مقدمة

يُعَدُّ تمرين البحث في علاقة سياسات الأنتروبوسين الإسرائيلي التّدميرية بالمعضلة البيئية في فلسطين تمرينًا صعبًا ومحفوفًا بالمخاطر الإبستيمية لصُعوبة الإقرار بوجود علاقة بين الموضوعين في بداية البحث. فالأنتروبوسين يعني أن الإنسان أصبح يمثل خطرًا داهمًا ومحدقًا بالطبيعة وبالكون[1]، إذ أحدث الإنسان تغييرات جذرية في علاقته بالطبيعة[2]: العقل الأداتي عند فرانسيس بيكون (1561-1626)[3] ورينيه ديكارت (1596-1650)[4]؛ في المقابل، يؤكد السّوسيولوجي الألماني إلريش بيك أننا بصدد العيش ضمن مُجتمع المخاطر (1986)[5]، حيث تم تجاوز براديغم توزيع المنافع الاقتصادية إلى براديغم توزيع المخاطر المجتمعية (والبيئية) نتيجة التطور الصناعي والتكنولوجي. فنحن نعيش ضمن سياق مجتمع تُلازمه المخاطر باستمرار، إذ يرتبط إنتاج الثروات (بفعل القوة التكنولوجية والقُدرات العسكرية الهائلة) أوتوماتيكيًا بإنتاج المخاطر المجتمعية. فتسرب الإشعاعات من تشيرنوبيل (1986) كان له وقع كبير خارج حدود الاتحاد السوفياتي سابقًا.

عمومًا، حين نُناقش تأثيرات الإنسان في الطّبيعة والبيئة لا يمكن أن نُقارن الرجل الأبيض الأوروبي الذي حقّق السّبق الصّناعي منذ الثّورة الصناعية الأولى خلال القرن الثامن عشر ببقية الشّعوب الأخرى. وقد ساهم الرّجل الأبيض (من طريق وعد بلفور في عام 1917)[6] في إقامة وطن لليهود في فلسطين المحتلة في حقبة الانتداب البريطاني على أرض فلسطين، قبل مجيء ما يُعرف بقرار التقسيم الرقم 181 (1948) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة وبداية مُسلسل تصفية القضية الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين ونُزوحهم من ديارهم ومزارعهم. وقد ساهمت سلطة الاحتلال الإسرائيلية منذ عام 1948 في تهجير الفلسطينيين وتدمير ممتلكاتهم وسرقتها بالقوة، وهو ما أدى إلى نُزوحهم. وفي الألفية الثالثة (بدءًا من سنة 2002) بدأت إسرائيل في عزل المُزارعين الفلسطينيين عن حُقولهم بإنشاء الجدار العنصري العازل. فبناء الجدار العازل يعني «مصادرة آلاف الهكتارات من الأرض الزراعية الفلسطينية الخصبة[7]، وتقييد حرية الحركة، وتقسيم المجتمعات، وزيادة الأوضاع الاقتصادية سوءا»[8]. وقد عدّته محكمة العدل الدولية (2004) جدارًا منافيًا للقانون الدولي[9]. وبناءً عليه، يمكن النظر في مدى قدرة المحكمة الجنائية الدولية على النّظر في الجرائم البيئية الإسرائيلية ومأساة المشترك/المشاع (Tragedy of the Commons) من خلال الرجوع إلى المواد (ولا سيما المادة 8 الفقرة 2) التي تشير إلى البعد البيئي، وكذا المواد المخصصة للجرائم الدولية (المواد 6 و7، و8)، ومن ثم إمكان القيام بتحقيقات داخل الأراضي المحتلة مع الأشخاص المتورطين في الجرائم البيئية. فهذه الجرائم (الجرائم ضد الانسانية، وجرائم الحرب، وجرائم الإبادة) تُساهم في قطع الأرزاق عن الناس، كما تُساهم في تهجير وإبدال/إحلال السكان في مسعاهم للبحث عن أماكن آمنة بيئيًا وصحيًا. وتُوثق الحرب على غزة خلال تشرين الأول/أكتوبر- تشرين الثاني/نوفمبر 2023 لعدة مجازر للكيان الصهيوني باسم تبريرات واهية كحق الدّفاع عن النفس ومحاربة الإرهاب الفلسطيني.

سنحاول، لفهم ذلك، تفسير إشكالية مدى وُجود رابط بين الأنتروبوسين الإسرائيلي (قوة سلطة الاحتلال التدميرية وهيمنتها باستمرار على الأرض الفلسطينية والتّوسع الدائم وفرض الاستقرار بالهيمنة)[10] وإحداث تغييرات جذرية وجوهرية من جانب إسرائيل في الطبيعة/البيئة الفلسطينية ومواردها وسعيها الحثيث لضمان السّيطرة والتّحكم في الماء والزراعة والأراضي الخصبة وخوض الحُروب وتهجير الفلسطينيين ونزوحهم. وبالتالي الوقوف عند مقومات وأسس القضايا السياسية والإمكانيات الاقتصادية والقدرات العسكرية في تفاعلاتها المتعددة من أجل إقصاء الطرف الفلسطيني من المعادلة وتفتيت هويته.

يُقصد بالأنتروبوسين بحسب بول كريتزن (Paul Crutzen) بتحوّل الإنسان إلى قوة جيولوجية هدفها تغيير طبيعة الكون وتدمير الطّبيعة[11]. فقد ازداد التأثير بصورة مُهولة في الكون لذلك يُطلق العلماء على هذا العصر عصر القوة الجيولوجية؛ وهذه القوة الجيولوجية تدلّ على وجود اختيار للإنسان بأن يعيش في هذا السياق حيث يُهيمن الخطر على بقاء الجنس البشري نفسه[12]. لقد دخلنا العصر الجيولوجي، أي الأنتروبوسين حيث إن الانسان أصبح يملك قُوة هيمنة من أجل تكوين مستقبل الكوكب[13]. ففي عصر الأنتروبوسين تم الانتهاء من الفصل بين الانسان والطبيعة[14].

سنحاول في هذه الدراسة النظر في إمكان ترحيل/ارتحال مفهوم كريتزن من حقل الكيمياء (كتخصص علمي تطبيقي/إمبريقي) بأجرأته في حقل المعرفة الاجتماعية (القانون الدولي والعلاقات الدولية) بالنظر في مدى وجود هيمنة إسرائيلية واضحة في المجالات السياسية والاقتصادية والقدرات العسكرية في فلسطين المحتلة بمختلف أوجه الهيمنة التي تُمارسها سُلطة الاحتلال الإسرائيلية.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 547 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 547 أيلول/سبتمبر 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 547 في أيلول/سبتمبر 2024.

الحسين شكراني: أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية، جامعة القاضي عياض، مراكش.

وعضو بالمجلس الاستشاري لمجلة المستقبل العربي، بيروت.

حقوق الصورة لـ UNRWA.

[1]   Paul J. Crutzen and Eugene F. Stoermer, «The «Anthropocene»,» Global Change Newsletter, vol. 41 (May 2000).

[2]    إن فكرة الأنتروبوسين كعصر جيولوجي ليست فقط مثالًا آخر لسيطرة الأنا عند البشر، وأولئك الذين حوّلوا تاريخ الكوكب إلى تاريخ خاص بهم، أو عملوا في الواقع على إبراز لحظة في التاريخ البشري كأنها كانت تنطوي على أهمية جيولوجية. فالأنتروبوسين نقاش مفاده أن التأثير البشري – وآثار ذلك التأثير – قد أدّى إلى تغيير نظام الأرض على نحو لا رجعة فيه وستستمر في ذلك سواء بقينا نحن البشر موجودين أم لا. فعلامات التأثير البشري العميق توجد في القياسات التي أُخذت في المحيطات، في الغلاف الجوي، وهي تتجلى في التغيرات التي تطرأ على الكائنات الحية. وفي الإشعاع ومخلفات الاستهلاك والبناء. انظر: بول وورد وليبي روبن وسفوركر سورلن، البيئة: تاريخ الفكرة، ترجمة سعيد منتاق، عالم المعرفة؛ العدد 506 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2023)، ص 203؛ وبينما ننتظر قرار اللجنة الدولية المعنية بعلم الطبقات(International Commission on Stratigrapy)  بشأن مصير فكرة الأنتروبوسين، نجد أن هذا المفهوم قد برز كاستعارة عن عصرنا، وكفضاء لمناقشة المسؤولية البشرية وكذلك الآفاق المستقبلية للكوكب. ويجد الفلاسفة البيئيون إشكالية أخلاقية في التعامل مع البشر كــ«نوع» على نحو جماعي. وبرغم أن نوعنا يُعَدّ من دون شك مسؤولًا عن تغيير قوانين الكوكب البيولوجية، فإن هذه المسؤولية لا يتحمّلها جميع البشر (ص 212).

[3]  لا تتأتى سيادة الإنسان على الطبيعة إلّا باستكشاف صور الكيفيات، ولا سبيل إلى هذا الاستكشاف سوى بالتوجه إلى الطّبيعة نفسها، إذ لا يمكن السيادة عليها إلّا بالخضوع لها في بادئ الأمر. انظر: معن زيادة، رئيس التحرير، الموسوعة الفلسفية العربية (بيروت: المعهد الإنمائي العربي، 1986)، مج 1، ص 267.

[4]    إن إعلان الطبيعة (المادية المحيطة بنا) هدفًا للإنسان وعلومه وفلسفته، ثم السعي لتملُّكها والسيطرة عليها، هما هدفان يتعارضان على نحو كلي مع الأهداف المقترحة للإنسان في لوائح العصر الوسيط وفي توجهات الفلسفة الوسيطة. انظر: المصدر نفسه، ص 586.

[5]   Ulrich Beck, Risk Society: Towards a New Modernity, Theory, Culture and Society (London: Sage, 1993).

[6]   حول السياسات البريطانية لتحويل الأراضي الفلسطينية للحركة الصهيونية، يمكن مراجعة الدراسة التالية: ربا عبادة مسودة، «مُصادرة الأراضي في عهد الانتداب البريطاني والاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي في فلسطين،» المستقبل العربي، السنة 45، العدد 529 (آذار/مارس 2023)، ص 42-58.

[7]   استغل الكيان الصهيوني حربه الإبادية في غزة في تشرين الأول/أكتوبر- تشرين الثاني/نوفمبر 2023، بإلقاء القنابل على السكان والمزارع، من أجل تجويع الفلسطينيين ودفعهم إلى مغادرة قطاع غزة. انظر: ياسر البنا، «كيف يدمر العدوان الإسرائيلي القطاع الزراعي في غزة؟،» الجزيرة نت، 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، <http://tinyurl.com/99n3tss9> (تاريخ الوصول إليه 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2023).

[8]   ريتا جقمان [وآخرون]، «الحالة الصحية والخدمات الصحية في الأراضي الفلسطينية المحتلة،» في: سامر جبور [وآخرون]، محررون، الصحة العامة في الوطن العربي، مراجعة وتدقيق فؤاد محمد فؤاد (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية والجامعة الأمريكية في بيروت، 2013)، ص 747.

[9]   «ICJ Legal Consequences of the Construction of a Wall in the Occupied Palestinian Territory,» <https://www.icj-cij.org/case/131>, (accessed 17 March 2023).

[10]    نظرية الاستقرار بفرض الهيمنة (Hegemonic Stability Theory): العالم بحاجة إلى دولة مسيطرة واحدة لتضع وتنفّذ قواعد التجارة الحرة بين أهم أعضاء النظام، والرغبة في القيام بذلك، والالتزام بنظام تعدّه أغلبية البلدان مصدر كسب متبادل لها. انظر: مارتن غريفيثس وتيري أوكلاهان، المفاهيم الأساسية في العلاقات الدولية (دبي: مركز الخليج للأبحاث، 2008)، ص 430-431.

[11]   Jamie Lorimer and Clemens Driessen, «Wild Experiments at the Oostvaardersplassen: Rethinking Environmentalism in The Anthropocene,» Transactions of the Institute of British Geographers, vol. 39, no. 2 (2014), p. 179 (Notes 1).

[12]   United Nations Development Programme [UNDP], Human Development Report: The Next Frontier Human Development and the Anthropocene (New York: UNDP, 2020), foreword, p. III.

[13]          Ibid., p. 4.

[14]           Ibid., p. 9.


الحسين شكراني

باحث في العلاقات الدولية، من مواليد سيدي بوزيد، أكليم (المغرب) عام 1971. حاصل على الدكتوراه في الدينامية الجديدة للعلاقات الدولية من جامعة محمد الأول (كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية)، وجدة – المغرب. وهو عضو بالجمعية الروسية للقانون الدولي البحري. من مؤلفاته: المقاربة المتوسطية الخضراء للبنــك الأوروبــي للاستثمار (1958-2012): دورها ومحدوديتها وسبـل تطويرها (قيد الطبع)، ونحو مقاربة بيئية للمياه العربية (مركز دراسات الوحدة العربية، 2021)، وتناقضات القانون الدولي: مدخل تحليلي (مركز دراسات الوحدة العربية، 2019). كما نشر عددًا من المقالات والتقارير العلمية في عدة دوريات متخصصة.

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز