يقف العالم اليوم على مفترق تاريخي، ربما لا يقل خطورة عن أكثر المحطات والحروب الكبرى التي مثَّلت منعطفاً تاريخياً في مصير شعوبٍ ودولٍ ومناطقَ، وفي رسم خرائطَ جيوسياسيةٍ جديدة. فما يحدث في منطقة غرب آسيا (أو “الشرق الأوسط” وفق التسمية الاستعمارية) اليوم، ليس مجرّد حرب كالحروب التي عرفتها المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، سواء الحروب العربية – الإسرائيلية (1948، 1967، 1973، 1982، 2006، 2023، 2024) أو حروب الخليج الأمريكية (1991، 2003، 2025)، بل هي في أهدافها تختصر كل تلك الحروب وتهدف إلى استثمار كل ما حققته تلك الحروب وإلى تحقيق ما لم تحققه: مشروع إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، وإخضاع العرب وتفتيتهم وتجريدهم من أي مشروع حضاري وتكاملي قوي ومستقل، ونهب مواردهم الطبيعية والمالية، وإخضاع غرب آسيا لدولة إسرائيل بما تمثله من قوة إقليمية في إطار مشروع الهيمنة الأمريكية الإمبريالية على العالم.
* * * * *
مع انهيار الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي في بداية تسعينيات القرن الماضي، ومع خضوع النظام الرسمي العربي بمعظم أطرافه، لمشاريع الهيمنة الأمريكية في المنطقة، وتخليه عن دعم قضاياه المركزية، تحوَّلت إيران إلى الدولة القاعدة لدعم حركات التحرُّر والمقاومة العربية والإسلامية في وجه إسرائيل ومشاريعها الاقتلاعية والتوسعية ومشاريع الهيمنة الإمبريالية الداعمة لها. لذا ظل مشروع إسقاط نظام الثورة الإسلامية في إيران هدفاً أمريكياً – إسرائيلياً قائماً منذ عقود، سواء عبر الخنق الاقتصادي، أو عبر التجسُّس، أو عبر دعم مجموعات مناهضة للنظام وتسليحها، أو عبر تنفيذ عمليات تخريبية في الداخل، أو عبر تمويل محطاتٍ وبرامج إعلامية للتأثير في الرأي العام الإيراني ودعم خروج ثورات لونية فيها، وصولًا إلى التهديد بضربات عسكرية ضدها، منذ بداية هذا القرن على الأقل، مع وصول جورج بوش الابن إلى البيت الأبيض ووقوع أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 ، بهدف تدمير برنامجها النووي وإسقاط النظام فيها، منعًا لقيام أي قوة تهدِّد أمن إسرائيل في المنطقة من جهة، وتمهيدًا لاستعادة الولايات المتحدة مصالحها في إيران التي خسرتها عقب قيام الثورة الإسلامية عام 1979 من جهة أخرى؛ غير أن تعقُّد ظروف غزو أفغانستان عام 2001 ثم غزو العراق عام 2003، وتعثر المشرع الأمريكي فيهما، بسبب تزايد الضربات العسكرية ضد الجيش الأمريكي واستنزاف قدراته على يد فصائل المقاومة، وبخاصة في العراق، فضلًا عن صعوبات ضمان نجاح العملية العسكرية الأمريكية في تدمير البرنامج النووي أو إسقاط النظام في إيران، حالت دون لجوء الولايات إلى فتح مواجهة عسكرية ضدها. في المقابل، نجحت فصائل المقاومة التي تدعمها إيران في المنطقة، في إفشال مشاريع الهيمنة الأمريكية على المنطقة وفي أفشال المشروع التوسعي الإسرائيلي تحت شعار “الشرق الأوسط الجديد”، الذي مثَّل الهدف الأساسي لحرب إسرائيل ضد المقاومة في لبنان عام 2006، حين سعت إسرائيل والولايات المتحدة من خلالها إلى حرمان إيران أذرعها العسكرية في المنطقة، وبخاصة القائمة على حدود الكيان الصهيوني كجنوب لبنان، تمهيدًا لضرب إيران نفسها.
* * * * * *
غير أن العقد الثاني من هذا القرن حمل تحوُّلات وتراكمات كبرى في العالم مهَّدت إلى حدوث تغيُّرات في موازين القوى في النظام العالمي. أبرز هذه التحوُّلات صعود قوى ناشئة وأقطاب اقتصادية جديدة في العالم باتت تهدِّد مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى منفردة في قيادة العالم، أو في الهيمنة على العالم بتعبير أدق، وبالتالي تزايدت جهود ومساعي هذه القوى لخلق أطر ومكوِّنات سياسية واقتصادية إقليمية وعالمية تطمح إلى قيام نظام عالمي متعدِّد الأقطاب يضع حدًا للتفرد الأمريكي في قيادة العالم، وبخاصة مع تراجع مكانة الاقتصاد الأمريكي في الاقتصاد العالمي.
أدى انكفاء النفوذ الأمريكي في الخارج، مع فشل حروب أفغانستان 2001 والعراق 2003 ولبنان 2006 في تحقيق المشاريع الإمبريالية الأمريكية، وتبني استراتيجية الانكفاء العسكري في عهد أوباما، إلى جانب تعمُّق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة، منها الركود والتضخم والبطالة والتنافس على فرص العمل وقلق الهوية، إلى صعود موجة الشعبوية البيضاء، التي عمل ترامب على توظيفها في تجييش الأكثرية الشعبية البروتستانتية والإنجيلية في المناطق الريفية والمناطق الصناعية التقليدية، وبخاصة في حزام الصدأ (Rust Belt)، إلى تصاعد عصبية هؤلاء في المجتمع الأمريكي لمواجهة الجماعات المهاجرة، وبخاصة الملَّونة منها، ولإعادة تعزيز مكانة أمريكا عالميًّا، من خلال رفع أسوارها في وجه المهاجرين وحماية هويتها وإعادة تنشيط اقتصادها الإنتاجي وتقليص الاعتماد على الاستيراد وتعزيز قوتها العسكرية؛ فاستطاع ترامب استقطاب حالة شعبوية كافية لإيصاله إلى البيت الأبيض، ومثلت حركة MAGA (أي جعل أمريكا عظيمة مجدَّدًا) قاعدة انتخابية لا يستهان بها خلقت تحدِّيًا فعليًّا للدولة العميقة ولكلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه وفَّرت له هذه الحركة علاقة قوية بالصهيونية المسيحية ذات الخلفية الإنجيلية بطبيعة الحال، فانعكست هذه العلاقات على مقاربة ترامب للقضية الفلسطينية وللصراع القائم في المنطقة بين إسرائيل ومحور المقاومة، فتبنى مقاربة لهذه القضية تتطابق مع أطروحات اليمين المتطرف في إسرائيل الذي يمثله نتنياهو وحكومته؛ فقد تبنى ترامب في ولايته الأولى (2017-2021) سيطرة إسرائيل على كامل الأراضي الفلسطينية، بما فيها الأراضي المحتلة عام 1967، وعلى الجولان السوري المحتل، واتخذ قرارًا بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وهذا يعني أنه ضرب بحل الدولتين وبقرارات الأمم المتحدة ذات الشأن عرضَ الحائط، ومارس أقصى الضغوط على الحكام العرب للذهاب إلى التطبيع مع إسرائيل وطي صفحة حقوق الشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولته ولو على جزء من أرض فلسطين، في تجاوز واضح لقرارات ما يسمى “الشرعية الدولية”، مدشِّنًا بذلك عصرًا جديدًا في النظام العالمي يطوي حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي قامت على توازنات فرضتها تلك الحرب، التي انتصر فيها قطبان مركزيان في العالم، القطب الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والقطب الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي، وهي توازنات فرضت معايير حقوقية وأخلاقية في النظام العالمي تم صوغها في مجموعة شرائع دولية لحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها واستقلال الدول وسيادتها، في رد واضح على مرحلة الأنظمة الفاشية والنازية ومرحلة الاستعمار المباشر التي سادت قبل الحرب، ناعيًا ترامب هذه الحقبة على نحو يمهِّد لدخول العالم في عصر من الفوضى والهمجية القائمة على حكم القوة المتوحشة، وعلى تدمير الحضارات المغايرة، لا حكم القانون والشرائع الإنسانية. وهذا ما وفّر لحكومة نتنياهو الفرصة للاندفاع في سياستها الاقتلاعية ضد الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة، بعدما كان الكنيست الإسرائيلي قد صادق على قانون يهودية الدولة الإسرائيلية عام 2018. وفي الوقت نفسه دفعت الولايات المتحدة حكومات عربية متعدِّدة إلى الدخول في مشروع الإبراهيمية واتفاقيات التطبيع مع إسرائيل.
* * * * *
أمام هذين المشهدين الإسرائيلي – الأمريكي من جهة والعربي التطبيعي من جهة أخرى وجد الشعب الفلسطيني نفسه، وبخاصة مع خطة الخنق الحياتي الذي كانت غزة تتعرض له، أمام خيار مواجهة مشروع القضاء على القضية الفلسطينية، فجاءت عملية طوفان الأقصى في هذا السياق التاريخي. وجرى ما جرى في عملية طوفان الأقصى، التي أحدثت صدمة تاريخية ووجودية داخل الكيان الصهيوني أدخلت القضية الفلسطينية والمشروع الصهيوني في مرحلة جديدة من الصراع، فأطلقت إسرائيل عقيدة عسكرية جديدة – يمثِّل القتل الجماعي والتدمير الشامل ورفض التسويات بعض سماتها – تمَّت ترجمتها في حرب الإبادة الجماعية في غزة ثم في حرب لبنان، التي نسفت إسرائيل فيهما كل المعايير الأخلاقية والإنسانية والقوانين والاتفاقيات الدولية، بما فيها اتفاقيات جنيف ولاهاي واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية وغيرها، وحتى اعتبارات الحرص على صورة إسرائيل لدى الرأي العام العالمي، مستخدمة في هذه الحرب جيلًا جديدًا من الأسلحة الأمريكية الصنع في معظمها، استباحت بواسطتها كل مظاهر الحياة في غزة، بدءاً بالقتل الجماعي واستهداف الشخصيات والقطاعات والمنشآت المدنية، بمن فيهم الأطباء وأساتذة الجامعات والفرق الصحية والصحافيون وعناصر الإسعاف والدفاع المدني والأطفال والنساء والشيوخ والمستشفيات والجامعات ومياه الشرب… وصولًا إلى ارتكاب الإبادة الجماعية. وقد وفَّرت تقنيات الذكاء الاصطناعي لها في هذه الحرب، إلى جانب الإمداد العسكري والمعلوماتي من الولايات المتحدة والغرب، تفوُّقًا واضحًا في القدرة على توسيع بنك المعلومات، وبالتالي بنك الأهداف، ودقة استهداف القادة والمقاتلين والرموز، وفي السيطرة على الأجواء والدعم الإعلامي والسياسي الدولي، بما في ذلك دعم بعض فلاسفة التنوير الغربيين، الذين لم يخجلوا بتبرير عمليات الإبادة الجماعية في غزة بحجة حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. كل ذلك دشَّن عمليًّا الشرعية الفكرية والسياسية للمرحلة الجديدة من النظام العالمي الذي تغلب فيه الهمجية في الحروب وحكم الغلبة والقوة على القوانين في العلاقات الدولية.
وما لبثت الولاية الثانية لحكم الرئيس الأمريكي ترامب أن كرست هذه المرحلة الجديدة من النظام العالمي، المحكوم بسيادة القوة المفرطة والبلطجة والهمجية، مع تنصل ترامب من وعوده السابقة لناخبيه وقاعدته الشعبية المتمثلة بحركة الماغا القائمة على مبادئ أمريكا أولًا والابتعاد من خيار الحروب، وكسره كل قواعد العلاقات الدولية والاحترام المتبادل حتى مع حلفاء الولايات المتحدة التاريخيين، بل حتى مع دائرتها الحضارية والثقافية الأنغلوسكسونية؛ وأعطى لنفسه الحق في تشريع احتلال دول وضمها إلى الولايات المتحدة، أو وضع يده على قطاع غزة وتحويله إلى شركة عقارية خاصة به، أو تفصيل ميثاق مجلس سلام لحكم غزة وإدارة العالم على قياسه، وفق صيغة تتخطى كل القوانين والشرائع الدولية ومنظمة الأمم المتحدة، وتجيِّر السياسة الخارجية لبلاده لخدمة مشاريع توسعية عنصرية تسعى إسرائيل لتنفيذها في المشرق العربي وغرب آسيا عمومًا، أو تهديد أي دولة في العالم تقرر عدم التعامل بالدولار في تبادلها التجاري مع دول أخرى. وهو ذهب في آخر قراراته العدوانية إلى أقصى الحدود في حربه الهمجية التدميرية ضد إيران والقضاء على قدراتها وإنجازاتها الحضارية وقتل قادتها، بمن فيهم الرموز الدينية والفكرية، للقضاء على قرارها المستقل وعلى دورها التحرُّري الذي يمثل رأس الحربة في مقاومة مشروع التوسع الصهيوني في المنطقة وتأسيس إسرائيل الكبرى الممتدة من النيل إلى الفرات، في غيابٍ كاملٍ للنظام الرسمي العربي عن كل هذه المشاريع والمخاطر التي تستهدف الوطن العربي ومنطقة غرب آسيا.
* * * * *
يتوقف على نتائج هذه الحرب إذًا لا مصير الوطن العربي ومنطقة غرب آسيا فقط، بل مصير العالم برمته؛ فانتصار الولايات المتحدة وإسرائيل فيها عبر القضاء على نظام الثورة الإسلامية في إيران، سيزيل كل العوائق أمام إسرائيل لتنفيذ مخططها التوسعي في المنطقة ولتبتلع ما تبقى من أرض فلسطين إضافة بلاد الشام، وصولاً إلى الفرات شرقًا وقناة السويس أو نهر النيل جنوبًا. أما الولايات المتحدة التي بدأت تشعر بخطر الصعود الاقتصادي والجيوسياسي الصيني، فلن تتردد، بعد قضم وسحق كل الدول التي لا تدور في فلكها، في افتعال المواجهة الكبرى مع الصين بوسائل مختلفة، بدءًا بالسيطرة على مصادر النفط التي تعتمد الصين عليها وأولها النفط الإيراني، بعد الفنزويلي، مروراً بالسيطرة على طرق التجارة والممار البحرية وخلق بدائل عن الصين كمراكز استثمار وتصنيع، كالهند وغيرها، ثم بممارسة الخنق الاقتصادي ضدها، وصولًا إلى الخيار العسكري بطريقة أو بأخرى؛ فالنزعة الإمبراطورية الجامحة لدى ترامب، التي تعزز هذا السيناريو، لا تُبنى على فراغ، بل هي ترتكز على رؤية ثابتة في العقيدة الوطنية الأمريكية التي لا ترى أمريكا إلا كدولة إمبراطورية حاكمة للعالم ومتحكِّمة في مفاصله وموارده الاستراتيجية، حتى إن الجموح الإمبراطوري لدى بعض أقطاب رأس المال والصناعات الدقيقة في الولايات المتحدة يتوسع في رؤيته الإمبراطورية من حدودها الكوكبية نحو آفاقها الكونية؛ فأمام الجموح الاستعماري لدى هذه الأقطاب بدأت أنظارها تتسع نحو مشاريع استعمارية خارج كوكب الأرض، لاستخدام الفضاء والكواكب المحيطة بالأرض إما للتخلص من النفايات الخطيرة التي تسببها بعض الصناعات في الأرض، وإما لتوفير موارد جديدة للطاقة، وإما لاستغلال بعض المعادن الثمينة والنادرة التي تتوافر في كواكب أخرى. وإما لبناء مستوطنات بشرية في كواكب أخرى لأهداف سياحية أو أهداف علمية أو عسكرية.
ولم يعد التهديد العسكري أو الأمني الأمريكي يقتصر على الحروب التقليدية طبعًا، ففي عصر الذكاء الاصطناعي والتقانة السيبرانية، بات يمكن الولايات المتحدة التحكُّم في قدرات أي بلد أو تدميرها بالتقانة السيبرانية أو الكهرومغناطيسية. ومع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، تتزايد المخاطر من اتخاذ برامج هذا الذكاء قرارًا تلقائيًا بتوجيه ضربات عسكرية إلى بلد ما من دون العودة إلى الرقابة البشرية أو المشغلين البشر، بل بمجرد استنتاج الشبكات العصبية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي أن هذا البلد أو ذاك يشكل خطرًا على الأمن القومي للولايات المتحدة أو إسرائيل.
ومع تراجع الأخذ في الحسبان الإلتزمات القانونية والمعايير الأخلاقية في الحروب من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، يرجَّح أن تتخذ الحروب التي تشنها هاتان الدولتان منحًى عنفيًّا إجراميًّا، ربما يصل إلى حدود استخدام أسلحة الدمار الشامل في حال العجز عن تحقيق أهدافهما بوسائل تدميرية أخرى، على نحو ما حصل في غزة، التي لم تحدث الإبادة الجماعية فيها عن طريق الخطأ، بل حدثت وفق خطط وتوجيهات عسكرية مسبقة هي جزء من العقيدة العسكرية الجديدة التي يعمل الجيش الإسرائيلي وفقها. وهذا بدأ يظهر في لبنان اليوم، من خلال استهداف المنشآت المدنية وفرق الإسعاف والدفاع المدني والصحافيين والأكاديميين في عمليات الاغتيال التي ينفذها سلاح الجو الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية. وكل هذا ما يحدث أيضًا في الحرب ضد إيران لناحية البدء في تدمير الجامعات، ومراكز الأبحاث، والمستشفيات والمدارس والمنشآت والبنى التحتية المدنية. وهذا ما يطرح سؤالاً ملحًّا حول قصف مدرسة البنات في منياب الإيرانية، الذي راحت ضحيته نحو 180 تلميذة، فهل هذا القصف كان خطأ تقنيًا ارتكبه الجيش الأمريكي أم أنه تعبير عن الثقافة التوراتية والتلمودية التي تبيح قتل الأطفال والتضحية بهم، كما أظهرت الأحداث والمشاهد الحيَّة التي كُشفت في قضية أبستين.
* * * * * *
كل ذلك يضع العالم أمام مفترق طرق تاريخي خطير؛ إما فشل الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران، رغم التفاوت الكبير بين القدرات والتقانات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، ورغم المنحى التدميري الهمجي الذي تتخذه هذه الحرب. وهو ما سيؤدي إلى انكفاء المشروع الإمبريالي في العالم ووضع حدٍّ لجموح ترامب في سياسته العدوانية، وبالتالي انكفاء المشروع الصهيوني التوسعي في المنطقة؛ وإما نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل في هزم إيران وإسقاط نظام الثورة الإسلامية فيها، وهو ما سيؤدي إلى تفتيت إيران وإنهاء دورها كدولة إقليمية، وإلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية لمنطقة غرب آسيا، من خلال إعطاء إسرائيل الفرصة لتوسيع حدودها الجغرافية وفق رؤيتها التوراتية التاريخية الأسطورية، المذكورة في سفر التكوين 18:15 أو سفر الخروج 31:23، أو رؤيتها الحديثة كمشروع استعماري عنصري توسعي، يتم التعبير عنه من جانب قادة صهاينة كثر منذ ما قبل تأسيس دولة إسرائيل عام 1948 حتى اليوم، ومنهم دايفيد بن غوريون ومناحيم بيغن وإبراهام شتيرن وسموتريتش وبن غفير، وحتى السفير الأمريكي الحالي في إسرائيل مايك هاكابي. وبالتالي ستعمل إسرائيل على إضعاف الدول الإقليمية في المنطقة بعد الانتهاء من إيران، وبخاصة مصر وتركيا، اللتان تمتلك كل منهما جيشًا يمكن أن يهدد أمن إسرائيل يومًا، ولو من الناحية الافتراضية فقط. هذا على الصعيد الإقليمي، أما على الصعيد الدولي، فإن نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل في إسقاط إيران سيعطي ترامب دفعة أقوى من الجموح السادي نحو استكمال مشروع الهيمنة الإمبراطورية على العالم، وسيعمل على تقليص نفوذ روسيا وقوتها، وستكون المواجهة الكبرى والأخيرة مع الطرف الأكثر تهديدًا للولايات المتحدة في هيمنتها على العالم، أي الصين.
لكن حتى الآن، وبعد مرور شهر على بدء العدوان ضد إيران، لا تبدو الأمور سائرة في هذا الاتجاه، فرغم قساوة الضربة الغادرة التي استهدفت القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية المرشد الشهيد علي خامنئي وعشرات القادة العسكريين والأمنيين والسياسيين معه، ورغم الدمار الذي يلحق بالمنشآت العسكرية والمدنية في إيران، استطاعت إيران امتصاص الضربة الأولى، وانتقلت من رد الفعل إلى الفعل، والتحكُّم في ماجريات الحرب، وضرب البنية التحتية والقواعد العسكرية للولايات المتحدة وحلف الأطلسي في منطقة الخليج كلها، وأوقعت ولا تزال توقع ضربات موجعة في القطع العسكرية البحرية والجوية الأمريكية، وفي القواعد العسكرية والمراكز الأمنية في إسرائيل. وفي تصاعد واضح لوتيرة المواجهة بدأ الرد على العدوان الأمريكي – الإسرائيلي يتخذ بعدًا جبهويًّا يشمل فصائل المقاومة في كل من لبنان والعراق واليمن إلى جانب إيران. لذا من المبكر حتى الآن تقدير نتائج هذه الحرب، على الرغم من أن طول مدتها وتحوُّلها إلى حرب استنزاف لن يكون في مصلحة القوات الأمريكية والإسرائيلية.
كتب ذات صلة:
الاستشراق والهيمنة: الخطاب الكولونيالي والسيطرة على الشرق العربي
المصادر:
هذه هي افتتاحية مجلة المستقبل العربي العدد 566 نيسان/أبريل 2026.
فارس أبي صعب: باحث ومدير التحرير في مركز دراسات الوحدة العربية.
حقوق الصورة لـ Legion-Media.
فارس أبي صعب
مدير قسم التحرير ومدير تحرير مجلة المستقبل العربي
فارس أبي صعب مدير التحرير في المركز ومدير تحرير مجلة المستقبل العربي منذ عام 2012. باحث في العلوم الاجتماعية، نشر عدداً من الدراسات في دوريات عربية، أو فصولاً في كتب، حول قضايا عربية أو عالمية معاصرة، كتجارب الأحزاب السياسية في العالم العربي، والثقافة السياسية للفساد، والانتخابات وأزمة الديمقراطية في لبنان، والعرب والحداثة، والقضية الفلسطينية، والثورات العربية في عالم متغير ومستقبل الشرق الأوسط… فضلاً عن مجموعة من الدراسات والمقالات حول موضوعات متنوعة نشرت في صحف لبنانية أو عربية، وعن غيرها من الأبحاث غير المنشورة.
منذ بداية التسعينيات حتى اليوم، أدار الباحث على التوالي أقسام التحرير والنشر أو الدراسات في عدد من مراكز الدراسات العربية، منها مركز دراسات الوحدة العربية (2012-2018)، والمركز اللبناني للدراسات (1993-2006)، ومركز الخليج للأبحاث (2009-2006)، والمعهد المالي – بيروت (2011-2009). وهو ساهم في تأسيس مجلة أبعاد الفصلية (بيروت) وأدار تحريرها (1997-1993)، كما ساهم في تأسيس مجلة السادسة الفصلية (بيروت) ورَأَس تحريرها (2011).
حائز دبلوم الدراسات العليا في علم اجتماع التنمية من الجامعة اللبنانية.
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



