مقدمة

تظل إشكالية التنمية هاجس البلدان النامية اليوم أكثر من أي وقت مضى، ولأجل هذا الغرض ظهرت آلية التعاون الثلاثيّ الأطراف كممارسة جديدة تؤطر العلاقات الدولية في أبعادها التعاونية، حيث باتت تمثل هذه الآلية ركيزة أساسية في سياسات بلدان الجنوب الخارجية، وسمة أساسية من سمات التعاون الدولي والتعاون جنوب – جنوب، ووسيلة تتيح إدراك حاجات أطراف هذا التعاون[1].

وقد مثل تعاون جنوب – جنوب أحد أهم مرتكزات السياسة الخارجية المغربية في السنوات الأخيرة، إذ تم التنصيص عليه في ديباجة الدستور المغربي لسنة 2011، مستثمرًا من أجل تفعيل علاقاته المتميزة ببلدان القارة الأفريقية التي طورها على امتداد العقدين الأخيرين. فالقارة الأفريقية تعَدّ محورًا ثابتًا بالنسبة إلى المغرب وفضاءً رئيسيًا لتزيل التعاون الثلاثي الأطراف.

انسجامًا مع هذه الغاية، تبنى المغرب استراتيجية تنويع الشركاء الدوليين من القوى الصاعدة ذات التأثير المتزايد في النسق الدولي والباحثة عن تعزيز حضورها على الساحة الأفريقية وفي طليعتها جمهورية الصين الشعبية، فبالرغم من النهضة التي تحققها الصين فلا تزال تعدّ نفسها من بلدان الجنوب وتقود قاطرة الدول النامية، كما أن تزايد نفوذها في القارة الأفريقية يعزز احتمالات نجاح هذا التعاون الثلاثي.

تبحث هذه الورقة في آلية التعاون الثلاثي بين المغرب والصين وأفريقيا بوصفها أداة تنموية في خدمة السياسة الخارجية المغربية المتمثلة بتعزيز تموقعها على المستوى القاري في مختلف المجالات مستعينة بذلك بشراكتها مع الصين. وعليه، ستحاول هذه الورقة تسليط الضوء على هذه الممارسة الدولية من خلال دراسة نموذج المغرب – الصين – أفريقيا عبر جرد الاتفاقيات المبرمة بين المغرب والصين على هامش توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية ذات الصلة بالتعاون الثلاثي. من ناحية أخرى نعتقد أن هذا التعاون على أهميته التنموية، يمثل مدخلًا مهمًا للتغلب على مجموعة من الأزمات. وقد اخترنا لذلك حالة جائحة كورونا.

أولًا: المغرب وسياسة التعاون جنوب – جنوب

 بعد حصولها على استقلالها السياسي أواسط القرن العشرين، سعت دول الجنوب إلى تحقيق استقلالها الاقتصادي، وذلك من خلال اعتماد نموذج للتعاون فيما بينها، عرف بالتعاون جنوب – جنوب، حيث يضم مجموع البلدان الواقعة في القارات الثلاث، آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. نظرًا إلى ما تجمعها من تحديات واحدة وقواسم مشتركة[2]. وترجمة لذلك، قررت دول الجنوب الدخول فيما بينها ضمن هذه البوتقة، مستفيدة من دعم منظمة الأمم المتحدة التي واكبت هذه الدينامية من خلال مجموعة من البرامج الدولية من بينها: خطة عمل بوينس آيرس لسنة 1978 وإعلان نيروبي لسنة 2009 مؤخرًا. من جهة أخرى أحدثت الجمعية العامة للأمم المتحدة مكتب الأمم المتحدة للتعاون جنوب – جنوب، بعد أن كانت قد أطلقت برنامج الأمم المتحدة للتنمية (PNUD).[3].

يتجاوز هذا النموذج من التعاون منطق التعاون التقليدي القائم على المساعدات الاقتصادية إلى تعاون منتج يهدف إلى خلق شراكات نموذجية وتضامنية بين بلدان الجنوب، أو من خلال التعاون الثلاثي الذي برز إلى الواجهة كنموذج واعد للتعاون جنوب – جنوب[4]، وهو بحسب الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون يمثل حالة فريدة من التضامن الدولي ولا يقتصر على التعاون الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشمل جميع أوجه التعاون بين بلدان الجنوب وفي مختلف المجالات حيث يمكن الرهان عليه ليحقق التنمية الشاملة المنشودة[5].

لقد وجه المغرب بوصلته الاقتصادية والسياسية نحو الجنوب، مدعومًا بمضمون «التصدير» الدستوري[6] الذي يُلزم المغرب بتقوية علاقات التعاون والتضامن مع الشعوب والبلدان الأفريقية، ولا سيما مع بلدان الساحل وجنوب الصحراء[7]. فالدبلوماسية المغربية حريصة على تعزيز شراكتها مع أفريقيا بالاعتماد على الروابط الثقافية والانتماء الجغرافي والإرث التاريخي. وعليه، كان من الطبيعي أن تحتل أفريقيا في هذا الإطار مكانة مهمة في أجندة السياسة الخارجية المغربية ترجمها زخم الزيارات والجولات الملكية وكذا الاتفاقيات الموقعة في مجالات متنوعة التي تستهدف دعم الحضور الدبلوماسي والاقتصادي، الأمر الذي جعل المغرب يتبوأ مكانة متميزة كثاني بلد أفريقي مستثمر في أفريقيا بعد جنوب أفريقيا[8].

يحتل التعاون جنوب – جنوب اليوم مكانة مركزية في توجهات السياسة الخارجية المغربية، وقد تكرست هذه المكانة من خلال إقرارها في ديباجة الوثيقة الدستورية المغربية[9]. على هذا الأساس، طور المغرب مقاربة للتعاون جنوب – جنوب بتبنيه مجموعة من المبادرات السياسية والاقتصادية والتقنية والإنسانية الموجهة بالأساس لفائدة دول القارة الأفريقية ولا سيما تلك الواقعة في جزئها الغربي[10].

لقد أبرز الملك محمد السادس على هامش المنتدى الثالث للقمة الهندية – الأفريقية المنعقدة في نيودلهي، رؤية المغرب المتعلقة بالتعاون جنوب – جنوب، حيث صرح في كلمته «… إننا نريد إرساء فضاء لتعاون جنوب – جنوب فعال، تضامني ومتعدد الأبعاد يقوم على الاستثمار الأمثل للطاقات والثروات التي تزخر بها بلداننا، ومن هنا فإن هذا التعاون يجب أن يتحرر من إرث الماضي وأن يتوجه لخدمة المصالح الاستراتيجية لبلداننا. إن التعاون جنوب – جنوب الذي نطمح إليه ليس مجرد شعار أو ترف سياسي بل هو ضرورة ملحة تفرضها حدة وحجم التحديات التي تواجه بلداننا بحيث لا يمكن معها الاعتماد على أشكال التعاون التقليدية التي أصبحت غير قادرة على الاستجابة للحاجيات المتزايدة لشعوبنا، لذا يحرص المغرب على بلورة مشاريع ملموسة سواء على المستوى الثنائي أو في إطار التعاون الثلاثي في المجالات المنتجة المحفزة للنمو وفرص الشغل وذات الأثر المباشر على حياة المواطنين. ويتجلى ذلك في تطور وتنوع الشراكات التي تجمع المغرب مع عدد من الدول الأفريقية، والتي تهم التنمية البشرية ومختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية والدينية. وهو ما أهل المغرب ليصبح أول مستثمر أفريقي في منطقة غرب أفريقيا والثاني على مستوى القارة…»[11].

على مستوى آخر، احتضن المغرب مجموعة المؤتمرات والملتقيات الأفريقية، كما دعم على نحو ملموس مجهودات التنمية في القارة الأفريقية والمبادرات المتخذة في هذا الجانب[12].

يمكن الخلوص إلى أن المغرب جعل من التعاون مع القارة الأفريقية خيارًا استراتيجيًا، إذ وضع على سلم أولوياته تعزيز وتطوير العلاقات في مختلف المجالات في إطار تكامل إقليمي حيوي وشراكة جنوب – جنوب فعالة وتضامنية. هذا الخيار لا يروم فقط الحفاظ على الروابط المتجذرة مع بلدان أفريقيا أو ضمان توازن أفضل في علاقاتها بالاقتصادات الصناعية، بقدر ما يهدف إلى جعل التنمية في أفريقيا عملًا تشاركيًا وجهدًا جماعيًا يساهم فيه مختلف شركاء المغرب الذين يتقاسمون معه الرؤية نفسها[13].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 544 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 544 حزيران/يونيو 2024

أوراق ذات صلة:

السياسة الخارجية الصينية تجاه منطقة القرن الأفريقي: دراسة في الأداة الاقتصادية

فخ ابن خلدون ومستقبـل التنافس الدولـي ضد الصين

مقوّمات دبلوماسية الوساطة الصينية في الأزمة المغربية – الجزائرية

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 544 في حزيران/يونيو 2024.

إسماعيل الرزاوي: باحث في تخصص العلاقات الدولية، جامعة محمد الخامس، الرباط – المغرب.

[1]«Triangular Co-Operation: Why Does It Matter?,» OECD Development Co-operation Directorate, <http://https://www.oecd.org/dac/dac-global-relations/_Triangular%20Booklet%20A5%20pages.pdf>.

[2]   Folashadé Soulé-Kohndou, «Histoire contemporaine des relations Sud-Sud. Les contours d’une évolution graduelle,» Afrique contemporaine, vol. 4, no. 248 (2013), p. 108.

[3]   Roland Sarton, «Tendances et opportunités sur l’avancement de la coopération Sud-Sud au Maroc: Etude et consultation des parties prenantes,» réalisée en décembre 2013: Edition 2014, p. 5, <https://t.ly/2SHS4>.

[4]        Ibid.

[5]   «Sud-Sud, une coopération qui table sur l’intérêt mutuel, la solidarité et une meilleure utilisation des ressources, selon M. Ban Ki-moon,» l’ONU, 10 septembre 2012, <https://www.un.org/press/fr/2012/SGSM14499.doc.htm>.

[6]   انظر تصدير الوثيقة الدستورية 2011.

[7]   عبد الله بوصوف، «المغرب وإفريقيا: نحو آفاق جديدة لعلاقات متجددة،» مجلة دعوة الحق (الرباط)، السنة 59، العدد 421 (حزيران/يونيو 2017)، ص 32.

[8]   آمال الحواسني ومحمد لكريني، «الدبلوماسية الاقتصادية المغربية في أفريقيا،» المستقبل العربي، السنة 43، العدد 502 (كانون الثاني/يناير 2020)، ص 107.

[9]   انظر الوثيقة الدستورية للمملكة المغربية 2011.

[10]   Coopération Sud-Sud, Ministère des Affaires Etrangères: Disponible sur le site web <https://www.diplomatie.ma/ar>.

[11]   خطاب الملك محمد السادس على هامش المنتدى الثالث للقمة الهندية-الإفريقية بنيودلهي بتاريخ 29 تشرين الأول/أكتوبر 2015، على البوابة الإلكترونية للمملكة المغربية، <https://t.ly/cq81K> (تاريخ الولوج 12 أيلول/سبتمبر 2022).

[12]   Coopération Sud-Sud, Ministère des Affaires Etrangères: Disponible sur le site web <https://www.diplomatie.ma/ar>.

[13]  «العلاقات المغرب – أفريقيا،» مجلة المالية (صادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية)، العدد 28 (آب/أغسطس 2015)، ص 4.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز