مقدمة

تمثل «الباثولوجيا»، من وجهة نظر العلاقات الدولية، أداة لتحليل المجتمع الدولي في ضوء فكرة صراع القوى العالمية، فالرغبة في الهيمنة الاقتصادية والتمدد الجغرافي وبناء تحالفات تبعية (سياسيًا وأيديولوجيًا) كانت دائمًا في صلب السياسة الخارجية للقوى العظمى. وحتى حينما تحول العالم من ثنائية قطبية إلى نظام أحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لم يكتفِ «المجتمع الغربي» بانهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه إلى دويلات، بل سعى إلى استمالة هذه الدول الجديدة تارة عبر الحلف العسكري (الناتو) وتارة عبر الخطاب السياسي المبني على قيم الديمقراطية والعالم الحر.

في النتيجة، اشتغل الغرب على تفكيك البنى السياسية والثقافية والأيديولوجية للاتحاد السوفياتي سابقًا، بِرهان أكبر لا يقتصر على التقليص الجغرافي لروسيا (لاحقًا) بل يشمل إعادة بناء العلاقات الدولية في ضوء التحولات الجيوستراتيجية في المعسكر الشرقي، وما يمكنه أن يقدم من فرص جديدة لتطويق هذا المعسكر حتى ينشغل الروس بأمنهم وحدودهم بدل الانشغال بإعادة بناء التحالفات والولاءات السياسية كواحدة من أسس العقيدة الخارجية لموسكو. نشطت فكرة «الباثولوجيا» ضمن هذا السياق الدولي وعادت إلى واجهة رسم العلاقات الدولية.

نشير بدايةً إلى بعض التدقيق المفاهيمي حول مفهوم «الباثولوجيا»، ومرادفه في اللغة «العِلل» بمعنى أمراض العلاقات الدولية. والباثولوجيا (Pathology) أي علم الأمراض مصطلح معروف في العلوم الطبية يشير إلى الطريقة التي يتطور بها المرض. وقد استعمل كثير من المنظّرين في حقل العلاقات الدولية مفهوم «الباثولوجيا» للدلالة على الأمراض التي تسري داخل المجتمع الدولي، غير أن الكثير من هذه الدراسات، وأبرزها للكاتب الفرنسي بادي بيرتران، حاولت توظيف علم النفس الاجتماعي في تحليل الأسباب وتقدير النتائج.

من بين العلل الموروثة في حقل العلاقات الدولية اللامساواة والإذلال والماضي الاستعماري وعسكرة النزاعات الدولية وتغيير الأنظمة السياسية بالقوة وتشجيع الهويات المتقاتلة وسيادة «الإدارة بالأزمات» أي كل ما يفيد تصدير الأزمات الداخلية إلى دول الجوار، وغيرها من التوصيفات المستخدمة في تفسير أمراض العلاقات الدولية. تمثل هذه الأعراض عناصر «باثولوجيا العلاقات الدولية» السائدة اليوم، منها ما هو فعلي ومنها ما هو مفتعل يخدم الحفاظ على نظام عالمي تسوده اللامساواة.

نبحث في هذه الورقة، بعنوان «باثولوجيا» الحروب الوظيفية في أوروبا والصعود السلمي للصين، في أسبابها ونتائجها وأثرها في تنظيم العلاقات بين الدول في حقبة الأزمات الدولية، ومدى إمكان أن تفتح الباب أمام عودة تعددية قطبية أطرافها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين، وذلك انطلاقًا من تفسير وتحليل ثنائيات متلازمة: الأسباب والآثار؛ الحرب والسلم؛ روسيا وأوكرانيا؛ ثم أخيرًا الأحادية والتعددية القطبية.

أولًا: باثولوجيا العلاقات الدولية…
التأثيرات والأسباب

اختفت خلال الثلاثة عقود الأخيرة مفاهيم سادت العلاقات الدولية طيلة السنوات الماضية، سواء إبان الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفياتي (روسيا) أو بعد انهيار جدار برلين وتفكك المعسكر الشرقي. مفاهيم من قبيل النظام الدولي والثنائية القطبية والمعسكرات.. وحلت مكانها مفاهيم القوة وعسكرة الأزمات وتوظيف القوى الناعمة لإسقاط الأنظمة السياسية (في ثورات الربيع العربي وقبلها في دول أوروبا الشرقية). وقد كشفت هذه المفاهيم الجديدة حالة من «الباثولوجيا» المتفشية في عمق العلاقات الدولية.

يحدد أستاذ العلاقات الدولية الفرنسي برتراند بادي (Bertrand Badie) في كتابه زمن المذلولين[2] أربعة مستويات من الباثولوجيا التي تعصف بالعلاقات بين الأمم منذ نشأة النظام العالمي. وتدور هذه الباثولوجيا حول فكرة «اللامساواة»، حيث ميز الكاتب بين اللامساواة التأسيسية (الاستعمار) واللامساواة الوظيفية (نظام عالمي إقصائي) واللامساواة المُهيكِلة (هيكلة دولية لا تسمح بالمشاركة الجماعية في اتخاذ القرار)، ويمكن أن نضيف إليها الإذلال بواسطة «الوسم» بمعنى استخدام مفاهيم ونعوت «انتقائية» في تنظيم العلاقات بين الدول.

1 – اللامساواة التأسيسية: سياسة المحاور واستمرار الوصاية

ينطلق هذا التصور من مختلف التأثيرات التي مارستها القوى الاستعمارية الكبرى على الدول المستعمَرة، حيث يسود الاعتقاد بأن «الوصاية الكولونيالية» لا تزال قائمة وتتخذ صورًا مختلفة، في شكل الارتباط الاقتصادي بالبلدان المستعمِرَة واستمرار الولاء السياسي لها والاصطفاف إلى جانبها في الحروب والمواقف السياسية الدولية. وهذا يعني أن الماضي الاستعماري كان عاملًا مؤسسًا للعلاقات الدولية الحالية، وبالتالي لم تستسغ هذه الأنظمة الكولونيالية فكرة «التحرر» من الروابط السياسية القديمة، فسعت إلى الإبقاء على علاقات اقتصادية تضغط من خلالها على مستعمراتها السابقة وتساوم بها أحيانًا بقاء الأنظمة السياسية الحاكمة في هذه الدول. ضيعت هذه الوضعية على البلدان في مرحلة ما بعد الاستقلال فرصة تحقيق التحرر الوطني الاقتصادي والمالي وجعلتها تدور في فلك الدول الكبرى، ما أثر في مشاريع التنمية والديمقراطية فيها.

مثّل انعدام المساواة حقلًا معرفيًا لاشتغال العديد من المدارس الاقتصادية في العالم الثالث، والتي بحثت في أسباب تخلف بلدانه رغم مرور سنوات على تحررها من الاستعمار، وكيف أن البنية الاقتصادية لهذه الدول واحدة من أسباب الأزمة، فهي إما أنها قائمة على اقتصاد كلي تابع (حالة الاقتصاديات الصناعية في دول المعسكر الشرقي) وإما أنها قائمة على منطق الحد الأدنى من الدولة بوصفه أحد مرتكزات الدولة الليبرالية في المفهوم العربي (حالة المغرب).

وتبقى التبعية السياسية سواء عبر التحالف أو ما يسمى اليوم «سياسة المحاور الإقليمية»، واحدة من أسباب ضمان استمرار حالة اللامساواة في العلاقات الدولية، ذلك أن محاولة الخروج عن الاصطفاف التي بنته القوى العظمى في زمن الحرب الباردة (ثنائية المعسكر الغربي والشرقي) قد يُعرّض الدولة لمشاكل تهدد استمراريتها. والشاهد هنا الأسباب غير المعلنة للحرب الروسية على أوكرانيا. إذ إن سيناريوهات هذا الصراع بدأت في التكون منذ انتخاب رئيس أوكراني جديد (فلوديمير زيلينسكي) موالٍ للغرب بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية سنة 2019 على مرشح روسيا (بيترو بروشينكو).

يعني ذلك أن انعدام المساواة منذ بداية تكوّن العلاقات الدولية بقي راسخًا كل هذه السنوات، بل إنه يتجدد ويبتكر أساليب أخرى للبقاء، فالروابط التي اتخذت في السابق شكل استعمار أو حماية، يعاد إنتاجها اليوم على نحوٍ مختلف في نظام دولي قائم على «دول المركز» و«دول المحيط»[3].

2 – اللامساواة المهيكِلة: احتكار صناعة القرار الدولي

يقوم هذا النموذج حسب بيرتران بادي، على فكرتين:

أولًا، الاستفراد بالقرار الدولي من خلال «احتكار» سلطة الأمم المتحدة (مجلس الأمن) منذ التوافق الذي حصل في سنة 1945 وترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية. وما نجم عن ذلك من نشوء قوى عظمى تُمسك بحق الفيتو أو الاعتراض على قرارات مجلس الأمن، ما يجعلها تمسك بخيوط اللعبة الدولية. مقابل دول أخرى تقوم بمهام عددية غير مؤثرة في صناعة القرار الدولي شأن الدول غير دائمة العضوية بمجلس الأمن.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 540 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 540 شباط/ فبراير 2024

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 540 في شباط/فبراير 2024.

[1]إحسان الحافظي: أستاذ القانون والعلاقات الدولية، كلية القانونية

والسياسية، جامعة الحسن الأول – المغرب.

[2]    بيرتران بادي، زمن المذلولين: باثولوجيا العلاقات الدولية، ترجمة جان ماجد جبور، سلسلة ترجمان (الدوحة: منشورات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017).

[3]      المصدر نفسه، ص 162.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز