مقدمة

يعَدُّ المغرب العربي من أبرز الأقاليم التي تمتاز بتجانسها الثقافي والحضاري العميق، إذ تتقاسم شعوبه مقومات الهوية الواحدة من لغةٍ ودينٍ وتاريخٍ مشتركٍ يمتدّ عبر قرون من التفاعل والتبادل. ورغم هذا القرب الإنساني والوجداني بين مكوّناته، فقد ظل الواقع السياسي يشهد تباينًا واضحًا بين حكوماته، وهو ما أفرز مفارقة لافتة للنظر بين وحدة الشعوب وتفرّق السياسات. يعكس هذا التباين غياب مشروع وحدوي فعّال قادر على تحويل الروابط التاريخية إلى تكامل واقعي؛ كما يُثير تساؤلات حول العوامل التي حالت دون تحقيق حلم الاتحاد المغاربي رغم توافر كل مقومات النجاح.

تحتل دول المغرب العربي موقعًا «استراتيجيًا مهمًّا إذ تطل على البحر الأبيض المتوسط من جهة، وعلى المحيط الأطلسي من جهة أخرى، إضافة إلى مصادرها ومواردها الطبيعية. تمتاز بلدان المغرب العربي أيضًا بتنوّعها الطبيعي والبشري الذي جعل منها فضاءً غنيًّا بالتجارب التاريخية والحضارية؛ فالصحراء الكبرى في الجنوب، والسواحل المتوسطية والأطلسية في الشمال. والجبال الممتدة بين الأطلس الكبير والصغير تؤلف لوحة جغرافية متكاملة أفرزت تنوّعًا في أنماط العيش والعلاقات الاجتماعية. وقد ساهم هذا التنوّع في بناء ثقافة مشتركة تتسم بالانفتاح والتفاعل المستمرين بين المكونات الأمازيغية والعربية والأفريقية والمتوسطية، لتُنتج هوية مغاربية متعدّدة الجذور وموحّدة في الجوهر. ومع ذلك، ظلّ هذا الثراء الثقافي غير مستثمر على النحو الكافي في بناء مشروع تنموي مشترك، إذ تظلّ التحديات الاقتصادية والسياسية تعيق تحقيق التكامل المنشود الذي تطمح إليه شعوب المنطقة منذ عقود.

كما أنّ الرهانات المطروحة اليوم لم تعد محصورة في الجوانب السياسية فحسب، بل امتدّت لتشمل قضايا التنمية المستدامة والأمن الغذائي والمائي والتحوّل الطاقي، وهي تحديات لا يمكن أي دولة مغاربية أن تواجهها بمعزل عن الأخرى. «فالتكامل الاقتصادي يمكن أن يمثِّل رافعة حقيقية للنهوض الجماعي، إذا ما تمّ استثمار المقومات المشتركة من موارد طبيعية، وموقع جغرافي متميّز، وطاقات بشرية شابة»‏[1]. ومن شأن بناء سوق مغاربية موحّدة أن يفتح آفاقًا واسعة للتنمية والتنافسية على المستويين الإقليمي والعالمي. لذلك، فإنّ إحياء المشروع المغاربي لا يُعدّ مجرد خيار سياسي، بل هو ضرورة استراتيجية لضمان مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا لشعوب المنطقة.

أثبت التاريخ أنّ وحدة المصير بين شعوب المغرب العربي لم تكن مجرّد شعار عاطفي أو حلم سياسي عابر، بل هي امتداد طبيعي لتاريخ طويل من التفاعل الحضاري والمقاومة المشتركة في وجه التحديات الخارجية. فالعلاقات بين شعوبه لم تُبنَ على الحدود السياسية الحديثة، بل على وشائج اجتماعية وثقافية وروحية عميقة، جعلت من الفضاء المغاربي نسيجًا موحّدًا رغم تعدّد لهجاته ومذاهبه ومجتمعاته المحلية. هذا التلاحم انعكس على الموروث الثقافي المشترك، وفي تقاطعات الذاكرة الجماعية التي تحفظ روايات واحدة عن النضال، والانتماء، والكرامة.
ومع ذلك، «فإنّ المشروع الوحدوي ظلّ أسيرًا لتوازنات ظرفية ومصالح ضيّقة حالت دون تحوّل الهوية المغاربية من فكرة رمزية إلى بنية سياسية واقتصادية قائمة بذاتها»‏[2]. هنا يتعمّق السؤال المحوري لهذه المقالة: كيف يمكن تجاوز البُعد العاطفي للوحدة المغاربية نحو مشروع عملي يستوعب اختلافات الأنظمة وتباين الأولويات، ويعيد صوغ العلاقة بين الدولة والمجتمع في أفق تكامل حقيقي يضمن الازدهار والاستقرار المشترك؟

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 569 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 569 تموز/يوليو 2026

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 569 في تموز/يوليو 2026.

عبد السلام الفيتوري: أستاذ متعاقد، جامعة قابس – تونس.

[1] ياسين سعيدي، «اتحاد المغرب العربي في سياق التحولات الأمنية في المنطقة المغاربية،» المستقبل العربي، السنة 40، العدد 462 (آب/أغسطس 2017)، ص 52.

[2] محمد المالكي، «إشكالية وحدة المغرب العربي دراسة تحليلية،» عيون المقالات (آب/أغسطس 1993)، ص 36.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز