المؤلف: ستيف سيمون
مراجعة: ثناء فؤاد عبد الله
الناشر: New York: Penguin
سنة النشر: 2023
عدد الصفحات: 478
يسعى الكاتب سعيًا حثيثًا، على مدى فصول كتاب ستيفن سايمون الذي نحن في صدده، لاستكشاف سلسلة من «أخطاء الخلل الوظيفي» لدى صناع القرار في الولايات المتحدة منذ أربعة عقود، وذلك في ما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط. يختار سايمون منذ البداية تعريف قارئ الكتاب بالفكرة الأساسية لديه ابتداءً من عنوان الكتاب وهو الوهم الكبير: صعود وسقوط الطموح الأمريكي في الشرق الأوسط.
أولًا: التعريف ومنهجية الكتاب
يبلغ عدد صفحات الكتاب في نسخته المعروضة 478 صفحة، ويتضمن مقدمة وثمانية فصول، حيث يعنوَن كل فصل باسم رئيس أمريكي، وهكذا جاءت عناوين الفصول كالآتي: جيمي كارتر، رونالد ريغان، جورج دبليو بوش، ويليام كلينتون، جورج دبليو بوش، باراك أوباما، دونالد ترامب، جوزيف بايدن. وقد عرض المؤلف أفكاره من خلال تحليل تاريخي متسلسل للأحداث، مستخدمًا الكثير من الوقائع والنماذج التي اختارها لعرض أطروحته، وبأسلوب سردي مبسط إلى حد بعيد.
استخدم المؤلف منهاجية «تحليل السياسة الخارجية» التي طرحها كل من ريتشارد سنايدر وجيمس روزينو وهارولد ومارغريت سبروت. تتمحور هذه المنهاجية أساسًا حول «صناعة القرار»: في السياسة الخارجية: في سبيل التأثير في الدول الأخرى. ويجري تطبيق هذه المنهاجية ضمن مجموعة من المقاربات النظرية، منها التحليلات المقارنة، والأحداث والدوائر المحيطة بصانع القرار، وصولًا إلى البيئة الاجتماعية والتنظيمية والسلوكية التي تؤثر في عملية اتخاذ القرار، وبما يحدد: في النهاية سلوكيات الدولة ونتائج القرارات.
ثانيًا: حول النماذج الرئاسية
يأخذ سايمون قارئ الكتاب: في رحلة عبر ثماني إدارات أمريكية تبدأ منذ إدارة جيمي كارتر (1977 – 1981) إلى إدارة بايدن 2021 الحالية. ولأن الكاتب يصوب عينيه أساسًا على «صانع القرار»، ودائرة صنّاع القرارات، فإنه سعى إلى حد كبير إلى رسم صورة مقربة للخصائص الشخصية والاجتماعية وحتى النفسية لكل رئيس أمريكي: في القائمة المحددة لديه، إضافة إلى أهم توجهاته السياسية. ففي حالة الرئيس كارتر مثلًا، فهو رئيس ليبرالي، وتقليدي نسبيًا: في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، ويقترب خطابه العام من التوجهات الدينية والأخلاقية، وهو ويلسوني الطابع (نسبة إلى وودور ويلسون) وراديكالي في ما يتعلق بالحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي، ويستخدم مسألة حقوق الإنسان كمعيار: في عملية صناعة السياسة الخارجية، ويقال إنه هو الذي أعد المسرح الفعلي للتلامس المباشر بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط. غير أن النموذج الذي يمثله كارتر لم تكن نهايته مرضية، فقد انشغل أكثر من اللازم بواقعة كامب دايفيد، واتفاق «السلام» بين مصر وإسرائيل في عام 1979، وفشلت استخباراته في توقع الغزو السوفياتي لأفغانستان، وسقوط شاه إيران بعد الثورة الإسلامية، الأمر الذي جعل إدارة كارتر تحصل على تقدير ضعيف (ص 25).
وعلى هذا المنوال، أدار سايمون رحلته بنجاح بين الرؤساء الأمريكيين، مع التركيز على سمة أو واقعة محددة تميز إدارة كل رئيس بالنظر إلى سياسته الخارجية في الشرق الأوسط. فالرئيس ريغان (1981 – 1989) هو جمهوري يحظى شعبيًا بتصنيف إيجابي، واتسمت سياسته بالتصعيدين السياسي والعسكري (ووصف منظمة التحرير الفلسطينية منظمة إرهابية، وضرب طرابلس وبنغازي في عام 1986، ورأى الدفاع عن إسرائيل يجسد القيم الأمريكية) (ص 40 – 43).
أما الرئاستان اللتان رأى سايمون أنهما يمثلان المحور الاستراتيجي للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط فهما رئاسة جورج بوش الأب وجورج بوش الإبن، فهما - من وجهة نظره – جسّدا بكل وضوح النهج التدخل العسكري للولايات المتحدة، بوصفه النهج الرئيسي للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط (حرب الخليج الثانية، وغزو أفغانستان والعراق).
وعلى الضد من هذا التوجه، ووفقًا لتحليل سايمون، فإن إدارة باراك أوباما (2009 – 2017)، وإدارة دونالد ترامب (2017 – 2021) اعتزما عدم التوغل في حروب طويلة في الشرق الأوسط. وفي ذلك يقول سايمون «على الرغم من اختلاف أوباما عن ترامب: في المزاج، والقيم، والقدرات الذهنية، فإنهما تشاركا في الإحساس بعدم منفعة الارتباط الأمريكى الوثيق بالشرق الأوسط، وبخاصة على الصعيد العسكري (ص 342). ثم يجمل سايمون تحليلاته للنماذج الرئاسية بأن الرؤساء بيل كلينتون، وجورج دبليو بوش الإبن، وباراك أوباما، ودونالد ترامب، تسلم كل منهم الرئاسة وفي نيته «إذلال» إيران (ص 341).
ثالثًا: القضايا الرئيسية
طرح المنظر الكبير جوزيف ناي منذ سنوات سؤالًا مهمًا هو: هل الأخلاق مهمة في السياسة الخارجية؟ وبالرغم من الجدل الكبير حول هذه المسألة، التي دفعت البعض إلى القول إنه لا مكان للأخلاق: في العلاقات الدولية، فقد ظهر إجماع على أن مسألة الحرب هي أبشع ما يمكن أن يسيء ويدمر السياسة بين الأمم. ونرى أنه على خلفية هذا الفهم، جاء كتاب الوهم الكبير ليثير التساؤلات حول الاعتقاد الذي يسود دوائر مهمة في الإدارات الأمريكية بأن أهداف الولايات المتحدة ومصالحها في الشرق الأوسط، تتحقق من خلال التطبيق الدقيق والمباشر للقوة العسكرية. ويبدو أن الكاتب قد توصل إلى أن هذا الاعتقاد يسود، إلى حد بعيد أغلبية صناع القرار في مختلف أجهزة إعداد السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وبخاصة أن سايمون نفسه كان شريكًا مباشرًا لهذه الجماعات من خلال شغله عدة مناصب في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية، فكان قريبًا من فكر دوائر السلطة، ومن ثم، فالكتاب – بصورة ما – يعدّ جزءًا من المسيرة المهنية للمؤلف نفسه.
وفي محاولة سايمون للتدليل على أطروحته: في الكتاب، فقد تطرق إلى مناقشة أحداث كبرى ورئيسية جسدت نوعية رد فعل السياسة الأمريكية على الخضم الهائل لتطورات منطقة الشرق الوسط، من ذلك: الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 1982، ونشر الولايات المتحدة القوات البحرية الأمريكية في بيروت (1983)، ودور إسرائيل في مذبحة صبرا وشاتيلا في 16 أيلول/سبتمبر 1982، ومحاولة الرئيس ريغان اغتيال الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، وقرار الرئيس باراك أوباما التدخل العسكري في ليبيا في عام 2011، وقرار جورج بوش الأب تحرير الكويت في عام 1991، وقرار بوش الإبن غزو العراق في عام 2003، وقرار الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران الذي أنجزه الرئيس أوباما في 2015، كما ربط سايمون بين هذه الأحداث، وحالة الفشل الأمريكي في فيتنام. وفي رأي المؤلف أن السياسة الخارجية الأمريكية، وتصرفات الإدارات الأمريكية في الشرق الأوسط كانت ذا دلالة على سلسلة طويلة من الأخطاء، والوهم الكبير، وسوء الفهم الفادح، والأخطاء المروعة التي خلفت الكثير من الموت والدمار والضحايا على نطاق تاريخي (ص 2). وفي ثنايا تحليله يُرجع المؤلف هذه الحصيلة البائسة إلى أن الدوائر السياسية الأمريكية لا تتعامل مع مشكلات وتطورات المنطقة بناء على فهم واقعي سليم، لذلك ظلت هذه السياسة ضحية الأفكار المضللة، والتحليل السيئ، والجهل بحقائق الواقع.
وفي الوقت نفسه، يدور المحور العام للكتاب على تأكيد الأهمية التي توليها الإدارات الأمريكية المتعاقبة تاريخيًا لمنطقة الشرق الأوسط ضمن الاستراتيجية الأمريكية الشاملة ومصالح الأمن القومي الأمريكي على وجه الخصوص. وفي ذلك يستنتج سايمون أنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية فإن «الهدف الأسمى للولايات المتحدة في الشرق الأوسط يظل هو تأمين وجود دولتين أساسيتين هما: إسرائيل، والسعودية» (ص 406). فقد بدأت القصة الأمريكية بمقولة فرانكلين روزفلت للسفير البريطاني في 8 آب/أغسطس 1944 «النفط الفارسي لكم – ونتشارك: في نفط العراق والكويت – أما نفط السعودية فهو لنا».
رابعًا: هل كان يمكن تجنب الكارثة؟
خصص سايمون القدر الأعظم من النقاش والتحليل الموسع في كتابه حول الغزو الأمريكي للعراق: في العام 2003، بوصفه من أخطر القرارات التي أدت إلى نتائج كارثية وسلبية على مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وقد جاء ذلك بالدرجة الأولى نتيجة ميل السياسيين الأمريكيين إلى «خداع الذات»، وعدم القدرة على تحديد رؤية واقعية للأمور، ومن ثم، فالمشكلة فكرية إلى حد بعيد. وفي رؤيته، يعود المؤلف إلى حرب عام 1991، مشيرًا إلى أنه كان من الأفضل للرئيس بوش الأب بعد هذه الحرب أن يتفق مع صدام حسين للقبول بالتعاون مع مفتشي الأسلحة، ومن ثم كانت الولايات المتحدة ستحقق مصالحها في الشرق الأوسط بصورة أفضل. ولكن سايمون يعود للقول إن أيًا من دول الخليج، لم يكن لديها القدرة على تحدي الدولتين الكبيرتين العراق وإيران، وبناء على ذلك تحتم على الولايات المتحدة أن تكون هي الدولة المسؤولة عسكريًا لحفظ التوازن العام الإقليمي في منطقة الخليج (ص 170).
ويوجه سايمون نقده الشديد إلى الإدارات الأمريكية التي أصدرت القرار للعمل على تغيير النظام في العراق، وكل النتائج التي ترتبت على ذلك، وفي طليعتها المكاسب التي حققتها إيران سياسيًا واستراتيجيًا. ويضيف، أن رد فعل إدارة الرئيس بوش الإبن على أحداث هجمات 11 سبتمبر، وغزو العراق «كان فريدًا في نوعه» ومدفوعًا «بقادة حمقى، وأفكار كبيرة منفصلة عن الواقع الدنيوي، وفشل كارثي للدفاعات الأمريكية، وادعاءات كاذبة حول دور عراقي مفترض في الهجمات» (ص 416).
إن من يقرأ كتاب الوهم الكبير ربما يتصور أن المؤلف يهاجم السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وبخاصة أنه يستخدم عبارات وتوصيفات مهينة تجاه نخبة صناعة القرارات الأمريكيين تراوح بين اللاواقعية، والجهل، وخداع الذات، وضيق الأفق، والحماقة؛ غير أن الاسترسال مع أفكار الكاتب تجعلنا نكتشف أنه يسعى للتصحيح، ودق جرس إنذار لتدارك الأخطاء، والسعي للحصول على ما هو أفضل للمصالح الأمريكية: في الشرق الأوسط. الأكثر من ذلك، أن المؤلف يرسم في كتابه صورة «مثالية» للولايات المتحدة (نراها أبعد ما تكون عن الواقع الحقيقي). فالمؤلف يقول إنه سُئل إذا كان يرى الولايات المتحدة غير كفوءة، أو قاسية أو أنانية أو أنها موصومة بعيوب أخلاقية أو فكرية أخرى. ويقول ستيفن سايمون إن إجابته عن ذلك كانت غير قاطعة. فالولايات المتحدة في رأيه تتمتع بقدر وافر من «الرفقة»، وتتفوق بأشواط على القوى الإمبريالية الأخرى التي مارست العدوان على المناطق المهزومة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا والمحيط الهادي. ثم يقارن المؤلف بين الولايات المتحدة والنماذج الاستعمارية الأخرى: البريطانيون والفرنسيون والبرتغاليون والهولنديون والبلجيكيون والألمان والروس واليابانيون والأتراك، فكل هؤلاء هم استعماريون أكثر عنفًا وطمعًا وجشعًا من الولايات المتحدة كما يرى مؤلف الوهم الكبير.
أما القضية الأخرى التي يمنحها الكتاب أهمية تالية فهي ملابسات الموقف الأمريكي تجاه الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وهي المسألة التي احتلت أهمية كبيرة لدى الإدارات الأمريكية، سعيًا وراء الوصول إلى «السلام» في الشرق الأوسط. وهذا «السلام» قد تحقق، من وجهة النظر الأمريكية، بعد أن تم التوصل إلى معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في عام 1979. غير أنه بعد إنجاز هذه المهمة، يرى الكاتب أن مسألة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي لم تعد تحتل الاهتمام الاستراتيجي لدى الإدارات الأمريكية كما كان في السابق، (ص 201)، الأمر الذي نفهم منه كم كان مؤثرًا وخطيرًا إخراج مصر من ساحة المواجهة إزاء القضية الفلسطينية. غير أن سايمون يفصح عن آرائه بصورة أكثر وضوحًا بطرح سؤال محدد هو: هل كانت معاهدة السلام مع مصر، التي شغلت إدارة كارتر بصورة كبيرة، وزائدة على الحد، بهذه الأهمية لجهة المصالح الاستراتيجية الأمريكية؟ وهنا يتبدى النهج التصحيحي الذي يتبناه الكتاب. ووفقًا لذلك يرى سايمون أن انشغال كارتر بمسألة معاهدة السلام مع مصر، واهتمامه الكبير بذلك، صرف انتباهه وتسبب: في عدم متابعة الولايات المتحدة لما كان يجري في الساحة الإيرانية آنذاك من أحداث وتطورات مهمة، أدت إلى سقوط شاه إيران، الذي كان أحد أعمدة دعم المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.
وتطرق كتاب الوهم الكبير، في سياق ذلك، إلى بحث تطورات عدة محطات لفصول الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، ومنها: عملية أوسلو للسلام، وتطورات قمة كامب دايفيد الثانية في عام 2000. ويمكن أن نعدّ أن من مميزات هذا الكتاب طرحه السؤال الأهم وهو: لماذا تقاعست الولايات المتحدة عن تحقيق خطوات فاعلة في سبيل حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي؟ وهو سؤال يوحي للقارئ أن الكاتب يعتقد أن واشنطن كانت بالفعل مؤهلة لتحقيق إنجاز ونقلة نوعية في هذا الصدد، وأن تدفع إلى حل هذا الصراع، ولكن لأسباب نعرفها جميعًا، لم تقدم على ذلك.
عند هذا المستوى من التحليل، توصل سايمون إلى أن «الداخل الأمريكي» هو سبب الفشل الأمريكي في حل الصراع. وحول مدى تعقد العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية يقول سايمون «مهما كان حجم النفوذ الذي تمارسه إسرائيل في واشنطن، فإنه لن تقوم أي إدارة أمريكية بإخضاع المصلحة الاستراتيجية الأمريكية الحقيقية للأولويات الإسرائيلية المتضاربة» (ص 138). هناك إذًا الكثير من التوافق حول تأثير الداخل الأمريكي لأنه هو الذي يحدد «مساحة الحركة المتاحة» لأي رئيس أمريكي من أجل اتخاذ موقف أو قرار ما تجاه الحليف الإسرائيلي. فعندما اتخذ الرئيس باراك أوباما موقفًا معتدلًا نسبيًا في عام 2011، مشيرًا إلى أن المسألة الفلسطينية – الإسرائيلية يجب أن ترتكز على حدود عام 1967، واجه عاصفة رادعة انطلاقًا من الداخل الأمريكي (ص 352). وزيادة في توضيح تعقد العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية، يشير سايمون إلى حالة «التوتر الصعب» بين الرئيس أوباما ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو بأن «نتنياهو كان يحتقر أوباما» ص 281. وكان يمكن للمؤلف أن يتوسع حول «خلفيات وزوايا العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية»، ومدى إمكان إعادة النظر في ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية. وكما يتضح، فقد دمج الكاتب الفشل الأمريكي في حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ضمن الفشل الكبير للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، على الرغم من الموارد الهائلة والزمن الطويل الذي خصصته واشنطن في هذا الصدد.
خامسًا: المسألة الإيرانية
مثلت المسألة الإيرانية صداعًا لعدة إدارات أمريكية، وبخاصة لجهة المخاوف الأمريكية من مخاطر البرنامج النووي الإيراني الذي يهدد أمن إسرائيل والخليج العربي. ولكن ستيفن سايمون يطرح نقاشًا حول اتخاذ إدارة ترامب القرار باغتيال القائد الإيراني قاسم سليماني في 27 كانون الأول/ديسمبر 2019. وكان ترامب قد أعلن في أيار/مايو 2018 انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي الإيراني، وجدد فرض عقوبات قوية على إيران. ويرى سايمون أن القرار باغتيال سليماني لم يجعل الولايات المتحدة تفلح في دور «البطل» في منطقة الخليج، وكانت مخاطر القرار عالية، فهل أرادت الولايات المتحدة شن حرب على إيران؟ (ص 350).
ويتصل بالمسألة الإيرانية الاتجاه السعودي القوي للحصول على التكنولوجيا النووية، وتتنافس عدة شركات أمريكية وروسية وصينية وكورية جنوبية على بناء مفاعل نووي في السعودية (ص 368). أما أقوى نتيجة يمكن أن تترتب على الدفع لتنفيذ اتفاقات أبراهام وتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل فهي دفع إيران للإسراع في تنفيذ برنامجها النووي. ولا يغفل سايمون العلاقة بين صهر ترامب كوشنر والسعودية التي أدت إلى «تشابك المصالح السعودية مع المصالح المالية لعائلة ترامب» (ص 369).
سادسًا: لحظة الرئيس بايدن
نشرت وكالة أسوشيتدبرس في 16 تموز/يوليو 2022 مقولة بايدن «لن نذهب بعيدًا ونترك الفراغ لتملأه الصين وروسيا وإيران» (ص 372). وبينما استشعرت إدارة بايدن أن الموقف العام في الشرق الأوسط أصبح ممهدًا لاستعادة الدور الأمريكي القوي، والمضي قدمًا في دمج إسرائيل على الصعيدين الاستراتيجي والاقتصادي في الشرق الأوسط والخليج العربي، وأن المنطقة أصبحت تتقبل الوجود الإسرائيلي بصورة كبيرة، إذا بمكر التاريخ ينفجر في وجه الجميع بأحداث طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، لتنقلب جميع الحسابات رأسًا على عقب، وهذا ما لم يذكره سايمون الذي صدر كتابه قبل ستة أشهر من الطوفان.
سابعًا: مغزى الكتاب
نجح كتاب الوهم الكبير في تسليط الضوء على أخطر «مثالب» عملية صناعة قرارات السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وحقق عدة خطوات على طريق سبر أغوار الكثير من ملامح النظام السياسي (الرئاسي) الأمريكي، ونوعية الثقافة السياسية التي تسند عملية صناعة قرارات السياسة الخارجية، ولكن ستيفن سايمون أحجم عن التوسع في النقاش الموضوعي العقلاني في صدد مدى أخلاقية أهداف السياسة الخارجية الأمريكية: في الشرق الأوسط. ويقول سايمون «لحسن الحظ فإن عصر أمريكا: في الشرق الأوسط يقترب من نهايته، وربما ليس في وقت قريب جدًا (ص 412).
المصادر:
نشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 548 في تشرين الأول/أكتوبر 2024.
ثناء فؤاد عبد الله: باحثة في الاقتصاد والعلوم السياسية – مصر.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.


