إذا كانت قضية الصحراء من بين المعضلات المصيرية التي واجهت منطقة المغرب العربي وبخاصة خلال الربع الأخير من القرن المنصرم، فإن قضية إشكالية التطبيق الديمقراطي تمثل جوهر كل مشروع مجتمعي مستقبلي يرمي إلى تشييد وتأسيس مغرب عربي متماسك ومندمج[1].

إن أول ملاحظة تطرح نفسها علينا ونسوقها في شكل تذكير تتمثل بأن دول المغرب العربي هي أنظمة لاديمقراطية بعمق[2]. وهنا نتساءل لماذا تواضع الإنجاز الديمقراطي في المغرب العربي؟ هل يرجع الأمر إلى إخفاق النخب المغاربية في مهماتها الأمنية والتنموية والوحدوية وعجزها عن مواجهة التحديات التي طرحت عليها بعد الاستقلال؟ أم أن الأمر يرتبط بالبيئة الخارجية للنظام المغاربي[3]؟

يمكن القول إن الحرب الباردة هي المسؤولة إلى حد كبير عن غياب الديمقراطية في المغرب العربي (وفي العالم الثالث عمومًا)، أما قبل الحرب الباردة فإن البلدان المغاربية كانت ترزح تحت الحكم المباشر أو غير المباشر للاستعمار[4].

لكن بعد حصول هذه الأقطار على الاستقلال، لماذا لم تسارع إلى إقامة مؤسسات سياسية ودساتير ديمقراطية؟

لقد كانت هناك صعوبات اعترضت مثل ذلك الإنجاز ويتنوع حديث المفكرين والباحثين عن مثل تلك الصعوبات، ونقترح مع المفكر محمد عابد الجابري أن يتم النظر في غياب الديمقراطية في هذه الأنظمة من زاويتين:

أولًا: زاوية التحليل السياسي الأيديولوجي

أي تناول الظاهرة من خلال وجودها الراهن بوصفها تعبيرًا عن صراع القوى والمصالح المحلية والدولية[5]، فحينما ننظر بعمق إلى أنظمة الحكم المغاربية المعاصرة نجد أن الكثير منها من حيث النص الدستوري، لم تنتقل من حيث المبدأ إلى نظم حكم ديمقراطي، بل توصف عمليًا بأنها من أنظمة حكم الفرد المطلق حيث تكون إرادة الحاكم الفرد هي مصدر السلطات والدستور والنظام الأساسي.

في هذه الدول إما أنه يحتفظ للحاكم بالسلطة المطلقة على نحو صريح، وإما أنه يلتف على المواد الدستورية التي تقول إن الشعب مصدر السلطات، ويحتفظ بالسلطة والثروة والنفوذ ويوزعها كيفما شاء «مكرمات» حيث يشاء، سواء احتاج ذلك منه إلى تعديل الدستور أو تزوير إرادة المواطنين والرعايا والأتباع[6]، ولا يتورع عن توريث الأبناء بصورة «دستورية» وقد تحوَّل النظام الجمهوري في الدول المغاربية إلى نظام «جملكي» أي مزيج بين الجمهورية والملكية التي يتم خلالها التمديد أو التجديد للرئيس «المحبوب جدًا من شعبه»، ما دام قادرًا على ممارسة السلطة ولم يفتك به انقلاب عسكري أو تُطِح به قوة عسكرية خارجية»[7].

وليس هذا بعيدًا من قول الجابري بأن ما هو قائم اليوم في الأقطار المغاربية هو إما: دولة الفرد (أو الحزب الوحيد) وإما دولة المؤسسات العشائرية (القبيلة)[8]، وإما دولة تخفي جوهرها اللاديمقراطي بمظاهر ديمقراطية شكلية ومزيفة، وإذًا فجميع الأقطار العربية من دون استثناء تعاني أوضاعًا تتسم بغياب الديمقراطية والافتقار إلى مؤسسات المجتمع المدني[9].

وبالتالي كيف يمكن قيام ديمقراطية في مجتمع غير مدني؟ وهل يمكن قيام مجتمع مدني بأسلوب غير ديمقراطي؟

لا شك في أن القاسم المشترك بين أنظمة الحكم المغاربية ولو بدرجات مختلفة هو تشرذم أساسها الاجتماعي واغترابها، وهو الأمر الذي تدل عليه عدة مؤشرات، منها: عجز في الشرعية السياسية، والأساس الأبوي للسلطة[10].

– إضافة إلى ظاهرة شخصانية السلطة التي ميزت هذه الأنظمة بعد الاستقلال، ومن ضمنها النظامان السياسي التونسي في عهد «الحبيب بورقيبة»، والمغرب خلال حكم «الحسن الثاني» بحيث تشمل في نهاية التحديد مزيجًا من الثقافة السياسية والدستورية لظاهرة شخصنة السلطة على طريقة الجنرال ديغول من جهة، ومن جهة أخرى العوامل الذاتية والتاريخية السياسية والاجتماعية المحلية[11].

يمكن القول إن الأنظمة السياسية المغاربية، تسعى دائمًا إلى تجديد آليات الاحتواء وتحديث أدوات العنف، وابتكار سياسات إقصاء المعارضين معنويًا وماديًا، وإجبارهم على الانسحاب من الحياة السياسية، ودفعهم إلى الانشقاق والتآمر، وربما اللجوء إلى العنف حتى يقعوا في مصيدة الدولة ولعبتها المفضلة بوصفها الجهة الشرعية لاحتكار العنف[12].

وفي هذا السياق تبرز لنا الحالة الجزائرية بصورة واضحة، بعدما سعت بعض الحركات السياسية منذ الثمانينيات بالمطالبة بالخبز والحرية، هذا وقد كان من الواضح أن الخيارات لم ترق للنخب العسكرية التي سعت إلى قطع الطريق على التغيير والالتفاف على الحركات الاجتماعية، وعندما لم تنجح تلك المناورة السياسية عبر الانتخابات كان من المفروض أن تهمش المعارضة الإسلامية التي لم يعد أمامها إلا اللجوء العلني والعاري للعنف والحرب[13].

تلتقي هذه الرؤية، مع الاستراتيجية الدولية أو القوى الكبرى الاستعمارية أو شبه الاستعمارية، المعارضة لأي تحول ديمقراطي في هذه البلدان، وسعيها الدؤوب من أجل الحفاظ على مصالحها بالاعتماد على نخب تابعة لها تستطيع أن تتعامل معها بسهولة، وخوفها من وجود أي سلطة ديمقراطية تعكس إرادة المجتمع[14].

وفق هذه الرؤية، يرى «محمد مواعدة» أنه لا يمكن أن نتحدث عن مستقبل المغرب العربي بمعزل عن كيفية التعامل مع الحركات الإسلامية السياسية بعناصرها المختلفة السياسية والمسلحة، وكذلك قضية الديمقراطية؛ ولا بد من الاعتماد على تصور استراتيجي لهاتين القضيتين عند محاولة إنجاز أي تفكير في واقع المغرب العربي ومستقبله[15].

تجدر الإشارة إلى أن بعض الدراسات أشارت إلى وجود علاقة متبادلة إيجابية بين التطور الاقتصادي والديمقراطية، وبحسب تعبير ليبست (Lipset) «كلما كانت حال الأمة أفضل، كانت فرص تعزيز الديمقراطية أعظم». لكن «سيغيل» و«فاينز تباين» و«هالبرين»، حاولوا إعادة قلب المعادلة وإعادة طرح النظرية بمنطق مختلف، وهي «لكي تتطور الدولة الفقيرة اقتصاديًا ينبغي عليها أن تصبح ديمقراطية»، معتقدين أن النظرية الأولى أدت أولًا إلى تخليد الاستبداد[16].

فمع حصول الأقطار المغاربية على الاستقلال طرحت شعارات متعددة، بناء الدولة وهيكلة الأمة، وتأمين تعليم السكان واندماجهم الاجتماعي والسياسي، تنمية البلاد اقتصاديًا… يتعلق الأمر إذًا بما عُدّ حينها، «رسالة أو مهمة تاريخية» Historique) Mission) ضخمة[17].

إلا إن هذه الأنظمة السلطوية، لم تفشل فقط في تحقيق المشاركة السياسية وبناء المؤسسات الدستورية المستقرة، وإنما فشلت أيضًا في تحقيق النمو الاقتصادي الذي تتذرع به من أجل عدم تحقيق الديمقراطية[18].

ولعل الانتفاضات الشعبية التي حددت في المنطقة المغاربية في بداية عام 2011، وفي غيرها من المناطق على امتداد الوطن العربي والإسلامي، يتمثل بأن الشعوب قد فقدت الثقة تمامًا في هذه الأنظمة وفي أنماط التغيير والإصلاح التي روجت لها على امتداد عقود من الدكتاتورية والاستبداد، وبقي الشارع هو الباب الوحيد للتعبير عن رفض السياسات القائمة والدعوة إلى إسقاطها.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 531 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 531 أيار/مايو 2023

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 531 في أيار/مايو 2023.

