مقدمة:

تهدف الدراسة إلى تحليل علاقة الفلاحين بالثورة عبر وصف دور الفلاحين في الانتفاضة المصرية الحالية، وإعادة تعريف مسار ومراحل تطورها، وأخيراً تحليل العلاقة التاريخية بين الانتفاضات الفلاحية والنخب الحضرية. يشير آلان باديو[1] إلى أن تحليل الربيع العربي اتسم بالتحليل اللحظي، أي أن التاريخ كان غائباً، وأن مفهوم «الثورة» الحالي قد طبع بشكل معيّن، وهو المتمثل باحتلال الميادين، كما حدث في القاهرة واسطنبول ونيويورك ومدريد. هذا الشكل بدوره يلغي الأشكال الأخرى، ويعتبرها فعلاً خارج إطار الثورة، حتى ولو كانت تعتبر كذلك خلال فترات تاريخية أخرى.

يشير جاك قبانجي[2] إلى تمركز النماذج الفكرية المسيطرة في العلوم الاجتماعية بشكل عام، والسياسية منها بشكل خاص، في رؤيتها لمركز الفعل والتغيّر في السلطة السياسية والنخبة، وأحياناً الطبقة الوسطى، الأمر الذي يقوّض من فرص فهم وتحليل الديناميات الاجتماعية في إطار أوسع. وتشكّل هذه القراءة الحضرية واللحظية للثورة المصرية عائقاً أمام قراءة وفهم وتحليل مدى وجود دور للفلاحين في الثورة المصرية من عدمه.

يصف سمير أمين[3] ما يحدث في مصر بـ «لحظة ثورية» مرتبطة بحراك دول الجنوب مع حركات التحرر في خمسينيات القرن الماضي. أما جلبير أشقر[4]، فيرى الانتفاضات العربية أنها أول الغيث لصيرورة طويلة الأمد. هاتان القراءتان تفتحان المجال لتحليل أكثر تحرراً من قيد لحظة عام 2011.

يمكن القول، إذن، إن فهم علاقة الفلاحين بالثورة يحتاج أولاً إلى انفتاح زمني لما قبل وما بعد لحظة الـ 18 يوماً، وثانياً إلى انفتاح جغرافي يرصد ويحلل ما يحدث خارج حدود العاصمة وفضائها العام، وأخيراً إلى انفتاح معرفي لإعادة تعريف ماهية الثورة وأشكال الحراك الثوري. لذلك سوف نحاول من خلال قراءة طويلة المدى تناول تطور الحراك الاحتجاجي الفلاحي لإعطاء صورة عن واقع تمرد الفلاح وعلاقته بمسار وتاريخ الحركة الوطنية. بمعنى آخر، نطرح تساؤلات حول مشاركة الفلاحين من عدمه، وعن إعادة تعريف أشكال الحراك الثوري، وإمكان إعادة موقعة الحراك الفلاحي داخل تصور للثورة كعملية تاريخية واجتماعية طويلة الأجل.

أولاً: نظرة عامة إلى الريف والزراعة

الفلاح، كما يوضح حبيب عايب[5]، هو من يفلح الأرض، ويستخدم قوة عمله الذاتية والعائلية. هنا قد يكون الفلاح مالكاً للأرض التي يزرعها أو مستأجراً. ويري عايب، وأتفق معه في ذلك، أن الملكية الأقل من عشرين فداناً تُعدّ ملكية فلاحية.

ووفقاً لبيانات تعداد عام 2006 للسكان، فإن عدد سكان الريف كان 41 مليوناً، مثلوا حوالى 57.36 بالمئة من جملة السكان في مصر، وقد عمل 13 مليوناً منهم في الزراعة. وفي عام 2008، كان إجمالي القوى العاملة في الزراعة يمثلون حوالى 27 بالمئة من إجمالي قوة العمل في مصر. ويوفر الإنتاج الزراعي المحلي حوالى 63 بالمئة من حاجات السكان الغذائية، وقد ساهم في حوالى 13 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2009/2010. ورغم أهمية الزراعة، إلا أن نصيب الزراعة من الاستثمارات يتناقص بمعدل متزايد، كما يوضح الجدول الرقم (1).

الجدول الرقم (1)

النسبة المئوية للاستثمار في القطاع الزراعي من جملة الاستثمارات من عام 2003 إلى عام 2008

السنة200320042005200620072008
نسبة الاستثمار في القطاع الزراعي9.46.57.66.954

المصدر: تقرير التنمية البشرية 2009: التغلب على الحواجز: قابلية التنقل البشري والتنمية (نيويورك: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2009).

وفي ما يتعلق بتوزيع الملكية، يوضح الجدول الرقم (2) أن حوالى 90 بالمئة من جملة الحائزين هم من صغار الفلاحين الذين يملكون أقل من خمسة أفدنة، في حين أن حوالى 9 بالمئة يملكون أقل من 20 فداناً، وواحد بالمئة يملكون أكثر من 20 فداناً، لكنهم في الوقت ذاته يمتلكون 24.9 بالمئة من المساحة المنزرعة.

الجدول الرقم (2)

النسب المئوية لحيازة الأراضي الزراعية بين عامي 1981 و2000

فئات الحيازة بالفدانالعدد من جملة الجائزينالمساحة بالمئة من جملة الأراضي الزراعية
1981200019812000
أقل من 5 أفدنة9090.452.547.2
من 5 ـ 20 أفدنة9.08.525.827.9
أكثر من 20 فداناً1.01.121.524.9

المصدر: حسنين كشك، «سياسات الإصلاح الزراعي ومضاداته في مصر،» في: ربيع وهبة، محرّر، الأرض ومن عليها.. حقوق ومصير الشعوب في منطقة الشرق الأوسط ـ شمال إفريقيا (القاهرة: مصر المحروسة، 2013).

توضح البيانات والملاحظات الميدانية أن الفلاحين ليسوا كتلة واحدة متناسقة القوام ومتطابقة المصالح. كما أن التغيّرات المتعدّدة التي شهدها القطاع الزراعي أدت إلى زيادة تنوع مصادر الدخل. وقد شهد القطاع الزراعي الفلاحي تدهوراً شديداً وتجاهلاً مقصوداً من قبل الدولة، وتقلّص دوره في سبل عيش الكثير من الفلاحين. ويشير أبو كريشة إلى أن حوالى 80 بالمئة من الفلاحين يعملون في أعمال أخرى خارج قطاع الزراعة[6].

ثانياً: الريف المصري خلال عهد مبارك؟

منذ عام 1952 مرت السياسات الاقتصادية في مصر على الأقل بثلاث مراحل أساسية: المرحلة الأولى التي اعتمدت الدولة فيها على مركزية واقتصاد موجه نحو الداخل، والمرحلة الثانية ارتكزت على الانفتاح اقتصادي (المحدود)، أمّا المرحلة الثالثة فقامت على التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي[7].

خلال السنوات الأولى من الحقبة الناصرية (1952 ـ 1957) ارتفعت معدلات المساواة الاجتماعية، وانخفضت حدّة الفقر الريفي نتيجة لقوانين الإصلاح الزراعي. لكن المكتسبات التي حققها الفلاحون بدأت تتقلص نتيجة سياسات السادات ومبارك المعادية للفلاحين. على سبيل المثال، أصدر السادات القرار الرقم (69) لسنة 1974 برفع الحراسة عن الأراضي الزراعية التي صادرتها هيئة الإصلاح الزراعي من الإقطاعيين وسلّمتها إلى الفلاحين لزراعتها عبر عقود إيجار، الأمر الذي أدى إلى فقد مئات الفلاحين للأراضي التي كانوا يزرعونها. أما في عصر مبارك، فقد اتُخذت سلسلة من الإجراءات أدت إلى تصفية المكتسبات التي حققها الفلاحون خلال الفترة الناصرية، مثل إلغاء الدعم على الأسمدة الزراعية، وتحرير أسواق التقاوي والمبيدات الزراعية، وخصخصة أراضي الشركات الزراعية التابعة للدولة أيضاً. وكانت خاتمة الإجراءات تعديل العلاقة الإيجارية بين المالك والمستأجر، وقد عرف بالقانون الرقم (96) لسنة 1992.

وفي عام 1992، وافق البرلمان المصري على القانون الذي حمل اسم قانون «إصلاح العلاقة الإيجارية بين المالك والمستأجر»، وقد تضمّن ذلك القانون زيادة القيمة الإيجارية من 7 أمثال الضريبة السارية على الأراضي الزراعية إلى 22 مثل الضريبة خلال الفترة الانتقالية التي تبلغ خمس سنوات، ثم بعد ذلك تترك الحرية للسوق لتحديد قيمة الإيجار. وكان القانون الرقم (96) لسنة 1992 حاسماً في إنهاء أهم مكاسب الفلاحين من قوانين الإصلاح الزراعي الناصرية، وهي الأمان الإيجاري وتعريف المستأجر والمشارك كـ «حائز للأرض» مثله مثل المالك، الأمر الذي يضيف إليه حزمة من الحقوق المرتبطة بالحيازة، مثل «التصويت في الجمعية، والحصول على التقاوي والأسمدة المخفضة، والاقتراض من بنك التسليف أو التنمية والائتمان الزراعي.

تسبّب القانون في طرد حوالى 904 آلاف مستأجر، وهو ما عنى أنه من أصل الخمسة ملايين أسرة مصرية، تضرّرت 431 ألف أسرة كلياً من جراء القانون، كما فقدت ألف أسرة في المتوسط 46 بالمئة من دخلها[8]. وتنقل ريم سعد[9]، عن إسماعيل عبد المولى[10]، أن المستأجرين المتضرّرين من القانون يزرعون حوالى 23.7 بالمئة من الأرض المزروعة في مصر. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع الإيجارات الزراعية كثيراً، كما يوضح الجدول الرقم (3).

الجدول الرقم (3)

تطور قيمة الإيجارات للأراضي الزراعية

الإطار القانونيالعامالقيمة بالجنيه المصري للفدان/عامطريقة تحديد قيمة الإيجار
القانون الرقم (178)
لسنة 1952
19902007 أضعاف الضريبة على الأرض
القانون الرقم (96) لسنة 1992 ـ الفترة الانتقالية1992 ـ 199760022 ضعف الضريبة على الأرض
القانون الرقم (96)
لسنة 1992 ـ سعر السوق
بعد 19973000 ـ 4000سعر السوق
2007 ـ 20085000 ـ 5500سعر السوق

المصدر: المصدر نفسه، وSaker El Nour, «Dynamiques contemporaines de la pauvreté dans l’Égypte rurale: Cas de Nazlet Salmân,» (PhD. Dissertation, Paris, 2013).

ورغم أن الدولة استهدفت من تطبيق القانون «تجميع الملكية» وتقليص الحيازات الصغيرة من أجل تطوير القطاع عبر الميكنة، فقد أدى القانون وفقاً لبيانات التعداد الزراعي إلى زيادة تفتيت الرقعة الزراعية، حيث إن نسبة الحائزين أقل من فدان كانت 36 بالمئة عام 1990 من جملة الحائزين، وأصبحت 43 بالمئة عام 2000‏[11].

لقد تفاقمت الأزمات التي تحيط بالريف كفضاء جغرافي اجتماعي، والزراعة الفلاحية كنشاط اقتصادي، وظهرت لها إرهاصات متعدّدة، وفي أحيان كثيرة متعارضة. فقد استعادت، مثلاً، الزراعة المعاشية بعض زخمها، في حين ظهر الأطفال العمال في المزارع الرأسمالية في تخوم القاهرة أو في الصحاري على حواف وادي النيل. كذلك تنامى العنف في مواجهة الدولة، وتحديداً العنف الطائفي والقبلي. وانتشرت الهجرات غير الشرعية إلى الأقطار العربية (ليبيا) أو إلى أوروبا. كما أضحت الهجرة القصيرة الأمد لمدة ثلاثة أشهر إلى ليبيا والمدن السياحية (تراحيل محلية ودولية) كمكوّن في سبل عيش مركبة لسبل عيش الفقراء في الريف.

ثالثاً: هل شارك الفلاحون في الثورة؟

نتصور أن الثورة المصرية الآنية مرت بأربع مراحل رئيسية، لكي نصل إلى مشهد كانون الثاني/يناير 2011. المرحلة الأولى كانت انتفاضة الفلاحين من عام 1997 إلى عام 2000. تليها المرحلة الثانية، وهي الانتفاضة التي خاضها سكان الأحياء العشوائية من عام 2000 إلى عام 2007، ثم كانت بعدها المرحلة الثالثة الممتدة من عام 2004 إلى عام 2011، وهذه المرحلة هي مرحلة حركة «كفاية»[12]، وما تلاها من أحداث كان مسرحها الأساسي قلب المدن. أما المرحلة الرابعة، فهي مرحلة ما بعد كانون الثاني/يناير، وهي مفتوحة لم تحسم بعد. وسوف نركّز في الفقرات التالية على انتفاضة الريف، وأشكال الحراك الفلاحي قبل كانون الثاني/يناير وأثناءها وبعدها لارتباطها بإشكالية الدراسة.

1 ـ الفلاح وحيداً: انتفاضة الفلاحين (1996 ـ 2013)

مثلت انتفاضة الفلاحين ضد تطبيق قانون المالك والمستأجر عام 1997 نقطة تحول أساسية في علاقة المواطنين بالسلطة في عصر مبارك، إذ تمت هذه الحركة الاحتجاجية وسط أجواء مشحونة بـ «شحن وطني» في إطار «الحرب على الجماعات التكفيرية». فقد شهدت الفترة من عام 1990 إلى عام 1997 صراعاً عنيفاً بين الدولة والجماعات. وفي عام 1990، قتلت جماعة الجهاد الإسلامي رئيس مجلس الشعب المحجوب، واستمرت أعمال التخريب واستهداف الشخصيات العامة والأقلية المسيحية والسياحة الأجنبية حتى حادث الأقصر عام 1997، حيث قتل 62 سائحاً. استغل نظام مبارك هذه الفترة لقمع الانتفاضات كافة، ولإسكات كل الأصوات تحت شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة». لكن النظام نفسه بدأ عام 1993 في فتح قنوات مع التنظيمات، حتى وصل إلى مبادرة وقف العنف التي أقرّتها الجماعة الإسلامية والحكومة عام 1998. وكانت إحدى النتائج الأساسية لهذه الفترة هي تمكّن جهاز الشرطة من السيطرة على الأقاليم، وإحكام القبضة الأمنية على القرى، ومنع أو تحجيم أي نشاط سياسي. وقد تم إخضاع المثقفين والمعارضين أيضاً، والانضواء تحت غطاء الدولة. وفي هذه الأثناء، وتحت غطاء الإجماع الوطني، كان يتم تمرير سياسات التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي (النيوليبرالية). ولم تربط السلطة بين نمو الجماعات التكفيرية في محافظات الفيوم والمنيا وأسيوط، وهي من أفقر المناطق الريفية، وسياساتها الزراعية.

وما بين تشرين الأول/أكتوبر 1997 وأيار/مايو 1998، وثق مركز الأرض لحقوق الإنسان اشتباكات عنيفة في أكثر من 100 قرية، سجلت 32 حالة وفاة، إضافة إلى إصابة 751 فلاحاً، واعتقال 2410 فلاحين في الريف المصري، نتيجة الاحتجاجات والصدامات مع الشرطة والملاك من جراء تنفيذ ذلك القانون. وقد تعرّض الكثير من الفلاحين للترهيب والاحتجاز غير القانوني والتعذيب من جانب قوات الشرطة[13].

ورغم نجاح السلطة في إخماد الانتفاضة الفلاحية، إلا أن مظاهر العنف الريفي تجاه الدولة زادت. فمن الوقائع المهمة الجديرة بالذكر، واقعة مواجهة قرية نما للدولة بسبب قتل طفل لها من قبل أشخاص مرّوا بسيارة على الطريق السريع، فقرر الأهالي إغلاق الطريق ومنع المرور منه في تحدّ للدولة. يقول رمضان: «علينا أن نقف طويلاً بالتحليل أمام ثورة أهالي قرية ميت نما‏،‏ فوفقاً للمعاينة التي قام بها أعضاء النيابة الذين انتقلوا إلى مكان الثورة‏،‏ فإن الأهالي قاموا بوضع حواجز خرسانية وجذوع أشجار لقطع الطريق‏،‏ وقاموا بإتلاف ‏13‏ سيارة، من بينها سيارتان إحداهما للشرطة‏،‏ والأخرى للمطافئ، فضلاً عن أوتوبيس هيئة نقل عام، وسيارة نقل. وحصلت تلفيات جسيمة، وتم تهشيم ‏8‏ سيارات ملاكي وأجرة‏،‏ بينها سيارة خاصة بجريدة الأهرام. واشترك في الثورة ما يزيد على ‏3‏ آلاف شخص‏». ويعتبر عبد العظيم رمضان هذه الواقعة مؤشراً على «ثورة ريفية».

وقد وقفت أغلبية القوى السياسية في صف تطبيق القانون، وانحازت إلى الدولة ضد الفلاحين، سواء بشكل علني، مثل موقف الإخوان المساند للقانون[14] أو اليسار الذي لم يدعم الفلاحين، ففي شهادتها قالت شاهندة مقلد، زعيمة الفلاحين: «لقد جزلنا التجمع»[15]. لكن الحزب الناصري، وكان حزباً هامشياً في ذلك الوقت، وقف إلى جانب الفلاحين، مع بعض المحامين، ومركز الأرض، وبعض الأكاديميين. إلا أنه لا يمكن تجاهل العلاقة بين تنكّر النخب المركزية لحركة الفلاحين، وحالة الشحن الوطني، والاصطفاف خلف مبارك لمواجهة الجماعات التكفيرية[16].

ورغم تجاهل أغلبية النخب الحضرية لانتفاضة الفلاحين، إلا أنها استطاعت أن تكسر حالة الإجماع الوطني حول مواجهة الإرهاب، وأنهت حالة الصمت تجاه السياسات النيوليبرالية للحكومة، وأحدثت شرخاً أو ثقباً في جدار الخوف البوليسي الذي بنته الدولة. لذلك تلتها موجات متلاحقة من احتجاجات المهمشين في المدينة واحتجاجات العمال والموظفين، ثم احتجاجات وسط المدينة، وصولاً إلى كانون الثاني/يناير 2011.

2 ـ كانون الثاني/يناير 2011: «ثورة في قلب المدينة» أم «ثورة قلب المدينة»؟

للإجابة عن هذا التساؤل، يجب تفكيك الـ 18 يوماً التي على أساسها ولد التصور الحضري للثورة المصرية. ويمكن القول إن يوم 25 كانون الثاني/يناير 2011 تحديداً كان يوماً حضرياً بامتياز، ويعبر عن حركة حقوقية مطالبة بوقف ممارسات الداخلية من التعذيب، وتتكون بالأساس من شباب الطبقة الوسطى الحضرية بأطيافها المختلفة. كان العدد في ذلك اليوم حوالى 40 ألفاً[17].

لكن خلال الأيام التالية، وصل العدد إلى بضعة ملايين، وكان انضمام الأقاليم مؤثراً جداً في سير الأحداث. لقد كان اعتصام ميدان التحرير يضم أفراداً من المحافظات الريفية الذين تقطعت بهم السبل بعد إغلاق طرق العودة، وانخرط الكثيرون منهم في عمليات حماية وتأمين الميدان[18].

وقد أتت أيضاً أكبر المسيرات، خاصة يوم 28 كانون الثاني/يناير 2011، من مناطق ذات طابع ريفي في الجيزة والقليوبية الملاصقة للقاهرة. وهذه الملاحظات تطرح تساؤلات حول الانتماءات الجغرافية، لا السياسية فقط، لهذه الحشود المتجمعة في الميادين الحضرية؟ هذا السؤال لم يطرح، سواء من قبل المحليين أو من قبل قيادات الحركة الاجتماعية أنفسهم. وكان ولا يزال السؤال المسيطر هو من يقود هذه الجموع؟ لذلك تركزت الدراسات حول المجموعات والحركات الشبابية الحضرية المنظمة ليوم 25 كانون الثاني/يناير 2011.

 

3 ـ ما بعد كانون الثاني/يناير 2011

رغم أن السياسات الزراعية لم تتغيّر عشية رحيل مبارك، إلا أن رحيله مثّل رأسمالاً رمزياً للفلاحين؛ فقد شعر الفلاحون أن فرصتهم لاستعادة حقوقهم قد أتت. هذا الشعور ترجم إلى أربعة أشكال رئيسية من الحراك والفعل: الأول هو التنظيم والانخراط في حركة نقابية فلاحية، والثاني هو التظاهر والاعتصام، والثالث هو الفعل المباشر للنفاذ على الأرض والسكن، والرابع والأخير هو دسترة الحقوق. هذه المظاهر الأربعة ليست مرتبة أو متعاقبة أو تتم بشكل منسق. فعبر حوالى 4673 قرية مصرية، تتقاطع هذه الأشكال بطرق مختلفة. وفي الفقرات التالية سنتناول هذه الأشكال بمزيد من التفصيل.

الجدول الرقم (4)

النقابات والاتحادات الفلاحية المؤسسة منذ عام 2011

المنظمة الفلاحيةتاريخ ومكان التأسيسالتوزيع الجغرافيالفئة المستهدفةمعلومات إضافية
اتحاد الفلاحين المصريين30 نيسان/أبريل 2011 في قرية كمشيش16 نقابة فرعية ـ حوالى 50 ألف عضو (2012)صغار ومتوسطو الفلاحين (أقل من 10 فدادين)تأسس من 320 فلاحاً من 15 محافظة بشكل غير رسمي عام 1983 ـ شاهندة مقلد
النقابة العامة للفلاحين11 نيسان/أبريل 201127 نقابة فرعية ـ حوالى نصف مليون عضو (2012)الفلاحون وعمال الزراعة والمهندسون الزراعيوندعم من وزارة الزراعة ـ أول نقيب محمد عبد القادر
نقابة الفلاحين المستقلة4 آذار/مارس 2011 نقابة الصحافيين16 نقابة فرعيةصغار الفلاحين ـ أقل من 5 فداديندعم مركز الأرض لحقوق الإنسان
اتحاد فلاحي مصر17 أيار/مايو 2011، نادي الأطباء21 نقابة فرعية (حوالى 100 ألف مشترك آذار/مارس 2013)فلاحو الإخوانالنقيب عبد الرحمن شكري، عضو بجماعة الإخوان المسلمين

المصدر: موقع اتحاد الفلاحين المصرين، مقابلات ميدانية، ومقابلات صحفية، ومحمد حلمي أحمد نوار وتهاني عبد الحكيم، «الوضع الحالي والآفاق المستقبلية لاتحادات ونقابات المزارعين في مصر،» رسالة «السيام»، العدد 26 (تشرين الأول/أكتوبر 2013)،   <http://www.ciheam.org/index.php/en/publications/watch-letters>.

كما يوضح الجدول الرقم (4)، تأسست بعد رحيل مبارك أربع منظمات ريفية. في البداية، استطاع اتحاد الفلاحين المصريين أن يجذب آلاف الفلاحين، ووصل عدد المنضمين إليه أكثر من 70 ألف فلاح. لكن الدعم التنظيمي الذي حصلت عليه النقابة العامة للفلاحين من وزارة الزراعة رفع عدد المشتركين فيها إلى 500 ألف، بينما بقيت الأولى في حدود المئة ألف مشترك، كما هو موضح في الجدول. كذلك، فإن حركة الإخوان المسلمين حاولت أن تجمع الفلاحين المنخرطين فيها حتى لا ينضموا إلى نقابة أخرى ذات توجهات مختلفة، فسارعت إلى تأسيس نقابة اجتذبت قطاعاً لا يستهان به في الريف.

إجمالاً، هناك حوالى 700 ألف فلاح «مشترك» في واحدة من النقابات المستقلة التي نشأت أو أعلنت خلال الثلاث سنوات الأخيرة. لقد أخذ تزاحم القوى السياسية المختلفة على تنظيم الفلاحين في صفوفها، بعد سقوط مبارك، شكلاً قوياً. وقد تمثل الشكل الأول من أشكال الحراك الفلاحي بالتنظيم والانخراط في حركة نقابية فلاحية، إلا أن تعقّد المشهد النقابي الذي يوضحه الجدول الرقم (4) يبعدنا من افتراض انخراط الفلاحين في حركة نقابية راديكالية متجانسة، كما يشير صقر[19]، لكن الإشكالية الأساسية في أغلبية تلك الاتحادات الفلاحية هي أنها تكونت عبر تأسيس اتحاد نقابي مركزي فوقي من دون بناء نقابة قاعدية متماسكة على مستوى القرى والنجوع، وهذا يعتبر قفزاً على واقع الحركة الاجتماعية.

الشكل الثاني من أشكال الحراك الفلاحي هو المشاركة في الحركة الاحتجاجية، وقد استعيدت المطالب القديمة؛ فقد طالب فلاحو الإصلاح الزراعي باستعادة أراضيهم[20]. وطالب مزارعو الأرز بحصص إضافية من المياه، كما طالب المتضرّرون من القانون الرقم (96) لسنة 1992 باستعادة أراضيهم التي كانوا يستأجرونها.

يشيّر تقرير لمركز الأرض صدر عام 2012 إلى أن الفلاحين قاموا بـ 158 احتجاجاً فلاحياً تمثلت بـ 74 اعتصاماً، و84 تظاهرة. ويوضح الجدول الرقم (5) أن 95 بالمئة من مطالب الفلاحين المحتجّين كان معظمها بسبب النفاذ إلى الموارد، ومثلت الأرض والمياه والسماد أكثر هذه الموارد.

الجدول الرقم (5)

عدد وأسباب احتجاجات الفلاحين عام 2012

أسباب الاحتجاج
ملكية الأرض الزراعيةنقص الأسمدةنقص مياه الريّأسباب أخرى
عدد الاحتجاجات32546210

المصدر: مركز الأرض لحقوق الإنسان (القاهرة)، <http://www.lchr-eg.org/>.

الشكل الثالث من أشكال الحراك الفلاحي هو الفعل المباشر لاستعادة النفاذ إلى الموارد. ويشير كرم صابر، مدير مركز الأرض لحقوق الإنسان، إلى أنه جرت حوادث وصدامات لاستعادة الأراضي في أكثر من 50 قرية استطاع فيها الفلاحون الاستحواذ على الأرض لزراعتها[21]. ومن أشكال الفعل المباشر أيضاً البناء على الأراضي الزراعية، حيث إنه توجد قوانين تمنع البناء على هذه الأراضي، لكن لا توجد خطط لحلّ مشكلة السكن في الريف. ويشير تقرير لمجلس الوزراء أوردته الأهرام[22] إلى وجود حوالى مليون ومئتي حالة تعدٍّ على الأراضي الزراعية بالبناء خلال السنوات الثلاث الماضية، نتج منها «فقد» حوالى 37 ألف فدان. وإذا أخذنا في الاعتبار أن الفدان يساوي 4200 متر مربع، وافترضنا أن كل المخالفات متساوية في المساحة، فإن كل مخالفة كانت من أجل البناء على 129 متراً مربعاً، وهي مساحة محدودة جداً، وتوضح مدى الحاجة إلى بناء منازل في الريف.

أما الشكل الرابع والأخير، فهو إقرار السيادة الغذائية في دستور 2014 تحت ضغط من النقابات الفلاحية ومنظمات المجتمع المدني العاملة في الحقل البيئي والحقوقي، وبعض الأكاديميين. وتنص المادة الرقم (79) على ما يلي: «لكل مواطن الحق في غذاء صحي وكاف، وماء نظيف، وتلتزم الدولة بتأمين الموارد الغذائية للمواطنين كافة. كما تكفل السيادة الغذائية بشكل مستدام، وتضمن الحفاظ على التنوّع البيولوجي الزراعي وأصناف النباتات المحلية للحفاظ على حقوق الأجيال». بالتأكيد، يحتاج هذا النصّ الدستوري إلى تحويله إلى حزمة من القوانين والسياسات، لكنه يعبّر عن دسترة حق أصيل لم يكن ممكناً من دون وجود حركة فلاحية ناشئة تحاول فرض نفسها على المسرح السياسي والفضاء الاجتماعي.

إجمالاً، يمكن القول إن التحركات الفلاحية التي تلت كانون الثاني/يناير 2011 تجمع ما بين التنظيم والفعل العفوي المباشر الذي يصفه عشماوي[23] بـ «الحركة الاجتماعية العفوية»، في حين يسمّيه آصف بيّات[24] «اللاحركات الاجتماعية». ويعرّف بيّات اللاحركات الاجتماعية بأنها «الفعل الجماعي لفاعلين متفرّقين وغير منظّمين». وينصبّ اهتمام الفاعلين في «اللاحركات الاجتماعية» على تحسين فرص حياتهم، وعادة ما تفتقد اللاحركات الاجتماعية إلى القيادة والأيديولوجيا والبناء التنظيمي، ولا يكون لديها هدف الإطاحة بالنظام القائم. ويرى بيّات أن الانتفاضات العربية لم تلغ اللاحراك، بل إن «اللاحركات» تحتفظ بفاعليها دائماً في حالة تعبئة متواصلة. ويعني هذا أن فاعلي اللاحراك الاجتماعي عندما يشعرون بوجود فرصة، يرجّح قيامهم باحتجاجات جماعية متّسقة أو يندمجون في تعبئة سياسية واجتماعية أوسع، وهذا لاحظناه مع الفلاحين.

رابعاً: العلاقة التاريخية بين الانتفاضات الفلاحية والحركة الوطنية

إن العلاقة بين الانتفاضات الفلاحية والحركة الوطنية ليست وليدة اليوم، بل إنها قديمة قدم الصراع على السلطة والموارد في مصر. سوف نحاول في هذه المبحث تفكيك هذه العلاقة التاريخية المعقّدة، ونناقش فرضية الارتباط التاريخي بين انتفاضة الفلاحين والانتفاضة الشعبية العامة، وكيف تكرر هذا المشهد عبر التاريخ، ثم بعد ذلك نتطرق إلى طبيعة العلاقة بين النخب الحضرية والمطالب الريفية عبر النظر إلى ثورة 1919 وحركة الضباط في تموز/يوليو 1952.

1 ـ الفلاح يثور أولاً

من الملاحظات التي تلفت الانتباه عند إجراء قراءة تاريخية للانتفاضات الشعبية في مصر خلال القرن الماضي، أنه عادة ما يتلازم الحراك الفلاحي مع الحركة الوطنية في بعض الأحيان، أو تسبق الانتفاضة الفلاحية الحركة الوطنية البرجوازية بخطوة أو خطوات. وسنتوقف هنا عند حدثين مهمين، هما ثورة 1919 وحركة يوليو 1952.

من أوائل آذار/مارس إلى أواخر نيسان/أبريل عام 1919، عاشت مصر واحدة من أكبر الثورات في القرن العشرين. وقد بدأت الأحداث حين تم اعتقال قادة الحركة الوطنية في 9 آذار/مارس 1919، ونفيهم إلى خارج البلاد. وبحسب تصنيف غولدبيرغ[25]، تعتبر هذه الثورة واحدة من أكبر الثورات الفلاحية في العصر الحديث في دول الجنوب.

لم تكن انتفاضة الفلاحين ضد الاحتلال الإنكليزي فقط، ولكن ضد شلّة كبار الملاك أيضاً، حتى إن بعض الباشاوات خشوا أن تتحوّل الثورة ضد الاحتلال الإنكليزي إلى ثورة ضدهم. وخلال هذه الانتفاضة هاجم الفلاحون قصور الباشاوات، وحصلوا على ما فيها من غلال ومؤن، ورفضوا دفع الإيجارات الباهظة. وكانت حركة الفلاحين قوية في جميع أقاليم مصر، حتى إن القوات الإنكليزية لجأت إلى العنف الزائد لردعها. ويشير حجازي، نقلاً عن عبد الملك[26]، إلى أن الفلاحين استطاعوا أن يستولوا على قطع الأرض، وأقاموا تحت قيادة محامين ومثقفين دويلات وجمهوريات مثلما حصل في المنيا وزفتي، ولكنها لم تدم فترة طويلة. وكانت انتفاضة الفلاحين تحمل إلى جانب شق التحرر الوطني من الاستعمار شقّاً اقتصادياً واجتماعياً، وكان ذلك مخالفاً لقيادة الوفد والقيادات البرجوازية لثورة عام 1919. كما يشير حجازي[27] ، وفقاً لمؤرخين مصريين، وللوثائق الإنكليزية، إلى أنه لولا مشاركة الفلاحين لم تكن الثورة لتخرج إلى النور.

أما حركة الضباط في عام 1952، فقد سبقها حراك طويل امتد من عام 1944 إلى عام 1951. ففي عام 1945، رفع الملاك الإيجارات الزراعية متحجّجين بارتفاع الحاصلات، فتذمّر الفلاحون، وبدأت موجة احتجاجية في مناطق متفرقة. وكانت الحركات الاحتجاجية عفوية نتيجة للإرهاق الزائد للإيجارات الزراعية، ولقسوة الإدارة وتعسفها. ومثلت الاحتجاجات عوامل زعزعة للنظام، فقد ارتفع معدل الإيجارات الزراعية خلال 14 عاماً، أي بين عامي 1936 و1950، بمعدل 472 بالمئة. على سبيل المثال، أضرب فلاحو أجا في عام 1951 عن جمع القطن احتجاجاً على ارتفاع الإيجارات الزراعية، وامتنع فلاحو بهتوت وكفور نجم عن سداد ديونهم للملاك، ورفض بعض فلاحي كمشيش ـ المنوفية العمل بالسخرة، وفي الجيزة حاصرت القوات بلدة ناهية في مركز أمبابة[28]. وفي صيف 1951 سجّلت الحركات الاحتجاجية في الريف ارتفاعاً، حيث شهد الريف 49 إضراباً، كما شهد مواجهات عنيفة بين الفلاحين والإقطاعيين، كان أبرزها في بهتوت وسنارة وكفور نجم وزنين في الجيزة، وميت فضالة في أجا، والسرو فارسكور ـ الدقهلية.

في 23 أيلول/سبتمبر 1951، كتب أحمد حسين في الاشتراكية، جريدة حزب مصر الفتاة، مقالاً بعنوان «ثورة… ثورة… ثورة»، ينذر فيه بانطلاق ثورة من الفلاحين والعاطلين من العمل في المدن نتيجة تردّي الأوضاع وإضرابات الفلاحين[29]. ووصف جاك بيرك[30] هذه الانتفاضة للفلاحين عام 1951 بأنها كانت نتيجة لضآلة الأجور وفداحة الضرائب، لذلك اتخذ احتجاج الفلاحين شكلاً هجومياً لم يسبق له مثيل في طبيعته وانتشاره. أما خالد محيي الدين، أحد أفراد المكتب السياسي للضباط الأحرار، فقد وصف الإيجارات الزراعية في بداية الخمسينيات من القرن العشرين بـ «صكوك الموت». لقد مثلت الانتفاضات الفلاحية أحد الجذور العميقة للحركة الوطنية، ولكن كيف تعاملت هذه الحركة مع المطالب الريفية؟

2 ـ العلاقة بين البرجوازية المصرية والفلاح المصري

لم يكن التجاهل الذي ووجهت به انتفاضة الفلاحين في عام 1997 جديداً، فقد أشار يحيى حقي، في كتاب صفحات من تاريخ مصر، إلى أنه حين خرج الفلاحون في ثورة 1919 ينادون بالاستقلال والحرية، كانوا يهتفون «نحن هنا، طال نسيانكم لنا، نسيان أشبه بالاحتقار، لنرفع جميعاً أيدينا معاً ليكون مرد الحكم إلى الشعب، لا لشهوة الحكم، بل للعدل، لتحقيق التكافل الاجتماعي»[31]. كما أشار أنور عبد الملك في تعليقه على أسباب فشل ثورة 1919 إلى أن «الوفد» لم يكن يهدف إلى تغيير البنية الاجتماعية القائمة أو الثورة ضد البرجوازية العليا وكبار الإقطاعيين. لذلك تبنّى إصلاحات زراعية لم تكن واردة.

وعلى عكس ثورة 1919، كانت حركة الضباط الأحرار عام 1952، تريد تغيير البنية الاجتماعية، وتقويض قوة البرجوازية العليا وملّاك الأراضي. ولم يكن الإصلاح الزراعي الذي تبنّاه الضباط الأحرار كلياً، كما أشيع، كما أنه لم تستفد منه أغلبية الفلاحين. فالدراسة الرصينة لمحمود عبد الفضيل تؤكد أن إجمالي الأراضي التي تم توزيعها كانت ضئيلة جداً. ويشير عبد الفضيل إلى أنه في إطار قوانين الإصلاح الزراعي، أعيد توزيع حوالى 15 بالمئة من جملة الأراضي المزروعة، واستفاد من عمليات إعادة التوزيع حوالى 9 بالمئة من السكان[32]. ورغم ذلك الانحياز الجزئي لحركة يوليو للفلاحين، الا أن نظام يوليو بدأ ينسحب تدريجياً، ويشكّل جيلاً جديداً من البرجوازية الحضرية، وبذلك تم إهمال الريف وتقويض الحركة الفلاحية.

لكن لم تكن السلطة المصرية الحاكمة وحدها هي التي تتجاهل الفلاحين وحركتهم ومطالبهم، ولكن المعارضة الحضرية أيضاً، فعلاقتها بالريف أخذت أشكالاً متعددة لظاهرة واحدة يسمّيها غيوم لوبلان[33] ظاهرة «عدم الرؤية الاجتماعية»، وهي على ثلاثة أشكال: الشكل الأول هو «التبعية»، وهي تعني أن مجموعة من الأشخاص خاضعين لسلطاني، وأنهم تحت تصرّفي وتابعين لقراري، فإذا وافقت وافقوا، وإن رفضت رفضوا؛ أنا من أقرر لهم، في كل الأحوال، وهذا ليس نتيجة اختيار منهم أو اختيارهم لي، ولكن لأنني أرى أن ذلك صائب. أما الشكل الثاني، فهو «التهميش» الذي يعني أن يكون الغير على هامش الصورة، أي داخل الكادر، ولكن في طرفه موجود فقط لاستكمال الصورة، ولا صوت له، ويمكن أن يكون له حق إبداء الرأي، ولكن رأيه لا يؤخذ بالضرورة بالاعتبار. أما الشكل الثالث، فهو «غير المرئي»، ويعني التجاهل التام للغير، والتصرّف على أنه غير موجود. ففي هذه الحالة، فإن «غير المرئي» هو شخص غير موجود، وإن وجد فهو غير مرئي.

خاتمة

حاولنا عبر هذا البحث تقديم قراءة تاريخية طويلة المدى لعلاقة الفلاحين بالثورة، مع التركيز على اللحظة الثورية الحالية. وقد أوضحت الدراسة العلاقة الارتباطية بين حركات الفلاحين والتحولات على مستوى مصر، فلا يمكن إغفال استباق الانتفاضات الفلاحية لثلاثة أحداث تاريخية كبرى. وهذه العلاقة غير منفصلة عن المحتوى العام، فالأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي سبقت الأحداث الثلاثة الكبرى هي ملمح أساسي أول يجمع بين هذه الأحداث الثلاثة. أما الملمح الأساسي الثاني، فهو بروز إرهاصات الأزمة بشكل أكبر في الريف نتيجة التهميش الذي عاناه ويعانيه على مر العصور، وإلى اليوم تنتشر ظاهرة الفقر في ريف مصر بدرجة أكبر[34]. وقد أشرنا إلى عمق الأزمة الاقتصادية وآثار أزمات الغذاء التي سبقت ثورة 1919، وكذلك أزمة الضرائب والإيجارات الزراعية التي سبقت عام 1952، وأخيراً أزمة الإيجارات وطرد المستأجرين عام 1997. إن أزمة الغذاء والنفاذ إلى الموارد، خاصة على الأرض والضرائب، كانت على مدار التاريخ محركات أساسية لانتفاضات الفلاحين.

يقول إيريك وولف: «إن أثر الأحداث لا يزول بسهولة، فهو غالباً ما يظلّ في حالة سكون في الذاكرة الثقافية، إلى أن يبرز من جديد حدث مهم آخر»[35]. وقد مثلت انتفاضة الفلاحين في عام 1997 رافداً أولياً لتفكيك الحاجز الذي صنعته الدولة عبر التفاهم الخاص بمحاربة الإرهاب، كغطاء لتمرير سياساتها النيوليبرالية، وللتحولات السياسية التي كانت تديرها. ويرى وولف[36] أن تمرّدات الفلاحين ليست مجرد ردّ فعل على مشاكل محلية فقط، ولكنها استجابات محلية للتصدّعات الكبرى الناشئة عن انقلاب الوضع في المجتمع نفسه. ويؤكد أن نظام السوق الذي يقتلع البشر من جذورهم، ويقطع العلاقات الاجتماعية بينهم، هو الذي يؤدي إلى هذه الاضطرابات الفلاحية. إن استخدام الريف كمعمل اختبار لسياسات التحرير الاقتصادي هو الذي أدى إلى الانتفاضة الريفية. لذلك حين خرجت المدن الكبرى يوم 25 كانون الثاني/يناير، لم يجد النظام له أنصاراً في الريف يقفون معه للحؤول دون تحول الانتفاضة الحضرية المحدودة إلى انتفاضة شعبية كبيرة. لذلك لا يرتبط التغيّر الذي حدث بانتفاضات الفلاحين فقط، فهي ليست بالضرورة السبب المباشر والأوحد للانتفاضة الشعبية التي عرفتها مصر، ولكنها تمثل عنصراً مركزياً وسط سلسلة من الأحداث والخبرات التي غيّرت في طبيعة علاقات المواطنين مع السلطة، وطريقة تعاملهم مع الإخفاقات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ويبرز تتبّعنا لمسار الاحتجاجات الفلاحية وتطورها مشاركة الفلاحين في كانون الثاني/يناير 2011، وأنه بعد كانون الثاني/يناير 2011 استمر نشاط الحركات العفوية المنفصل عن الحركات الاجتماعية في شكل ممارسات مباشرة للنفاذ إلى الموارد، في حين اندمج كثير من الفلاحين في الحركة الاجتماعية، وأسسوا نقابات ومنظّمات، بل نسّقوا مع أحزاب وحركات اجتماعية.

إن النظر إلى الثورة على أنها ثورة قاهرية، أو ثورة لحظية، أي منفصلة الجذور، ليس وليد الصدفة، ولكنه وليد عملية تشييد اجتماعي تهدف في النهاية إلى تحديد المسار الذي تسلكه الثورة. لذلك يمكن اعتبار استبعاد الفلاحين مقصوداً به تحجيم مسار الثورة في التحول الديمقراطي، وليس التغيير الجذري لبنية الاقتصاد والعدالة الجغرافية والاجتماعية بين الأقاليم والمناطق.

 

قد يهمكم أيضاً  يا نافخ الثورة البيضاء

اقرؤوا أيضاً  لماذا لا يزال طيف عبد الناصر حاضراً؟

#مركز_دراسات_الوحدة_العربية #الثورة_المصرية #الربيع_العربي #ثورة_الفلاحين #الحراك_الفلاحي #ثورة_25_يناير #ثورة_1952 #ثورة_1919 #مصر #الحراك_المصري #دراسات