يحملنا هذا العنوان إلى الموضوع التقليدي الذي كثيرًا ما يُطرح، حتى بات ممجوجًا وتقليديًا، في شأن العلاقة بين السلطة (السياسية الحاكمة) والمثقف، ودور المثقف المفترض، أو المأمول، في تصديه للسلطة، وكأن دوره في المجتمع هو هذا التصدي فحسب، إلى درجة أُسقط فيها، أو غاب تعريف مصطلح المثقف إلّا بناءً على هذا الدور الوظيفي/الأدائي، وما يقوم به المثقف من خطوات في مواجهة السلطة[1]. وقد بلغ هذا الطرح أيضًا درجة سمح فيها بعض الباحثين، أو المفكرين أو المثقفين، لأنفسهم، إيجاد تعريف للمثقف يكون جامعًا مانعًا أيضًا، أي أنكر بعض المثقفين تعريف المثقف إلّا من باب الوظيفة والدور والأيديولوجيا. وهنا نتساءل ونطرح الكثير من الأسئلة (وبحسب فوكو مهمة المثقف طرح الأسئلة لا تقديم الأجوبة)، هل المثقفُ المؤيدُ سلطةً ما قائمة، أو يحمل أفكارًا ما لا تروقني، أُسقطت عنه صفة المثقف، صاحب الفكر المرن التنويري؟ وأُنكر عليه دوره التغييري؟ وهل دور المثقف في المجتمع مواجهة السلطة (الحاكمة) فحسب؟ وهل من أدوات مواجهة يمتلكها في المجتمعات العربية؟ وهل من سلطة له، حتى بين أبناء مجتمعه، أو مكانة له، موضوعية/مادية أو اعتبارية بين قومه اليوم في ظل التغييرات التواصلية والثورة الرقمية وشيوع المعلومات (بغضّ النظر عن المفيدة والصحيحة أم لا)؟ وهل ما يزال المثقف نفسه صاحب حضور في المجتمعات العربية في ظل تنافس تناقل المعلومات بالأدوات الجديدة وسهولتها ورخصها وعدم الاهتمام بدقة مضمونها وأثرها؟ وفي النهاية هل ما يزال المثقف نفسه الذي كوّنا له صورة حقيقية ورمزية في خيالنا وواقعنا، موجودًا، أم انتهى؟ وهل يمكن أن ينتهي المثقف بأدواره المختلفة من المجتمع؟ بمعنى آخر هل للمثقف اليوم سلطة في مجتمعه؟

للإجابة عن هذه التساؤلات، نقسم سيرورة دور المثقف إلى ثلاثة أدوار، أو أُطر؛ دور مُتخيّل، ودور افتراضي/شبكي، ودوره الواقعي القائم فعلًا، متوقفين عند بعض الآراء التي تناولت هذه الأدوار.

أولًا: المثقف… الدور المتخيّل

نقصد بهذا الدور كيف تخيّل المثقف دوره ووظيفته المعرفيين والاجتماعيين المطلوبين منه، وكيف عرّف نفسه. طبعًا، لن ندخل هنا في مناقشة تعريفات المثقف الكثيرة والمتفاوتة والمختلفة[2]، فمن نقصد بالمثقف هنا، طبعًا، نكرر هنا مع ليكلرك، أنه ليس المهم أن نولي أهمية لتاريخ المثقف وأصله (التاريخي والاجتماعي)؛ إذ لا معنى لنسب المثقف إلّا إذا أدّى إلى كشف المستور عن الأساس التاريخي للشرعية التي يزعم التمتع بها، وعن الادّعاءات النقدية الخاصة به، أي باختصار عن الوظيفة الاجتماعية – الثقافية والسياسية – التي يتبنّاها أو يعمل و/أو يعمل بموجبها[3].

السؤال هنا، هل كلمة المثقف، كمفهوم واصطلاح، موحّدة في حضارات العالم وأدبياتها وثقافتها؟ وهل يؤدي المثقف الدور نفسه فيها كما جرى تعريفه، أم أنَّ له ولاءات مختلفة (سياسية، فكرية، إثنية… إلخ)، تؤدّي إلى تصنيفه أيديولوجيًا؟ وهل هو ذلك الإنسان الذي يمتلك رأسمالًا رمزيًا نتيجة حظّه في الحصول على المعرفة، كما يرى بيار بورديو، أم أن كلَ إنسانٍ مثقفٌ؟ كما يرى غرامشي، وما دور المثقف إذا سلّمنا بأنه يختلف عن بقية أفراد المجتمع من خلال تميّزه بإدراكِ التناقضات والحقائق الموجودة داخل المجتمع واستيعابها؟ ومتى يرتقي المثقف ويُصبحُ مفكرًا، أو مثقفًا ميّتًا، بلغة إدغار موران؟ ثم من هم المثقفون عندنا في المجتمعات العربية، وما هي أدوارُهم؟ وما علاقة المثقف بالسُلطة والأيديولوجيا بوصفه سُلطة وأيديولوجيا في حد ذاته، بلغة ميشيل فوكو؟ وما هي سلطته اليوم؟ وقوة وجوده؟

‏ازداد الاهتمام بالمثقفين وأدوارهم ووجودهم في المجتمعات العربية، في العصر الحديث، منذ أواسط القرن الماضي، بحكم تطوّر دورهم ووظيفتهم والاحتكاك بالغرب الذي أُخِذَ منه مصطلح «المثقف». فكان المثقف العربي في عصر النهضة هو من أُوكل إليه، أو تصدّى على نحو شخصي – أيديولوجي، لأمر إرساء قواعد النهضة المجتمعية والاقتصادية والتنموية والقيمية والمساهمة في مقاومة الاستعمار وتبعاته، ثم المشاركة في بناء الدولة الحديثة القطرية والقومية، إذ تمثّل الثقافة «… إلى جانب العوامل الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية، العنصرَ الحاسمَ في تطوّر المجتمعات ونهضة الأمم»[4]. ووصف محمود أمين العالم الثقافة بأنها «الصناعة الثقيلة الحقّة في المجتمع، لأنها صناعة الصناعات، بل هي صناعة صانع الصناعة: الإنسان»[5]. ورآها محمد عابد الجابري «المُعبّرَ الأصيلَ عن الخصوصية التاريخية لأمة من الأمم»[6]، لأن «الوزن الحقيقي لأي مجتمع إنساني لا يُقدَّر في عددِ سُكّانه ومساحة أراضيه فحسب، ولكنه يُقدّر بنوعية التراكم الثقافي والتراث الحضاري الذي خلّفته الأجيال السابقة، ومدى التجديد والتحديث فيه»[7]. أما محمد أركون، فرأى في المثقف العربي والإسلامي، منشّطَ النهضة والثورة، بوصفهما مرحلتين عاشهما ‏العالم الإسلامي.

باختصار، ولأجل الحدّ من هذا الموضوع الواسع والشائك، يمكن تلخيص أهم سمات تلك ‏المرحلة الثقافية العربية بما يأتي:‏

– ارتبطَ الإصلاح والتغيير المجتمعي العربي في بدايته بإصلاح الجيش والعسكر، فالهدف منه ‏كان تدعيم السُلطة أولًا.‏

– المُحرّك الأول لبروز المثقفين والإصلاح والتغيير في المجتمعات العربية كان الاحتكاك بالغرب، ثم التعليم، وإرادة ‏التغيير عند بعض السلاطين والولاة… وأخيرًا محاولة تثبيت الحكم من خلال إصلاح الجيش، فأوّل ‏ما فُتحت المدارس كانت للجيش، أو للدين، أي للسيطرة الزمنية أو الروحية، لا للحرّية.‏

– أدّتْ الصحافة دورًا مهمًا في عملية النهضة، الأمر الذي يُضيء على دور الإعلام وأهميته في ‏التأثير في الرأي العام، على الرغم من سيادة الأمّيّة، وبساطة أساليب الإعلام وطرائقه في المجتمع.‏

– مارسَ الكُتّاب والمُتعلّمون والمُفكّرون والعُلماء والمعلمون والسياسيون دورَهم، أو أدوارَهم، حيث ‏كان واحِدُهُم يقوم بأكثر من دور أو مهنة من هٰذه المهن في الوقت نفسه، من دون تسميته ‏«مثقفًا»، أو «مفكرًا»، فالأولوية كانت للنهوض والتغيير في المجتمع. والأكثر أن كثيرين من ‏هؤلاء الناشطين والفاعلين كانوا يخدمون السُلطة، أو يُعادونها، مع الغرب أو ضده، متديّنين أو ‏علمانيين، بمعنى أنهم لم يكونوا من طبقة واحدة أو فئَة واحدة، أو في تكتل واحد.‏

– بناءً على الملاحظة السابقة، أخذ المُفكّر دورَه في المجتمع، فأنتج ثقافةً ومعرفةً، أو نقلَها أو ‏استهلكَها، ومن ثم وُضِعت المفاهيم والمصطلحات، أي أن إرادة الإصلاح والتغيير سبقت الصفة، بمعنى دور المثقف وسلطته، سبقت صفته وتسميته، وذلك على النقيض من اليوم، حيث توجد التسمية، لكنها لا تعني الدور نفسه. ‏

– نظرًا إلى محدودية التعليم ووسائل الاتصال والتواصل، وغياب الفضاء الخاص واندماجه بالعام، ومحدوديَة الاختصاصات آنذاك كان عددُ المثقفين ‏قليلًا، لكنه فاعلٌ، ولهم مكانةٌ اجتماعيةٌ، والأهم، صدْق «المثقف» في ما يطرحه، وحسبانه هذه ‏الأمور قضيتَهُ التي يُدافع عنها ويهلك من أجلها.‏

نخلص، أولًا، إلى أن المثقف في الحضارة العربية، تاريخيًا وحاضرًا، كان دورًا أكثر منه مصطلحًا، بمعنى أن دوره سبق صفته وتسميته ووجوده، أي كانت أهميته وضرورته أكبر من توصيفه وتعريفه. وثانيًا، ارتبط وجود المثقف ودوره بالإصلاح، أي بهدف التغيير ومن أجله، أي من أجل ما هو قائم (ضرورة التغيير والإصلاح)، وليس من أجل ما يمكن أن يكون (رسم الخطط ومناقشتها ودراسة توقعاتها والتفاوض من أجلها). وثالثًا، عايش المثقف السلطة السياسية، متفرغًا لدوره العملي، وليس لمناوءة الحاكم من أجل المناوئة، على اعتبار أن صورة المثقف وتعريفه مرسومان على أساس هذا الدور، وإلّا لا يكون مثقفًا. ورابعًا، عاود ظهور مثقف عصر النهضة العربية الحديثة مع الإرساليات والعلوم الغربية، بعد انقطاع دام قرونًا، تُركت الساحة التغييرية والثقافية إما للخمول الفكري، وإما للنص الديني الجاهز، أي ثقافة النقل بدلًا من ثقافة العقل، ما أثّر في وجود المثقف التغييري والتنويري.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 544 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 544 حزيران/يونيو 2024

دراسات ذات صلة:

الحداثة المتخيلة والرهان على السلطة: المثقف كظاهرة ما بعد استعمارية، والمفكر الممارس كإمكانية تحررية

“المثقف العربي” و”الجمهور”: أين يكمن أصل الجدل؟

دور المثقفين في تجديد الفكر العربي

في التلقي المغربي لمفهوم المثقف: (عبد الإله بلقزيز نموذجاً)

كتب ذات صلة:

الثقافة والمثقف في الوطن العربي

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 544 في حزيران/يونيو 2024.

أحمد مفلح: باحث عربي من فلسطين.

[1]يقول ريمون آرون: «إن النزوع إلى انتقاد النظام القائم هو المرض المهني للمثقفين». انظر: Raymon Aron, The Opium of the Intellectuals, translated by Terence Kilmartin (New York: W. W. Norton, 1962), p. 210.

[2] انظر: إدوارد سعيد، صور المثقف، ترجمة غسان غصن (بيروت: دار النهار، 2004)؛ علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، ط 2 (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1998)، ص 37؛ أحمد مفلح مفلح، في سوسيولوجيا المثقفين العرب: دراسة وصفية من خلال تحليل مجلة المستقبل العربي (1978-2008) (بيروت: منتدى المعارف، 2013)، ص 17.

[3] جيرار ليكلرك، سوسيولوجيا المثقفين، ترجمة جورج كتورة (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2008)، ص 65.

[4] الطاهر المناعي، الخطاب القومي العربي المعاصر من خلال أبحاث مركز دراسات الوحدة العربية (1975- 1990)، سلسلة أطروحات الدكتوراه؛ 72 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008)، ص 267.

[5] محمود أمين العالم، الثورة والثقافة (بيروت: دار الآداب، 1970)، ص 167.

[6] محمد عابد الجابري، المسألة الثقافية في الوطن العربي، سلسلة الثقافة القومية؛ 25، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999)، ص 213.

[7] إبراهيم صقر أبو عمشة، الثقافة والتغيير الاجتماعي (بيروت: دار النهضة العربية، 1981)، ص 7.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز