مقدمة

تدّعي الولايات المتحدة بأنها تلتزم أعلى معايير حقوق الإنسان والقانون الدولي. ومع ذلك، حين يتعلق الأمر بالانتهاكات الإسرائيلية لتلك المعايير والحقوق، مثلما يحدث اليوم في العدوان على غزة، لا تكتفي الولايات المتحدة بالتحيُّز لـ«إسرائيل» بل تعمل على تبرير تلك الانتهاكات وشرعنتها، والأكثر من ذلك التواطؤ والمشاركة فيها، بدعوى حق «إسرائيل» في الدفاع عن نفسها أولًا، ووصف حركة المقاومة الإسلامية «حماس» بأنها حركة إرهابية وما قامت به يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 عمل إرهابي ثانيًا. وتعدّ «إسرائيل» نفسها فوق القانون وخارج نطاق المساءلة، وتتوقع أن تفلت من العقاب، كل ذلك بسبب الحماية التي توفرها الولايات المتحدة لها. وهذا ما يثير تساؤلات حول انتقائية تطبيق المعايير وتفضيل السياسات الداعمة لـ«إسرائيل» على حساب احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، الذي برز على نحو فاضح باستخدام الولايات المتحدة حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن الدولي لمنع وقف الحرب على غزة، وإدانة «إسرائيل» بسبب الجرائم التي ترتكبها في غزة منذ بداية معركة طوفان الأقصى.

وجاءت معركة طوفان الأقصى، وما ترتب عليها من انتهاكات إسرائيلية للقانون الدولي الإنساني وارتكاب جيشها مجازر وجرائم حرب وجرائم إبادة جماعية لتكشف كلها عن التحيُّز الأمريكي الشنيع وغير المبرر الداعم للموقف الإسرائيلي. بل أكثر من ذلك، إن الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة لتعزيز العملية العسكرية الإسرائيلية ترقى إلى مستوى التواطؤ في الجريمة بموجب القانون الدولي‏[1]. فما دواعي هذا التحيز الأمريكي؟ وما مبرراته؟

تمثل هذه الدراسة لحظة للتفكير في أصول التحيُّز والانتقائية الغربية بوجه عام، والأمريكية بوجه خاص، في التعاطي مع القضية الفلسطينية، التي برزت على نحو مفضوح بعد عملية طوفان الأقصى؛ ودعوة إلى البحث في طبيعة العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية الملتبسة وغير المنطقية في كثير من عناصرها.

توجد أربعة افتراضات دارجة تحمل تناقضًا ضمنيًا تتردد كثيرًا عند محاولة تفسير خصوصية العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية هي: (1) قوة تأثير اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية وتغلغله في دوائر صنع القرار فيها؛ (2) أن «إسرائيل» هي خادم للمصالح الاستراتيجية الأمريكية وضامن لها في المنطقة؛ (3) أن الإرث المتبقي من الشعور الغربي بالذنب بشأن معاناة اليهود خلال الحرب العالمية الثانية (الهولوكوست) لا يزال متأصلًا في المخيال الجمعي الغربي ويضغط باتجاه الدفاع عن اليهود طلبًا للصفح وتكفيرًا عن الذنب؛ (4) العامل الديني والمتمثل بالمشترك الذي يجمع المسيحية واليهودية في حضارة مشتركة. وظهور تيار ديني إنجيلي يؤمن بضرورة التمكين لـ«اسرئيل» كشرط ضروري لعودة المسيح المخلّص.

لكن هل هذه الافتراضات الأربعة كافية فعلًا لتفسير كل هذا التحيُّز الغربي لـ«إسرائيل»، الذي استمر خمسة وسبعين عامًا، وكان تأثيره هو حماية «إسرائيل» من العقاب، وجعلها فوق المساءلة وفوق القانون، ومنحها الحصانة للتصرف كما تشاء، رغم أن ذلك يتعارض مع كل الأعراف والمواثيق والقوانين الدولية؟ بل أكثر من ذلك، وفي ظل تداعيات معركة طوفان الأقصى، نشاهد اليوم تزايد مخاطر غير مسبوقة تهدد الولايات المتحدة في اتجاهين، واحد داخلي يتمثّل بتصاعد حدة الانقسامات الداخلية في ظل سطوة اللوبي الصهيوني التي بلغت حد المساس بالحريات التي يضمنها التعديل الأول للدستور الأمريكي في موضوع احتجاجات الطلبة في الجامعات الأمريكية المطالبة بوقف الحرب على غزة، بحيث تدخلت الشرطة الأمريكية تحت ضغط اللوبي الصهيوني لفضّ احتجاجات الطلاب، واعتقلت المئات منهم. وهو ما فتح نقاشًا واسعًا في شأن دستورية هذه الاعتقالات. بل أكثر من ذلك، برزت تساؤلات كثيرة في شأن طبيعة العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة داخل المجتمع الأمريكي نفسه، فحين تهدد الموساد الطلاب المتظاهرين في الجامعات الأمريكية بمستقبلهم المهني‏[2]، يصبح من حق الشعب الأمريكي المطالبة بفهم سر الطبيعة الخاصة جدًا والفريدة للعلاقات الإسرائيلية – الأمريكية، ومن حقه الحصول على توضيحات في شأن هيمنة الأقلية الصهيونية على مؤسسات صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية. والثاني خارجي مرتبط بسمعة الولايات المتحدة، فأمريكا أصبحت غير قادرة على استخدام الفيتو للدفاع عن «إسرائيل» لأن صورتها تضررت بوقوفها ضد الشرعية الدولية وتزكيتها جرائم الابادة الإسرائيلية، كما أنها باتت غير مؤهلة لتأدية دور راعي سلام أو وسيط موثوق به من جهة أخرى.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 550 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 550 كانون الأول/ديسمبر 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 550 في كانون الأول/ديسمبر 2024.

مصطفى بخوش: أستاذ العلاقات الدولية في جامعة محمد خيضر، بسكرة – الجزائر.

الصورة من وكالة رويترز.

[1] The Center for Constitutional Rights, «Israel’s Unfolding Crime of Genocide of the Palestinian People and U.S. Failure to Prevent and Complicity in Genocide,» Emergency Legal Briefing Paper (18 October 2023), p. 2.

[2] «الموساد الإسرائيلي «يهدد» المتظاهرين في الجامعات الأمريكية.. هكذا توعّد المشاركين من الطلاب الجامعيين،» عربي بوست، 25 نيسان/أبريل 2024،   <https://2u.pw/6ZqZoS1Q>.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز