مقدمة
لم يعد العالم كما كان قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. فـ”طوفان الأقصى” العملية البطولية الخارقة من جانب المقاومة الفلسطينية في غزّة قلبت كل موازين القوّة في الصراع مع الكيان الصهيوني المحتلّ لفلسطين، كما قلبت موازين القوّة في الوطن العربي وفي الإقليم والعالم وأيضًا معظم المفاهيم والمواقف المتداولة دوليًا وإقليميًا وعربيًا. والتحوّلات التي حصلت هي بمنزلة التحرّكات للصفائح التكتونية الأرضية التي ينتج منها الزلازل والبراكين واختفاء القارات وخلق البراكين والفيضانات والتغييرات المناخية التي تغيّر نمط الحياة. ليست تلك مبالغة في التقدير عندما نواجه النتائج لتلك العملية ونحن على أبواب الاحتفال بالذكرى الثالثة لتلك العملية.
أولًا: التحوّلات في المفاهيم
يؤكّد هذا الاحتفال ضرورة التركيز على إبراز التحوّلات في المفاهيم التي كانت وما زالت تعمّ الفضاء السياسي العربي وإلى حدّ كبير في العالم.
1- أولى التحوّلات في المفاهيم هو توأمة الإيمان والعقل في العمل الجهادي التحريري. لا يعطي الكثيرون من المراقبين والمحلّلين الأهمية لتلك التوأمة. فلولا الإيمان بالله وبرسالته والإيمان والعمل بالعقل لما استطاع المجاهدون في كل من فلسطين ولبنان والعراق واليمن من تحقيق الإنجازات التي بهرت العالم أجمع. فما حققه التخطيط العلمي لعملية الطوفان واستيعاب التكنولوجيا الحديثة وتطوير العتاد بأحسن التكنولوجيات التي تمّ توطينها ثم استبطانها دليل على أن العقل العربي وبفعل الإيمان يصنع العجائب. قارب أسلافنا تلك العلاقة في تناولهم قضية العقل والشريعة، فمنهم من حاول التقليل من تلك العلاقة ومنهم من قال أنْ لا تضارب بينها. والمستشرق والمستعمر ومعهما العربي المتغرّب المتنكّر لموروثه القيمي والفكري حاولوا ترويج أن الدين والإيمان يتناقضان مع العقل متجاهلين أن لا إيمان من دون عقل “يعقل” كلام الله. وتاريخ هذه الأمة حافل بالاكتشافات العلمية التي نقلها إلى العالم أجمع بينما كان العالم في عصر الجهل والتخلّف.
التضحيات التي بذلها المجاهدون في كل ساحة قتال وإنتاج وفقًا لمعادلة بسيطة لا يستطيع أن يفقهها العقل الغربي والصهيوني هي أن “إما النصر وإما الشهادة” في سبيل قضية سامية. والاستناد إلى الإيمان دعم قدرة العقل على تجاوز المعضلات العسكرية والفنّية ومكّن المجاهدين من ابتكار خطط لاقتحام خطوط العدو المحتل برهنت عن عبقرية لم يكن ليتصوّرها أحد. وكانت أيضًا المفاجآت في كشف التقنيات في تطوير الصواريخ التي لا يملكها العدو الصهيوني سواء في المسيّرات أو الصواريخ الفارقة للصوت.
سيمتد نجاح تلك التوأمة في الميدان العسكري حتمًا إلى مختلف ميادين العمل الإنساني في إنتاج المعرفة التي كانت درّة التاج للحضارة العربية الإسلامية. ستعيد هذه التوأمة الاعتبار إلى منهجية في العمل فقدناها مع انحطاط الدولة العربية الإسلامية. النجاح في الميدان هو العلامة الفارقة بقدرة هذه الأمة على أن تستعيد مكانتها في العالم إن حافظت على تلك التوأمة. فليس هناك من قوّة بشرية تستطيع أن توقف تقدّم هذه الأمة وبخاصةٍ إذا ما توحدّت.
2- ثاني التحوّلات في هذه المفاهيم هو تثبيت مركزية القضية الفلسطينية في مقاربة أي أزمة أو تطوّر في المشهد السياسي والاقتصادي والثقافي في الوطن العربي. وأثبتت مركزية القضية الفلسطينية أن مصدر التوتّرات في الإقليم تعود إلى وجود كيان محتلّ لفلسطين لا يريد أن يعترف بوجود شعب فلسطيني، وبالتالي لأي حقوق تعود له، وذلك رغم سيل من القرارات الدولية التي تقول خلاف ذلك بما فيه القرار الأممي الذي أفضى إلى إنشاء الكيان على أرض فلسطين. وهذا القرار مرتبط بشروط لم ينفّذها الكيان ولا يريد الاعتراف حتى بوجودها وبالتالي يلغي تلقائيًا القاعدة القانونية الأممية التي أوجدته. فهذا الكيان غير شرعي بأي مفهوم يمكن اللجوء إليه. وسلوك الكيان مصدر الاضطرابات في مختلف الأقطار العربية وصولًا إلى عمق القارة الأفريقية.
كشف “طوفان الأقصى” هشاشة التفكير الغربي، وبخاصة الأمريكي في تقييم المشهد السياسي للإقليم. نذكّر هنا كدليل على تلك الهشاشة مقال جاك سوليفان مستشار الأمن القومي الأمريكي في مجلّة فورين أفّيرز[1] الأمريكية في عدد تشرين الأول/أكتوبر 2023 رأى فيه أن الوضع “مستقرّ في الإقليم وأن التطبيع مع الكيان من جانب الدول العربية يتنامى. جاءت العملية البطولية بمنزلة الصاعقة التي دمرّت هيكلية التفكير الأمريكي وسياسته تجاه المنطقة الذي تجاهل أهمية العامل الفلسطيني في المعادلات الإقليمية والعربية. وأكّدت المحاولات اليائسة لجاك سوليفان لسحب المقال اكتشاف الخطأ الاستراتيجي في تقييم المشهد وضحالة التفكير للإدارة الأمريكية التي تفاخرت بدعمها المطلق للكيان وتجاهلها خطورة بقاء القضية الفلسطينية من دون حل. فالتطبيع الذي دفعت بها الإدارة الأمريكية هي لترسيخ فكرة أن “سلامًا” في المنطقة ممكن وحاصل من دون مقاربة القضية الفلسطينية. فكانت عملية “الطوفان” التي نسفت قاعدة تلك السياسة.
تواجه البلدان العربية التي تساهلت في تعاملها مع القضية الفلسطينية استحقاقات لم تكن في الحسبان. فنظرية امتلاك الولايات المتحدة 99 بالمئة من أوراق اللعبة وأن الطريق لاسترضائها هو عبر البوّابة الصهيونية والاعتراف بالكيان سقطت بضربات المقاومة التي برهنت أن التحرير لا يأتي بالمفاوضات والامتثال للإملاءات الأمريكية بل عبر المقاومة المسلّحة. فدرس المقاومة في لبنان في عام 2000 وغزّة في عام 2005 والصمود امام العدوان الصهيوني على لبنان في تموز/يوليو 2006 واليوم بعملية “الطوفان” وحرب الإسناد ومعارك أولي البأس والتصدّي للعدوان الصهيوأمريكي على إيران أفقد الولايات المتحدة والكيان الصهيوني زمام المبادرة وفرض على الدول العربية المطبّعة مع الكيان أو التي تفكّر في التطبيع أن الولايات المتحدة لا تملك 99 بالمئة من أوراق اللعبة، وأن الكيان الصهيوني عاجز عن الدفاع عن نفسه، وأن الولايات المتحدة عجزت عن الدفاع عن “حلفائها” في الجزيرة العربية ضد المقاومة اليمنية في منتصف العقد الماضي.
3- ثالث المفاهيم هو كشف هشاشة التفوّق الغربي المزعوم وبالتالي ضحالة المراهنة عليه. تم تحييد فائض القوّة بسبب العجز في القيمة المضافة. فقد أفقدت هشاشة التفوّق الغربي أي قيمة للقوّة التي سمحت للغرب السيطرة على العالم لمدة قرنين على الأقل. هذا يعني أن القوّة العسكرية التي ملكها الغرب وبخاصة الولايات المتحدة، وبالأخص الكيان الصهيوني، فقدتها بسبب فقدان الولايات المتحدة والكيان الصهيوني القيمة المعنوية التي كان يزعم ملكها عبر أدوات الإعلام ومراكز الأبحاث والأفلام التي روّجت لتلك القوّة وتنكّرت لقوّة خصومهم. فعِبر شيطنة خصومها، أرادت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني معها إلغاء إنسانية الآخرين لتسهيل قتلهم وتبريره. بات واضحًا من خلال المواجهات العسكرية خلال السبعين سنة الماضية أن الولايات المتحدة لا تجيد القتال بل القتل فقط. فلا فيتنام ولا العراق ولا أفغانستان ولا أوكرانيا، وأخيرًا في غرب آسيا، إنجازات عسكرية للغرب وللولايات المتحدة بل قتل المدنيين فقط. ظهرت صورة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على حقيقتها كآلات للقتل خدمة لمطامعها وليس لمصلحة الشعوب. ويمكن إضافة أنه حتى الشعب الأمريكي بدأ يشعر أن الحروب الدائمة للولايات المتحدة لم تكن يومًا من الأيام لمصلحته بل لمصلحة النخب الأوليغارشيية الحاكمة[2].
وما يمكن إضافته إلى ذلك أن التفوّق المزعوم في العلوم والتكنولجيا وإدخال ذلك المنتوج في الآلة الحربية لم يعد قائمًا. فلم يعد احتكار المعرفة والتكنولوجيا حكرًا على الغرب وبخاصة على الولايات المتحدة، إذ إن كثيرًا من الدول المتصدّية للهيمنة الأمريكية طوّرت قدراتها العلمية لتتفوّق على الولايات المتحدة وبخاصة في التطبيقات العسكرية؛ سواءٌ في إنتاج الصواريخ الفارقة للصوت أو المسيّرات التي أقل تكلفة وأكثر دقّة في تصويب الأهداف مقارنة بالتكلفة الباهظة لوسائل الدفاع الأمريكية وسلاح الجوّ الأمريكي ومعها سلاح الكيان الصهيوني. ولا تستطيع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني أن ينفردا في تملّك الذكاء الاصطناعي. والتطوّرات العسكرية الأخيرة التي أدّت إلى إقفال مضيق هرمز وباب المندب أوجد أزمة في تصدير الطاقة التي ينتج منها غاز الهليوم الضروري في صناعات الذكاء الاصطناعي. كما أن انكشاف الولايات المتحدة تجاه الصين في الأتربة النادرة جعلها خاضعة للقرار الصيني في توريد – أو عدم توريد – تلك المعادن النادرة إلى الولايات المتحدة لإنتاج آلات القتل التي تستخدم حاليًا في غرب آسيا، وقد تستخدم ضد الصين وروسيا وأي دولة ترفض الهيمنة الأمريكية[3]. لذلك، من الناحية المادية تحتاج الولايات المتحدة إلى الطاقة الصادرة من غرب آسيا كما تحتاج إلى الأتربة النادرة التي تنتجها الصين. أصبحت قدراتها العسكرية مرتهنة لسلاسل التوريد الموطّنة خارج الولايات المتحدة فأصبحت رهينة الدول التي حصل التوطين فيها بما فيها الصين.
أما على الصعيد القيمي والأخلاقي فحدّث ولا حرج عن الإخفاقات الأمريكية والصهيونية في تبرير القتل البارد للمدنيين. والوحشية التي مارستها الولايات المتحدة تاريخيًا خلال تكوينها ومؤخّرًا في العدوان على العراق واليمن والجمهورية الإسلامية في إيران نافسها الكيان الصهيوني في كل من غزّة وسائر فلسطين ولبنان. أفقدت وحشية كل من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والغرب عمومًا أي فائض في قوّاتها العسكرية أو الاقتصادية.
4 – رابع المفاهيم هو تكريس وحدة الساحات تمهيدًا لوحدة الأمة وتكامل الأمة العربية والإسلامية. فالساحات المواجهة للعداون الصهيوأمريكي هي مزيج من دول وقوى شعبية تعمل من أجل قضية واحدة، وهي قضية فلسطين. فالدول عربية وغير عربية، اليمن وسورية قبل سقوط النظام، والجمهورية الإسلامية في إيران بينما القوى الشعبية هي عربية: المقاومة الفلسطينية بكل تشكيلاتها، المقاومة الإسلامية في لبنان وحركة أمل، الحشد الشعبي في العراق، وأنصار الله في اليمن. التنسيق العالي في إدارة العمليات العسكرية أكّد وحدة الساحات. وبالتالي نستطيع أن نقول إن فلسطين هي التي توحد الأمة العربية وتكاملها مع الأمة الإسلامية. والسؤال الذي يقلق ويرعب الدول المطبّعة ومعها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني هو تكامل الأمة العربية والأمة الإسلامية ووحدة الأمة العربية في مواجهة قوى الاستكبار في العالم وفي الإقليم.
ثانيًا: التحوّلات في موازين القوّة
(من منطق العدد والعتاد إلى منطق الإرادة والقضية)
بناءً على ما تقدّم، يمكن القول إن موازين القوّة اختلّت بصورة كاسرة لمصلحة قوى جبهة المقاومة في الإقليم وعلى الصعيد العالمي لجبهة الدول والشعوب التي ترفض الهيمنة الغربية وبخاصة الأمريكية. فإضافة إلى الخلل في البعد الأخلاقي والمعنوي لسياسات الولايات المتحدة والكيان، تبيّن الخلل حتى في العتاد وفي الأداء العسكري. بات واضحًا أن التحالف الصهيوأمريكي لم يُحسن تقدير موازين القوّة وظنّ أن قوّته النارية والتفوّق التقليدي الجوّي له كافٍ لحسم المعركة لمصلحتهم. لم يأخذوا بدروس فشل الاتكال على التفوّق الجوّي من خلال عدوان عام 2006 على لبنان، كما لم يتّعظوا من الإخفاق في العدوان على اليمن سواء بقيادة بلاد الحرمين لقوى التحالف في 2015-2021 أو في العدوان الأمريكي – البريطاني – الفرنسي على اليمن في عام 2024 خلال حرب الإسناد وفيما بعد السنة الأولى من ولاية ترامب الثانية عام 2025. وها هم يكرّرون الخطأ في ربيع 2026 في العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران ومجدّدًا على اليمن في صيف 2026.
الولايات المتحدة في المواجهة الحالية مع الجمهورية الإسلامية في إيران واليمن وفي شرق أوروبا مع الحلف الأطلسي في أوكرانيا في مواجهة روسيا برهنت عن سوء تقدير فادح في قدراتها العسكرية وإدارتها. فنفاد الاحتياط الاستراتيجي في المعدّات كصواريخ دفاعية وهجومية وعدد من أنواع الذخيرة في مواجهة رأت فيها أن تفوّقها في القوّة النارية التي تملكها كافية لحسم المعركة مع إيران واليمن واستنفاد قدرات روسيا على الاستمرار في عمليتها العسكرية الخاصة في أوكرانيا. بات واضحًا عند إعداد هذه المقاربة أن القدرة الإنتاجية للصواريخ الهجومية والدفاعية محدودة في الكمّ وتستوجب مدة طويلة من الزمن، وهو ما يجعلها غير قادرة على الاستمرار في مواجهة كل من إيران واليمن[4]. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الكيان الصهيوني المؤقّت.
ويجب الانتباه أيضًا أن المنتوج العسكري الغربي هو من تصميم القرن العشرين وليس من القرن الحادي والعشرين بينما الصواريخ الفارقة للصوت في كل من روسيا والجمهورية الإسلامية في إيران واليمن من تصميم القرن الحالي[5]. مع هذا النوع من الصواريخ التي تستطيع استهداف جميع القطع البحرية الأمريكية من دون أن تكون أية حماية لها جعل نظريًا القطع البحرية الأمريكية خردة عائمة إذا ما أقدمت أي من روسيا أو إيران أو اليمن على استهدافها.
نقتبس هنا فقرة من تقريرنا إلى المؤتمر القومي العربي في دورته الخامسة والثلاثين في 2024: “السؤال الذي يجب طرحه هو حول ميزان القوّة بين المقاومة والشعب الفلسطيني من جهة وبين الكيان ومن يدعمه دوليًا وإقليميًا. يمكن احتساب تقدير أن ميزان القوّة على قاعدة مؤشرات مادية كالعديد والعتاد بين المقاومة وقوّات الاحتلال لن يعطي الصورة الكاملة بل ربما الصورة العكسية للواقع. فهناك عدم تكافؤ في ذلك الميزان لمصلحة الكيان. لكن ميزان القوّة يتضمن مكوّنات غير قابلة للقياس الإحصائي والتي تفوق أهميته الاعتبارات المادية الكمية. والمقصود هنا الاندفاع الإيماني والعقلي والإبداعي لدى المقاومة الذي يتجاوز السلبيات الناتجة من الاعتبارات المادية وبخاصة عن الطبيعة الجغرافية لساحة القتال التي قد تمل مقتلًا في مواجهة تقليدية. فمحاصرة القطاع والطبيعة المسطّحة للقطاع وصغر مساحة المواجهة ليس لمصلحة المقاومة نظريًا. والعنصر الآخر هو نوعية القيادات في الكيان والمقاومة. لكن أهم عنصر هو مدى تلاحم الشعب مع القيادة. ففي الكيان هناك انقسام عمودي وأفقي بين مكوّنات الكيان مع الحكومة. وفي المقابل، هناك التصاق الشعب بالمقاومة، بل ربما تقدّم الشعب على المقاومة. والنتيجة هنا هي عدم إمكان الفصل بين المقاومة والشعب في غزة وفلسطين المحتلة وفي الشتات. لذلك استطاعت المقاومة أن تحوّل هذه السلبية في عدم التكافؤ في العديد والعتاد إلى مصدر قوّة لديها ومصدر ضعف للعدو حيث القتال من مسافة صفر عدّل التفوّق النظري لدى الكيان. كما أن أسلوب المواجهة أفرغ ترسانة الكيان من الخيارات العسكرية كافة للقضاء على المقاومة حيث لم يعد يستطيع دفع فاتورة الدم إذ وصلت تقديرات خسارة العدو إلى أكثر من 10 آلاف بين قتيل وجريح ناهيك بالعطب والأمراض النفسية التي أصابته. لقد فشل الكيان في القتال لكنه ما زال ينجح في القتل بسبب العتاد وبسبب الاعتماد على الذكاء الاصطناعي الذي أوجده التعاون بين الشركات الأمريكية الكبرى والشركات التكنولوجية في الكيان المؤقّت. كانت لهذا التغيير في طبيعة المواجهة تداعيات سياسية وأخلاقية لدى الكيان وبخاصة لدى الحلفاء التقليديين للكيان كالولايات المتحدة والدول الغربية”[6].
وفي ما يتعلّق بالعدد، فإن القوى المقاومة التي قامت بعملية “طوفان الأقصى” وحرب الإسناد في كل من لبنان واليمن والعراق، فعددها أقّل كثيرًا من قوّات العدو الصهيوني وحليفه وداعمه الولايات المتحدة. هذا يعني أن العدد في القوى المقاتلة ليس الأمر الحاسم وإن كان مهمًا، فـ ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة 249). ونرى ترجمة ذلك في حروب الرسول ﷺ حيث كان جيشه أقلّ من جيوش المشركين. وفيما بعد، في الفتوحات الأولى نتذكر كيف هزم جيش المسلمين جيش الروم الضخم في معركة اليرموك. فضخامة جيش هرقل تذكرنا بضخامة جيش الولايات المتحدة والكيان ورشاقة وسرعة تحرّك جيش خالد بن الوليد تفوّقت على ضخامة وبطء جيش هرقل. فما نراه اليوم ليس بغريب وما علينا إلّا أن نتذكّر أنّ بالصبر والإيمان والعمل والتخطيط نستطيع أن نهزم أكبر الجيوش في العالم.
أما على صعيد الطاقة، فبعد إقفال مضيق هرمز وباب المندب أمام الملاحة لبلاد الحرمين فإن أكثر من 20 بالمئة من الطاقة خرجت من التداول التجاري العالمي ما فرض نقصًا حادًا في ميزان الطاقة العالمي الذي بات على أبواب كارثة اقتصادية سببتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في عدوانهما العبثي على كل من إيران واليمن. فالاقتصاد الأمريكي على حافة الانهيار بسبب توقّف العجلة الاقتصادية بسبب انقطاع النفط الثقيل الضروري لإنتاج الديزل والوقود وهو ما سيؤدّي إلى شلل في قطاع النقل. إضافة إلى كل ذلك فانقطاع تصدير الغاز وبخاصة غاز الهيليوم الضروري للصناعات التكنولوجية المتقدمة كقطاع الذكاء الصناعي وإنتاج الرقاقات الميكروية الضرورية في التسليح ووسائل التواصل سيؤدّي إلى شلل في قدرات الإنتاج العسكرية وإعادة تكوين المخزون الاستراتيجي ناهيك بالاستعمال العملياتي.
وزيادةً في الطين بلّة، فإن التكلفة المباشرة للعدوان الصهيوأمريكي على إيران واليمن قد تجاوزت المئة مليار دولار[7] بينما التكلفة غير المباشرة قد تتجاوز التريليون دولار[8]. جاءت هذه التكلفة الباهظة خلال أزمة مالية واقتصادية أمريكية لا تستطيع الخروج منها. كانت نتيجة تلك الإجراءات تفاقم الدين العام الذي تجاوز عند إعداد هذه المقاربة 41 تريليون دولار[9] مقابل ناتج داخلي لا يتجاوز 26 تريليون دولار في سنة 2022[10]. في المقابل تجاوزت ديون العائلات 16،9 تريليون دولار لسنة 2022[11] بينما قفز دين الشركات إلى 24 تريليون دولار[12] فيصبح مجموع الديون في الولايات المتحدة أكثر من 71 تريليون دولار. ونلاحظ أن تفاقم الدين العام ارتفع من 398 مليار دولار سنة 1971 (أي ما يوازي 35 بالمئة من الناتج الداخلي) إلى أكثر من 41 تريليون دولار (أي ما يوازي 135 بالمئة من الناتج الداخلي)[13]. وبغضِّ النظر عن دقة تلك التقديرات فهذا دليل على أن هشاشة الوضع المالي، إضافة إلى أن أكثر الناتج الداخلي الذي يُقدّر بـ25 تريليون دولار هو إنتاج افتراضي، تعود للأرباح الافتراضية في البورصات المالية الأمريكية. إذًا، في ميزان القوّة المادي هناك ثغرة كبيرة في القدرة الاقتصادية تُضاف إلى الثغرات في القدرات العسكرية.
أضف إلى ذلك هناك تراجع بينوي في الإنتاج الاقتصادي الغربي بوجه عام، وبخاصة في الولايات المتحدة، بسبب توطين القاعدة الإنتاجية الصناعية خارج الولايات المتحدة فأفقدتها القدرة على تحويل بنيتها الصناعية إلى صناعات حربية كما حصل في الحرب العالمية الثانية[14]. أصبحت الولايات المتحدة تستورد معظم حاجاتها بينما كانت حتى نهاية الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي المصدر الأول للإنتاج الصناعي والتفوّق التكنولوجي. أما اليوم، فأصبحت الصين المنتج الصناعي الأول والتفوّق التكنولوجي الأمريكي تبخّر لمصلحة القدرات التكنولوجية الروسية والصينية وربما لعدد من دول مجموعة البريكس. ولا يجب استبعاد الدور المتنامي لدول كالجمهورية الإسلامية في إيران واليمن في التقدّم التكنولوجي العسكري في عدد من القطاعات التي تمّ اختبارها في حروب المنطقة والتي كسرت قاعدة التفوّق الصهيوأمريكي. لذلك يمكن القول إن استمرار الولايات المتحدة والكيان في العدوان العبثي يذكّرنا بالآية القرآنية الكريمة ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الحشر 3) استكمالًا في رأينا لآية أخرى ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (البقرة 15).
ثالثًا: التحوّلات الدولية
(الرأي العام في الغرب والولايات المتحدة، سقوط السردية الصهيونية، عزل الكيان في المحافل الدولية)
من تبريكات “الطوفان” وما تلاه من عدوان صهيوأمريكي على كل من غزة ولبنان واليمن والعراق وأخيرًا الجمهورية الإسلامية في إيران سقوط سرديات كانت مسيطرة على الإعلام العالمي وبخاصة الغربي والأمريكي وكأنها أصبحت من المسلّمات. فالسرديات المتعدّدة حول نشأة الكيان واضطهاد اليهود في الغرب واستعمار أرض بلا شعب لمصلحة شعب بلا أرض وأن الكيان واحة من الديمقراطية في محيط عربي إسلامي مستبد ومتخلّف. وخطاب رئيس وزراء الكيان في الكونغرس الأمريكي في صيف 2024 أعلن فيه أن الكيان هو خط الدفاع الأخير أمام البرابرة وأن هزيمة الكيان هي هزيمة للولايات المتحدة وللغرب. فكل هذه السرديات سقطت بسبب وحشية الكيان في كل من غزة والضفة ولبنان وتفاخر الجنود الصهاينة والتصريحات العنصرية لإجمالي القيادات الصهيونية التي تروّج من دون أي خجل للإبادة والتهجير، وكل ذلك في وسائل التواصل الاجتماعي رغم التعتيم الرسمي للإعلام الصهيوني والإعلام الشركاتي الغربي المتماهي مع السردية الصهيونية.
بات واضحًا أن الشباب الغربي بوجه عام والشباب الأمريكي بوجه خاص كان قد فقد الثقة بالإعلام الشركاتي. اليوم الإعلام الشركاتي في الولايات المتحدة مملوك بنسبة 90 بالمئة من ست شركات وهي أي تي أند تي (AT&T)، فياكوم (Viacom)، سي، بي، اس (CBS)، كومكاست (Comcast)، نيوزكورب (Newscorp)، وديزني ((Disney. ومقارنة بما كان عليه الوضع في منتصف الثمانينيات فكان عدد الشركات الإعلامية أكثر من خمسين شركة وهو ما يدلّ على مدى التمركز الذي حصل خلال تلك الآونة. فالولايات المتحدة أصبحت منصّة للرأي الواحد وهو رأي الشركات الكبرى صاحبة القدرات المالية. وتتجاوز القيمة التقديرية لهذه الشركات 440 مليار دولار حتى أيار/مايو 2023[15].
وبناءً على تراجع دور الإعلام الشركاتي تغيّر الرأي العام الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية والكيان الصهيوني المؤقّت وجرائمه[16]. فاستطلاعات الرأي العام المتعدّدة منذ 7 أكتوبر 2023 حتى إعداد هذا البحث تؤكّد موجة التغيير الذي انقلب على المفاهيم السابقة والسردية الصهيونية التقليدية. فلم يعد المواطن الأمريكي ينظر إلى الكيان كضحية بل كمجرم حرب. لم يكن هذا التحوّل بالحسبان حتى تاريخ قريب جدّا، لكن مجازر غزّة حرّكت الشباب الغربي بعامةٍ والأمريكي بخاصةٍ في الجامعات أولًا ثم شوارع العواصم والمدن الكبرى في الغرب والولايات المتحدة أجبرت الرئيس الأمريكي على الاعتراف بالتغيير عندما قال إنه من جيل تربّي على قاعدة أن من ينتقد الكيان الصهيوني يفقد وجوده السياسي بينما اليوم أصبح من يؤيّد الكيان يفقد وجوده السياسي. وهذا التحوّل يترجم حاليًا في القواعد الشعبية للحزب الديمقراطي المسيطر في المدن الكبرى من الولايات المتحدة. فلاحظنا فوز زهران ممداني لمنصب عمدة مدينة نيويورك. وتكمن أهمية هذا الفوز في شخص العمدة الجديد المنحدر من أصول مسلمة ويحمل أفكارًا تقدّمية وبخاصة في ما يتعلّق بدعم الحق الفلسطيني وذلك في مدينة تعَد الأكبر في الولايات المتحدة ومعقل الرأسمالية والصهيونية الأمريكية ومقرّ سكن أكبر جالية يهودية في الولايات المتحدة. وكان فوز ممداني بمشاركة ودعم الشباب اليهودي الأمريكي الذي ينتفض على أهله في رفض السرديات الصهيونية وتبنّى الحق الفلسطيني في فلسطين المحتلة. وتساءل الكثيرون إن كانت ظاهرة ممداني حدثًا عابرًا أم شيئًا يُمكن البناء عليه للمشهد السياسي الداخلي الأمريكي.
ظاهرة ممداني ليست فريدة وعابرة بل تمثل طليعة لموجة تغيير. فقد شهدت مدينة واشنطن، عاصمة الولايات المتحدة، فوز امرأة شابة سوداء لمقعد العمدة وتشاطر ممداني في أفكاره تجاه فلسطين والكيان الصهيوني. ونرى الحراك نفسه في المدن الأمريكية وحتى على مستوى انتخابات الكونغرس. ليس بإمكاننا تفصيل كل تلك التطوّرات لضيق المساحة بل نكتفي بالقول إن الانتخابات النصفية القادمة في تشرين الثاني/نوفمبر 2026 ستأتي بكونغرس أمريكي مختلف عمّا هو قائم حاليًا وليس مؤيّدًا بصورة تلقائية للكيان بل الضد. وقد تمتد هذه الظاهرة إلى المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا حيث المزاج العام انقلب إلى حد بعيد ضد الكيان، وكل ذلك بتبريكات “طوفان الأقصى”.
بات واضحًا أن الانتخابات التمهيدية للانتخابات النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر 2026 أظهرت عددًا كبيرًا من المرشحين داخل الحزب الديمقراطي يرفضون تمويل اللوبي الصهيوني ويعلنون معارضتهم للإدارة الجمهورية الحالية والديمقراطية السابقة في دعمهما المطلق للكيان وسياسات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي. كما أن المناصب على صعيد الولايات والمدن الكبرى أظهرت مواقف مماثلة تدلّ بنحو قاطع على أن ظاهرة ممداني هي طليعة لموجة تغييرية في الكونغرس الأمريكي؛ ليس فقط على صعيد السياسة الخارجية والعلاقة مع الكيان الصهيوني والموقف من القضية الفلسطينية وضرورة ملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة، بل تتناول أيضًا البنية السياسية الداخلية والخيارات الاقتصادية. كما أن الظاهرة هي بأكثريتها الساحقة شبابية وهي من إفرازات الاحتجاجات الطلّابية التي رافقت عملية “طوفان الأقصى”. والتناقض بين الجيلين ليس محصورًا في الحزب الديمقراطي بل نرى ذلك في داخل الحزب الجمهوري وبخاصة في القاعدة الصلبة للرئيس الأمريكي “ماغا” حيث الانقسام هو حول سياسة “أمريكا أولًا” أو الكيان الصهيوني أولًا. هناك الكثير من التقارير والأبحاث واستطلاعات الرأي العام تؤكّد ذلك لكن لا يسعنا إدراجها هنا لضيق المساحة.
تستمر ظاهرة التراجع الصهيوني في الوعي الغربي والعالمي وتتفاقم. وهذا تحوّل استراتيجي يهدّد استمرارية الكيان الذي كان أحد مصادر قوّته الدعم الخارجي والغربي وبخاصة الأمريكي. ونحن نشهد أن الدعم الأمريكي يخضع لمراجعة قد تترجم في الانتخابات القادمة بتغيير كبير في الكونغرس الأمريكي مصدر الداعم المالي والعسكري للكيان. ومن الواضح أن بقاء الكيان هو رهن الدعم الأمريكي له إلّا أن هذا الدعم أصبح من الأهداف الصعبة تحقيقها وإن كان قائما حتى الآن لكن فقط عند القيادات التقليدية في الحزبين. ونشهد أيضا تغيير في موقف بعض القيادات التقليدية في الحزب الديمقراطي الذي يحاول احتواء غضب القاعدة الشبابية وتطويق ظاهرة ممداني إلّا أنه في آخر المطاف بدأ يخضع للمزاج الشبابي الجديد.
أما على صعيد الرأي العام العربي والإسلامي فإن الشعور الكاسح هو لنصرة فلسطين والتنديد بغزة. لكن الرأي العام العربي لم يترجم إلى ضغط على الحكومات العربية لاتخاذ المواقف المطلوبة. فما زالت الحكومات العربية مرتعبة من الغضب الأمريكي والصهيوني رغم وضوح الضعف الصارخ لدى العدو. طبعًا هناك استثناءات كاليمن الذي شهد تظاهرات مليونية والأردن والمغرب، لكن الغائب الاكبر كان الشارع المشرقي العربي كسورية ولبنان، والأهم من كل ذلك غياب الشارع المصري. هذا لا يعني في رأينا أن الجماهير العربية لا تريد النصرة لفلسطين وغزة بل إن قيادات هذه الجماهير أو التي تزعم أنها تقودها وتمثلها لا تستطيع أو لا ترغب في في الصدام مع الأنظمة الحاكمة لأسباب ذاتية وحسابات سياسية ضيّقة. المهم، هذا الضعف الظاهر لم يخف خشية النظام العربي القائم من أن الغضب الشعبي حقيقي وكبير وأنه لا يمكن تجاهله إلى ما لا نهاية. وربما المراجعات السياسية التي بدأت منذ مدة هي خير دليل على ذلك وإن لم ترتقِ إلى المستوى المطلوب.
رابعًا: التحوّلات في موازين القوّة على الصعيد الدولي
حصلت سلسلة تطوّرات في موازين القوى الدولية من تغييرات في الخرائط السياسية عبر تحالفات جديدة سبقت بقليل “طوفان الأقصى” وتعاظمت معها وبعدها بسببه. والموازين التي نقصدها ثلاثة أقسام: القسم الأول، يمكن قياسه بأرقام كالعديد والعتاد في القوّات المسلّحة، في الاقتصاد والمال، في الجغرافيا وعدد السكّان، في الموارد، وذلك على سبيل المثال وليس الحصر. أما القسم الثاني فهو ما نُسمّيه اللاملموسات أي تلك التي تقاس بالأعداد. والمقصود هنا القيم والأخلاق ونوعية القيادات والتماسك الداخلي وذلك أيضا على سبيل المثال وليس الحصر. القسم الثالث والذي نادرًا ما يؤخذ به في تحاليل موازين القوّة هو الخطر الوجودي الذي يحدّق بالأطراف المعنية فيعطيه اندفاعًا أكثر فعّالية من رغبات وأهداف الخيارات والسياسات التي تتبعها الدول. فبالنسبة إلى العرب وللفلسطينيين بنوع خاص يصبح الخطر الوجودي وغريزة البقاء الدافع الأساسي للتصدّي لمحاولات الإبادة من جانب الكيان الصهيوني المؤقت ولتهميش وتذويب الذات العربية والإسلامية في أقطار الأمة كافة. لذلك نرى المجاهد يقاتل حتى الاستشهاد ولا يستسلم، وأن تكلفة الدماء أقل كثيرًا من تكلفة الذل. لا يستطيع الغرب بوجه عام والعدو الصهيوني بوجه خاص أن يستوعب هذه المنظومة القيمية وهذا ما يعطي قوّة أكبر في ميزان القوة لمصلحة أصحاب القضية المركزية التي تواجههم حتى في وجود الأمة العربية ومعها الأمة الإسلامية.
ففي القسم الأول وفي طليعة القدرات الاقتصادية والمالية لمجموعة الدول الصاعدة الجغرافيا الاقتصادية والبشرية. فالمساحة التي تعود إلى تلك الدول تشمل معظم القارة الاسيوية، وكل القارة الأفريقية وكل أمريكا اللاتينية الوسطى والجنوبية. وتلازمًا مع المساحة الجغرافية فتقطن أكثرية البشرية الساحقة في تلك الدول بل تمثّل 90 بالمئة من سكّان العالم بينما عدد سكّان دول مجموعة الـ (جي 7) لا يتجاوز 770 مليون نسمة أي ما يوازي 10 بالمئة من إجمالي السكّان (أكثر من 7 مليارات نسمة). يقع معظم الجغرافيا والبشرية الكاسح خارج سيطرة الدول الغربية. وإذا أخذنا في الحسبان أن الكثير من تلك الدول خارج مجموعة جي 7 دول شابة أي أكثرية سكّانها تحت سن 35 فذلك يعني أن المستقبل هو لتلك الدول. في المقابل دول جي 7 تشيخ حيث متوسط الأعمار فيها هو نحو 50 سنة.
أما على الصعيد الاقتصادي فتشير الإحصاءات الدولية كافة إلى أن الاقتصاد الغربي بعامة، أي مجموعة الدول السبع، تراجع إنتاجها الداخلي لمصلحة دول مجموعة دول البريكس والجنوب الإجمالي. إذا أخذنا مقياس الناتج الداخلي للقوّة الشرائية (Purchasing Power Parity) فتأتي الصين في المرتبة الأولى تليها الولايات المتحدة ثم الهند ثم اليابان ثم ألمانيا[17]. وتأتي روسيا في المرتبة السادسة قريبة من ألمانيا واليابان. نلاحظ هنا أن الصين والهند وروسيا في طليعة الدول للناتج الداخلي قياسًا إلى القوّة الشرائية وهو ما يدلّ على أن توقعّات هشاشة اقتصادات دول الجنوب الإجمالي غير دقيقة. وإجمالي الناتج الداخلي بالقوّة الشرائية لدول البريكس يفوق إجمالي الناتج الداخلي بالمقياس نفسه لمجموعة دول جي 7. فالناتج الداخلي للصين 33 تريليون دولار، والهند 13 تريليون دولار، وروسيا 5 تريليونات دولار والبرازيل 4 تريليونات دولار وجنوب أفريقيا تريليون دولار ومجموعها 56 تريليون دولار. أما دول جي 7 فيبلغ الناتج الداخلي للولايات المتحدة 26،7 تريليون دولار، تليها اليابان بـ 6،4 تريليون دولار، ثم المانيا بـ 5،5 تريليون دولار، ثم المملكة المتحدة وفرنسا بـ 3،8 تريليون دولار، وأخيرًا إيطاليا ب 3،3 تريليون دولار ومجموعها 51،9 تريليون دولار وذلك وفقًا لإحصاءات صندوق النقد الدولي لسنة 2022. تقل تقديرات البنك الدولي والاستخبارات المركزية نسبيًا عن تقديرات الصندوق إلّا أن التراتبية هي نفسها. إذ تتفوق دول البريكس على مجموعة دول جي 7. تمثل مجموعة دول البريكس على صعيد الناتج الداخلي 32 بالمئة من الناتج العالمي بينما لا تتجاوز دول جي 7 ما قيمته 30 بالمئة. وإذا أضفنا سائر الدول خارج جي 7 باستثناء نيوزيلاندا (279 مليار دولار) وكوريا الجنوبية (2،9 تريليون دولار) وأستراليا (1،7 تريليون دولار) فيصبح إجمالي الناتج الداخلي لمجموعة الدول الغربية وعددها 10 ما يوازي 56،8 تريليون دولار أي بالتوازن مع مجموعة دول البريكس. غير أن مجموعة دول البريكس وسائر دول الجنوب الإجمالي تمثّل 70 بالمئة من الناتج العالمي. فثقل الاقتصاد لم يعد في دول الغرب بل انتقل إلى دول البريكس وسائر دول الجنوب الإجمالي التي تمثّل 36 بالمئة من الناتج العالمي.
لكن العوامل الكاسرة في رأينا لموازين القوّة على الصعيد الاقتصادي والمالي هو تمركز مصادر إنتاج الطاقة خارج الدول الغربية بوجه عام لمصلحة روسيا ودول الجزيرة العربية. والمواجهة العسكرية بين إيران ومعها كل من اليمن وقوى جبهة المقاومة أظهرت مدى انكشاف العالم تجاه المنطقة بعد إقفال مضيق هرمز والإقفال النسبي لباب المندب. لقد تأثرت حركة الملاحة البحرية بصورة ملحوظة أثّر في تزويد العالم بالطاقة، سواء من النفط ومشتقاته أو من الغاز ومشتقاته، وبخاصة في الأسمدة وغاز الهليوم الأساسي في قطاع الذكاء الاصطناعي. كما أن انخفاض الاحتياط الاستراتيجي إلى أقل من 305 ملايين برميل[18] يعني أن الخيار الصعب الذي ستواجهه الولايات المتحدة هو بين استمرار تزويد الآلة الحربية الأمريكية أو إيقاف العجلة الاقتصادية الأمريكية، أو إيقاف الحملة العسكرية على إيران والمنطقة لضمان استمرار الحركة الاقتصادية لتفادي الاستحقاقات السياسية والاجتماعية التي ستلي إيقاف العجلة الاقتصادية سواء في البطالة التي سترتفع على نحو حاد أو ارتفاع أسعار السلع الغذائية وذلك على سبيل المثال وليس الحصر.