عبد المجيد البركاوي: طالب باحث من المغرب.

الصورة عن موقع الجزيرة.

[1] أحمد الحارثي، «الصحراء ما بين مأزق الاستفتاء والحل الوطني الديمقراطي،» نوافذ، العددان 10-11 (كانون الثاني/يناير 2001)، ص 7.

[2] صالح الزغيدي، «إشكالات البناء الديمقراطي في المغرب العربي،» تعريب محمد معالي، الطريق، العدد 5 (كانون الثاني/يناير – شباط/فبراير 1993)، ص 23.

[3] علي الدين هلال ونيفين عبد المنعم مسعد، النظم السياسية العربية: قضايا الاستمرار والتغيير (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، ص 188.

[4] محمد عابد الجابري، «في الديمقراطية،» مواقف، العدد 60 (شباط/فبراير 2007)، ص 9.

[5] محمد عابد الجابري، «إشكالية الديمقراطية والمجتمع المدني في الوطن العربي،» المستقبل العربي، السنة 15، العدد 167 (كانون الثاني/يناير 1993)، ص 21.

[6] علي خليفة الكواري، «نحو مفهوم جامع للديمقراطية في البلدان العربية،» المستقبل العربي، السنة 29، العدد 338 (نيسان/أبريل 2007)، ص 47.

[7] مسعود ضاهر، «المدلول السياسي لتراجع الدولة في اتجاه القبيلة،» حوار العرب، العدد 19 (حزيران/يونيو 2006)، ص 36.

[8] في هذا السياق تجدر الإشارة إلى الكتاب الجماعي، أمراء ورؤساء نماذج من القرابة والسياسة في العالم العربي والصادر بالفرنسية عن منشورات المركز القومي للدراسات العلمية في باريس عام 2001 حيث أكد المشاركون في أبحاثه وبأساليب مختلفة أن تقاليد البداوة والقرابة والنسب والعصبية تشكل ركائز ثابتة في الأنظمة السياسية العربية.

[9] الجابري، «إشكالية الديمقراطية والمجتمع المدني في الوطن العربي،» ص 28.

[10] بهجت قرني، «تراكم الانكشاف الاستراتيجي العربي وأهمية البعد الثقافي المهمل،» المستقبل العربي، السنة 24، العدد 277 (آذار/مارس 2002)، ص 60.

[11] يمكن القول أن «شخصنة السلطة ترتبط بقوة رجل الدولة والذي يجمع بين يديه بحكم نفوذه الشخصي وبحكم ظروف استثنائية السلطات العليا في البلاد». للاطلاع، انظر: فريد خالد، «شخصانية السلطة وأثرها على العمل المؤسساتي للدولة الحديثة: دراسة مقارنة لإشكالية القرار العام (المغرب وتونس نموذجًا)،» (أطروحة لنيل دكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق، مراكش 2004-2005)، ص 30-40.

[12] وليد خالد أحمد حسن، «الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة،» المستقبل العربي، السنة 29، العدد 337 (آذار/مارس 2007)، ص 178.

[13] برهان غليون، «الديمقراطية من منظور المشروع الحضاري،» ورقة قدمت إلى: نحو مشروع حضاري نهضوي عربي: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظّمها مركز دراسات الوحدة العربية، ط 2 (بيروت: المركز، 2005)، ص 429.

[14] المصدر نفسه، ص 433.

[15] محمد مواعدة، المغرب العربي: واقع وآفاق (الرباط: منشورات المجلس القومي للثقافة العربية، مطبعة فضالة، 1995)، ص 89.

[16] جوزيف ت. سيغيل، ميشيل م. فاينز شتاين، ومورتون هـ. هالبرين، «لماذا تتفوق الديمقراطيات،» ترجمة إنصاف سلطان، الثقافة العالمية، العدد 137 (تموز/يوليو 2006)، ص 33-34. وقد نشر المقال الأصلي في: Joseph T. Siegle, Michael M. Weinstein, and Morton H. Halperin, «Why Democracies Excel,» Foreign Affairs, vol. 83, no. 5 (September-October 2004).

[17] Maurice Pierre Roy, Les Régimes politiques du tiers monde (Paris: Ed. L.G. D. J, 1977), p. 564.

[18] رضوان زيادة،» الديمقراطية التوافقية كمرحلة أولية في عملية التحول الديمقراطي في الوطن العربي،» المستقبل العربي، العدد 334، كانون الأول/ديسمبر 2006، ص85.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز