مقدمة

استقطب موضوع الدولة وأجهزتها وأنماطها وتطوراتها اهتمام الباحثين من تخصصات مختلفة ومتداخلة كعلم السياسة والتاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع، بغية استجلاء خصائص الدولة وبناها وكثافتها ودورها السياسي والاجتماعي إلى غير ذلك من القضايا المرتبطة بمفهوم الدولة وتناقضاته. ينطبق هذا الأمر على حالة المغرب، حيث تزايد الاهتمام بهذا الموضوع منذ الاحتكاك بالحداثة ومحاولة إصلاح الأنظمة السياسية العتيقة وفق ما فرضته ظروف التكالب الاستعماري وتطورات القرن التاسع عشر، ليتطور الأمر بعد ذلك خلال القرن العشرين بتوقيع معاهدة الحماية التي عملت على إدخال آليات إدارية وبنى سياسية، وهذا سمح بتداخل مؤسسات عتيقة مع أخرى مستحدثة تنتمي إلى ثقافة سياسية مختلفة؛ الأمر الذي ظل حاضراً حتى بعد الاستقلال وبناء الدولة الوطنية. ومن ثم يبدو أن الاهتمام بالموضوع كان استجابة لتطور الفكر السياسي المغربي وتطلعات النخبة المثقفة وتصوراتها المتشبعة بتيارات مختلفة من جهة، وللتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من جهة ثانية.

وعليه تنكبُّ هذه الدراسة على بحث وتحليل تطور الدولة في المغرب واستجلاء خصائصها وبناها، لكن الإشكال الذي يواجه البحث هو كيف نؤرخ للدولة المغربية؟ هل نعتمد على أهم السلالات والأسر التي حكمت المغرب؟ وإذا كان الأمر كذلك أليس هناك إقصاء لكيانات سابقة؟ أم نعتمد على توصيف طبيعة النظام السياسي والمقصود هنا المخزن؟ وما انعكاس حضور التقاليد السلطانية على هيكلة الدولة المعاصرة بالمغرب؟ مردّ هذه التساؤلات هو كون المغرب يقدم مثالاً للاستمرارية التاريخية؛ فالإمارة والبيعة وإمارة المؤمنين والسلطنة والمخزن هي مؤسسات ظهرت في خضم مجتمع البداوة والصحراء‏[1] وتأثرت بمحيطها الفارسي والبيزنطي ولاحقاً الأندلسي، واستمرت في الحضور بصور مختلفة.

تتطلب الإجابة عن الإشكالات المطروحة أعلاه وضع إطار نظري للمفاهيم المهيكلة علّها تسعفنا في رصد التطور الجينالوجي لمفهوم الدولة وممارساتها بالمغرب ثم رصد آلياتها وأجهزتها والوقوف على مدى التغير الذي لحقها بفعل الاستعمار. كما تفرض طبيعة الموضوع إعمال المنهج التاريخي لرصد هذا المسار الطويل للدولة المغربية.

أولاً: مفهوم الدولة

تجدد اهتمام المثقفين العرب بموضوع الدولة بعد تراجع الاهتمام بها في السنوات الأخيرة من القرن العشرين. ومن الواضح أن مرجع هذا الاهتمام هو التطورات السياسية والاجتماعية التي عرفتها المنطقة العربية منذ اندلاع ثورات الربيع العربي حيث بزغ الاهتمام بمكنون الدولة وتفكيك آلياتها وتحديد وظائفها وإبراز مشروعيتها، فظهر العطش إلى الدولة والريبة منها‏[2]. لهذا تعددت الأعمال التي تناولت الموضوع بالدراسة والتحليل، وترجع هذه التعددية إلى تنوع زوايا النظر التي تؤطر أصحابها. ويظهر أن الموضوع هو متجدد في الفكر العربي والغربي كذلك، فمنذ العصر الحديث برزت مفاهيم مثل الدولة – الأمة فاختلفت المقاربات المؤطرة للمفهوم، إذ تذهب النظريات الكلاسيكية التي احتضنتها كتابات توماس هوبز وجون لوك إلى اعتبار الدولة مؤسسة تهدف إلى خدمة المصلحة العامة المشتركة بينما تهدف الحكومة إلى مصلحة الشعب وخيره. وبهذا تكون الدولة حيزاً محايداً، وذهب جان جاك روسو إلى أن الدولة عملت على تحرير الإنسان من العبودية والخضوع للسيد‏[3].

في حين رأت الكتابات الماركسية أن الدولة جهاز قسر وإكراه وحفاظ على النظام العام، ولكن لمصلحة المسيطرين، وبذلك اعتمد هذا التيار على تحليل وظيفة الدولة سواء الوظيفة الاقتصادية أو الأيديولوجية. لهذا، وعند الحديث عن الدولة، نستحضر عن قصد أو عن غير قصد ذلك الهيكل القانوني الذي انبثق تدريجاً خلال قرون من الزمن تبعاً لظروف تاريخية وثقافية معينة ثم تطور وفقاً لمنعطفات سياسية وقانونية لها ارتباط بالتجارب البشرية في بحثها عن الارتقاء والانتقال من حالة البدائية إلى حالة المدنية. فالدولة متعددة بتعدد التصورات الثقافية والنظم الفكرية والنظرية التي تمت بلورتها حول نظم الحكم والسلطة. وتواصل الاهتمام بها لدى فلاسفة ومؤرخي الحقبة المعاصرة كبيير بورديو الذي رأى أن موضوع الدولة عصي على التفكير، لأن تناوله يستدعي تجنب الأفكار الموروثة، فالدولة إذا كان لها وجود فهي مبدأ إنتاج وتمثل مشروع للعالم الاجتماعي، لهذا قدم تعريفه للدولة بنحوٍ متحفظ، واعتبر أن حقل السلطة يحتكر بكيفية مشروعة العنف المادي والرمزي‏[4]، على مطلق السكان وعلى مجال ترابي محدد بحدود ثابتة ومعترف بها من طرف الدول الأخرى.

