مقدمة

في ضوء المشهد العالمي الراهن، الذي لا يزال مضبوعًا بحتمية السعي وراء القوة والمصلحة الوطنية، تُعد منطقة الشرق الأوسط، بنسيجها الجيوستراتيجي المتشابك وتاريخها الحافل بالنزاعات، ساحة رئيسية ومتجددة لفرض الحضور وترسيخ النفوذ والهيمنة. وفي قلب هذه الديناميات، تبرز تجارة الأسلحة، لا كنشاط اقتصادي ذي مردودية عالية فقط، بل كوسيلة ورافعة استراتيجية جوهرية توظفها القوى الكبرى، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأمريكية، لإقامة التحالفات، وتوجيه السياسات، والحفاظ على توازنات قوى إقليمية تخدم مصالحها. من هذا المنطلق، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل أبعاد الهيمنة الأمريكية على سوق السلاح في الشرق الأوسط، وتفكيك المحددات والدوافع الاستراتيجية الكامنة وراءها.

تُستمد القيمة العلمية لهذه الدراسة من حيوية موضوعها وراهنيته، إذ إن فهم آليات الهيمنة الأمريكية في قطاع التسلح يُعد أمرًا بالغ الأهمية لتفسير بقاء النفوذ الأمريكي في المنطقة. ففي الوقت الذي تتصاعد الأصوات الأكاديمية التي تتحدث عن تآكل الهيمنة الأمريكية في المجالات الاقتصادية والدبلوماسية، تأتي هذه الدراسة لتختبر فرضية مغايرة؛ وهي أن قطاع التسلح لا يزال يمثل «معقلًا صلبًا» (Hard Bastion) لهذه الهيمنة، وأن واشنطن تعوِّض تراجعها في مجالات أخرى عبر تكثيف نفوذها في هذا القطاع الاستراتيجي‏[1].

يطرح هذا التفوق الواضح، في ظل نظام عالمي متعدد الأقطاب قيد التكوّن، تساؤلات ملحة حول كيفية توظيفه للحفاظ على المكانة الأمريكية.

تهدف الدراسة أساسًا إلى تحليل الدوافع المتعددة (اقتصادية، سياسية، جيوستراتيجية) التي تمثل سياسة تصدير الأسلحة الأمريكية إلى الشرق الأوسط. كما تسعى إلى رصد وتوثيق حجم وأهمية عقود التسلح التي تربط واشنطن بحلفائها التقليديين في المنطقة، وتقييم كيفية استخدام هذه العقود كأداة لتعزيز النفوذ، وتأمين المصالح، وإدارة التوازنات الإقليمية.

لتحقيق هذه الأهداف، يطرح التساؤل البحثي الآتي: ما الدوافع الاستراتيجية الكامنة وراء الهيمنة الأمريكية على سوق السلاح في الشرق الأوسط، وكيف تتجلى هذه الهيمنة من خلال دراسة حالة حلفاء واشنطن الرئيسيين في المنطقة؟

تنطلق الدراسة من فرضية مركبة مفادها أن مبيعات الأسلحة الأمريكية ليست مجرد أداة في السياسة الخارجية، بل هي آلية بنيوية تخلق علاقات تبعية طويلة الأمد مع الدول المتلقية، وأن هذه التبعية لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد لتشمل مواءمة المواقف السياسية، وهو ما يضمن استمرارية النفوذ الأمريكي حتى في ظل التحديات الجيوسياسية المتغيرة.

تعتمد الدراسة في تحليلها على منهج وصفي – تحليلي، يستند إلى جمع وتحليل البيانات والمعلومات من مصادر متنوعة تشمل التقارير الرسمية الصادرة عن معاهد أبحاث السلام الدولية مثل معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، والدراسات الأكاديمية المتخصصة. كما أن العدسة النظرية التي سيتم من خلالها تناول الموضوع هي النظرية الواقعية في العلاقات الدولية، لفهم ديناميات التنافس على النفوذ وسعي الدول لتعظيم أمنها ومصالحها. وإلى جانب العدسة الواقعية التي تفسر دوافع الهيمنة، ستتم الاستعانة بمفاهيم مستقاة من نظرية التبعية (Dependency Theory)‏[2] لفهم كيف أن العلاقات التسليحية غير المتكافئة بين «المركز» (الولايات المتحدة) و«الأطراف» (بلدان المنطقة) تكرس علاقات بنيوية من التبعية الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية، وهو ما يحدّ من هامش المناورة لدى الدول المتلقية.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 568 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 568 حزيران/يونيو 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 568 في حزيران/يونيو 2026.

جواد القسمي:

دكتور في الدراسات السياسية والقانون العام، أستاذ زائر في
كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، فاس – المغرب.

[1] يجادل زكريا بأن السمة المميزة للعصر الحالي ليست تراجع أمريكا، بل هي «صعود البقية»، وهو ما يتحدى جوهريًّا الهيمنة الأمريكية عبر مجالات مختلفة. انظر: Fareed Zakaria, The Post-American World (New York: W. W. Norton and Company, 2008).

[2] في حين لا تتبنى هذه الدراسة النظرية برمَّتها، فإنها تستعير المفهوم الجوهري للعلاقات غير المتكافئة (Asymmetric Relationships) كما حلّلها منظّرون مثل ثيوتونيو دوس سانتوس. انظر: Theotonio Dos Santos, «The Structure of Dependence,» The American Economic Review, vol. 60, no. 2 (1970), pp. 231-236.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز