مقدمة:

منذ بداية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي؛ شكّل الوجود والتاريخ والهوية والحق الطبيعي للفلسطيني محور المواجهة الأول؛ فانتظمت بهذه العناصر مركبات البنية والوعي والممارسة اليومية حول صياغة الرواية والذاكرة التي تشكل العماد المعنوي والرمزي في بناء مفهوم المجتمع بقيمه ورموزه ومثله الوطنية العليا، في محاولات حثيثة لتقديم وتصدُّر الرواية الفلسطينية في صراعها ولكشف زيف الرواية الصهيونية وتجددها المستمر في كتابة وإعادة كتابة التاريخ حتى اللحظة وفق المنظور الصهيوني، بهدف طمس الرواية والحق الفلسطينيين، وتقديم مسوغات تنسجم مع الرؤية الصهيونية في استباحة المكان والزمان والبشر في صياغة المشهد الفلسطيني.

استهدف الاستعمارُ الفلسطينيَّ من خلال جملة من السياسات العنصرية الهادفة إلى «محو الجمعي القائم»[1]، والذاكرة الجمعية، وإعادة تشكيل الفضاء الفلسطيني برموزه وأسمائه ومدنه وتاريخه على نحو يدعم الرواية الصهيونية في احتلالها لفلسطين. حتى باتت فكرة «صراع الوجود» تعبر عن السياسات والأهداف الاستعمارية في فلسطين. وقد تناغمت هذه التحديات وتزامنت مع حراك مجتمعي فلسطيني عبر عن مقاومته لهذه السياسات في مرحلة الستينيات بطرق عدة، تمّت مأسستها مع تصدر المشهد السياسي والوطني لحركات التحرر الفلسطينية[2]. وانتظم المشروع الوطني التحرري حول استنبات واستعادة/استدعاء «أجساد» بالمعنى الوظيفي السياسي للكلمة في الحقل الثقافي والأدبي والسياسي التعبوي والاجتماعي التكافلي لمواجهة المشروع الاستعماري في فلسطين في معركة التحرير.

عالج إسماعيل الناشف الإشكاليات الثقافية وارتباطها بالسياسي من خلال إنتاج المعنى والفعل على أرضية الالتباس والتغيرات التي عصفت بالمشهد الفلسطيني ثقافياً واقتصادياً[3]، فقام بمعالجة أطروحته الرئيسية ضمن معادلة ثلاثية مقدسة، تمحورت حول ما أطلق عليها «جسد الأرض/الجسد الجمعي/الجسد الفردي» باعتبارها جوهر الصراع، وهي ما انفكت حاضرة حتى اللحظة، وهي تمثل الوعي المقدس للقيم والرموز حول منظومة العمل التحرري. وسقوط أحد الأجساد أو تداعيه حسب اعتقاده، سيؤثر بالضرورة في الأخرى – وهذا صحيح في مساحات معينة – فجوهر القضية والصراع حول موقع الثقافة وتداعياتها على الأجساد الأخرى في المجتمع الفلسطيني، وتجريف الوعي من قبل السياسي في هذا الطرح، يتفق مع مساهمة فيصل درّاج العميقة حول تآكل واغتيال الثقافي والمثقف وخضوعه لـ «الجسد السياسي» في سياق ديالكتيك السلب السياسي الذي أفرزته منظمة التحرير الفلسطينية بفصائلها[4]، فلم يستطع الفلسطيني كجسد فردي أو جماعي (سياثقافي) إنتاج رؤية تحررية وتقدمية قادرة على وضع استراتيجية تتجاوز وجود الاستعمار.

في سياق محو المقدس الفلسطني «جسد الأرض» استخدم الكيان الصهيوني كل السياسات والجرائم والمجازر في سيطرته على الأرض. بدأت ملامح هذه السيطرة تتشكل قبل وبعد «نكبة عام 1948» وفي عام 1967، حين فقد الفلسطيني مادياً الأرض واحتفظ بقيمتها معنوياً ورمزياً في مخياله وذاكرته الجمعية، واستعاض عنها بـ «مفتاح العودة» كإشارة إلى مشروعه التحرري، وبـ «الوعي الجمعي» كحاضنة فكرية تم استبدالها بالواقع. وخاض الفلسطيني معركة التحرير لاستعادة المسلوب منه «الأرض والشعب والحلم» وشكل شعار «الإنسان والأرض قضية»، بداية العمل الكفاحي في معركة التحرير.

مثّل عام 1993 مفصلاً تاريخياً ومنعطفاً أخلاقياً وثقافياً انتهك بالضرورة «الوعي الجمعي» للفلسطينيين، وبدأت ملامح النظام السياسي والثقافي للدولة العتيدة بالتشكل عبر تحكمها بمفاتيح مفصلية في الواقع المعاش للفلسطيني، على الأقل في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، فكانت طريقة الوصول إلى السلطة مؤشراً ودليلاً على طبيعة الثقافة التي تحكم ملامح الجسد السياسي الذي تم إفرازه في مناطق الحكم الذاتي. ومع إحكام القبضة الأمنية وتفرُّد فصيل فلسطيني واحد على مفاتيح ومفاصل الخدمات والفرص والإمكانات من جانب، وهيمنته على المؤسسات المرتبطة بها من جانب آخر، سرعان ما تم شيئاً فشيئاً إخضاع الجسد الاجتماعي وإذعانه، كنتيجة حتمية لتفرد فصيل واحد في استمرارية مفاتيح الحياة.

في مقابل ذلك، استمر سيناريو السيطرة وتفتيت المفتت عبر سياسات إسرائيلية تجاه الأرض الفلسطينية، من شراء، واستيطان، ومصادرة، وتقسيم الأرض إلى مناطق «أ» و«ب» و«ج»، كما نصت اتفاقية أوسلو عام 1993. وتشتت وعُزل الجسد الجمعي الفلسطيني في كانتونات استعمارية، إلى درجة هيمنة الثقافة الموقعية على تلك التجمعات، التي أثرت بالضرورة في العقل الجمعي والقيم الجمعية الفلسطينيَّين، وفي المنظومة القيمية والثقافية والأخلاقية، وبداية تمأسس الثقافة الليبرالية الفردية لـ «جسد الفرد» ونسيان الجسد الجمعي بما يعنيه من ذاكرة جمعية وهوية جمعية تعبر عن الهوية والانتماء في خضم الصراع أو زمن الاشتباك الناعم، وعملت السلطة الفلسطينية على تحييد وابتلاع الفصائل السياسية الأخرى المعارضة لها، وتخدير الشعب وحركاته من خلال التحكم بقنوات العيش الأساسية، التعليمية والصحية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. هذه الحالة كادت تشكل المشهد وتختتمه لولا سياسات الكيان الصهيوني، الذي يصر دائماً على محاصرة خيارات عيش الفلسطينيين بكرامة.

في محاولة من الاستعمار لتطويع الجسد الجمعي والفردي الفلسطيني لفرض شروطه وسياساته كانت القوة المفرطة حاضرة بضراوة في مراحل تاريخية مختلفة، أهمها انتفاضة الأقصى والاستقلال عام 2000، من خلال قصف الأحياء السكنية والجامعات والمؤسسات وتدميرها، واغتيال القادة والسياسيين، واقتحام وتدمير القرى والمدن والمخيمات الفلسطينية الواقعة تحت وصاية «سلطة الحكم الذاتي»، حتى تم نسف العالم والوجود الذي يألفه الفلسطيني. من هنا تأتي ضرورة التحام التجربة الفردية بالتجربة الجماعية في هذا السياق، الذي يبرره العنف الموجَّه ضد الشعب كلّه[5].

بقدر ما يقترب الفلسطيني من فهم العلاقة التي تربطه بالمحتل القاهر[6]، يوظف هذه العلاقة في حركته وفعله النضالي، فتعد مواجهة المحتل نوعاً من الإحساس بالقوة، التي تصبح رمز الحياة في فترات الثورات والانتفاضات.

في بداية التمرد والثورة يتغلب الفلسطيني على «الخوف من الموت»، لأن تحدي الموت وقهره يحمل في النهاية معنى للانتصار المعنوي على القهر والاضطهاد والاستعمار، لأن العيش تحت الاستعمار عبارة عن موت معنوي ووجودي. من هنا؛ نجد أهمية الشعارات والمسميات التي تطرح في بداية التحدي والثورة: الشهيد، المقاتل، الفدائي… والسجين، والاستشهادي، كمعطى تعبوي تحريضي وثوري لأجساد نموذجية صلبة تستدعيها حالة الاشتباك وضراوته، وهي شعارات تُستدعى من الذاكرة والممارسة والثقافة الفلسطينية المقاومة في حال ثورة الفلسطينيين على المستعمِر، وتشكل البنية التحتية لشروط التحمل والتحدي والاستمرار في مواجهة سياسات هذا المستعمِر.

تحمل مقولة «يتغلب الفلسطيني على الخوف من الموت»، في ثناياها مصفوفة نفسية وسياسية، تنظم وترسم حركة المقاتل الفلسطيني ونضاله ضد من يستعمره، فتجعل من الموت أمراً طبيعياً بل دافعاً يتجاوز اللاشعور إلى منطقة الوعي، ليصبح برنامجاً محفزاً لتحديه الموت والمحتل معاً. وبعلاقة المستعمِر – المستعمَر يشكل هذا التحدي رمزاً معنوياً لوجوده الجديد، البعيد من التوتر الوجودي الذي كانت عليه حالته في مرحلة الرضوخ والإذعان لتكنولوجية التأديب والتطويع والتعذيب التي مارسها وانتهجها المستعمِر بين أعوام فترة الركود السياسي (1993 – 2000).

هنا، وفي هذه الحالة النفسية المتمردة المدعمة بعقيدة المقاومة وثقافتها وبرفض الامتثال للمحتل، يشعر الفلسطيني كجسد فردي وجمعي بالرضى عن الذات من خلال قدرته على تغيير موازين القوى، والتحكم بمصيره وبمحيطه الاجتماعي، من خلال وسائل وأدوات قتالية كالحجر والمولوتوف والسلاح… والعمليات الاستشهادية، التي أثارت نقاشات حادة ما بين مؤيد ومعارض لها[7]، فارتبط الموقف المعارض لها ببنية سياسية واقتصادية تدافع عن اتفاقيات أوسلو، ممن يرفضون عسكرة الفعل الوطني لتنافيه مع مصالحهم السياسية والاقتصادية.

وبالرغم مما سبق، وفي خضم تراكم عوامل التأزم والتمرد والثورة، يصبح الأمل والعمل من أجل الانفلات من بنية الرضوخ أمراً تستدعيه الحاجة إلى البحث عن الذات؛ «حينها يتقدم الفرد متطوعاً بتكريس جسده لهدف مقدس»[8] في محاولة منه لخلق موازين قوى جديدة، فيكتشف المستعمَر نفسه بالعنف الثوري الذي يشكل ويصيغ ذاتاً فاعلة وموجودة.

يدور هذا البحث حول عدة تساؤلات: لماذا يحمل شاب في عمر الحياة بندقيته ويقتحم معسكراً أو مستعمرة صهيونية؟ أو يحمل كمية من المتفجرات في حقيبته؟ وكيف تحول الفلسطيني من موضوع يطلق الرصاص إلى ذخيرة وأداة قتالية ممثلة بالتضحية بجسده؟ كما تهدف هذه المقالة إلى تبيان الظروف التاريخية التي مهدت للعمليات الاستشهادية كأداة قتالية مشتقة من سياق الصراع في سبيل نيل الفلسطيني حريته، بحيث حوّل هذا الصراع الجسد الفردي للفلسطيني إلى أداة قتالية في سبيل المجموع.

من أجل تحقيق هدف هذا البحث، استخدم الباحث المنهج الوصفي الكمي والمنهج الوصفي الكيفي اللذين يصفان الظاهرة المبحوثة من حيث الظاهر، وقد تم توظيفهما كما يأتي: استخدام المنهج الوصفي الكمي في الاستبانة المعدة للمسح الاجتماعي الذي قام به فريق البحث[9]، لتحديد السمات الديمغرافية والاجتماعية والدينية والوطنية ودوافع العمليات الاستشهادية بغض النظر عن الوسيلة أو الطريقة المتبعة[10] حسب اتجاهات أُسر الاستشهاديين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وبلغ عدد الاستشهاديين 451 شهيداً وشهيدة، وتم تعبئة الاستبانة مع ذوي الاستشهاديين وأقاربهم من الدرجة الأولى. وأشارت نتائج التحليل الإحصائي إلى مصداقية الفقرات وثبات أداة الدراسة من الناحية الكمية[11]. وتم توظيف المنهج الوصفي الكيفي وأسلوب تحليل المضمون في تحليل ونمذجة وصايا – رسائل – الاستشهاديين والاستشهاديات، في السياق التاريخي للظاهرة المبحوثة.

أولاً: تأصيل نظري وتحليل شكلي للظاهرة

اشتهرت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» بالعمليات الاستشهادية في بداية التسعينيات، وبالتحديد عام 1993، حين نفّذ المقاتل ساهر التمام من مدينة نابلس عملية استشهادية. وتزايدت الظاهرة فيما بعد، ما أثار حفيظة البعض، وخصوصاً الطغمة السياسية المرتبطة بالسلطة الفلسطينية، فعملت على إلصاق صفة «الإرهاب» على عمليات كهذه لأنها تتناقض بالعمق مع مصالحها الطبقية، رغم أن المواثيق الدولية وقرارات الأمم المتحدة التي تتمسك بها هذه الطغمة، تعطي الأحقية لأي شعب محتل في استخدام كل الوسائل النضالية المتاحة.

بالرغم من أن العمليات الاستشهادية ارتبطت بداية بحركة «حماس» فإن الشواهد التاريخية تؤكد أن محاولات الإقدام على عملية استشهادية حصلت في ثمانينيات القرن الماضي، من جانب المناضلة عطاف عليان المنضوية تحت حركة الجهاد الإسلامي الفلسطيني حالياً. واعتبرت حركة الجهاد الإسلامي أول من نفذ عملية استشهادية في انتفاضة الأقصى والاستقلال بتاريخ (29/10/2000)[12].

وسرعان ما دخلت حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» والجبهتان الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين إلى ساحة العمليات الاستشهادية، بحيث تشكلت في السياق التاريخي ذاك ثقافة الاستشهاد بين مختلف أعمار المجتمع الفلسطيني، ولم يعد الأمر مقتصراً على فصيل محدد أو محدداً بالرجال فقط، وإنما ساهمت المرأة الفلسطينية في ذلك (10 استشهاديات من أصل 451)، وهو ما يعبر عن حالة من التماهي في الوعي الجمعي بقيمه التضحوية التي سرعان ما استعادت ذاتها في خضم الهجمة الاستعمارية التي واجهها المجتمع الفلسطيني بكل شرائحه ومكوناته.

ارتبط تصعيد العمل النضالي الجماهيري وانتقاله إلى العمل العسكري فالاستشهادي بعدة جوانب، منها: 1 – خلو المناطق الفلسطينية المسماة «A» التي تقع تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، من الوجود الإسرائيلي المباشر. 2 – عدم إمكانية الوصول إلى حل سلمي يضمن للفلسطينيين الحد الأدنى من حقوقهم. 3 – معاناة الفلسطينيين كأفراد ومجتمع على الحواجز العسكرية. 4 – العقلية الصهيونية التي تتبنى عقيدة العدوان والعنف وتشجعه.

وفي ما يتعلق بالردود وتفسير الظاهرة الاستشهادية من جانب الكيان الصهيوني فقد درجت الدراسات الصهيونية والغربية على مهاجمة هذه الظاهرة من خلال مهاجمة حركة «حماس» بداية، باعتبارها الرائدة والمبدعة للظاهرة على الصعيد الفلسطيني، وحركتي فتح والجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية لانضمامهما إلى هذا الحقل في انتفاضة الاستقلال عام 2000، على قاعدة أن الدين الإسلامي يؤمن بالحياة الآخِرة، وأنه من خلال الفعل الاستشهادي يتقرب الاستشهاديون إلى الله وينعم عليهم بالدخول إلى الجنة. وأشارت تلك الدراسات أيضاً إلى وجود علاقة ارتباطية بين العنف الصهيوني وانتشار التديُّن بين أوساط الشباب الفلسطيني[13]؛ فالدين مكوِّن أساسي في النسيج الثقافي والاجتماعي في حياة وتفاصيل بنية وسلوك المجتمع الفلسطيني كلّه وليس لدى الاستشهاديين فقط. لكن لو كان الأمر كذلك، لما وجدنا رجل دين في قيد الحياة!

يحتوي ملخّص وصايا – رسائل – الاستشهاديين على أبعاد دينية، واجتماعية، وسياسية، والنسبة العالية من الاستشهاديين كما تؤكد نتائج المسح، متدينون بدرجة متوسطة بما نسبته 67.8 بالمئة حسب اتجاهات ذويهم (متديِّن نوعاً ما) مقابل 29 بالمئة متدينون، و1.4 بالمئة غير متدينين. وفي ما يتعلق بدوافعهم للقيام بالعملية، نذكر بعضاً منها، مرتبة حسب الأهمية: احتساباً لوجه الله، فداء للوطن، كسباً للحياة الآخرة، رداً على المجازر الإسرائيلية اليومية بحق الفلسطينيين، وأخيراً التضحية بالنفس من أجل حياة كريمة للفلسطينيين. كان المتوسط الحسابي يتراوح بين 4.40 و4.90 من أصل 5 للمقياس الخماسي. تشير نتائج استطلاع ذوي الأسرى إلى أن الأبعاد الوطنية كانت حاضرة وبقوة حسب اعتقادهم؛ وهذا يفند البعد الديني باعتباره لوحده قادراً على تفسير هذه الظاهرة، أو على الأقل نستطيع القول: إن المكون الديني هو جزء من الوعي الجمعي للمجتمع الفلسطيني، وهو يخلق حالة تحريض وبث لثقافة الاستشهاد وثقافة المقاومة. وترى الجيوسي في هذا الصدد أن الإيمان والتدين يمنحان «الاستشهادي» المغزى الأخلاقي والدلالات المشتقة من الفعل[14].

ولكون سؤال الثقافة مهماً في هذا السياق، نستدعي أفكار عبد الله العروي حول الأيديولوجيا والفكر: «إن حدود الانتماء إلى أيديولوجيا سياسية وحدود الدور التاريخي الذي يمر فيه المجتمع ككل،… وإن فهم الإنسان لموقعه داخل الكون، والبنية الفكرية العامة التي تصوغ تجربته داخل الكون، هما اللذان يحددان إحداثيات العصر»[15]، فينبني ويستعاد ترميم الوعي/الجسد المجتمعي في ضوء الضرورة والسياق التاريخي الذي يعمل على تضخيم الـ «نحن» ويستعاض عنها بدلاً من الـ «أنا»، فتتعزز بذلك ثقافة التضامن كشرط تاريخي للصمود والتحدي، في سبيل توفير حالة عالية من التماهي مع المجموع وتحقيق أهداف الجماعة. ولعل التضحية بالذات في سبيل أهداف المجتمع، تختبر أعلى درجات الاستنفار في مرحلة الحروب والتصدعات/التحديات في المجتمع، فما بالنا عند الحديث عن المجتمع الفلسطيني الذي يختبر الحرب المستمرة لأكثر من 100 عام على الأقل.

إن استدعاء الشهيد كما هو حال الاستشهادي كحالة ضرورية وتعبوية في الواقع المعاش والمشتبك للفلسطيني تتطلبه مستلزمات العمل التحرري، وتقديس ما يستل من الأخير (المناضل والأسير والجريح والوطن) من معانٍ وقيم رمزية ومعنوية، تشكل منظومة أخلاقية وثقافية دفاعية، وبنية تحتية رصينة، يتماهى بها الأفراد في سبيل التحرر والانعتاق؛ فلا نستغرب أن درّاج قد بدأ بتساؤله عن بؤس الثقافة في بنية المؤسسة الفلسطينية بتقديسه للشهيد: «إلى أين يذهب الشهداء»[16]، كحالة تم تبديدها من قبل مشروع حركة التحرير الوطني الفلسطينية، فالمسافة بين الشهيد والوطن تجيب عنه الثقافة الفلسطينية المقاومة. يقول: «منذ عقود عدة والشهيد يتناتج في المسار الفلسطيني، ويتناسل طليقاً فيه، حتى أصبح الشهيد علاقة يومية في الوجود اليومي الفلسطيني، إذ إن الثاني يستدعي الأول ولا يقف من دونه»، ومع أن الخطاب الفلسطيني الثقافي والسياسي في الجسد الرسمي منفصم عن الواقع، بل بعيد منه ويسهم في اغترابه، فإن الثقافة الفلسطينية الشعبية للجسد الاجتماعي حالة متقدمة، والإجابة عن الشهداء لم تنتهِ إلى قصاصة ورق وصور على جدار كما وصفها درّاج، بل أصبحت رسومات ومخطوطات ولوحات فنية تحفر على جدران المخيم وشارعه الرئيسي، في حالة تقديس وإعلاء من شأن الشهيد، فما بالنا إذا كان الحديث عن الاستشهادي لـ «الجسد الفلسطيني»، الذي يدرك دوره الوظيفي في بنية تتهاوى من جراء حجم سياسات المستعمِر، فيلتصق جسده بالذخيرة المتفجرة ليحوِّل من عظامه إلى شظايا قاتلة ومقاومة.

إن معنى مفهوم الشهيد/الاستشهادي كجسد وقيمة مشتقة من الثقافة الشعبية، تمت إحالته على عالم المقدس، ليعبِّر عن ثلاثية الفلسطيني «جسد الأرض/جسد المجتمع/جسد الفرد» ويرتقي عنها، لأن معنى الثلاثية لا يمكن أن يفهم بمعزل عن الشهيد/الاستشهادي والعكس صحيح، باعتبارها العلاقة الضرورية لحضورهما وتماسكهما.

إن قيمة الشهيد وإدراك معناه في الثقافة الفلسطينية، هما خط الدفاع الأول عن الكرامة الشخصية والمجتمعية والأرض، وهما صمام أمان المجتمع الذي يتعرض لأقصى درجات الامتهان والقمع، لهذا لا نستغرب أن حجم الاستشهاديين يرتفع أو يقل حسب التهديد والتدمير اللذين اختبرتهما المدن الفلسطينية إبان انتفاضة الأقصى والاستقلال، فظاهرة الاستشهاد مرتبطة بنيوياً بوجود الاحتلال، وتصاعدها وتناميها مرتبطان بتصاعد درجة عنف وقمع الاستعمار الصهيوني للشعب الفلسطيني، حيث بينت نتائج المسح أن 47.5 بالمئة من العمليات الاستشهادية كانت بين عامي 2002 و2003 بواقع 33.5 بالمئة و14 بالمئة على التوالي، وهي الأعوام التي شهدت ارتفاع وتيرة إرهاب الكيان الصهيوني ضد المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، أبرزها مدينتا نابلس وجنين، اللتان شهدتا حملة شرسة استهدفت تصفية الإنسان الفلسطيني المقاوم، والمدينة الفلسطينية، في محاولة لكيّ الوعي/الجسد الفلسطيني. يقول الاستشهادي جمال ناصر[17]:

«… من منا لا يغضب ولا يعتريه شعور الانتقام عند سيره في جنازات الشهداء، خاصة جنازات نابلس الجماعية؟ من منا لا يغضب ويحب الانتقام عند مشاهدة أمهات الشهداء وزوجاتهم وأبنائهم على التلفاز؟ ومن منا لا يشعر مع أصحاب البيوت التي هدمت أخيراً في خان يونس ومتاجر الخليل؟ من منا لا يغضب عند قتل الأطفال وقطع الأشجار وقصف المدن…»

نلاحظ مما سبق، حالة تماهي المجموع بجسد المجتمع من خلال استحضار التدمير والقتل، من خان يونس غزة… مروراً بنابلس… إلى الخليل جنوباً. وبما أن عنوان الصمود كان في نابلس وجنين فقد مثّلت نسبة الاستشهاديين في نابلس لوحدها 14.4 بالمئة، تلتها جنين بنسبة 8.4 بالمئة. وتعد المدينتان من أكثر المدن الفلسطينية التي واجهت حملة لتطويع الإنسان الفلسطيني وثقافته المقاومة، فمورست سياسة تصفية وقتل للمكان كرمز للمقاومة في مخيم جنين ومدينة نابلس «البلدة القديمة» كشاهدتين على جرائم الاستعمار الصهيوني، فلماذا لا يمكن اعتبار العمليات ظواهر صحية وطبيعية في المجتمع الذي يقبع تحت الاستعمار، الذي يسلب كرامته وينتهك أمنه وسلامته ويهدد وجوده؟ فثقافة الموت أصبحت مكوناً أساسياً من ثقافة الفلسطيني نتيجة العدوان والإبادة الجماعية التي يتعرض لها الفلسطيني، كما كانت هي الأحوال في عام 2002 في الضفة الغربية، وما شهده قطاع غزة نتيجة عدوان 2014 الذي أنتج ما أُطلق عليها ظاهرة «العمليات الاستشهادية الفردية»، التي تختلف فيها العوامل والحوامل السياسية لمعنى ومغزى المسمى، بعيداً من موضوع البحث الحالي، ولكنها تتشابه معها في الهدف.

نحاول في هذا البحث عدم استنساخ الدراسات السابقة التي عالجت أغلبيتها الموضوع بعمومية ووصفية كمية لا ترتقي إلى استطلاع رأي حسب اعتقادنا، فقراءة الظواهر الاجتماعية لا تتأتى من الاتكاء على إطار نظري ديني أو وصفي ثقافي يغوص في العمومية، فسوسيولوجية الظاهرة تعني سبر غور الظاهرة والتعرف إلى حقيقتها بعد تحليلها وتفسيرها بطريقة علمية، وليس من أبعاد اجتماعية قد تجعل الناس يفهمون الظاهرة فهماً تضليلياً أو تأملياً، فنتائج المسح الميداني خلصت إلى أن خصائص الاستشهاديين موزعة حسب الخصائص الدينية للاستشهادي، وكان أهمها حسب توجهات أهل أو مقربي الاستشهادي: يؤمن بما كتب له، يفرِّق بين الحلال والحرام، يؤدي الصلاة في وقتها، يقتدي بالرسول عليه الصلاة والسلام… أما خصائصه الاجتماعية؛ فهي: يحظى باحترام الآخرين، علاقاته طيبة مع أسرته، يثق بأفراد أسرته، يتمتع بشعبية بين الأصدقاء، يستمتع الناس بالحديث معه… وفي ما يتعلق بدوافع القيام بالعملية كان أهمها؛ احتساباً لوجه الله تعالى، فداءً للوطن، كسباً للحياة الآخرة، اقتداءً بالشهداء… ويشارك في المسيرات… إلخ، أما الخصائص النفسية فكانت: مثابراً، طموحاً، ثورياً، غامضاً، يشعر باليأس.

إن هذه السمات والدوافع هي من فهم أسرهم لأبنائهم الاستشهاديين، وهو فهم اجتماعي إسقاطي – بمعنى إسقاط صورة على الاستشهادي كما نريد أن تكون صورته – وليس فهماً سوسيولوجياً للظاهرة، فينطبق على أهل الشهداء وعلى الناس جميعاً مقولة «اذكروا محاسن موتاكم» فما بالكم الحديث عن استشهادي؟ ونود هنا التحذير من الانزلاق إلى استخدام تلك المقاييس النفسية والاجتماعية… إلخ، وإقحام فهم المجتمع عليهم، لأن الشهداء ينطبق عليهم مقولة: «يولد الشهداء بصمت ويعيشون بصمت ويموتون بصمت» وهي التي عبر عنها أحد الاستشهاديين، بصورة أخرى:

«نحن معشر الاستشهاديين ربما نكون قليلي الكلام، ولكن ندرك أن الدم يترك كلمته..»[18].

تعد رسائل الاستشهاديين مادة جيدة للتحليل، لأن كلماتهم تعبر عن خصائصهم وتوجهاتهم النفسية والاجتماعية والدينية والوطنية والإنسانية، وعلى وجه الخصوص تلك التي كتبت إلى ذويهم، وليس ما بُثَّ عبر التلفاز الذي يهدف أساساً إلى بعث رسائل سياسية إلى العالم، والعرب، والفلسطينيين، وإلى حكومة تل أبيب الصهيونية. أما رسائل الاستشهاديين ووصاياهم – حيث أحسبها رسائل أكثر منها وصايا – فهي تحمل مضموناً سياسياً بحتاً، فمنها ما يتعلق بخلق توازن القوى والرعب في المجتمع الصهيوني، ومنها ما يحرّض على النضال، وتسعى لنشر العمل المقاوم والثورة، ومنها ما يوجّه رسائل إلى أنظمة البلدان العربية، ورسائل إلى الجيش الصهيوني وقياداته، ورسائل تحريضية ضد الاتفاقات السياسية والإعلان عن موتها. وجميع الرسائل قد بدأت بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، وهي تدلل على البعد الديني في العمل الاستشهادي، الذي سبق أن قلنا إنه شرط ولكن ليس سبباً وحيداً في فهم الظاهرة.

وجّهت الاستشهادية آيات الأخرس[19] رسالة مصورة، مضمونها وفعلها الثوري يلخص مأساة الفلسطينيين، وجهتها لثلاث جهات قبل أن تستشهد، الجزء الأول من الرسالة وجهته إلى الحكام العرب قائلة «كفاكم تخاذلاً»؛ والجزء الثاني وجهته إلى الجيوش العربية التي «تنظر على بنات فلسطين وهن يدافعن عن الأقصى» على حد وصفها… ووجهت الجزء الثالث إلى إسرائيل متوعِّدة فيه الكيان. أعتقد أنها تشكل نموذجاً كاملاً لصورة الاستشهادي، من حيث إن وضع أسرتها المادي جيد جداً، وكانت طالبة مجتهدة، ليست بمشاركة في أنشطة سياسية، كانت مقبلة على الزواج من شاب في مخيم الدهيشة، ربطتها به علاقة إنسانية، فتقدم للزواج بها وقبلت وقبل الأهل، وهي اجتماعية في علاقاتها. لفت انتباهها الجرائم الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، أبرزها حادثة مقتل الشهيد عيسى زكري في منزله القريب من بيت الاستشهادية بمخيم الدهيشة، حيث رأت ابنه الصغير يلهو بدمه.

في سياق معالجة الظاهرة وتفسيرها محلياً وعالمياً، لا بد من تسجيل ملاحظات سريعة، منها استخدام مفاهيم وعناوين حيادية كما الحال في دراسة كلايف جونز حيث تبدأ بعناوين قد تكون حيادية تقود إلى تشويه فهم الظاهرة من حيث الظاهر على اعتبار أنها «إرهاب» أو تحرير أو «حرب أهلية»[20]، والأمر نفسه ينسحب على دراسة ليزا فرانكي[21]. فبالرغم من أنها أشارت إلى أن دوافع الاستشهاديات (10 استشهاديات) كانت من أجل: العدالة، وإعادة الهوية الذاتية، والحصول على الشرف، والمكانة الاجتماعية، والدفاع عن النفس، إلا أنها خلصت إلى أن أهم دافع كان هو رد الفعل، مخرجة العمليات الاستشهادية من سياقها التاريخي وموازين القوة ما بين المستعمَر والمستعمِر.

وفي السياق نفسه أيضاً خلصت دراسة بسام بنات إلى دوافع الاستشهاديين وخصائصهم من وجهة نظر ذوي الاستشهاديين بواقع 200 أسرة من أسر الاستشهاديين[22]. وهي الصفات نفسها التي توصل إليها المسح الشامل الحالي (451 أسرة) كما سبقت الإشارة. فبعد إنجاز المسح تبين وجود 40.1 بالمئة وصايا مكتوبة، و5.3 بالمئة مسموعة، و10.6 بالمئة مرئية، و16 بالمئة أخرى سمعية مرئية، مكتوبة مرئية، وهي تعد مادة مهمة في تحليل البنية السياسية والوطنية التي تحكم الظاهرة.

وتتقدم على ما سبق دراسة إسماعيل الناشف في معالجتها لموضوعة البحث الحالي كونها تؤسس أرضية نظرية لفهم الظاهرة[23]، فقد استند نقاشه إلى دمج مفهوم الاغتراب لدى دوركهايم وماركس وتوظيفهما في فهم «الثوابت الوطنية الفلسطينية» باعتبارها رأس المال الرمزي على المستويين الفردي والجمعي؛ فمخافة خلخلة العلاقة «الأرض/المجتمع/الأفراد» وتركيب الذاكرة الوطنية وتماسكها/انفصالها حسب السياق التاريخي، تعامل مع فكرة الوطن في السياق الفلسطيني باعتباره الدال في رأس المال الفلسطيني رمزياً، فينتج طقس الاستشهادي الجماعي، ليحوَّل إلى مشهد ثقافي/سياسي مميز يجمع بين الاغتراب والمقاومة المسلحة في سياق الاستعمار؛ فالكفاح المسلح هو الذي ينفي الجسد وحالة الاغتراب الجمعي الذي خلقته اتفاقية أوسلو والبنية الرأسمالية التي تحكم السياق الفلسطيني، ثم يعيد صياغته بما يتلائم مع السقف السياسي.

فالكفاح المسلح في هذا السياق هو الذي يقرب المسافة بين الشهيد والوطن وينفي حالة الاغتراب عن جسد الأرض، لأنه ذهب في سبيل فكرة تجاوزت البنية التي أنتجته وما زالت تنتجه، فلاقى بجسده متطلبات اللحظة بما استطاع ذلك سبيلاً، وما استطاع إليه سبيلاً هو أعلى ما لديه، إذ رمى التاريخ بأعلى الأسلحة على الإطلاق؛ سلاح الجسد.

في السياق نفسه، تعالج مي جيوسي العمليات الاستشهادية في إطار سلطة الإقصاء/الاستثناء في علاقة الاستعمار بالمستعمِر[24]، الذي يعمل على تشكيل أو إعادة تشكيل الذوات المستعمرة، بل دفعها إلى الخضوع أو حتى تدميرها إن استدعى الأمر، ليتحول الاستثناء إلى قانون يستلب حق الجماعة المستعمَرة في تكوين نفسها كجماعة سياسية، فهندسة المستعَمر – وفي هذه الحالة الفلسطيني – اجتماعياً وسياسياً أتت ضمن رؤية «الكيان الصهيوني» بحقه في ممارسة سلطته على الفلسطيني، فإقصاء الفلسطيني عن الأرض تعد ضرورة للمستعمِر، لكون الأرض هي ميدان الصراع، وكيف تم فصل الأراضي وضمها ضمن اتفاقية أوسلو – وما بعدها… – بما يضمن استمرارية السيطرة على السكان والأرض في حيز مكاني مضبوط باتفاقيات وبسياسات المستعمِر، التي جعلت الشعب الفلسطيني بكامله مستهدفاً ومستباحاً، ليتحول الاحتلال إلى بنية عقلية في واقع الفلسطيني اليومي والمعاش وممارسته، فسعي الفلسطيني للتحرر من حالة الارتهان هذه يدفعه إلى التعبير عن ذاته الفردية/الجماعية في العنف الثوري، الأمر الذي يجعل من الشهادة مطلباً وضرورة، ويتعدى الحركات الإسلامية والوطنية لتشكل بنية تحتية للمقاومة وشرط استمرارها، وتتداخل الحدود الفاصلة بين الموت والحياة، ويكون الطابع العرضي هذا طبيعة طارئة للموت.

 

ثانياً: رؤية مختلفة في فهم الاستشهاد: السياسة والجسد الفلسطيني كوحدة للتحليل

لقد تفردت المقاومة الفلسطينية بظاهرة الاستشهاديين في المجتمع الفلسطيني، لكونه مجتمعاً نشأ وتطور في ظروف استثنائية تحت الاستعمار والاحتلال. هذه التركة شوهت بناه المجتمعية والاقتصادية، وكتحصيل حاصل أفرزت معها منظومة اجتماعية واقتصادية ونضالية، مرتبطة بوجود حالة من الصراع على الأرض والوجود الإنساني عليها، استهدف الجسد الفلسطيني تحت عدة عناوين: القتل، التعذيب، السجن، النفي، العزل، القمع، امتهان الكرامة، التطويع وفق إرادة المحتل وقوانينه.. إلخ، واستخدمت معه جميع الأساليب وتكنولوجيا التعذيب. ولكون الجسد الفلسطيني رمزاً لوجود صاحب الحق في هذه الأرض، كانت تقنيات التعذيب تتلاءم مع حالات التمرد والثورة والانتفاضة. في خضم هذا الاشتباك اليومي بدأ الفلسطيني باكتشاف جسده الفدائي، المناضل، الجريح، الأسير… المطارد، الاستشهادي، وفق معطيات تاريخية للصراع الفلسطيني – الصهيوني، فحاول الاستعمار جاهداً سلب جسده ووعيه الوطني، من أجل تطويع الفاعلين سياسياً، وخصوصاً بواسطة التعذيب في سجون الاستعمار الصهيوني. ولهذا قيل: «تستطيعون سلب حريتي ولكن لا تستطيعون سلب إرادتي»، كمنظومة ثقافية مقاومة في تحدٍ معنوي للمستعمِر، فالجسد والإرادة كانتا محور الصراع في علاقة المستعمَر بالمستعمِر، حيث إن الإرادة والوعي هما صاحبا الفعل المقاوم والرافض، وامتلاك الجسد واستقلاله بفعل إرادي هما رمز امتلاك الإرادة. فالعمل الاستشهادي كان في هذا السياق، وفق معطيات اتفاقية أوسلو عام 1993 التي استلبت الوجود الفلسطيني، وخلقت من واقعه اللامعنى فتم التفريط بكل المقدسات والثوابت التي يعيها الفلسطيني. لهذا لا نستغرب أن سياق تنامي العمليات الاستشهادية ارتبط بنيوياً بتجسيدات السياسات الأمنية والسياسية لأوسلو في محاولة لاستعادة جسد الأرض.

وتحول الصراع إلى احتواء/امتلاك الجسد المقاوم المختلف عن الجسد السياسي الذي فرضته السلطة الفلسطينية والاستعمار معاً بسياقين مختلفين. إلا أن النتيجة آلت إلى ما آلت إليه، وبالتالي إلى القدرة على التحكم بالواقع السياسي أو عدمه، وبما أنها مخاطرة في سبيل حرية الجسد وفي سبيل الوطن فقد عوقب ذوو الاستشهاديين لردع تنامي هذه الظاهرة بأجسادهم، بعدم تسليمها لذويهم، أو بهدم منازلهم. فامتلاك الجسد هو امتلاك قيمة الوطن ببعد رأس المال الرمزي، وهذا يحيلنا على فكرة تراجع حالة الانتماء إلى الوطن بعد اتفاقية أوسلو؛ فطبيعة الأنماط الثقافية والاستهلاكية المرتبطة بالمرحلة السياسية الجديدة للاستعمار شكلت استراتيجيات جديدة لإعادة تطويع وتشكيل الجسد الفلسطيني بأدوات ومؤسسات فلسطينية، وعملت على إنتاج الوعي الفلسطيني بما يحفظ حالة من الاغتراب لجسد الأفراد عن جسد «الدولة» المفبرك، فيكون النكوص إلى المصالح الفردية والانتهازية سمة المرحلة الجديدة المشوهة في الوعي والممارسة. فانعدام الحوامل السياسية التي كانت مشروطة بالسياق الذي أنتج العمليات الاستشهادية في انتفاضة 2000، وانعدام تلك البنية وبقاء الفكرة في الذاكرة الجمعية، أنتج «العمليات الفردية» الاستشهادية التي حدثت مؤخراً في القدس المحتلة عامي 2014 و2015.

عودة على ذي بدء؛ إن الجسد الفلسطيني قد استُهدف تاريخياً بوصفه المجال الرئيسي للنشاط السياسي، لتجسيدات الخطاب السياسي، الذي يقاوم فكرة الاستعمار والإذلال في الوجود، فحالات الاعتقال والتعذيب وانتزاع الاعتراف من السجناء كانت تمر بطقوس تعذيب جديدة لم يألفها المجتمع الفلسطيني كاملاً في السابق، وعلى وجه التحديد الانتفاضة الشعبية عام 1987، حين اختبرها جميع شرائح المجتمع الفلسطيني وفئاته، لكون الحالة النضالية كانت شعبية، وبالتالي استدعت الحاجة إلى انخراط كل الفئات العمرية ذكوراً وإناثاً في العمل الوطني. لذلك استُهدفت جميع الشرائح بسياسات تأديبية صهيونية عُبِّرَ عنها بالاعتقال، والمطاردة، والهدم، والمحاصرة، ومنع التجوال، والإصابة أو القتل، وفي الحالة الأولى «الاعتقال التعسفي للأطفال ما دون سن 18 على وجه الخصوص» الذين ينطبق عليهم مفهوم «طقوس العبور إلى الرجولة»[25].

وحتى نوضح ما نعنيه هنا، ولكي لا يفهم الحديث ببعد استشراقي في فهم المجتمع الفلسطيني، فقد أضفنا إليه المجتمع الصهيوني، لكون الفرد «الجسد للمقهور والقاهر»، يمر بمراحل وسمات رمزية مجتمعية متغايرة، وطقوس العبور للرجولة، كـ «جسد ووعي» في المجتمع الفلسطيني في الانتفاضة الشعبية عام 1987 كانت تمر بثلاث مراحل: المرحلة الأولى: «الفراق»، أي انقطاع العابر، «السجين الفلسطيني»، عن مكانته السابقة في المجتمع، بالتزامن مع سياسة رعب، من اقتحام للمنزل، إلى إثارة ضجة، وإطلاق النيران ونشر حالة من الرعب، تهدف إلى عزل الفلسطيني كـ «جسد ووعي» في زنزانة التحقيق بعيداً من مجتمعه، ومن ثم تبدأ المرحلة الثانية، وهي الهامشية، أي شعور الفلسطيني «جسدياً ومعنوياً» بحالة من الانعزال التام عن محيطه الاجتماعي، وهو يواجه جلاديه بجسده ووعيه فقط، والوجود المتضمن لهويته الوطنية. تتسم هذه المرحلة بحالة الخوف مما سيأتي، حالة من الغموض، التي لا يستطيع معها السيطرة على ما يحيطه، لأن تجربة الاعتقال تسعى لنسف العالم المألوف للفلسطيني، وتستخدم معه كل وسائل وتقنيات الاستجواب النفسية والمادية لانتزاع الاعتراف منه. في هذه المرحلة يكون «السجين» لا يملك قيمة إنسانية ومكانة اجتماعية، حيث يواجه مستعمِراً يبخس من وجوده كإنسان، وقد يهدد أو يحاول إسقاطه بالأبعاد الغريزية لجسده من أجل التعاون معه كمحتل، تكون الإرادة «وهي مستمدة من إرادة المجتمع كجسد نضالي» المرجعية الوحيدة في الوجود المتضمن لذاكرته وقدرته على التحمل والمقاومة، وبعد الانتهاء من التحقيق يُدمج مع السجناء الآخرين، وقد تتعزز ثقته بذاته إذا لم يتم انتزاع اعتراف منه، وثقة زملائه به في المقاومة والأسر. المرحلة الأخيرة، هي مرحلة إعادة التجميع، حيث يعود إلى مجتمعه ليحظى بمكانة، استطاع الفلسطينيون في نضالهم أن يحولوها إلى مكانة اجتماعية تستدعي الاحترام والتقدير، فتكون له امتيازات لا يمتلكها من لم يدخل السجن ولم يمر بتلك المرحلة، وينطبق التحليل السابق أيضاً على الجريح، والمطارد، وأسرة الشهيد… إلخ.

في مقابل هذه الصورة يقف الصهيوني، المستعمِر، الجندي، الذي يمر بطقوس عبور وحشية حيث حالة التجنيد لكل المستعمرين، حين يفارق «الحضارة؟» المعبأة سلفاً بمفاهيم التفوق والعنصرية لدى التجمع الاستعماري في فلسطين المحتلة، لتبيح له كل الوسائل اللاإنسانية في استخدامه للعنف المبرر ضد من هم أدنى منه؛ «وهي صورة صهيونية غربية بالأساس»، فيقتل ويعذب ويكسر عظام الفلسطينيين، ويصلب، ويشبح، ويسقط ما بداخله من حالة قمع تعرّض لها في مجتمعه الرأسمالي، ليفرغ شحنات الغضب والحقد على السجين والمناضل والمتظاهر الذي يريد استعادة وجوده المستلب وحقوقه. وبعد الانتهاء من مراسم وطقوس التعذيب يحولها هذا الجندي «إلى رحلة صيد وتسلية ومرح، فيعود متفاخراً مع رسم الابتسامات وعلامات النصر من قبل الجنود العائدين من المجزرة إلى الحضارة، ومن قتل العائلات إلى عائلاتهم ومن التنكيل بالمدنيين إلى الحياة المدنية. فهو ليس فرح الجبناء فحسب، بل طقوس العبور لتشكيل الرجولة في مجتمع المستوطنين المستعمرين العابرين»[26].

تعد تجربة أوسلو التخريبية من حيث البعد القيمي والوطني والأخلاقي، واستنساخاتها الاقتصادية وبروتوكولاتها، كجسد سياسي يحكم وينظم طموح الكيان الفلسطيني كجسم مشوّه ونهائي (دولة حكم ذاتي)، هي الأخطر في تاريخ الشعب الفلسطيني، من حيث تداعياتها على الأفراد بتحديد مسألة الهوية الفردية/الجماعية. فمفهوم الوطن وسيادته، وليس الدولة بالمعنى السياسي، يعبر عن انتماء وإحساس الأفراد لهويتهم الذاتية، ولكن التآمر عليه تمّ من خلال القضاء على هذه الإرادة، بواسطة طغمة من الفلسطينيين، أخذوا على عاتقهم مسؤولية السيطرة على الجسد الفلسطيني وإرادته كعنوان للنضال والثورة والجهاد والمقاومة، وتم استنساخ أجساد أخرى استهلاكية، حدُّها وسقفُها الاتجار بالجسد الذي بُخس من قيمته النضالية والإنسانية على حساب الجسد «المناضل والثائر والمقاتل»، وأصبحت الأجساد تباع وتشترى، وهبط التعامل معها إلى مستوى غريزي شهوي «همُّه إشباع الغريزة وركوب سيارة من نوع فاخر»، حيث ارتهان وترويض الجسد الفلسطيني والتحكم فيه وفي مسلكياته وأذواقه واتجاهاته الاستهلاكية غير المنتجة لا بالبعد الاقتصادي ولا حتى السياسي.

من هنا يمكننا تفسير ذلك من خلال عملية تكييف القوى والأحزاب السياسية الفلسطينية في الجسد السياسي (دولة الحكم الذاتي)، الذي جسده وتماهى به الجسد الاجتماعي للمواطن الفلسطيني، باعتبار أن الفلسطيني هدف وموضوع وصورة ورمزية للخطاب والنظام الاجتصاسي[27] للقوى السياسية الفاعلة في المشهد الفلسطيني.

تُحدث التحولات في الفضاءات الاجتماعية والسياسية التي يشغلها الخطاب بأبعاده الاجتصاسية، آثاراً عميقة في تشكيل الأفراد، حيث تشمل هذه التحولات تغيير الهدف من تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، إلى سلطة ضيقة النطاق والسيادة، وتغيير موضوع ونطاق الحقل السياسي والاقتصادي «ما بعد أوسلو»، حيث أُفسح أمام الجسد الفلسطيني – المكون من لحم ودم – مرة أخرى الطريق أمام الوعي، بوصفه مركز الجسد المعقلن، في قراءاته لطبيعة التغيرات الدراماتيكية عقب تجربة أوسلو، التي أحدثت منعطفاً وتصدعاً في الوعي الفلسطيني كأفراد أو جماعات، وبما أن الجسد دائماً في انتظار أن يتم تشكيله عبر الخطاب، بصرف النظر عن الزمان والمكان، كموضوع لاستقبال المعنى والحدث، فقد تم اكتشاف الفلسطيني لجسده «الاستشهادي» وفق معطيات سياسية جديدة، وشكل عام 1993 مرحلة جديدة في عملية تأريخ لظاهرة العمل الاستشهادي، تجددت في عام 1996، ثم تم تعميمها في انتفاضة الأقصى والاستقلال عام2000.

إن مضمون استنساخ الجسد السياسي (سلطة الحكم الذاتي) كان معداً سلفاً لتجربة روابط القرى في ثمانينيات القرن المنصرم؛ هذه التجربة لا تختلف عن نظيرتها، وهي استنساخ «النعجة دوللي»، حيث اعتقد البعض أن استنساخ الأخيرة هو عملية خلاقة، فكان التصفيق والتفاخر بهذا الإنجاز. لكن سرعان ما ماتت النعجة، كون جيناتها المستنسخة تحمل صفات جينية لأم هرمة، وهذه حال كل العمليات الاستنساخية السياسية، والبروتوكولات الاقتصادية الموقعة ما بين سلطة الحكم الذاتي والكيان الصهيوني، حيث سرعان ما تموت، كونها لا ترتقي إلى المستوى الأدنى لجسد سياسي يستطيع تمثيل حقوق المجتمع الفلسطيني وآماله. لهذا كانت الانتفاضات – الهبّات الجماهيرية – في الأعوام 1996 و1998 و2000، كتعبير عن رفض التشوهات والإرهاصات السياسية والاقتصادية التي تتنكر للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

إن ما يميز انتفاضة عام 2000 هو اندفاعها نحو العنف الثوري، لارتباط المرحلة التاريخية للعمل السياسي والعسكري بذلك، وتزامنه مع سياسات عنصرية صهيونية عدة تميزت بالعنف والقسوة والوحشية، أبرزها منع التجوال، وهدم البيوت، وتشريد العائلات، والقتل العشوائي والهمجي والعقاب الجماعي للشعب الفلسطيني، وسياسة عزل وتدمير المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، وقتل تطورها الطبيعي وتوسعها من خلال محاصرتها  بالمستعمرات، ونقاط التفتيش وطوابير الانتظار لعدة ساعات من قبل المواطنين، والاعتقالات، والتصفية والاغتيالات؛ معبرة بذلك عن تقنيات تأديبية قاسية وعنيفة هدفها تطويع الجسد/الوعي الفردي/الجمعي الفلسطيني الذي أحيل من حالة الرضوخ في مرحلة الكمون السياسي (1993 – 2000)، إلى حالة التحدي ورفض سياسات الاستعمار، حيث تنطبق مقولة فانون على واقع الصراع الفلسطيني – الصهيوني[28]: راح «الشعب الذي يقولون إنه لا يفهم غير لغة القسوة، يحزم أمره الآن، على أن يعبر عن نفسه بلغة القسوة» فكانت العمليات الاستشهادية الأكثر انتشاراً وإيلاماً للاستعمار في انتفاضة الأقصى، باعتبار أن مرحلة الرضوخ والانصياع للمحتل قد انتهت، يعنونها الاستشهادي بكلماته:

«وسيعلم المجرم شارون وحكومة جنرالاته وجيشه أن الدم بالدم والنار بالنار وأن المجزرة في مخيم جنين لن تمر دون عقاب…». ويضيف أن « الدم هو الطريق نحو النصر، وكل الحلول الاستسلامية ستسقط ودم الاستشهاديين سيبقى شاهداً ومناراً»[29].

من الملاحظ في انتفاضة 2000 حدوث تغيير جوهري على صعيد الخطاب القومي والوطني الفلسطيني، من حيث تجلي الخطاب الديني ونكوص الخطاب القومي – هذا لا يعني أن الخطاب الديني كان مغيباً تماماً في السابق – باعتبار أن الصراع من أجل السيطرة على الحيز العام «السياسي والاجتماعي والثقافي والديني أيضاً» ما بين حركة فتح وحركة حماس قد بدأ في المراحل الأخيرة لانتفاضة عام 1987 واستمر بعد تأسيس السلطة الفلسطينية، فكان هدف حركة فتح – الذي كان همّها الأول والأخير – متمثلاً بالاستحواذ على امتيازات سلطة الحكم الذاتي، فأدى ذلك إلى تنازلها واندراج خطابها بما هو أقرب إلى الخطاب الديني والقبلي العشائري. في مقابل هذه الصورة تنامى الإسلام السياسي ممثلاً بحركة حماس التي طرحت نفسها كممثلة للدين ومرجعيته، وسيطرت على المناخات أجواء دينية، بالتزامن مع انحسار الحلول السياسية شيئاً فشيئاً، وانحسار حجم مشاركة الجماهير. وتشير جيوسي إلى أن الفراغ الثقافي/القيادي الوطني، أعطى الفرصة للإسلام السياسي باستحضار خطاب الحق الديني الذي عمل على تكوين ذات أخلاقية بمرجعية دينية، استطاعت بحكم فشل فصائل العمل الوطني بعد أوسلو أن تقدم من نفسها بديلاً سياسياً وأخلاقياً[30].

وبما أن الروح مركز الجسد بالبعد الديني، وبما أن الجسد الأكثر جاهزية للنظام الاجتماعي والسياسي، فالجسد والروح كناية عن المجتمع ككل، حيث إنه في وقت الأزمات والانتفاضات والحروب تتعرض حدود وهوية المجتمع للخطر. ومن المرجح أن يكون انشغال المجتمع بقواه السياسية والاجتماعية بالحفاظ على طهرانية الجسد والروح، من هنا كان تمجيد أجساد الشهداء وتحريم العبث أو فتح أو استخدام قبور الشهداء لاعتبارات تتعلق بالمفهوم الديني والشعبي، إذ «إن جسد الشهداء لا يتحلل، وإنما يبقى كما هو». وتمت معاقبة أهالي الاستشهاديين بأجساد أبنائهم، حيث بيّن المسح وجود ما نسبته 39.2 بالمئة من أهالي الشهداء، يتسلّموا جثة شهيدهم أو شهيدتهم. فثقافة الاستشهاد شكلت الحاضنة الدينية، والعكس صحيح، بالتزامن مع حالة المد الثوري المتشابك مع ظروف نفسية واقتصادية وسياسية قاهرة للشعب الفلسطيني، أدت إلى انتشار ثقافة الاستشهاد والموت في المجتمع الفلسطيني إبان انتفاضة الأقصى عام 2000، وتطورت وسائل المقاومة بما يتلاءم مع حجم ومتطلبات العمل المقاوم والثوري، وشكّل الجسد الفلسطيني أداة قتالية موجعة جنباً إلى جنب مع البندقية، كشرط تاريخي للتخلص من الاستعمار.

لم تعد العمليات الاستشهادية حكراً على حركة المقاومة الإسلامية «حماس» فقط، بل تعدتها إلى الأحزاب السياسية الأخرى، فعدد الاستشهاديين لحركة حماس كان 157 بنسبة 34.8 بالمئة، وعدد الاستشهاديين لحركة «فتح» كان 137 بنسبة 30.4 بالمئة، مقابل 108 استشهاديين لحركة الجهاد الإسلامي بنسبة 23.9 بالمئة، و17 استشهادياً للجبهة الشعبية بنسبة 3.8 بالمئة، و12 استشهادياً للجبهة الديمقراطية، بنسبة 2.7 بالمئة، و8 استشهاديين لفصائل أخرى بنسبة 1.8 بالمئة. وبلغ عدد الاستشهاديين 441 استشهادياً من حيث الجنس بما نسبته 97.8 بالمئة، مقابل 10 استشهاديات بما نسبته 2.2 بالمئة.

تقول الاستشهادية دارين أبو عيشة المحسوبة على كتائب شهداء الأقصى، التابعة لحركة فتح: «لأن الجسد والروح كل ما نملك، فإني أهبه في سبيل الله لنكون قنابل تحرق الصهاينة… فإني أدعو كل من يحتفظ بشيء من ماء وجه العزة والشرف، للمضي في هذا الطريق… وليعلم الجبان شارون بأن كل امرأة فلسطينية ستنجب جيشاً من الاستشهاديين»[31].

لقد تماهى الخطاب السياسي للحركات والأحزاب السياسية مع الخطاب الديني، حتى لو اختلفت أيديولوجياتها وتوجهاتها الفكرية. فقد تحفظت عدة أحزاب سياسية، إلى جانب حركة حماس، على دخول المرأة إلى حقل العمل الاستشهادي، بناءً على اعتبارات دينية وأخلاقية متعلقة بسلامة وحفظ المرأة وجسدها، وعدم ابتذالها على الحواجز الصهيونية من قبل الجنود، وهذا ما لا تسمح به الثقافة المتشكلة.

إن حالات الابتذال لكرامة الفلسطيني المتمثل بجسده ووعيه كانت سمة أساسية في التعامل شبه اليومي من قبل الجنود الصهاينة على نقاط التفتيش، وخصوصاً ما بين عامي 2001 و2004، حيث عُومل الفلسطيني متمثلاً بجسده دون المستوى الإنساني من قبل الجنود الصهاينة، وتمّ التحرش بالصبايا الفلسطينيات، وطُلب من الشبان تعرية أجسادهم على الملأ من أجل الفحص والرقابة والتفتيش. يتعرض الفلسطينيون لإبادة جماعية عبر الإغلاقات والحصار والتجويع، والمعاناة والاضطهاد، وهذه الممارسات وغيرها تحضر يومياً في حياة الفلسطيني المضطهد، حيث تسحق شخصية الفلسطيني وتمتص كرامته، ويهدر دمه وماله وأملاكه ووقته[32]، ويحاول الاستعمار أن يزرع مكانها شعوراً بالنقص والدونية لذات الفلسطيني «الجسد والإرادة» أمام ظالمه وقاهره، فتُجرح نرجسيته، نتيجة اضطهاده قومياً والتعامل معه بالعنف والقوة، وبالتنكيل الجسدي، وهي ممارسات تترك آثاراً نفسية في مفهومه لذاته وفي مفهومه لحقوق شعبه التي سلبت منه. ومع اشتباك الصراع واحتدامه يدرك الفلسطيني ثلاثية المقدس وتماهي اكتشاف جسده في جسد المجتمع والأرض.

هذه الأرضية تصعِّد وتفاقم العوامل التأزمية للواقع الفلسطيني؛ يكون التغلب على الخوف من الموت أولى وأهم متطلبات الحياة بكرامة، فتظهر أناشيد تخاطب وعي ومشاعر جسد الفلسطيني؛ مثلاً «إن عشت فعش حراً أو مت كالأشجار وقوفاً»، أو شعارات مثل «نموت ولن نركع»، و«الأمة التي لا تتقن فن الشهادة لا تستحق الحياة»، و«لن نركع إلا لله»، فيكون الاستشهاد دافعاً شعورياً وواعياً للفرد نتيجة إدراكه للقمع الذي يتعرض له هو وشعبه، حيث دلت نتائج المسح على تعرض 53 بالمئة من الاستشهاديين للعنف والقمع والأذى من قبل الاحتلال بصورة مباشرة، وقد تمثّل ذلك بالقتل أو الإهانة والشتيمة، أو المعاملة السيئة على الحواجز والبيئة المحيطة، أو الضرب، أو الإصابة، أو مداهمة المنازل، أو الاعتقال، أو فقدان مصدر الرزق… إلخ، إلى جانب العنف غير المباشر؛ ممثّلاً بمشاهدة الأخبار وصور الشهداء والتدمير الشامل، فالقمع القومي والوجودي من قبل الاستعمار أصاب تفاصيل حياة الفلسطيني في واقعه اليومي، وبهذا السياق يتحول الموت – «الاستشهاد» إلى بوابة للحياة لأفراد استطاعوا التغلب على الخوف من الموت وضحوا بأجسادهم في سبيل المجموع من أجل الحرية المنشودة، فيكون الموت الفيزيقي «الجسد» أمراً مستحباً وحياة. يقول الاستشهادي:

«ما أجمل أن أكون الرد، لتكون عظامي شظايا تفجر الأعداء. ليس حباً في القتل ولكن لنحيا كما يحيا الناس، فنحن لا نغني أغنية الموت، وإنما نتلو أناشيد الحياة، ونموت لتحيا الأجيال من بعدنا»[33].

بهذه الكلمات، يُعبر الاستشهادي عما يجيش بنفسه من الأفكار والأهداف، ليعبر بدمه وعظامه وجسده كأداة مقاومة واعية الفعل والإرادة، من أجل شعبه ووطنه، من أجل فتح خيارات للحياة والأمل للأجيال الفلسطينية التي تعيش في ظروف الموت؛ فاستشهاده هو انتصار مادي ومعنوي وديني على الموت، ليس له فقط، وإنما لشعبه الذي يعيش في ظروف استثنائية سُلبت منه فيها إمكانية العيش بكرامة، فيتنصر على الموت بالاستشهاد، ليقتل حالة اليأس لدى شعبه نتيجة رؤيتهم للدماء التي تسيل من أجساد أبنائه، أطفالاً، ونساءً ورجالاً ومسنين ومقاومين رفضوا الرضوخ، ليخلق بذلك خطاباً يحفز ويرفع معنويات شعبه بتضحيته بذاته. يقول أحد الاستشهاديين في مقدمة وصيته: «ولا تهنوا في ابتغاء القوم أن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون»[34]. وتضيف الاستشهادية: «لسنا وحدنا من يجب أن ندفع الثمن ونحصد ثمن جرائمهم، وحتى لا تبقى أمهاتنا تدفع ثمن الإجرام الصهيوني، وحتى لا تبقى أمهاتنا تبكي وتصرخ على أطفالها وأبنائها، بل يجب أن نجعل أمهاتهم يبكون فقد قررت بعد الاتكال على الله أن أجعل الموت الذي يحيطوننا به، يحيط بهم وأن أجعل أمهاتهم تبكي دمعاً وندماً»[35].

هذه أرضية توازن القوة والفعل والقدرة والإرادة التي يحاول الاستشهاديون والاستشهاديات خلقها وإيصالها إلى المجتمع الفلسطيني أو إلى المستعمر على حد سواء. إنها حالة اشتباكهم بالخطاب المقاوم، مدعومة بأجسادهم وبدمائهم وبأرواحهم، من أجل شعبهم وكأنهم صمام أمان لهذا الشعب وحقوقه، حيث بذلوا أجسادهم كأداة للحماية والدفاع عن شعبهم وحقوقهم، وتحسين ورفع المعنويات للإرادة الفلسطينية، لخلق خطاب الأنداد ما بين الفلسطيني والمحتل، ليقدموا نموذجاً مثالياً للمقاومة لتأكيد فاعلية الذات والجماعة في مواجهة الموت، كما حدث في معركة مخيم جنين البطولية[36].

إن درجة الوعي وإدراك حالة القمع الوجودي/القومي مرتبطة بمستوى التعليم، وهي واضحة برسائل الاستشهاديين، حيث إن 24.4 بالمئة منهم يحملون شهادات الدبلوم فأكثر، وهم تختلف مضامين رسائلهم عن غيرهم من الاستشهاديين، بإدراك وإحساس أدق تفاصيل القمع والتنكيل الذي يختبره الشعب الفلسطيني، حيث عبرت الكلمات عن مستوى يخاطب الوعي أكثر من العاطفة، بهدف خلق واستنهاض كل الأجساد الفلسطينية في السياق التحرري النضالي. وأغلبية الاستشهاديين هم من الفئات الشابة، حيث إن 42.1 بالمئة منهم يقعون في الفئة العمرية ما بين 25 و30 سنة، وجميعهم كانوا بمتوسط عمري قدره 26.4 سنة، وهو عمر الطاقة، والقدرة على العمل والتأثر والتأثير، وهم ليسوا مرتبطين بمسؤوليات اجتماعية أسرية، وإنما التزموا بالقيام بمسؤولية وطنية وسياسية دفاعاً عن شعبهم، واستطاعوا أن يدركوا دورهم في الكون الذي يعيشون فيه.

وبما أن الجسد كموضوع مقاوم مشتبك أيضاً بالبيئة والجغرافيا المحيطة، فقد وجدنا أن تقنيات وأدوات المقاومة متغايرة ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث إن الأخيرة عاشت وما زالت تعيش حالة من العزلة الشديدة، ودرجات الرقابة والسيطرة. أما درجة الاحتكاك بالمحتل فتكون فقط في حالات الاقتحام، وليس في ظروف الضفة الغربية، القريب من العمق الصهيوني والمستعمرات. وقد توصلت نتائج المسح إلى أن نسبة العمليات الاستشهادية بواسطة حزام ناسف، وتفجير سيارة، وحقيبة مفخخة هي 20.2 بالمئة من العمليات الاستشهادية في قطاع غزة، في حين أن بقية العمليات الاستشهادية هناك كانت بواسطة اشتباك مسلح، واقتحام مستعمرة، واقتحام حاجز. في حين أنها مثلت 72.6 بالمئة من حجم العمليات الاستشهادية في الضفة الغربية. لهذا استحدثت الجغرافية الغزية بعداً آخر في المقاومة (الصواريخ المصنعة والمطورة محلياً، التي تستطيع الوصول إلى العمق الصهيوني)، فشكلت ميزان ردع يهدد الاستقرار السياسي الذي يعيشه الكيان الصهيوني، كاستعاضة عن عدم القدرة على اختراق أجساد الفلسطينيين الاستشهاديين الحواجز الصهيونية حول قطاع غزة.

إن ما نسبته 1.3 بالمئة من العمليات الاستشهادية كانت داخل العمق الصهيوني و14.2 بالمئة في المستعمرات الواقعة في الضفة الغربية؛ أما العمليات الاستشهادية في القطاع فمثّلت ما نسبته 53.9 بالمئة.

أما توزيع الاستشهاديين حسب مكان السكن فجاء كما يلي: 38.4 بالمئة من الاستشهاديين من سكان المدن، و35.5 بالمئة من سكان المخيمات، و26.2 بالمئة من سكان القرى، وهذا مؤشر لنتيجة يفترض أن تكون متناقضة للمتعارف عليه، باعتبار أن العقل/الوعي/التضامن الجمعي في القرى والمخيمات أكثر تماسكاً وتماهياً مع الحس العام لحالة الظلم والاضطهاد، وهو ما ينسجم مع البنية الريفية وقيمها وثقافتها المستمدة من جسد الأرض، وقد تعود هذه النتيجة إلى الانسحاب الإسرائيلي من المناطق المسماة «A» حسب اتفاقية أوسلو، وهو ما قدم المدن كنقاط ساخنة في الاحتكاك المباشر مع الاستعمار، وكاختبار أكبر للسياسات القمعية. وقد يكون أن المدن في انتفاضة الأقصى شكلت المركز/التجمع الرئيسي للعناصر القيادية فيها، نظراً إلى كثرة التسهيلات اللوجستية. وبالرغم من أن الثورة والتمرد ارتبطا تاريخياً بالمخيمات رمز الوطن والتضحية، فإن تلك النسب تحيل على أبعد من ذلك، لأن أكثر من 70 بالمئة من المجتمع الفلسطيني هو لاجئ.

وهذا ما تشير إليه نتائج المسح حول أصول الاستشهاديين على أرضية النزوح عن جسد الأرض، فقد أظهرت نتائج المسح أن 64.3 بالمئة من الاستشهاديين من أصل لاجئ، في مقابل 35.7 بالمئة غير لاجئ. وهنا يتم التأكيد أن تداخل التجربة السياسية في تاريخ الشعب له علاقة بالتعبير عن الجسد النضالي في واقعه الإيكولوجي، حيث إن ما يميز انتفاضة الأقصى والاستقلال هو استهداف المدن الفلسطينية في عمليات الاقتحام أيضاً، وخصوصاً تلك المناطق الواقعة أو المتاخمة للمستعمرات، أو تلك التي شكلت مراكز العمل الوطني والكفاحي، كما هو الحال في مدينة نابلس، التي تعد مدينة الاستشهاديين، كونها من أكثر المدن التي خرج منها ذلك النوع من عمليات المقاومة، أو كما هو حال مخيم جنين باعتباره الشاهد الحي على جرائم التدمير والسحق والتطهير العرقي على مدار أكثر من 67 سنة، حيث بؤس اللجوء وحالة الاكتظاظ، وهو لا يزال يحتضن خطاب التحرر والثورة، وما زالت الرمزية القدسية للثلاثية تحتفظ بذاتها فيه: «المفتاح والعودة والبندقية». والمكان والوصمة شعور متسق بوعي اللاجئ الفلسطيني، الذي خلق منه السياق الاستعماري شعوراً بالاغتراب حتى لو ما زال داخل جسد الوطن في بقعة المخيم، فحجم المعاناة والتجربة تشكل ذاكرة اللاجئ وروايته في تفاصيل حياته وواقعه اليومي.

إن حالة الاستلاب الوجودي والاغتراب بأوجهه الاجتصاسية التي يعيشها الفلسطيني منذ عام التطهير العرقي 1948، أدت بالمحصلة إلى فقدان الأرض أهميتها في تشكيل حاضنة للدولة، لـ «الجسد السياسي»، فنشأ الفلسطيني في حالة اغتراب عن واقعه وما يحيطه من رموز احتلالية كولونيالية، أو حتى اغتراب عن قياداته المهزومة.

في سياق التعبير عن معنى الانتماء والغربة والقهر، نجد أن الشهيد فهم دوره وأعد نفسه لمواجهة الموت وحماية المخيم – باعتباره التجسيد والاستعاضة عن الوطن المفقود – الذي ينتمي إلى تفاصيل زقاقه التي نسج منها روايته ورموزه وقيمه وذاكرته، التي أقصت الواقع ولم تعد تنتمي إليه وحلت محله[37]، بعد انهيار المسافة التي كانت تربط بين الواقع والرموز الوطنية في مرحلة صعود حركات التحرر الوطني، فتحولت عملية اللجوء واللاجئ والمكان الذي يحتضنه (المخيم أو خارجه) كفكرة؛ كعلامة شاردة من النسق السياسي المهيمن، ليتناقض معه في البنية والسرد وليبني نصه المفارق.

وحتى نقارب الواقع بالنص الحالي، نورد هنا وصية للشهيد جهاد الجعفري البالغ من العمر 19 سنة المحسوب على حركة فتح، الذي استشهد في مخيم الدهيشة الساعة الثانية صباحاً بتاريخ 24/2/2015 أثناء تصديه بالحجارة والزجاجات الحارقة لمجموعة من الجنود الصهاينة حاولت دخول المخيم ليلاً، والتي تجسد ما سبق ذكره. يقول: «في الضفة نفس القصة وأسرانا يعانون من كل أنواع الاضطهاد بدكش تبلش مقاومة..، يلي بتظل تفاوض على دم أبناء شعبه ومشغول في إعلان دولة وهمية… أما بالنسبة لأهلي بعرف إني عذبتكوا وغلبتكو كثير، بتمنى أنكم تسامحوني وترضوا عني، بعرف أنه بعد ما استشهد إن شاء الله الجيش راح يعذبكم ويمكن راح يهدّ دارنا بس شو بدي أسَوّي، بقدرش أشوف أبناء شعبي بنقتلوا وأظل ساكت، بقدرش أشوف إلّي بسوُّوه الجيش في المرابطات في الأقصى وأظل ساكت، بقدرش أشوف المستوطنين كل يوم بيقتحموا المسجد الأقصى وأظل ساكت، عشان هيك لازم أسَوي إشي صغير عشان الأقصى… أنا ما بقدر بوصفلكم شو كنت شايف وأنا بحمي مخيمي وداري من الاحتلال…. يا شباب فلسطين يا شباب الدهيشة ديرو بالكم على المخيم»[38].

بالرغم من صغر سنه، فإننا نجد في وصية «الشهيد الحي»[39] خمسة رسائل، بل هي ترتقي إلى مواقف وجودية في السياق الذي تمر به القضية الفلسطينية، تعكس مشاعر اللاجئ في حياته ودوره المفترض «شهيد مع وقف التنفيذ»:

أولاً، بالرغم من انتمائه إلى حركة «فتح» فهو يقف موقف المعارض من الاتفاقيات السياسية ومسار المفاوضات التي لم تعد على الفلسطيني إلا بالمذلة «وامتهان الرجولة» لعدم المقاومة.

ثانياً، موقف/رسالة لأهله، بالرغم من أنه يدرك عواقب انخراطه في صفوف النضال، وما يمكن أن يؤثر ذلك في أهله من جراء رد الاحتلال على فعله النضالي من هدم أو تنكيل، وهي سياسة العقاب الجماعي التي تنتهجها العقيدة الاستعمارية، إلا أن ذلك لم يردعه، فانخرط في الثورة.

ثالثاً، عدم قدرة «الشهيد اللاجئ» على الوقوف موقف المتفرج أمام الانتهاكات التي تشهدها مدينة القدس والمخططات التي يرنو إليها الاستعمار، ومعاناة الأسرى في سجون الاستعمار والعزل والقمع والتنكيل، واقتحام المخيم، التي تستدعي تحركات وفعلاً لرفع الظلم.

رابعاً، الموقف من الشهادة كحالة منعتقة من الظلم الوجودي للفلسطيني الذي يقبع تحت الاستعمار، وقبوله بالشهادة بل وطلبها، ويشاع أن وصيته هذه كتبت لتفكيره بالقيام بشيء أكبر من ضرب الحجارة والمولوتوف.

خامساً، الموقف من أهمية الدفاع عن المخيم باعتباره الشاهد على كرامة القضية وبداية المسافة مع الوطن الذي يفتقده، ومؤشرات معنوية وفعلية لجسد الأرض.

فإنتاج خطاب كهذا لا ينفصل عن بنية المخيم، فالمخيم عتبة الصمت المفقودة في ضوء عشوائيات خارجة عن النسق المتواطئ لأنه عنوان القضية. تشعر أن جسد فلسطين الوطن حاضر، وأن للفصيل السياسي رسالة رغم أنها لا تخطو لخارجه، في المخيم طعم الكرامة ما زالت تنبض في عيون طفل ينتعل حذاءه المثقوب في جوف اللامعنى وفوضى الحواس الملتبسة وتكاملها على جداريات رسمت معاناة شعب، تبكيك الجدران وتعذبك أسطح المنازل، وتؤنسك شبابيك جيرانك على قصة سرمدية، ينتفض جوفك من الحنق ويحتضنك التمرد بلا مواربة، في المخيم تتحول الكلمات والأوجاع إلى تحدٍّ، تتحول الكرامة إلى إله المارقين والقاعدين والساجدين والمارّين بين الزقاق ليكفروا بآلهة وأصنام وثنية السياسة وجسد السياسة الملتبس.

في المخيم يتقدم مبنى الزينكو على ليبرالية المدن وقيم الأرض في القرية رغم فوضويته المبتكرة، لتلتحم مع قدرية الواقع واشتباكات المستحيل، لتصحو باكراً لتنتفض على لقمة العزة والكرامة كما فعلها جهاد الجعفري وآخرون. في المخيم سيميولوجيا الدلالات القاتلة الغائبة الحاضرة والمؤولة، كأنها ملتَيِنَة الأشياء تقولبها تمرسها تصوغها في فضاءات المعاني الجامدة. في المخيم طوّعوها لتكون حياة، ولكنهم لم يطيعوا أحداً رغم انتماءاتهم الضيقة كما هي أزقتهم وشوارعهم القديمة والمتهالكة.

المخيم الذي يحتضن الغربة والاغتراب عن غوغاء السياسة الدهماء والذي يساهم بإنتاجها بفعل تمرده بواقع الحال وانصياع الأمل في دفات مقاتل يمتشق الحجارة لأنها لعبة الجحيم وإشارة الوجود الخانق في حلق المستحيل.

صنِّف المخيم طبقياً بأنه الهامش المزعج على زاوية سياسة وضعته في حال الدفاع عن النفس، فتمرد حينما طلب منه، وثار لعل قيادة ترتقي لوصيته، وقاوم بعدم دفع فاتورة الماء ولا الكهرباء في انتفاضة عام 1987، لأن دمه ضريبة الالتزام، ولأنه يحتضن الثورة في أزقة المخيم وحيطانه التي تهالكت وما زال صامداً يشكل دعامة بشرية لرمزية هذا المخيم وأسطرة فعل اللجوء، وتحمل شقاء العيش في فشل السياسات التي همشته، وعززت قيادته البائسة حالة اغترابه وحافظت عليه حتى لا يدرك اغترابه عن القيادة[40] وعن نفسه ودوره، تستدعيه القيادة وقت انهيارها وتستل شرعيتها من المخيم، وتستوعبه تارة أخرى لأنه خطورة التساؤلات العميقة عن استمرارية وضعه الغائب الحاضر، وأسئلة القضية الأولى لبداية المعاناة.

في المخيم تولد وبيدك حجر تنتظر بندقية الخلاص تستدعيك مأساة التمرد على العيش، ولست بحاجة إلى فصيل سياسي يؤطرك لأن المخيم أضحى حزباً بنفسه، وشوارعه ولباسه ومناطق الحروف لديه أيديولوجيته، تعبئته الوطنية المغتربة تنشأ وتؤطر في الشارع وحيطان الإسمنت المتهاوية وصور الشهداء والقادة والاستشهاديات أبطال الفعل المسلح، وعلى طول شارعه الرئيسي الذي يسهر على دفتيه كجندي يحمي الثغور، لأن المعركة حسب معادلاته التي يمارسها لم تنتهِ ولم يعلن عن عودته، أسئلة الوجود في أسماء القرى والشهداء والأسرى والجرحى، في أسماء الأطفال وفعل الكبار، المخيم حاضر رغم وصمه بالصفيح لأن الزينكو الذي يقرع منه طبول الحرب ودوي حناجر الله أكبر كفعل دلالي عن اشتباك مع دورية صهيونية.

إن التغلب على حالة الاستلاب والتوتر الوجودي للاستعمار، تجعل من الشهيد والاستشهادي أيقونة لا تحتفظ بها جدران المخيم للمخيم فقط، وإنما في الوعي المغترب في ذاكرة الصراع، حيث وجع المخيم ينتج مقاتلاً وشهيداً. ذلك الشهيد يعرف أنه مخذول، ورغم ذلك يصعد إلى حتفه حسب وصف فيصل دراج. فحين ذهب من قال: إن التراجيديا في السياق الإغريقي كانت تقاتل من أجل أسطورة، فإن الفلسطيني كان يقاتل بجسده من أجل الضرورة.

خلاصة

تعد هذه المقالة تأسيساً فكرياً وتنظيرياً في موضوعة العمليات الاستشهادية، وإزاحة إلى الحقل المعرفي المشتغل في الجسد، كحيز مشتبك ومرتبط بنيوياً مع التاريخ والخطاب والسياق الفلسطيني على مدار تاريخ النضال الفلسطيني، وتم توضيح تطور وارتقاء الأداء المقاوم بما ينسجم مع المعطى السياسي والثقافي، باعتباره حالة ثورية ووطنية لا بد من فحصها وتحليلها وتعميمها.

مَثّل الجسد الفلسطيني أيديولوجيا متدحرجة في مراحل الصراع الفلسطيني، صنع من الأجساد أدوات مقاومة وقتالية يُستدعى نوعها حسب السياق وما يمليه الشرط التاريخي، باعتبارها ثلاثية المقدس المشتبكة «جسد الأرض/المجتمع/الفرد» فحين يتآكل أو يتراجع أحدهما يتقدم الشهيد ليشكل حاضنة/رافعة، ومدافعاً عن فكرة الوجود الذي تجسده «ثلاثية المقدس».

 

قد يهمكم أيضاً  النكبة الفلسطينية وتأسيس «إسرائيل» في مسردات التاريخ العالمي (دراسة نقدية في التاريخ الموسوعي المقارن)

#مركز_دراسات_الوحدة_العربية #فلسطين #العمليات_الاستشهادية #الصراع_الفلسطيني_الإسرائيلي #الصراع_العربي_الإسرائيلي #النضال #الاحتلال_الإسرائيلي #مقاومة_الإحتلال #الثقافة_الفلسطينية #ثقافة_المقاومة #الشهادة #دراسات