أما العنصر الأكثر خطورة في تغيير موازين القوّة فهو تراجع القدرات العسكرية الأمريكية في الأداء كما في العتاد والتذخير. فالحرب في شرق أوروبا على روسيا في المسرح الأوكراني وتزويد الكيان الصهيوني المؤقّت بالسلاح والصواريخ والذخيرة استنفد المخزون الأمريكي بقيادتها في العدوان على كل من اليمن وفيما بعد على إيران. الطاقة الإنتاجية لشركات التسليح الأمريكية محدودة[19] ولا تستطيع تلبية حاجات المواجهة، كما أنها لم تستطع تلبية تسليم السلاح للكثير من الدول الحليفة لها التي اشترت كمّيات كبيرة من الأسلحة، بما فيها دول الجزيرة العربية. وتشير تقارير كثيرة إلى الانخفاض غير المسبوق في مخزون الصواريخ الدفاعية والهجومية وعدم قدرة الإنتاج الأمريكي على إعادة بناء المخزون قبل عدّة سنوات[20]، وهو ما يجعل إمكان استمرار المواجهة العسكرية صعبة جدًا إن لم تكن مستحيلة[21]. وما يزيد الطين بلّة، كما يُقال في العامية، فإن العجز في إعادة تكوين المستودعات في العتاد والذخيرة يعود إلى فقدان الولايات المتحدة المواد الأساسية لإنتاج تلك الأسلحة بسبب توطين المصانع خارج الولايات المتحدة[22]. ومن ضمن هذه المواد التي تعتمد عليها نحو 78 بالمئة من الأسلحة الحديثة خمسة أنواع من الأتربة النادرة (غاليوم، تيتانيوم، إيتريوم، أربيوم، سكانديوم) التي لا توجد في الولايات المتحدة والتي تستوردها من الصين التي تسيطر على سلسلة التوريد والإنتاج لتلك الأتربة[23].
وأخيرًا لا بد من الإشارة إلى أن الخلل في موازين القوّة لمصلحة الجبهة المناهضة للهيمنة الصهيوأمريكية ومجموعة الحلف الأطلسي والدول العربية التابعة لتلك الهيمنة يعود إلى تردّي نوعية السلاح وإدارة العمليات العسكرية في المعسكر الأطلسي والصهيوني. في هذا السياق نشير إلى أن المواجهة الجوّية بين باكستان والهند في ربيع (أيار/مايو 2025) أظهرت تفوّق السلاح الشرقي (الصيني). فوفقًا لتقرير نقتبسه “من الناحية العملياتية، يشير محللون إلى أن المقاتلة، مهما بلغت قوتها، تبقى مجرد عنصر واحد في معادلة الاشتباك الجوي المعقدة. فالتفوق لا يُقاس فقط بنوع الطائرة، بل بمنظومة متكاملة تشمل الرادارات الأرضية، وطائرات الإنذار المبكر، والأهم من ذلك، صواريخ الجو-جو بعيدة المدى، التي تمثل الذراع الضاربة الحقيقية لأي سلاح جو حديث.
في هذا السياق، يُعتقد أن باكستان اعتمدت على مقاتلات JF-17 الصينية الصنع، والمزودة بصواريخ PL-15 بعيدة المدى، والتي يبلغ مداها نحو 300 كم، وتصل سرعتها إلى 5 ماخ. هذه الصواريخ، بفضل مداها الفائق، تتيح للمقاتلات الباكستانية الاشتباك مع أهدافها من خارج نطاق الرؤية، وداخل المجال الجوي الهندي، من دون الحاجة إلى الدخول في معركة جوية تقليدية.
في المقابل، لا تزال قدرات سلاح الجو الهندي في هذا الجانب محدودة نسبيًا، إذ تعتمد طائرات “رافال” على صواريخ ميكا الفرنسية، بمدى لا يتجاوز 150 كم، إضافة إلى صواريخ “أسترا” المطورة محليًا، والتي لم تصل بعد إلى مرحلة النضج الكامل من حيث الأداء والموثوقية. هذا الفرق في المدى الصاروخي منح الجانب الباكستاني ميزة حاسمة في الاشتباك، مكّنته من تنفيذ ما يشبه الضربة الاستباقية، في الوقت الذي كانت الطائرات الهندية لا تزال خارج نطاق الإطلاق الفعّال”[24].
أما على صعيد الأداء العسكري للولايات المتحدة في كل من المواجهات القديمة (فيتنام، أفغانستان، العراق، لبنان)، والحديثة (اليمن، إيران، وشرق أوروبا/أوكرانيا-روسيا) فبات واضحًا أن التفوّق الميداني كان لمن واجه الولايات المتحدة. وفي شرق أوروبا، يشير قائد القوّات الأوكرانية التي واجهت روسيا مع الدعم الكامل للحلف الأطلسي والولايات المتحدة في العتاد وإدارة العمليات والتنصّت أن روسيا استطاعت تحيّيد كل ما أنتجته الطاقات الغربية من سلاح[25]. وفي ما يتعلّق بأداء القيادات والوحدات العسكرية فهناك تقييم سنوي يصدر عن مركز أبحاث أمريكي (هريتاج فونديشن) في شهر شباط/فبراير يقيّم الجهوزية العسكرية الأمريكية لمواجهة أي طارئ، ويخلص التقييم إلى أن الجهوزية هي متوسطة (moderate) في منطقة غرب آسيا[26]. وهناك تقارير كثيرة تقدّر أن القوّات المسلّحة الأمريكية في خطر بسبب سوء إدارة القيادات السياسية والعسكرية[27]ـ أما الخبير العسكري الروسي أندري مارتيانوف المقيم في الولايات المتحدة فله عدّة مؤلفات حول التقنيات الحربية والأداء العسكري الغربي بعامة والأمريكي بخاصة؛ مفادها أنه لن يكون في إمكان الولايات المتحدة الصمود في مواجهة جدّية مع كل من روسيا والصين حتى بالسلاح النووي. فينتقد النظريات العسكرية الغربية بوجه عام والأمريكية بوجه خاص وعدم قدرتها على مواجهة التطوّرات التكنولوجية التي تؤثّر في بنى القوّات المسلحة[28]. وبالنسبة إلينا، فإن مصداقية تلك التقارير تأكّدت في الإخفاقات المتتالية للقوّات المسلّحة الأمريكية التي لم تربح حربًا منذ الحرب العالمية الثانية[29]. فالمواجهات في البحر الأحمر مع اليمن أكّدت أن التفوّق البحري والجوّي الأمريكي لم يصمد في المحاولتين المتتاليتين في عهد جوزيف بايدن ثم في الولاية الثانية لدونالد ترمب. السلاح النوعي الجديد الذي تملكه مكوّنات جبهة المقاومة من صواريخ فارقة للصوت إلى مسيّرات جوّية وبحرية وبرّية أكّدت طبيعة الحروب في القرن الحادي والعشرين التي لم تستوعبها حتى الساعة قوّات الحلف الأطلسي وفي طليعتها الولايات المتحدة. فالأساطيل البحرية أصبحت خردة عائمة يمكن إغراقها متى شاء من يملك الصواريخ الفارقة للصوت التي لا توجد حتى الآن أجهزة استكشاف وإنذار وأجهزة دفاع تتصدّى لها. فالعقيدة القتالية للقوّات الأمريكية والصهيونية مبنية على نظرية الحروب الخاطفة والقوّة النارية المفرطة والتكنولوجيات العسكرية هي في خدمة تلك العقيدة. غير أن حسابات الحقل لم تتطابق مع حسابات البيدر حيث لم تستطع القوّات الأمريكية والصهيونية حسم الأمور في وقت سريع وأن سلاحها تمّ تحييده بفعل تكنولوجيات غير موجودة لديها كالصواريخ البالستية الفارقة للصوت والمسيّرات الانقضاضية على سبيل المثال وليس الحصر. وكل ذلك مرتبط بفعل إيماني مفقود لدى القوّات الأمريكية والصهيونية.
لا نريد الاسترسال في مقاربة العناصر المادية المكّونة لموازين القوّة. فقد شرحناها في التقرير السياسي للمؤتمر القومي العربي في الدورة الثانية والثلاثين في 2023 [30]. ما نعدّه عاملًا كاسرًا لموازين القوّة إضافة إلى ما ذكرناه أعلاه هو تردّي نوعية القيادات في الغرب بعامة والولايات المتحدة بخاصة، بينما قيادات جبهة المقاومة في كل من إيران واليمن وفصائل المقاومة في كل من فلسطين ولبنان والعراق قدّمت نماذج في المناقبية والفهم الاستراتيجي والحنكة الدبلوماسية إضافة إلى التخطيط العسكري واستيعاب التكنولوجيات الحديثة، وكل ذلك على قاعدة الإيمان بالله وأحقّية القضية التي تقاتل من أجلها. قيادات العدو الصهيوني والولايات المتحدة غارقة في الفساد المادي والأخلاقي[31]، ولا تستطيع أن تكون قدوة لقوّاتها العسكرية التي تشكو من ترهّل في مستوى القيادات والالتزام العسكري. ونستطيع أن نقول بصورة قاطعة أن تردّي مستويات القيادة في الغرب مثّل ضعفًا في مكوّنات موازين القوّة حيث حيّد – إن لم يلغِ – ما تبقّى لها من عناصر قوّة مادية سواء كانت اقتصادية أو عسكرية. في المقابل، استطاعت نوعية القيادة في جبهة المقاومة أن تقدّم قيمة مضافة ومضاعفة لموازين القوّة التي تمتلكها فجعل أداءها في مواجها العدو أكثر فعّالية. كما أن الاستعداد لدفع ضريبة الدم في صفوف المجاهدين والبيئات الشعبية الحاضنة لها أبطل فعّالية الهجمات على المدنيين في كل من غزة ولبنان واليمن وإيران. هذه عوامل لا يحتسبها العدو ولا الغرب عمومًا وهو ما يجعل جبهة المقاومة متفوّقة على التحالف الصهيوأمريكي رغم عدم التكافؤ النظري في المعدّات والقوّة النارية والاقتصادية.
خامسًا: الأخطاء في التقديرات الأمريكية
بناءً على ما تقدّم، فمع التراجع الاقتصادي البنيوي في الولايات المتحدة[32] ودول الغرب إجمالًا، وعدم الجهوزية العسكرية الأمريكية وتردّي نوعية القيادات السياسية والعسكرية الأمريكية فإن الولايات المتحدة ارتكبت عدّة أخطاء قاتلة[33]. الخطأ الأول هو سوء تقدير قدرة الصمود الإيراني والمبالغة في القدرات العسكرية الأمريكية والصهيونية. الفرضية الأساسية التي حكمت قرار المواجهة من المنظور الصهيوأمريكي هي أن الحرب لن تستغرق أكثر من بضعة أيام أو حتى بضعة أسابيع في أسوأ الأحوال. غير أن المخزون العسكري من صواريخ دفاعية وهجومية كان دون المستوى المطلوب لمواجهة طويلة المدى بسبب الاستنزاف الذي سبّبته المواجهة الأطلسية في أوكرانيا[34].
أما الخطأ الثاني، فهو سوء تقدير المشهد الاقتصادي سواء في الولايات المتحدة من تداعيات الحرب الطويلة أو في الجمهورية الإسلامية في إيران وقدرتها على الصمود. غاب عن بال المخططين الأمريكيين والصهاينة أن الجمهورية الإسلامية في إيران محاصرة منذ قيام الثورة الإسلامية وأنها تكيّفت مع الحصار الاقتصادي المفروض عليها وحتى الاستنزاف الذي سبّبته الحرب العراقية – الإيرانية. فبُنية الاقتصاد الإيراني خفّفت من الاعتماد على النفط كمصدر للواردات وتمّ بناء اقتصاد حول الاكتفاء الذاتي في الغذاء إضافة إلى بناء نسيج صناعي متطوّر جدًا. كما أن الحصار المفروض عليها فاقد للفعّالية بسبب الممرات البرّية مع كل من باكستان وصولًا إلى الصين والممارّ الشمالية-الجنوبية التي تربط إيران بروسيا وذلك عبر بحر قزوين[35].
الخطأ الثالث الذي ارتكبته الولايات المتحدة هو محاولات الضغط على إيران عبر الضغط على حلفائها في المنطقة سواء في لبنان، أو غزّة، أو العراق، أو اليمن، وجميعها مُنيت بالفشل. لا ترى الولايات المتحدة ومعها الكيان الصهيوني وسائر الدول الغربية أن مكوّنات جبهة المقاومة العربية هي قوى أصلية متجذّرة في مجتمعاتها وليست “أذرعًا” لإيران. فحسبان أن “رأس الأفعى” هو إيران وأن قطع ذلك الرأس ينهي القوّى المقاومة في الوطن العربي، وهي قوى عربية أولًا وأخيرًا وأن المذهبية ليست الدافع لحركتها، فإن الفرضية الأمريكية والصهيونية سقطت في الامتحان الميداني[36].
الخطأ الرابع، في رأينا، هو الاعتقاد بأن المواجهة مع إيران ستكون محصورة في الجغرافيا والزمان وإذ أصبح حلفاء الولايات المتحدة تحت مرمى النار. أظهر الانكشاف الخليجي تجاه الولايات المتحدة عدم جدوى وجود القواعد العسكرية الأمريكية التي تحوّلت إلى عبء على دول الخليج كما أصبحت مواقع استهداف للصواريخ والمسيّرات الإيرانية. وهذا ما أكدناه في الكثير من التقارير والمقالات وخباصة تلك التي قدمناها للمؤتمر القومي العربي منذ 2018 وحتى المؤتمر الأخير في 2025.
الخطأ الخامس والأخطر هو تجاهل أن مصدر كل التوّترات في المنطقة هو الكيان الصهيوني وتجاهل القضية الفلسطينية وهو ما أدّى إلى “طوفان الأقصى” وفيما بعد المواجهة مع إيران واليمن ولبنان والعراق. وعند إعداد هذا التقرير فإن الوضع المتفجّر في الضفة الغربية في فلسطين ينذر بتطوّرات خطيرة ليست في الحسبان الأمريكي والصهيوني.
سادسًا: التحوّلات الإقليمية
تعود أسباب التحوّلات في موازين القوّة إلى حركتين متعاكستين. فمن جهة، هناك تراجع واأفول الغرب والهيمنة الأمريكية لأسباب داخلية وخارجية لا داعي للخوض فيها لضيق المساحة، ومن جهة أخرى صعود الدول التي لم تعد تتحمّل تداعيات الهيمنة الأمريكية على العالم سواء في الأمن والاقتصاد، وهنا أيضا لا داعي للخوض فيها للأسباب نفسها. يعود الصراع القائم إلى أن الغرب والولايات المتحدة تعاملا مع دول العالم وبخاصة دول الجنوب الاجمالي على قاعدة اللعبة الصفرية أي الربح للغرب وللولايات المتحدة والخسارة هي لدول الجنوب الإجمالي. فمع تغيّر موازين القوّة لمصلحة الدول الصاعدة برزت مؤسسات تؤكّد مدى صعود الدول المناهضة للهيمنة الغربية وتتمثّل بالكتلة الأوراسية ومؤسساتها كمنظومة البريكس التي ظهرت في 2013 ومنظمة شنغهاي الأمنية التي تأسست في 2001. واليوم نشهد بروز منظومة أمنية جديدة إقليمية في غرب آسيا نتجت من مراجعات أقامتها معظم دول المنطقة بعد الإخفاق الأمريكي في تنفيذ التزاماته الأمنية والدفاعية لدول الجزيرة العربية وبخاصة خلال العدوان على اليمن من قبل مجموعة من الدول الإقليمية والغربية بقيادة بلاد الحرمين.
وبالتالي شهدنا اصطفافات جديدة في التحالفات السياسية الإقليمية والدولية كالتقارب بين بلاد الحرمين وإيران برعاية روسية وصينية، والتوقف في تسعير برميل النفط بالدولار من قبل بلاد الحرمين استمر على مدة خمسين سنة منذ 1974. كما أن التشبيك مع دول البريكس لعدد من دول الجزيرة العربية وبلاد وادي النيل (مصر) والعراق أتاح الفرصة للصين لتثبيت حضورها الاقتصادي وثم السياسي ولاحقًا العسكري عبر تزويد إيران بالسلاح والمعلومات في مواجهة العدوان الصهيوأمريكي. وأهمية تلك التحوّلات التي سبقت بعضها العدوان الأخير على إيران هي إسقاط عدد من المفاهيم الجيوسياسية التي حكمت المقاربات والسياسات الخارجية المعتمدة في دول الغرب. فصعود الكتلة الأوراسية وإقامة الممارّ البرّية الشمالية الجنوبية والشرقية الغربية عبر القارة الآسيوية أسقط نظرية هلفورد مكندر أن محاصرة “الجزيرة الكبرى” أي آسيا، تكون عبر السيطرة على البحار والممارّ البحرية كقناة السويس، ومضيق هرمز وباب المندب على سبيل المثال. غير أن إعلان السيادة الإيرانية العمانية على مضيق هرمز شابهُ في رأينا تأميم قناة السويس عام 1956. واستكمالًا لتلك السيادة أقفل اليمن باب المندب أمام السفن المتجهة والقادمة من مرافئ بلاد الحرمين وهو ما أدّى الى اختناق بائن في الملاحة البحرية وتدفق الطاقة والمواد عبر بحر الأحمر. أما مضيق هرمز فوضع العالم بعامة تحت قبضة السيادة الإيرانية – العُمانية عبر السيطرة على حركة الطاقة النفطية والغازية التي تخرج من الخليج وتُقدّر بنحو 20-22 بالمئة من العرض الإجمالي للطاقة. أما السلع الأخرى كاليوريا الضرورية للأسمدة وغاز الهليوم الأساسي في قطاع اقتصاد الذكاء الاصطناعي فتتراوح بين 40 و60 بالمئة من العرض العالمي. وفي هذه السلع الاستراتيجية من يسيطر على العرض يسيطر على السوق وليس الطلب وبخاصة في ما يعود إلى سلاسل التوريد لمختلف القطاعات الاقتصادية.
المهم هنا هو التشبيك مع منظمة شنغهاي ومنظومة البريكس تمهيدًا لإقامة منظومة أمنية عربية وإقليمية وإن كانت على مراحل كما نشهده الآن. فمن الواضح أن النظرية التي سادت المنطقة بأن 99 بالمئة من “أوراق اللعبة” بيد الولايات المتحدة وأن استرضاءها يستوجب المرور ببوّابة الكيان الصهيوني المؤقّت لم تعد قائمة بخاصة مع الدول التي تماهت مع الولايات المتحدة على مدى العقود الستة الماضية فأنتجت ظاهرة التطبيع واتفاقيات أوسلو المشؤومة. ومن الواضح أن الولايات المتحدة لم تأتِ إلى المنطقة لحماية “حلفائها” العرب (في ظنهم من خطر إيران) بل فقط لحماية الكيان الصهيوني. إلّا أن المواجهات السابقة مع الولايات المتحدة برهنت أن الاخيرة أخفقت في حماية الكيان كما أخفقت في حماية قواعدها العسكرية. ونشهد اليوم نقاشات كبيرة بين شخصيات خليجية وازنة تعيد النظر حول جدوى تلك القواعد. والنموذج الإماراتي ومعه النموذج الخليجي بأكمله أن الأمن والرخاء والازدهار كان تحت مظلّة الحماية الأمريكية تبين أنه بناء من زجاج بالمجاز كما باليقين وأنه لم يصمد في المواجهة بين إيران والتحالف الصهيوأمريكي.
من هنا نفهم الإقدام على نسج علاقات تحالفية بعيدة من الولايات المتحدة من دون أن تكون قطيعة معها على الأقل في المرحلة الحالية. فتوقيع اتفاقية ثلاثية بين بلاد الحرمين وباكستان وتركيا في مكّة المكرّمة لها دلالات في الشكل كما في المضمون. فالتوقيع في مكّة المكرّمة وليس في الرياض هو لإعطاء الطابع الإسلامي للاتفاق. كما أن وجود دولة تملك ثاني جيش في الحلف الأطلسي يتحالف مع الدولة الإسلامية النووية الوحيدة (حتى الآن) أي باكستان مع دولة تملك من الموارد والأموال الطائلة تساهم في مشاريع تنموية أي بلاد الحرمين يعطي بُعدًا جيوسياسيًا لم يمكن القفز فوقه. وإذا كان من المبكر التكهّن حول مسار ذلك الاتفاق وإمكان صموده في ظلّ التحوّلات الإقليمية والعالمية إلّا أنه جاء في سياق أحداث أدّت إلى إقامة ذلك التحالف. ولا يمكن استبعاد انضمام إيران عند الانتهاء من الحرب القائمة مع الولايات المتحدة كما صرّح وزير خارجية تركيا حقّان فيدان، كما لا يمكن استبعاد انضمام مصر إلى ذلك التحالف بعد تبديد مخاوف مصر من التدخّل التركي في ليبيا الذي يهدّد بصورة مباشرة الأمن القومي المصري. ومعالجة الملف الليبي هي المدخل لذلك التحالف الذي سيحصل عاجلًا أم آجلًا. كما لا يمكن استبعاد اليمن في المعادلة الأمنية العربية الإقليمية الجديدة بفعل الجغرافيا والسيطرة على باب المندب من جهة، وبسبب القدرات العسكرية التي أظهرها اليمن في المواجهة مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة وسائر دول الأطلسي التي انخرطت في العدوان على اليمن في العقد الماضي وما زالت مساهمة في الحصار على اليمن.
وبما أن مفهوم الأمن هو كلّي وللجميع فلا يتجزّأ. وبناءً على ذلك لا يمكن أن يكون الكيان الصهيوني جزءًا من تلك المنظومة الأمنية العربية الإقليمية لأنه مصدر زعزعة استقرار المنطقة. فكل الحروب والتوترات مصدرها الكيان في اغتصابه لفلسطين والتنكيل بالشعب الفلسطيني والتنكّر ليس فقط لحقوقه بل لوجوده. كما أن الكيان لم يخفِ أطماعه في ضم كل من بلاد الرافدين وبلاد الشام والضفة الشرقية لنهر النيل في مصر وشمال الجزيرة العربية، إضافة إلى تهديده بتفكيك كل من تركيا وإيران، لذلك من الطبيعي أن تكون المنظومة الأمنية المستقبلية تحت سيطرة دول المنطقة وليس الدول الغربية وبخاصة الولايات المتحدة، وأن لا مكان للكيان الصهيوني في تلك المنظومة. وقد لاحظنا أن دولًا وازنة كالصين وروسيا تدعم القيام بتلك المنظومة الأمنية بعيدًا من أي وجود غربي أو أمريكي لما يحفظ مصالحهما وبخاصة مشروع الحزام الواحد الصيني والتكامل الأوراسي التي تريده روسيا.
ما يهمّنا في هذه المقاربة هو التأكيد أن المراجعات بدأت قبل “الطوفان” لكنها تعزّزت وزادت وتيرتها فيما بعد، وبخاصة خلال المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة ومعها الكيان الصهيوني المؤقت. ومن تجليّات المواجهة وتدمير القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج وفي الأردن بات واضحًا للنخب العربية الحاكمة أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة، بل لم تكن في يوم من الأيام راغبة، في حماية الدول العربية التي كانت تبتز أموالها وتوهمها بتأمين الحماية. بات واضحًا أيضًا أن الولايات المتحدة في طريقها إلى الخروج من غرب آسيا وأن الفراغ الأمني السياسي لا بد من أن يحّل مكانه نظام أمني إقليمي حيث الأمن لا يتجزّأ وأن سبب زعزعة الإقليم هو وجود الكيان الصهوني المؤقت والإهمال العربي والإسلامي لقضية فلسطين وشعبها. فالأمن العربي والإقليمي يبدأ بفلسطين وينتهي بها ولا جدوى من طريق آخر يتجاهل تلك الحقيقة.
ليس من الواضح عند إعداد هذا البحث أن الاتفاق الثلاثي في مكّة المكرّمة أن معالمه ستكون لبِنات النظام العربي الجديد. إذ تصطدم مصداقية ذلك التحالف بعدّة عوائق كغياب مصر وإيران واليمن. كما أن التحالف لم يحدّد من هو “العدو”. فهناك مروحة واسعة من التكهّنات حول الموضوع تضع عددًا من البلدان العربية في خانة “العدو” بينما القراءة المتأنية لا تدعم تلك النظرية. وإذا كان من المبكر تحديد آفاق ذلك الاتفاق فإن من الواضح أن مصداقيته تتطلّب تحديد من هو العدو. وفي رأينا، العدو لدول وشعوب المنطقة ليس إلّا الكيان الصهيوني المؤقّت وإن لم يُشر الاتفاق إلى ذلك. ولم يوضح الاتفاق آليات ومؤسسات تنفيذه كما هو في الحلف الأطلسي الذي حدّد في البداية أن العدو هو الاتحاد السوفياتي تحوّل فيما بعد الانتهاء من الحرب الباردة إلى عداء تجاه روسيا تمهيدًا لاستهداف الصين فيما بعد. والمؤسسات المطلوبة هي توحيد أو تنسيق العقيدة العسكرية انسجام الأنظمة العسكرية في كل من الدول المعنية. حتى الساعة ليس ذلك مطروحًا وبالتالي أن الصفة الأساسية لذلك الاتفاق كما جاء على لسان أحد المعنيين الباكستانيين هو “الغموض الاستراتيجي”. إذًا، هذا الاتفاق ليس إلّا خطوة أمام سلسلة من الخطوات كانضمام كل من مصر واليمن وإيران واثيوبيا. فهذه قضايا للمتابعة للمرحلة المقبلة وبخاصة أن هناك قضايا في غاية الحساسية يجب حلّها كحل للصراع بين بلاد الحرمين واليمن، ومستقبل سورية، وإنهاء التدخّلات في شؤون السودان ولييبا من جانب بعض دول مجلس التعاون وتركيا، وقبل كل ذلك تحمّل المسؤولية الأساسية في حماية الشعب الفلسطيني في كفاحه لتحرير فلسطين واسترجاع حقوقه المسلوبة. فمن الواضح أن السبب الأول والأخير لزعزعة الاستقرار في الإقليم هو وجود الكيان الصهيوني وأن أمن دول الإقليم لن يتحقَّق والكيان الصهيوني المؤقّت ما زال قائمًا. فلا دور له في المنظومة الجديدة ولا مكان له في المنطقة.
إضافة إلى البحث عن منظومة أمنية جديدة نلاحظ إقدام عدد من الدول في الإقليم على الانخراط في تكتلات أمنية واقتصادية كمنظمة شنغهاي للأمن ومنظومة البريكس تمهيدًا لتكامل اقتصادي وأمني مع الكتلة الأوراسية. فإيران عضو فاعل في منظومة البريكس وفي منظمة شنغهاي بينما بلاد الحرمين “شريك” في منظومة البريكس. أما مصر فهي عضو فاعل في منظومة البريكس وكذلك دولة الإمارات. فيما يتعلّق بالأخيرة، وخلال العدوان الصهيوأمريكي على إيران أعلنت الإمارات خروجها من منظمة أوبيك. ليست الأسباب واضحة ولكن بات واضحًا أن الإمارات تشعر بعزلة عربية وإقليمية متنامية بسبب دورها السلبي في جنوب اليمن والسودان وليبيا. لكنها تحظى بعلاقات جيّدة مع مصر بسبب العداء لجماعة الإخوان المسلمين. لكن نلاحظ في المقابل تقاربًا ملموسًا بين تركيا ومصر رغم احتضان تركيا جماعة الاخوان المسلمين، بينما هناك توافق بين مصر وتركيا في ليبيا. فهذا المشهد السياسي المعقّد والمركّب يؤكّد أن الاستقرار الأمني ما زال يبحت عن توافق سياسي في الوطن العربي.
طبعا، هذه قراءة سريعة لأبعاد اتفاق مكة الذي يوحي بأن الأمة الإسلامية تقف وراءه. غير أن هذا غير صحيح لأن الأمة لن تقف وراء أي تحالف لا يضع غزّة في أولوياته، وبالتالي قضية فلسطين المحتلة وحقوق الشعب الفلسطيني. لكن هذا التحالف هو خطوة أولى تجاه نسج المنظومة الأمنية وأن فعّاليته تكمن في تحديد دقيق للعدو وبعد انضمام كل الدول المعنية في الوطن العربي والإقليم. حتى الساعة، لا يتجاوز ذلك التحالف اللحظة الاستعراضية التي تهدف إلى إيجاد نوع من الردع وإن لم يكن واضحًا حتى الآن ضد من.
أخيرًا، لا بد من الاشارة إلى تداعيات “طوفان الأقصى” والمواجهة بين إيران والتحالف الصهيوأمريكي على بنية الكيان الصهيوني المؤقّت. فمن الواضح أنه إضافة إلى الخسائر العسكرية في البنى التحتية والتي حاول الكيان التعتيم عليها فإن الاقتصاد الصهيوني أصيب بضربات موجعة. فحرب السنتين على غزة كلّف الكيان أكثر من 57 مليار دولار[37]. أما الأهم فهو فقدان الثقة عند الكثيرين من اليهود بأن الكيان ملاذ آمن ومزدهر حيث ارتفعت الهجرة من الكيان إلى الخارج إلى نحو 270 ألف مهاجر منذ عام 2023 وفقًا لمقال في صحيفة جيروزالم بوست الصهيونية[38]. وتنذر الكاتبة التي استندت إلى أرقام المكتب المركزي للإحصاءات بأن موجة عارمة من الهجرة قد تكون في الأفق مع تداعيات كارثية على اقتصاد الكيان من هجرة الأدمغة والرساميل. ليس هناك من إحصاءات حول المصانع العسكرية التي دُمّرت كمصانع رافاييل الحربية[39] لكن من الواضح أن رغم التعتيم من قبل حكومة الكيان ووسائل الإعلام العبرية والعربية التابعة للولايات المتحدة فإن الخسائر داخل الكيان كانت فادحة. وعلينا أن ننتظر نهاية الحرب لنعرف بصورة أدق مدى حجم الخسائر التي تكبّدها الكيان والتي تهدّد بقائه ككيان قابل للحياة.
سادسًا: التحوّلات العربية وتثبيت دور اليمن عربيًا وإقليميًا ودوليًا
التحوّلات في موازين القوّة أدّت إلى مراجعات في الخيارات والسياسات والتحالفات على نحو أصبحت الخريطة السياسية في الإقليم مغايرة عمّا كانت عليه قبل “طوفان الأقصى”. لكن يجب أن نعترف أن المراجعات بدأت في النصف الثاني من العقد الماضي بعد ما تبيّن عجز، أو عدم رغبة، الولايات المتحدة في نصرة بلاد الحرمين التي قادت تحالفًا عدوانيًا على اليمن وربما بناءً على طلب الولايات المتحدة. فلمّا استهدف اليمن في الدفاع عن نفسه منشآت أرامكو من دون الاستفادة من الحماية الأمريكية رغم وجود قواعد عسكرية بات واضحًا للحكم في بلاد الحرمين أنه لا بد من مراجعة الخيارات. وبات واضحًا أن الولايات المتحدة غير معنية بمصالح مصر وعدد من البلدان العربية. فكان التقارب والانفتاح على كل من روسيا والصين. كان الانفتاح في الصفقات التجارية والتفاهم بين بلاد الحرمين وروسيا[40] لتثبيت الاستقرار في سوق الطافة عبر الاتفاق على مستويات الإنتاج لكل دولة فكانت ولادة أوبك + في أواخر 2016 [41] التي أزعجت الولايات المتحدة. فيما بعد كانت سلسلة من صفقات السلاح مع الصين لكل من بلاد الحرمين ومصر. كما أن التقارب بين بلاد الحرمين وإيران عام 2023 بدعم ورعاية روسية في البداية والصين في النهاية ساهم إلى حد كبير في خفض وتيرة التوتر المذهبي الذي مزّق المنطقة. ولا بد من ذكر رفض تجديد الاتفاقية بين الولايات المتحدة وبلاد الحرمين لتسعير برميل النفط في الدولار في 2024 بعد مرور خمسين سنة على التفاهم[42] الذي أُبرم في 1974 وأدّى إلى وجود البترودولار وهو ما جعل الدولار العملة المركزية في التبادلات التجارية والطلب عليه بحيث ساهم في تمويل العجوزات المتراكمة في الخزينة الأمريكية، أي تمويل نفقاتها الخارجية والداخلية فوق طاقة إنتاجها الداخلي.
المتغيّر الأهم الذي ساهم في قلب المعادلات العربية والإقليمية هو اليمن. فاليمن في حرب الإسناد بعد “طوفان الأقصى وخلال المواجهة مع العدوان الصهيوأمريكي على اليمن وعلى إيران أدخل في المعادلة قوّة عسكرية وسياسية لم تكن في حسبان القوى العدوانية. فالمسيّرات التي استهدفت الكيان والقطع البحرية الأمريكية في البحر الاحمر أنهت اسطورة التفوّق العسكري للبحرية الأمريكية وثبتت السيطرة على باب المندب. وبالتالي فقدت الولايات المتحدة مع إقفال كل من مضيق هرمز وباب المندب السيطرة على الممارّ البحرية التي ورثتها من الحقبة الاستعمارية البريطانية. استطاع اليمن إفشال الأهداف الأمريكية من عدوانها عليه وبالتالي يمكن القول إنه هزم البحرية الأمريكية في البحر الأحمر وأجبر ناقلات الطائرات العملاقة على الهروب من قرب الشواطئ اليمنية. كما أن تدمير مرفأ أم الرشراش (إيلات) وإقفاله مثّل نقطة تحوّل في استراتيجية إضعاف القدرات الصهيونية على الارتباط بالعالم الخارجي. فلم يبقَ للكيان إلّا مرفأ حيفا الذي تمّ استهدافه خلال المواجهة مع إيران واليمن والمقاومة الإسلامية في لبنان. أكّد اليمن القدرات العسكرية التي أظهرها في المواجهات السابقة مع قوى تحالف العدوان عليه في منتصف العقد الماضي.
بناءً على التحوّلات في الجزيرة العربية التي شهدت سقوط نموذج “الإمارات” أي أن الرخاء والأمن متوافران تحت المظّلة الأمريكية فاليمن سيكون له دور ريادي في توحيد الجزيرة. ما نشهده في الإقليم وفي العالم هو تطوّر في مفهوم دولة الأمة إلى دولة الأمة الحضارة (civilization nation state). اليمن من هذه الفئة بينما دول الجزيرة العربية من إفرازات المستعمر البريطاني وخليفته المستعمر الأمريكي. ما أظهره اليمن في التلاحم بين الشعب والقيادة والتلاحم مع قضية فلسطين هو استكمال لمسار طويل. وإعادة توحيد الجزيرة العربية على قاعدة جديدة تلبّي حاجات الشعوب وليس الأُسر الحاكمة التي فرضها المستعمر ستكون من مستلزمات إيجاد منظومة أمنية عربية وإقليمية مختلفة بالشكل والمضمون عمّا كان قائمًا حتى الساعة. واليمن مرشّح للقيام بذلك الدور. فهل يلبّي النداء؟
أوراق ذات صلة:
طوفان الأقصى بين السؤال الوجودي والعواقب العبثية
عملية طوفان الأقصى: المواقف العربية والدولية
طوفان الأقصى: من تصفية القضية الفلسطينية إلى المفاجأة والمبادرة
المصادر:
زياد حافظ: الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي ورئيس منتدى سيف القدس.
حقوق الصورة لوكالة الأناضول.
[1] Jake Sullivan, “The Sources of American Power: A Foreign Policy for a Changed World”, Foreign Affairs, October 24, 2023, https://www.foreignaffairs.com/united-states/sources-american-power-biden-jake-sullivan
[2] Aaron Sobzak, “Fewer Americans willing to fight and die for other countries”, Responsible Statecraft, August 21, 2024, https://responsiblestatecraft.org/america-polling-interventionism/
[3] Larry Johnson, “A dependency decades in the making: How Washington let five minerals and China take the US arsenal hostage”, August 12, 2026, Son of the New American Revolution <larrycjohnson@substack.com
[4] Larry Johnson, “Trump want 2000 more Patriot interceptors a year but Xi Jinping holds the trump cards”, August 11, 2026, Son of the New American Revolution <larrycjohnson@substack.com
[5] Andrei Martyanov, America’s Final War, Atlanta, Clarity Press, 2024, chapters 5 and 6.
[6] المؤتمر القومي العربي، التقرير السياسي للمؤتمر القومي العربي في دورته الخامسة والثلاثين في تشرين الأول/أكتوبر 2025 ،www.arabnc.org
[7] https://www.msn.com/en-us/money/general/the-cost-of-the-iran-war-is-mounting-here-s-the-latest-tally/
[8] Mohammad Shadi, “The Direct and Indirect Cost of the 2026 US-Israel War on Iran”, Al Habtoor Research Center, June 30, 2026, https://www.habtoorresearch.com/publications/cost-of-us-israel-war-on-iran/
[9] https://www.usdebtclock.org.
[10] Bureau of Economic Analysis, https://bea.gov/news/gross-domestic-product-fourth-quarter-and-year-2022-third-estimate-gdp-industry
[11] Federal Reserve of New York, https://www.newyorkfed.org/credit-conditions
[12] Statista, https://www.statista.com/statistics/outstanding-corporate–debt-securities-usa
[13] US Department of Treasury, “Historical Debt Outstanding”, https://fiscaldata.treasury.gov/datasets/historical-debt-outstnading
[14] زياد حافظ، أميركا: حقائق ومسارات، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2025، ص. 102.
[15] Statista, “Leading Media Companies in the World as of May 2023 by Market Value”, https://www.statista.com/statistics/1374473/the-worlds-largest-media-companies-by-market-value/
[16] https://news.gallup.com/poll/702440/israelis-no-longer-ahead-americans-middle-east-sympathies.aspx
[17] https://theworldfactbook.org/rankings/gdp.html
[18] https://www.eia.gov/dnav/pet/hist/LeafHandler.ashx?n=PET&s=WCSSTUS1&f=W
[19] United States Studies Center, “By the numbers | US missile production shortfalls”, March 18, 2026, https://www.ussc.edu.au/by-the-numbers-us-missile-production-shortfalls
[20] https://www.csis.org/analysis/rebuilding-us-missile-inventory-multiyear-project
[21] تصريح قائد القوّات الأمريكية في أوروبا ألكسي غرينكوفيتش في مذكرة أرسلت إلى البنتاغون ونشرت خبرها صحيفة الواشنطن بوست في 1 آب/أغسطس 2026.
[22] John Adam,” Remaking American Security: Supply Chain Vulnerability and National Security Risk Across the US Defense Industrial Base”, Alliance for American Manufacturing, May 2013.
[23] Congressional Research Services, “Rare Earth Elements and US Supply Chains”, June 12, 2026, https://www.congress.gov/crs_external_products/IF/PDF/IF13171/IF13171.2.pdf
[24] https://www.defense-arabic.com/2025/05/12
[25] Simplicius76@substack.com , Russian Arena-M Active Protection System Finally Comes of Age on the Battlefield,
[26] https://www.heritage.org/military , 2026 Index of Military Strength.
[27] Michael Vlahos, “ America’s Military is in Big Trouble: US Leaders Are Marching the Armed Forces Down the Path of Self Destruction”, https://www.theamericanconservative.com/americas-military-is-in-big-trouble/
[28] Andrei Martyanov, The Real Revolution in Military Affairs, Atlanta, Clarity Press, 2019.
[29] Dominic Tierney, The Right Way to Lose a War: American in an Age of Unwinnable Conflicts, New York, Little, Brown, and Company, 2015.
[30] زياد حافظ، التقرير السياسي: ما بعد استشراف التحوّلات في العالم والإقليم والوطن العربي: تقدير موقف، المؤتمر القومي العربي، الدورة 32، 30-31 تموز/يوليو 2023، www.arabnc.org
[31] فضائح ملفات جيفري إبستين خير دليل على ذلك.
Whitney Webb, One Nation Under Blackmail, 2 vol. Waterville, Trine Day LLC, 2022.
تقدم الباحثة ويتنى واب تاريخًا للابتزاز في الولايات المتحدة منذ حقبة الجريمة المنظمة حتى جيفري إبستين. فالأمة الأمريكية بأكملها تخضع للابتزاز الإجرامي وفي السياسة بخاصة.
[32] زياد حافظ، أميركا…، المصدر السابق.ص.ص. 42-64
[33] Alistair Crooke, Interview with Glenn Diesen, Glenn Diesen. substack.com, August 12, 2026, https://www.youtube.com/watch?v=rbopXjaKbC8
[34] المصدر السابق
[35] المصدر السابق
[36] المصدر السابق
[37] https://www.middleeastmonitor.com/20260323-israeli-economy-lost-over-57b-during-2-years-of-gaza-war-central-bank/
[38] ’’Miriam Sela-Eitam, The Jerusalem Post, August 3, 2026https://www.yahoo.com/news/politics/articles/mk-kariv-warns-emigration-tsunami
[39] Capital Over Time, “Israel’s Rafael Defense Systems Factory DESTROYED — $2 3 Billion Loss Says, May 21, 2026, https://www.youtube.com/watch?v=euPrEHnF048
[40] تعميق التعاون بين السعودية وروسيا وسط تغييرات في أوبك، https://nexnews.net/ar/article
[41] ما هي منظمة الأوبك وما الفارق بينها وبين أوبك+؟
https://www.arabictrader.com/ar/news/commodities/
[42] انتهاء اتفاقية البترودولار بين السعودية والولايات المتحدة بعد استمرارها لنصف قرن، https://sa.investing.com/news/economy/article
زياد حافظ
كاتب وباحث اقتصادي سياسي من مواليد بيروت. عمل استاذًا جامعيًّا ومسؤولًا في عدد من المؤسسات الاقتصادية والاستثمارية الخاصة والدولية. أمين عام سابق للمؤتمر القومي العربي، وناشط في العمل القومي العربي. كانت له مساهمات في مركز دراسات الوحدة العربية في اللجنة الاستشارية وفي قسم الدراسات وفي تحرير مجلّة شؤون عربية معاصرة التي تصدر بالإنكليزية. إضافة إلى مشاركته في الندوات التي أقامها المركز. له مؤلفات وأبحاث متعددة في السياسة والاقتصاد والثقافة باللغة العربية والفرنسية والإنكليزية إضافة إلى مقالات تقارب المشهد السياسي والاقتصادي في لبنان والوطن العربي وفي الساحة الدولية. وله إطلالات إعلامية في قنوات عربية ودولية متعدّدة.
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



