هامشيًا في العلوم الاجتماعية الحديثة»، وبالرغم من أنه «مشهور وكثيرًا ما يذكر في مجالات الدراسة التي لها صلة بها» لكن «شاعت اللامبالاة العميقة أو الإهمال التام للتطبيق النظري لأفكاره» (ص 20).
هذا التطبيق الذي يدعو إليه المؤلف «شرط لتطوير نظرية خلدونية عامة في علم الاجتماع» (ص 32)، وهي نظرية يمكنها «أن تمتد لتشمل مناطق وسياقات تقع خارج الاهتمام المباشر لابن خلدون» (ص 32-33).
في الفصل الأول: «أخطاء التاريخ والعلم الجديد: مقدمة إلى مقدمة ابن خلدون». في هذا الفصل تناول المؤلف مقدمة ابن خلدون وإشكالات التاريخ التي أسست علم الاجتماع الخلدوني (ص 37)، ورأى أن تصور ابن خلدون للعلم الجديد للاجتماع البشري يتألف من عدة مجالات فرعية هي فصول كتاب المقدمة. لكن الاهتمام الجوهري لابن خلدون في مقدمته وتاريخه كان منصبًّا على شرح تكوين الدول، وكان تركيزه على «الاختلافات الجوهرية في التنظيم الاجتماعي بين المجتمعات الرعوية والبدوية والمجتمعات الحضرية المستقرة» و«من الأمور المركزية في فهم هذه الاختلافات مفهوم العصبية»، الذي يترجم إلى ما يدل على «الشعور بالتضامن الاجتماعي والالتحام المجتمعي» (ص 52). التي يراد بها «الشعور بالتضامن بين افراد المجموعة، الصادر من معرفتهم بأنهم يشتركون في النسب.. ليس النسب هو الاعتبار الوحيد في العصبية»، بل تشير إلى روابط النسب والقرابة، والدين الذي يحقق الالتحام الاجتماعي (كالإسلام)، والقوة التي يمتلكها الزعيم (ص 54).
في الفصل الثاني: «نظرية ابن خلدون عن تكوين الدولة» يؤكد المؤلف أن أصالة ابن خلدون لم تكن في الواقع في المستوى المعرفي، فإن ابن خلدون لم يتجاوز استعمال الأساليب والحجج المعروفة والمعلومة جيدًا للفلاسفة المسلمين والمتكلمين والفقهاء. لكن «أصالته تكمن في تطبيقه لهذه الأساليب على نقد علم التاريخ في عصره، وتوليده لعلم جديد أراد تطبيقه على دراسة التاريخ»، وفي نظرية تكوين الدولة، وفي التفاعل والصراع الدوري بين العمران البدوي والعمران الحضري، والعوامل التي تؤدي إلى بناء مجتمع حضري مستقر وتتيح إمكان الحكم وإقامة الملك، وتتسبب أيضًا في إضعاف العصبية وضعف الملك، وأخيرًا سقوط الدولة (ص 63-66).
ويرى المؤلف أن المعنى الذي يريده ابن خلدون من العصبية هو الشعور بقضية واحدة ومصير مشترك، وتكون روابط الولاء الجماعي قائمة – إلى حد كبير- على صلات الدم والرحم، وإن لم تكن منحصرة فيها. لهذا لاحظ ابن خلدون أن العصبية تقوم على ثلاثة أنواع من العلاقات والروابط، هي: الالتحام بالنسب وصلة الرحم، والولاء، والحلف (ص 67-68).
أما موقع الدين في نظرية ابن خلدون، فيرى المؤلف بناء على ابن خلدون أن الدين يزيد الدولة قوة على قوة العصبية التي لديها؛ وذلك لأن الدين يخلق حماسة تمكن أهل العصبية من تجاوز التنافس والحسد. وتلهمهم وجهة واحدة. كما أن الدين وإن كان قويًا لا يتم من غير عصبية، إذا أريد أن يكون له دور في تأسيس الدولة. وبالنسبة إلى العرب كان الدين شرطًا ضروريًا لهم للحصول على الملك وتأسيس الدولة (ص 76-77).
غير أن المؤلف ينبه إلى صلة الاقتصاد بالسياسة في النظر الخلدوني، فهناك علاقة بين السياسة والاقتصاد في نظرية ابن خلدون عن نشأة الدول وانحطاطها؛ فانحطاط الدول ليس ظاهرة اجتماعية-نفسية فقط تقتصر على تلاشي العصبية وتراجعها، بل تتفاعل مصالح الثروة مع وظائف الدولة على نحو خاص بطور انحطاط الدولة وتدهورها (ص 78). ومن نقطة الاقتصاد يرى المؤلف أن هناك حاجة إلى تطبيق نظرية ابن خلدون، فابن خلدون «ورثنا نموذجًا قد يكون بمثابة النقطة المرجعية الأساسية لدراسة المجتمع، وربما يكون بديلًا عن النماذج الأوروبية والأمريكية»، وهذا يتطلب منا موقفًا يمكننا بموجبه «أن نحرر ابن خلدون من زمنه»، ودمج أفكاره وتصوراته في أفكار العلوم الاجتماعية الحديثة وتصوراتها. وهذا يتطلب أن «نميّز بين المقولات العامة التي وضعها ابن خلدون، من تلك التي طبّقها على تاريخ المغرب خاصة» (ص 82-83).
في الفصل الثالث: «ابن خلدون وعلم الاجتماع الحديث: تقليد لم يكتمل»، تحدث المؤلف عن الاعتراف الواسع بإسهام بابن خلدون، ووجود أتباع له في الفكر الإسلامي. لكن التقليد الخلدوني في علم العمران البشري أو العلوم الاجتماعية لم يتطور قط. وكانت العقبة هي نزعة المركزية الأوروبية التي أدت إلى عرقلة وضع رؤية نظرية خلدونية في التيار السائد لعلم الاجتماع.
كما فشل مشروع «أسلمة العلوم والمعارف» في تطوير المنظور الخلدوني منهجيًا ليصبح نموذجًا لعلم اجتماع بديل مؤسس على التراث الإسلامي (ص 86).
ويرى المؤلف أن نزعة المركزية الأوروبية يمكن فهمها «في العلوم الاجتماعية على أنها تقييم للحضارات الأوروبية وغير الأوروبية من وجهة نظر أوروبية جازمة» (ص 98). وهي «ما يؤسس ويستخدم المفاهيم المستمدة من التقاليد الفلسفية الأوروبية والخطاب الشعبي الأوروبي، وما يتم تطبيقه على الدراسة العملية للتاريخ والاقتصاد والمجتمع… ثم يختار المجال التطبيقي للتحقيق وفقًا لمعايير الاهتمام الأوروبية… ونتيجة لذلك، يستند بناء أي جانب معيّن من الواقع التاريخي أو الاجتماعي على المقولات والمفاهيم الأوروبية… ومصالحها المادية والمعنوية. وفي ذلك عجز عن تقديم وجهة نظر الآخر» (ص 98).
تتسم نزعة المركزية الأوروبية بميزات أربع؛ الأولى ثنائية الذات والموضوع: فالأوروبي هو الذات العالمة، أو هو راوي القصة وبطلها، أما غير الأوروبيين فيظلون موضوعات سلبية لا نسمع لها صوتًا. والثانية أن الأوروبيين في الصدارة: فالتركيز على وضع الأوروبيين في الصدارة والمقدمة، بدلًا من اللقاءات الحضارية مع غير الأوروبيين. والثالثة أن الأوروبيين هم المبتكرون: ينظر على الأوروبيين دائمًا على أنهم مبتكرون؛ ونتيجة لذلك يقِلُّ أو ينعدم اعتبار الأصول الثقافية المتعددة لعدد من جوانب حضارتنا الحديثة. والرابعة هيمنة المقولات والمفاهيم الأوروبية؛ الإصرار على دراسة الإسلام والعرب من طريق تطبيق المقولات الأوروبية الغربية… بسبب مغالطة النزعة المركزية الأوروبية في أن الطبيعة العالمية للعلوم والتكنولوجيا الأوروبية تعني أن كل ما هو أوروبي كان عالميًا أيضًا (ص 100).
أما موقع ابن خلدون في مناهج العلوم الاجتماعية، فقد سرت عليه «سمات نزعة المركزية الأوروبية»، فلم يكن ذاتًا دارسة بل كان موضوعًا مدروسًا، وفي أهميته التاريخية فقط، وكان هامشيًا وكان المفكرون الأوروبيون في الصدارة، ولم ينظر إليه نظرة المبتكر حيث «الأوروبيون هم المبتكرون». مع وجود استثناءات قليلة. لكنها هامشية بالنسبة إلى التيار السائد في تدريس العلوم الاجتماعية (ص 102-105).
وعَدّ المؤلف طرح فكرة «العلوم الاجتماعية الإسلامية» رد فعل على نزعة المركزية الأوروبية، ورأى أنه مشروع أسلمة المعرفة ما زال يعاني «من تصور غامض في ما يتعلق بالعلوم الاجتماعية، كما لا يزال عرضة لاتهامات الأهلانية nativism» (ص 115).
والنزعة التي أصيبت بها «أسلمة المعرفة» من ميزاتها رفض العلوم الاجتماعية ذات الأصل الغربي، والنقد السطحي والضحل للتقاليد النظرية الغربية، وإهمال المشكلات المختلفة الموجودة بالفعل في العلوم الاجتماعية المعاصرة، وعدم الاهتمام بالتقاليد الإسلامية الكلاسيكية، بوصفها مصدرًا وإلهامًا لعلوم اجتماعية وثيقة الصلة بالعالم الإسلامي. ويخلص المؤلف في الأخير إلى أنه «لأسباب متنوعة، لا يعد ما يسمى بالعلوم الاجتماعية المؤسلمة بديلًا عن الخطاب الحداثي الذي يدعي أنه كذلك، كما لم يعر أنصار هذا التوجه في الواقع اهتمامًا كبيرًا لابن خلدون» (ص 124).
في الفصل الرابع: «قراءات فكر ابن خلدون وتطبيقاته فيما قبل العصر الحديث». يناقش هذا الفصل مكانية وجود قراءات وتطبيقات لعمل ابن خلدون لا تحمل «نزعة المركزية الغربية» ولا تقع في «النزعة الأهلانية». ويرى أن القراءة التي لا تحمل نزعة المركزية الغربية هي «القراءة التي تجعل أعمال ابن خلدون مصدرًا للنظريات، مع إمكانية التطبيق على الحالات التاريخية، فلا يستبعد ابن خلدون ليصبح مجرّد موضوع للدراسة، بل تصبح رؤيته النظرية وسيلة للنظر في التطور التاريخي والمعاصر للدول» (ص 127). وهذا ما يجعلها نقضًا لهيمنة المقولات والمفاهيم الأوروبية.
وفي هذا السياق، يرى أن الاعمال التي يمكن القول بأنها تطبيقات شارحة لابن خلدون تنقسم إلى قسمين واسعين؛ تلك التي ألفها علماء عاشوا في الأزمنة والأماكن التي لم تتأثر بالعلوم الاجتماعية الحديثة، وهي تميل أن تكون أعمالًا وصفية لنظرية ابن خلدون، إضافة إلى طبيعتها المعيارية. وتلك التي كتبها العلماء والباحثون في سياق ما بعد الاستعمار، وهي وضعية وتحليلية، وهي تطبيقات لنظرية ابن خلدون على الحالات التاريخية والمعاصرة لنشأة الدول. وما يهم من القسمين هو «التطبيقات التحليلية – لا الوصفية التقريرية ولا المعيارية للإطار النظري الذي وضعه ابن خلدون على الحالات التاريخية والمعاصرة للإصلاح ولتكوين الدولة» (ص 143).
في الفصل الخامس: «نظرية خلدونية للإصلاح الإسلامي»، ينظر المؤلف إلى أعمال ابن خلدون بوصفها من المصادر النظرية المهمة لدراسة الإحياء الإسلامي. ويقدم نظرية ابن خلدون عن تكوين الدولة بوصفها نظرية للإحياء الإسلامي، تقوم على فكرة تغيير المنكر، ويقدم الملاحظات حول أهمية هذه النظرية لدراسة الإحياء الإسلامي. ويعيب العطاس على هذا التهميش لابن خلدون، لأن الإطار النظري للمقدمة لم ينظر إليه في الجملة على أنه تنظير لظاهرة الإحياء الإسلامي (ص 145-146).
غير أن العطاس ينتقد سكوت ابن خلدون عن الجوانب الاقتصادية السياسية التي لها علاقة بطبيعة النظام الاقتصادي. ففي حين أن فكرة القوى السياسية موجودة في نظرية ابن خلدون، فليس في أعماله ذكر لطبيعة الاقتصاد أو أنواع الاقتصاد التي تتفاعل مع التغيير السياسي. هنا يرى المؤلف أنه ينبغي إدخال فكرة أنماط الإنتاج في نظرية ابن خلدون، وهو ما سيقربنا بعض الشيء من تطوير علم اجتماع تاريخي خلدوني عام (ص 156-157).
وتوظيفًا لفكر أنماط الإنتاج، ذكر المؤلف وجوه المعاش التي ذكرها ابن خلدون في زمانه، ثم نظر إليها من منظور أنماط الإنتاج في علم الاجتماع الحديث؛ نمط الإنتاج الآسيوي، ونمط الإنتاج الإقطاعي، ونمط الإنتاج الرعوي، ونمط الإنتاج السلعي البسيط. واستنتج منها القوى الخلدونية المحركة لنشأة الدولة المغربية من منظور أنماط الإنتاج (ص 166-171).
وبحسب العطاس فإن أهمية النموذج الخلدوني تكمن في الدروس العامة المستفادة من نظرية ابن خلدون للإصلاح الإسلامي ونشأة الدولة. وتكمن نقطة الضعف في نموذج ابن خلدون في أنه يعالج التغيرات في التدين والعصبية من دون تفصيل للسياق الاقتصادي والسياسي الذي تقع فيه تلك التغيرات؛ وذلك لأن تراجع العصبية وضعف التدين يحدثان في المجتمع الحضري وفقًا للنموذج الخلدوني، ولكن عوامل ذلك التدهور وأسبابه العامة لا تقتصر على حياة المدينة وترفها، بل كانت طبيعة الاقتصاد السياسي الحضري تجعل أنماط الإنتاج الثلاثة – نمط الإنتاج الآسيوي، والنمط القائم على إقطاع المنفعة، والنمط السلعي البسيط، تقدم سياقات مختلفة، أدت إلى تغيرات في العصبية والتديّن. ولكن ذلك النظام الاقتصادي السياسي لم يصفه أو يصوّره نموذج ابن خلدون (ص 176).
في الفصل السادس: «ابن خلدون وأنماط الإنتاج العثمانية»، عمل على إدخال فكرة أنماط الإنتاج في النموذج الخلدوني، وناقش الجمع بين النظرية الخلدونية لنشأة الدولة وبين مقارنة أنماط الإنتاج، مع الرجوع تحديدًا إلى التاريخ العثماني (ص 177). وطرح المؤلف سؤالين: مسألة العوامل التي تفسر ظهور الإمبراطورية العثمانية ونموها، ودور الإسلام في نشأة الدولة العثمانية وتطورها.
وفي سياق النموذج الخلدوني المطبق على الدولة العثمانية، يلاحظ العطاس كيف أن توحيد العصبية بين القبائل التركية كوّن القوة العسكرية وراء قيام الدولة العثمانية، لكنه ينبه أيضًا إلى كيفية اعتماد نجاح الدولة العثمانية على أنماط إنتاج متنوعة ليست جميعها قابلة للاختزال في نمط الإنتاج الآسيوي، التي أشاعها كارل ماركس واحتضنها الكثير من المؤرخين الماركسيين.
ورأى أن ما يحتاج إلى تفسير إذًا هو سبب عدم تعرض العثمانيين لمصير الدورة الخلدونية. وللإجابة عن هذا السؤال: يرى أنه من الضروري التركيز على العنصر الناقص في المعالجة السابقة. فالذي ينقصها هو سياق الاقتصاد السياسي. والتساؤل: كيف يمكن إعادة صوغ الرواية الخلدونية لصعود الدولة العثمانية، لتأخذ في الحسبان الاقتصاد السياسي العثماني، ولا سيما أنماط الإنتاج التي ميزت المجتمع العثماني؟ وسيتيح لنا توافر سياق الاقتصاد السياسي أن نفسر عوامل التغيير التي ميزت الدولة العثمانية في حقبة التكوين، والوسائل التي تجنبت بها مصير الدورة الخلدونية (ص 177-213).
في الفصل السابع: «صعود الدولة الصفوية وسقوطها في الإطار الخلدوني». يقرن هذا الفصل بين النظرية الخلدونية ومقاربة أنماط الإنتاج، في ما يخص صعود الدولة الصفوية وسقوطها في إيران ما قبل العصر الحديث. ويقدم تاريخ الدولة الصفوية مادة تطبيقية لدراسة التفاعل بين أنماط الإنتاج في سياق عوامل التغيير الخلدونية. ويناقش الفصل نظرية ابن خلدون في قيام الدولة الصفوية. وعرض للاقتصاد الصفوي وأنماط الإنتاج فيه. ثم يناقش سقوط الدولة الصفوية؛ والمقاربات الحالية لسقوطها، ويقدم البديل الخلدوني (ص 215).
يقدم العطاس نظرة شاملة معتمدةً النظرية الخلدونية، ويعيد النظر في دورة صعود الصفويين وسقوطهم برؤية جديدة، ليس أقلها عن الدور المميز للطبوغرافيا في الهضبة الإيرانية الذي جعل المركزية أكثر صعوبة مما كانت عليه في الحالة العثمانية. كما اشتغل المؤلف في هذا الفصل على إقامة الحجة على قوة النظرية الخلدونية عن تكوين الدولة عند تطبيقها على طبيعة الاقتصاد السياسي أو أنماط الإنتاج لإيران الصفوية. وقد أشار إلى طريق للجمع بين إطار أنماط الإنتاج ونظرية ابن خلدون عن تكوين الدولة. وكان مجال التطبيق هو التاريخ الإيراني (ص 215-248).
في الفصل الثامن: «تطبيق النظرية الخلدونية على الدول العربية الحديثة: السعودية وسورية». يواجه العطاس موضوعًا تطبيقيًا يراه من أكثر جوانب تطوير علم الاجتماع الخلدوني تحديًا، هو مجال تطبيق النظرية على الدولة الحديثة. فاستخدام ابن خلدون لا يقتصر على ادعاء أنه رائد العلوم الاجتماعية الحديثة أو أن أعماله قابلة للتطبيق في دراسة صعود دول ما قبل العصر الحديث وسقوطها. من هنا فالتحدي هو كيف أن إطار ابن خلدون يقدم بديلًا لنظريات الدولة الحديثة المعاصرة. ومن المهم ملاحظة أنه على الرغم من المناقشات التي جرت حول وجهات النظر المختلفة عن الدولة الحديثة في ما يتعلق بالدول العربية، لم تكن هناك محاولات إدخال ابن خلدون في تلك المناقشات. ثم يتناول العطاس تطبيق النموذج الخلدوني على الدول العربية الحديثة، ويقصر تحليله على السعودية وسورية (ص 251).
في ما يتعلق بصعود الدولة السعودية (ص 252 – 258) يلاحظ المؤلف أنه لا توجد مؤلفات تقريبًا تسعى إلى تفسير صعود الدولة السعودية بالمصطلحات الخلدونية، ومن الاستثناءات القليلة، ما قام به الفيلسوف الإسباني أورتيغا أي غاست، وكذلك غسان سلامة. ورأى العطاس أن النموذج الخلدوني يفسر صعود الدولة السعودية، أما تفسير إمكان السقوط، فقد ذكر ما قام به بيتر تورشين، من إعادة بناء نسخة من نظرية ابن خلدون عن الدولة، لقياس إمكان ذلك. والسبب في ذلك وجود النفط الذي مكّن السعوديين من الاستغناء عن القوة العسكرية القبلية، فتجنبوا مصير الدورة الخلدونية. ورأى أن الانهيار – إن حدث – لن يكون في الواقع بسبب محركات تكوين الدولة الموصوفة في النموذج الخلدوني؛ أولًا: لأن الانهيار لم يقع بسبب مجيء قبائل ذات عصبية أقوى. وثانيًا: لأنه لا يوجد بيت جديد يمكنه التنافس على السلطة الملكية. وعليه فإن نظرية ابن خلدون تفسر صعود الدولة السعودية، لكنها لا تفسر تراجعها، فالسعوديون – مثل العثمانيين – تمكّنوا من كسر الدورة الخلدونية. وإذا وقع الانهيار فإنه سيكون غير خلدوني (ص252-262).
أما العصبية العلوية ومستقبل سورية (ص262)، فقد كانت سورية محور تركيز لبعض العلماء المهتمين بتطبيق الإطار الخلدوني، أكثر من الدول العربية الأخرى. وفقًا لنموذج ابن خلدون، وسعى حافظ الأسد بعد وصوله إلى السلطة في عام 1970 إلى بسط سيطرته على الطائفة العلوية. فاستبعد بعض زعماء العصبيات الثانوية، لأنهم كان لديهم علاقات وثيقة خارج الطائفة مع السنّة في دمشق. وهذا يشير إلى استمرار المخطط الخلدوني للعصبية الغالبة ذات الأصل القبلي في المدينة.
وكانت شرعية النظام مستمدة من التبشير بالتقدمية العربية. فكان على الدولة البعثية السورية أن تبرر وجودها من طريق ادعائها الدفاع عن شرف الأمة العربية في وجه العدوان الصهيوني والإمبريالي. كما تخلّت الدولة عن الواجهة المدنية لعلاقاتها مع المجتمع، أو ما يصفه ابن خلدون بالملك السياسي (أي حمل العامة على مقتضى المصلحة العامة)، وفضّلت الملك الطبيعي أو الغاشم، أي فرض السلطة من طريق العنف المجرد. ولم تكن العصبية العلوية قائمة على الانتماء القبلي إلى العلويين فحسب، بل على دين الطائفة العلوية، والعقيدة البعثية الموضوعة فوق ذلك. وما جعل الدولة السورية متماسكة هو عصبية المؤسسة العسكرية، التي تألفت من جماعة قرابة. وما له دلالة كبيرة وجودة وحدة خاصة لحماية الطائفة العلوية، وهي المجموعة التي تمثل العصبية الغالبة في الدولة.
وتفسيرًا لمسارات السقوط، وبحسب النموذج الخلدوني، يبدأ الحكام في الاعتماد على الموالي بدلًا من قبيلتهم. وقد ثبت ذلك في الجيل الثاني من الدولة الأسدية، عندما بدأ النظام يعتمد على القوى الخارجية، مثل إيران وحزب الله وحماس والجماعات الأخرى، بدلًا من العلويين. لكن يلاحظ العطاس حدوث تناقض مثير للاهتمام. إذ يبدو أن دعم العلويين لنظام الأسد قد ازداد في الآونة الأخيرة، عندما كان يعتقد ان النظام في خطر. بسبب شعور الطائفة العلوية بعدم الأمان. كما كان العلويون يخشون أيضًا من الانتقام من طائفتهم إذا سقط نظام الأسد. فهذا الخوف من الانتقام، لا العصبية الحقيقية، هو الذي يفسر استمرار الدعم العلوي لنظام الأسد. لهذا يتساءل العطاس: ما الاحتمالات الممكنة في سورية؟ وما النتيجة الراجحة للانتفاضة الحالية؟
ويجيب أن أحد تلك الاحتمالات هو بقاء النظام، إذا نجح في تحقيق إصلاحات اقتصادية وسياسية، واستمال الأغلبية السنية. أو قد يكسر الدورة الخلدونية ويستمر لمدة أطول، إذا كانت القوى الخارجية تكفي للسماح بذلك. وتتوقف قدرة النظام على البقاء إلى حد كبير على نجاحه في إدارة التوترات بين الأغلبية السنية والأقلية العلوية. والاحتمال الاخر أن العلويين سيسحبون دعمهم للنظام وتنهار الدولة الأسدية وتستولي الأغلبية السنية على الدولة. وفي حين أن العصبية القائمة على القرابة والرحم ربما كانت أكثر أهمية بالنسبة إلى حافظ وبشار الأسد، فقد تصبح العصبية القائمة على أساس التحالف هي المهيمنة في الدولة العلوية لما بعد نظام الأسد. وهذا احتمال واقعي، في ضوء استمرار سيطرة العلويين على الاقتصاد السوري. ويرى المؤلف أن الطريقة التي ستؤول إليها هذه الاتجاهات المتعارضة ستحدد إلى أي درجة ستظل العصبية والالتحام الجماعي وبقاء المجموعة الحاكمة على حالها من دون مساس (ص 262-272).
يمثل الفصل التاسع «نحو علم اجتماع خلدوني للدولة» خلاصة الخلاصة في هذا الكتاب، إذ يؤكد المؤلف أنه مهما كان ابن خلدون أصليًا في أفكاره، فقد كتب وألّف قبل سبعة قرون، وقد وقعت الكثير من التطورات النظرية والعملية في العلوم الاجتماعية، ولا سيما في القرنين الماضيين. لذلك فإن صوغ علم اجتماع خلدوني حديث تتطلب استيعاب المفاهيم والنظريات من العلوم الاجتماعية الحديثة وإدخالها في نظريته. لكن لم يقم بهذه المهمة إلا القليل (ص 278).
من هنا، لا بد من المحاولات المنهجية لدمج نظريته في مناهج العلوم الاجتماعية الحديثة. فعلم الاجتماع الخلدوني هو علم اجتماع تاريخي لتكوين الدول، وهو قابل للتطبيق على مجموعة واسعة من المجتمعات، أي كل المجتمعات التي كان فيها التضامن القائم على القرابة أمرًا مهمًا في تكوين الدولة. لكن النهج الخلدوني يجب أن يستوعب المفاهيم والنظريات من علم الاجتماع الحديث والعلوم الاجتماعية الأخرى (ص 279).
يعدّ الوصف الخلدوني لصعود الدول وسقوطها وصفًا اجتماعيًا بلا شك. والمفهوم المركزي لديه – أي العصبية- هو أيضًا مفهوم اجتماعي؛ لأنه يشير إلى نوع من التماسك الاجتماعي القائم على العلم بالقرابة أو النسب المشترك. لكن تفسير ابن خلدون للكيفيات التي بموجبها تتلاشى العصبية وتحرم الدولة من مصدر سلطتها يأتي من دون أي ذكر لنمط تنظيم الحياة الاقتصادية. لذلك فنظريته تفتقر إلى فكرة النظام الاقتصادي. فالنموذج الخلدوني يفتقر إلى مفهوم الاقتصاد، ومقاربات أنماط الإنتاج الموجودة حاليًا في علم الاجتماع الحديث، ستستفيد من النظر في العلاقة بين أنماط الإنتاج وبين عوامل التغيير في النظام من حيث نظرية ابن خلدون عن تكوين الدولة (ص 279-281).
أما الأصالة التي يأتي بها النهج الخلدوني فهي التركيز على وحدة التحليل، التي تشمل مجموعة من العلاقات الاجتماعية التي تعدّ مركزية في ظهور الدول ذات الأصل البدوي؛ أي تلك العلاقات الخاصة بالمجتمعات البدوية والحضرية. وهذا يتجاوز الربط المعتاد بين الحضارات والشعوب المستقرة المنظمة حول الدول ذات الحدود الثابتة. ويلاحظ المؤلف أن الدراسات السابقة، التي طبقت النموذج الخلدوني، لم تسع منهجيًا إلى إدخال النماذج الأخرى في النهج الخلدوني.
من جهة أخرى، يؤكد المؤلف أن الممارسة التطبيقية لابن خلدون في هذا الكتاب لها آثارها في النظرية الخلدونية من وجهين: أن التطبيقات الواردة سابقًا تقدم تفسيرات بديلة للظواهر الاجتماعية، بمعنى أنها تقترح طرقًا جديدة لتنظيم البيانات المعروفة، إضافة إلى طرحها أسئلة جديدة حول حقائق التاريخ والمجتمع. ولها آثار في الاتجاه الآخر، أي في النظرية الخلدونية أيضًا؛ وذلك لأن أحداث التاريخ والمجتمع وظروفهما، التي تطبق النظرية الخلدونية عليها، تساعد على تطوير النظرية وتدقيقها (ص 282-288).
وعليه يشير ابن العطاس إلى أهمية إدراج ابن خلدون في مناهج علم الاجتماع الدراسية، وذلك باتباع منهج متعدد الثقافات في تدريس علم الاجتماع، والاحتفاء بالتنوع الثقافي في العلوم الاجتماعية وإظهار أثر ثلاثة موضوعات على الأقل في تدريس العلوم الاجتماعية، هي: اللقاءات بين الحضارات، والأصول الثقافية المتعددة للحداثة، والمجموعة الواسعة من الرؤى ووجهات النظر. فإذا أدخلت تلك الموضوعات في تدريس العلوم الاجتماعية، فسوف يكشف التركيز على اللقاءات بين الحضارات عن درجة استعارة المفكرين الأوروبيين والأمريكيين من المصادر غير الغربية. وسيؤدي بيان الأصول الثقافية المتعددة للحداثة، أو للعلوم الاجتماعية الحديثة بوصفها جانبًا من جوانب الحداثة – إلى تسليط الضوء على الإسهامات والمصادر غير الغربية للفكر الحديث. وسيعني النظر الجاد في وجهات النظر المختلفة في أثناء تدريس العلوم الاجتماعية الانفتاح على إمكان وجود نظريات ومفاهيم ذات أصول غير غربية (ص 289-291).
في الفصل العاشر: «ملاحظات ببليوغرافية وقراءات أخرى» يورد المؤلف ببليوغرافية وصفية لعدد من الدراسات التي تسهم في التعرف إلى الدراسات الخلدونية، ولمن يرغب في تطوير مقاربة علمية اجتماعية عن ابن خلدون. ويختم الكتاب بقائمة مراجع تحتوي على عدد كبير من المصادر والمراجع اعتمدها المؤلف في كتابه (ص 317-351).
ثانيًا: ملحوظات نقدية
إن العرض التحليلي الذي أوردنا لكتاب العطاس يمكِّننا من تسجيل مجموعة من الملحوظات عن هذا العمل المهم في تناول المنظور الخلدوني في دراسة قيام وسقوط الدول وتفعيل منظوره ومفاهيمه وتحويله إلى نموذج تفسيري لحالات تاريخية وحديثة، مع استدعاء النموذج الخلدوني استدعاءً يحيي التقاليد الخلدونية ويعمل على تطوير النموذج بما يؤهله ليكون نموذجًا حديثًا قابلًا للتطبيق، والقيام بترطيب إبداعي من هذا النموذج ومع ما توصلت إليه العلوم الاجتماعية الحديثة بطريقة نقدية منفتحة تتجاوز الاحتفاء بابن خلدون، كما تتجاوز عقبة «نزعة المركزية الأوروبية» وضبابية أطروحات الأهلانية التي مثلت ردود فعل في كثير منها أكثر من كونها مقاربات نقدية تطويرية تعتمد التحليل والبناء. وهذا ما يجعل من ابن خلدون ونموذجه ذاتًا دارسة لا موضوعًا للدراسة، ويفتح النموذج الخلدوني للتطوير والاستدراك، ويتحول إلى مدرسة كما هو شأن مدرسة دوركايم وفيبر وماركس وغيرهم من رواد علم الاجتماع الحديث.
ومن الملحوظات التي يمكن تسجيلها:
1 – موضوع الكتاب
يقدم هذا الكتاب إعادة بناء نقدية لنظرية ابن خلدون، ولا سيما وصفها نظرية للدولة، والإصلاح الديني من ناحية، وتطبيقها على عدد من الحالات التاريخية والحديثة، من ناحية أخرى. وهذه في الحقيقة مهمة عسيرة. ذلك أن دراسة شخصية مثل ابن خلدون بوصفه موضوعًا ومؤسسًا ومصدرًا لنظريات يمكن تطبيقها على القضايا الحالية وفي مجالات العلوم الاجتماعية الحديثة من خلال تجاوز تعريفات ومحددات وأوصاف معينة عنه ليست مهمة سهلة. وهي مهمة هذا الكتاب المميز في بابه.
2 – تهميش ابن خلدون في العلوم
الاجتماعية الحديثة
يقدم المؤلف نقدًا مهمًا لنزعة المركزية الأوروبية، والجهل بابن خلدون وتهميشه في العلوم الاجتماعية، رغم الاحتفاء به. وينتقد المؤلف أيضًا نزعة الأهلانية/الأصلانية (إسلامية المعرفة) بوصفها نقيض نزعة المركزية الأوروبية الإشكالية، ويعدّها تمجيدًا أجوَف لابن خلدون. وما ذهب إليه العطاس من تهميش لابن خلدون في العلوم الاجتماعية الحديثة بسبب نزعة المركزية الأوروبية، يؤيده ما ذهب إليه ستيفن دايل، بأن العلماء الغربيين تعاملوا مع المقدمة بوصفها إنتاجًا غريبًا لثقافة غريبة، بدلًا من وصفها علامة فارقة في تقليد فكري ربط الإغريق بالمسلمين والأوروبيين في ثقافة فلسفية مشتركة[2]. وعلى الرغم من إعجاب العلماء بـ المقدمة، لم يتم استيعابها في التيار الرئيسي للحياة العلمية الغربية[3].
ويكمن التهميش في الحقيقة في جعل ابن خلدون «موضوعًا للدراسة» لا «ذاتًا دارسة». لهذا تم ذكر ابن خلدون كثيرًا والإشادة به وبفكره وبأنه مؤسس لعلوم اجتماعية كثيرة، وأنه رائد من رواد الفكر الاجتماعي الإنساني، ولكن لم يتم توظيف النموذج الخلدوني أو تطبيقه تطبيقًا علميًا تحليليًا وضعيًا في العلوم الاجتماعية الحديثة، إلا استثناءات قليلة. لهذا لم يتحوَّل ما قدمه ابن خلدون إلى مدرسة تتطور وتتوسع وتطبق على دراسة حالات تاريخية أو حديثة.
ولعل هذه فكرة شديدة الأهمية، لتجاوز تهميش ابن خلدون وغيره من رواد الفكر والعلم في تراثنا العربي الإسلامي، والسعي إلى بعث التقاليد العلمية لهم، ولكن في إطار نقدي تحليلي، لا بصورة معيارية تمدحهم وتكتفي بالنظر إليهم بوصفهم موضوعًا للدراسة، من دون استدعاء للمنظور والأدوات والمفاهيم استدعاءً نقديًا.
3 – نقد مشروع الأسلمة
بالرغم من أهمية الملحوظة التي قدمها العطاس عن المشاريع الأهلانية/الأصلانية، ومن بينهما مشروع «إسلامية المعرفة»، فإنه اختزل نقده للمشروع بطريقة توحي بأنه «مشروع لاهوت جديد»، لا جهدًا نقديًا للمعرفة المعاصرة وتحيزاتها في رؤيتها الوجودية وفي مناهجها وفي تطبيقاتها، كما يعترف هو نفسه، وسمَّاها نزعة المركزية الغربية القائمة على تقديم ما هو أوروبي على أنه عالمي، وتجاهل إسهامات غير الأوروبيين.
ولكن ما ينبغي الإشادة به أن نقده في ذروة الأهمية، من حيث إن جل المنجز الذي قدمه مشروع أسلمة المعرفة في دراسة ابن خلدون لا يعدو أن يكون إشادة بابن خلدون أكثر من اتخاذه «ذاتًا دارسة»، وكان التناول معياريًا في كثير منه من دون تحليل عميق للنموذج الخلدوني ومفاهيمه ولا محاولة تطبيقه تطبيقًا يحيي التقليد الخلدوني، ويطوره، ويطبقه على واقعنا اليوم.
كما يفيدنا هذا النقد الذي قدمه العطاس لمشروع أسلمة المعرفة، بأهمية تجاوز ردود الفعل التي تميَّز بها الفكر العربي الإسلامي في مدارسه المتعددة الإسلامية والقومية واليسارية والليبرالية تجاه المعرفة المعاصرة، والانتقال إلى مستوى التحليل النقدي المنفتح، الذي يدرج الإسهام العربي الإسلامي؛ تراثيًا كان أم حديثًا، في سياق العلوم الاجتماعية المعاصرة، ويحدث التكامل بينهما، بما يسد الفجوة المعرفية والمنهجية في كلا السياقين الحضاريين.
4 – جوهر الكتاب: تطبيق على الحالات التاريخية والحديثة
وما يمكن قوله في العمل الجوهري الذي ينطوي عليه الكتاب، هو أنه لم يكتفِ بالحديث النظري عن النموذج الخلدوني، بل عمل على تطبيق النظرية الخلدونية على أربع حالات: حالتان تاريخيتان (الدولة العثمانية والدولة الصفوية)، وحالتان حديثتان (الدولة السعودية والدولة السورية). الأمر الذي ساعد الباحث على اكتشاف الفجوات التي لا يستطيع النموذج الخلدوني تغطيتها وتفسيرها، بسبب الفجوة الزمنية بين المنتج الخلدوني وبين معطيات الواقع المعاصر، إضافة إلى التطور الذي حصل في العلوم الاجتماعية الحديثة وتطوير أدوات لدراسة الحالات التي يمكن تطبيق ابن خلدون عليها.
وهذا ساعد على إدراك الأبعاد التي ينبغي استكمالها، ليكون نموذج ابن خلدون في دراسة صعود الدول وقيامها قابلًا للتطبيق في عصرنا.
5 – استكمال العصبية بنمط الإنتاج
لتفسير الصعود والسقوط
إن تحليل العصبية الخلدونية، يعطينا معناها الواسع الذي صاغه ابن خلدون، المتمثل بـالقرابة والنسب، والولاء، والحلف، ثم محاولة تطبيقها في تحليل صعود وسقوط الحالات الأربع (العثمانية والصفوية، والسعودية والسورية)، بيّن للمؤلف أن النظرية الخلدونية تفتقد بعدًا مهمًا يفسر صعود وسقوط هذه الحالات، وهو ما ينبغي استكماله من طريق ما توصلت إليه العلوم الاجتماعية الحديثة، وهو «نمط الإنتاج» المعبر عن الاقتصاد السياسي. واستفاد المؤلف من النظرية الماركسية وعلم اجتماع ماكس فيبر.
فبالرغم من أن ابن خلدون ذكر أنواع المعاش وتحدث عن الجانب الاقتصادي، فهو لم يعط هذا البعد الاقتصادي حقه من التفصيل والتحديد في كيفية إسهامه في صعود الدول وسقوطها، ولم يبيّنه ولم يوظفه بطريقة تحوله إلى نموذج كامل يسند نظرية العصبية.
6 – العامل الخارجي
في تحليل العطاس لمرحلة احتمال انهيار الدولة السعودية والدولة السورية، لاحظ المؤلف حضور العامل الخارجي، الذي يؤخر تحقق الدورة الخلدونية، ويمنع تفسيرها لانهيار الدولتين. بل حتى لو حدث انهيار فإنه لن يكون خلدونيًا، في حالة الدولة السعودية. بسبب العامل الخارجي/الأمريكي، وبسبب الفائض النفطي. أما الدولة السورية فإن النظرية الخلدونية تصلح لتفسيرها، غير أن الواقع يثبت تضامن العلويين بعد ثورة الربيع العربي مع نظام الرئيس الأسد، ليس بسبب القرابة والعصبية، ولكن بسبب الخوف من الانتقام منهم. وما زال الأمر لم يحسم. وعليه، لا يمكن الجزم بمدى تفسير النظرية الخلدونية لسقوط الدولة السورية رغم تفسيرها لصعودها.
وهذا عامل مهم (العامل الخارجي)، ربما لم يخطر ببال ابن خلدون في عصره وعند كتابته المقدمة. ولعل سبب ذلك أن تأثير العامل الخارجي لم يكن ذا بال في عصره عند تكوّن الدول وصعودها، وعند سقوطها وانهيارها. كما أنه يمكن تفسير غياب البعد الخارجي في النموذج الخلدوني، بأنه دراسة صعود الدول وقيامها في المجال العربي الإسلامي، والمغاربي تحديدًا، حيث لم يكن هناك تهديد خارجي للدول التي نشأت حينذاك، كما أن النظام الدولي الليبرالي المهيمن اليوم لم يكن موجودًا في زمن ابن خلدون.
لهذا فإن استحضار هذا البعد عند دراسة التغيرات في الدول من منظور خلدوني أمر شديد الأهمية، ويمثل تطويرًا للنموذج الخلدوني، وتحديثًا له وتوسيعًا، لا يؤدي إلى هدم النموذج الخلدوني بقدر ما يحوله إلى مدرسة قابلة للتطوير والإضافة انطلاقًا من أن النموذج الخلدوني به فيه التوسع والتطوير.
7 – النظرية الخلدونية للدولة وفي
علم الاجتماع
إن فكرة نظرية خلدونية للدولة في علم الاجتماع الحديث على درجة كبيرة الأهمية. حيث يعيد العطاس النظر في نظرية ابن خلدون في تكوين الدولة، بافتراض أن المشروع الخلدوني هو في الأساس علم اجتماع تاريخي لتكوين الدولة، ولذلك هو فيه قابلية أن ينطبق على مجموعة واسعة من الحالات، بما في ذلك: شمال أفريقيا، وغرب ووسط آسيا، وشمال الهند، وحتى الصين والغرب الأمريكي.
بعبارة أخرى، يمكن استخدام فكر ابن خلدون لتحليل «المجتمعات التي كانت فيها المجموعات التضامنية القائمة على القرابة مهمة في تكوين الدولة» بشرط أن تكملها بعض المفاهيم والنظريات من علم الاجتماع الحديث. وبالرغم من أن النموذج الخلدوني ينطبق بسهولة على الحالات ما قبل الحديثة، فإنه يسعفنا في تأسيس علم اجتماع تاريخي خلدوني، لأن منظور ابن خلدون والمفاهيم المركزية مثل «العصبية» هي بالتأكيد اجتماعية لأنها تتخذ المجموعات الاجتماعية كنقاط محورية لها، ومع ذلك، فإن نموذجه الذي «يفتقر إلى مفهوم النظام الاقتصادي» بمعناه الحديث، يتيح نوعًا من التكامل بين المنظور الخلدوني وبين علم الاجتماع الحديث، إذ إن النظر إلى ابن خلدون بوصفه «ذاتًا دارسة» سيجعل الوعي بمنظوره ومفاهيمه وأدواته حاضرة في التحليل والدراسة الاجتماعية الحديثة، فيجعل علم اجتماع الدولة الحديثة يكسب الكثير من المنظور الخلدوني. وتساهم هذه التطبيقات المنهجية لنموذج ابن خلدون في الدراسات حول هذه الحالات التاريخية والمعاصرة من خلال تقديم تفسيرات بديلة أو أكثر ثراءً للظواهر الاجتماعية. كما تسهم هذه المفاهيم الحديثة في خدمة الدراسات الخلدونية من خلال المساعدة في صقل النظرية الخلدونية نفسها وتطويرها.
ومن هذه الجهة يقترح العطاس بصورة مقنعة ليس فقط إثراء النظرية من خلال إدخال الكثير من المفاهيم والحجج من العلوم الاجتماعية الحديثة، بل يقدم أيضًا تكاملًا نظريًا للخلدونية جنبًا إلى جنب مع بعض المناهج الحديثة. وهذا يسهم في إظهار حدود كل من الفهم المركزي الأوروبي وغير الأوروبي للنظرية الاجتماعية وعلم الاجتماع التاريخي، وبالتالي تسليط الضوء على الأصول متعددة الثقافات لعلم الاجتماع. من هنا فإن مقترحه تدريس علم الاجتماع بطريقة جديدة تدرج علماء غير غربيين فيه، سيكشف عن الأصول غير الغربية المساهمة في الحداثة، واكتشاف مستمدات غير غربية في أعمال كثير من المنظرين الغربيين في العلوم الاجتماعية، يعدّ هذا المقترح دعوة إلى مثاقفة معرفية عميقة في الخلفيات النظرية للعلوم الاجتماعية الحديثة، وهو ما يؤدي على توسيع أفقها ويخرجها من تحيزاتها الغربية.
8 – بعض السلبيات
على الرغم من نجاح الكتاب بوجه عام في تقديم أطروحته في تطبيق ابن خلدون، فإنه يتضمن بعض المشكلات. فقد يجد القارئ أن الأسلوب المتكرر للمؤلف يجعل من الصعب التركيز. كما تتكرر بعض الحجج والمعلومات عدة مرات (أحيانًا في العبارة نفسها)، ولا سيما في حالة تلخيص نموذج ابن خلدون العام (مثل الفصل 1 و2 و9)، وانتقاد المركزية الأوروبية، ومناقشة أنماط الإنتاج المختلفة. وكذلك انتقاده علماء الاجتماع بعدم تطبيق ابن خلدون بينما اعتمد دراساتهم على نحو مكثف، كما كان من الممكن دمج الفصول على نحو أفضل بعضها مع بعض ومع الحجة العامة للكتاب.
لعل ذلك راجع إلى أن الكتاب في أصله الإنكليزي هو تجميع لمقالات كتبها العطاس في مناسبات متعددة، تناول فيها ابن خلدون ونموذجه ونظريته في الدولة، وحاول من خلال تلك المقالات تفسير قيام بعض الدول وسقوطها؛ كالدولتين العثمانية والصفوية، وحديثًا محاولة تحليل صعود وإمكانات سقوط الدولة السعودية والدولة السورية من منظور ابن خلدون. لهذا كان هناك تكرار في بعض الفصول وتكرار لبعض النصوص، كان من الممكن تفاديها.
9 – فائدة الكتاب
عمومًا، الكتاب مفيد جدًا، ويمثل تطبيقًا جيدًا لنظرية اجتماعية تطورت قبل عصر الحداثة على الكثير من الحالات التاريخية والحديثة، وتحقيق التكامل النظري لنماذج تاريخية وحديثة في العلوم الاجتماعية، وهو أمر نادر الحدوث في كل من الدراسات الخلدونية وعلم الاجتماع بعامة. لذلك، سيكون هذا الكتاب موضع اهتمام الباحثين الخبراء والطلبة والقراء المهتمين بإعادة بناء النظرية الخلدونية بما يؤهلها لتفسير حالات حديثة نعيشها اليوم.
المصادر:
نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 536 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
[1]بدران بن لحسن: أستاذ مشارك باحث، مركز ابن خلدون، جامعة قطر.
[2] Stephen F. Dale, The Orange Trees of Marrakesh: Ibn Khaldun and the Science of Man (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2015), p. 261.
[3] Justin Kerns and Clarke Iakovakis, review of «Stephen F. Dale, The Orange Trees of Marrakesh: Ibn Khaldun and the Science of Man (Harvard University Press, 2015),» Maydan (Abu Sulayman Center for Global Islamic Studies, George Mason University), 10 April 2018. http://rb.gy/yq94c> (Retrieved on 16 October 2022).
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