وعليه، يحيلنا مفهوم الدولة على المعنى الواسع أي السلطة المركزية، وبالتالي تكون الدولة هي كل جهاز مركزي للسلطة، أو على المعنى الثاني بوصفها ظاهرة حديثة تاريخياً على نوع من تنظيم السلطة الذي ظهر في أوروبا في القرن الخامس عشر، كبديل من تفكك بنى المجتمع الإقطاعي وكجواب عن هيمنة الكنيسة، واستجابة للمتطلبات الاقتصادية الجديدة.

وبتحويل زاوية النظر صوب الفكر العربي فلا يمكن الحديث عن مفهوم الدولة سواء كفكرة أو ككيان مستقل من دون الوقوف على ما خلفه ابن خلدون، حين عدّ الدولة هي الامتداد المكاني والزماني لحكم عصبية ما، ويلاحظ كذلك أن الكتابات العربية استخدمت كلمة الدولة بربطها باسم سلالة أو الأسرة المؤسسة، إذ يقول: «فالمؤرخون القدامى كانوا يضعون تواريخهم لأهل الدولة وأبناؤها متشوقون إلى سِيَر أسلافهم ومعرفة أحوالهم»‏[5]. كما ربط قوة الدولة وتوسعها بقوة العصبية المؤسسة لها، إذ كلما توسعت العصبية وكثر عددها واكتسحت مجالات جديدة فإنها في نهاية الأمر تجد نفسها عاجزة عن مواصلة الغزو أو حتى الاحتفاظ بالمجالات المفتوحة سابقاً‏[6]. وهي الحالة الجلية في النموذج المغربي الذي ارتكزت فيه الدولة على القبيلة بقوتها وتحالفاتها وإدارتها، ونفترض أن هذا الإرث استمر كعنصر أساس في قيام الدولة في المغرب خلال العصر الحديث والمعاصر، إذ وظفته الحماية الفرنسية لتحديث بنى الدولة المغربية إبان الاستعمار. وهو ما أعطى للدولة المغربية استمراريتها التاريخية وعدم وقوع قطائع كبرى أثرت في مسارها.

ثانياً: الدولة في الفكر المغربي

لم تحِد النخبة المغربية عن الخوض في النقاش الدائر حول ماهية الدولة وجذورها منذ القرن التاسع عشر‏[7]، وامتد ذلك إلى مرحلة الاستقلال وما تلاها من أجل إثبات العمق التاريخي للدولة المغربية التي تمتعت بسيادتها وخصوصياتها وسلطاتها على حيز جغرافي عرف نوعاً من التوسع والانكماش تبعاً لمحطات تاريخية مفصلية عاشها المغرب. علاوة على دحض الأطروحة الكولونيالية التي روّجت غياب هذا المفهوم. وتبرز هنا على الخصوص كتابات جرمان عياش‏[8] وعبد الله العروي‏[9] ومحمد القبلي‏[10]. وقد نهلت هذه الكتابات من الإرث السياسي الإسلامي ومسألة الخلافة بوصفها مسألة إرثية وسلالية واستطاع المغاربة الحفاظ على نوع من الاستمرارية في ما يتصل بأشكال الحكم التي مارسوها منذ عصور ما قبل الإسلام والتي لم يعرفوا فيها غير الشكل الملكي والسلالي‏[11]، لأنها تعبير عن نمط وجود أمة. وانصب النقاش منذ السبعينيات على تحليل وظيفة الدولة ومشروعيتها. لم يقتصر الأمر على المؤرخين بل انخرط في معمعان النقاش فلاسفة وعلماء سياسة وعلماء اجتماع‏[12]، محللين الدولة ككيان وممارسة له وجود سابق عن المجتمع ويحمل قدراً من العقلانية، وله مكانة مركزية في المشهد السياسي المغربي. بَيد أننا نلاحظ أن الباحث عبد الله العروي يؤكد غياب نظرية حول الدولة العربية بوجه عام؛ فبعد الفتوحات الكبرى ورث العرب أجهزة الدولتين البيزنطية والفارسية، كما ورثوا تلقائياً أجهزة الدولة رغم أنها تعارض أهداف الإسلام والتنظيمات القبلية، وعدّها مبنية على أساس اجتماعي معين تهدف بالضرورة إلى المحافظة على توازن القبائل والعشائر والأسر وبالتالي المحافظة على الجنس‏[13]. ويصفها عبد الله حمودي بأنها لا تقابل مصطلح الكيان السياسي كما يعرِّفه قاموس العلوم السياسية الأوروبية، ولكنها تعني الجماعة ودورها هو الإمساك بشؤون الأمة. ويشكل السلطان والجيش والبيروقراطية مركز دار المُلك‏[14].

1 – تطور الدولة المغربية

في تحليلنا لمسار الدولة في المغرب سنركز على المراحل التاريخية الكبرى وعلى الأنظمة السياسية التي كان لها بُعد مركزي، ليس إقصاءً لتجارب سابقة أو لاحقة، ولكن لأن هذه التجارب لم تتمكن من بلورة مشروع دولة مستقلة. فمن الثابت أن المغرب عرف في المرحلة الوسيطية‏[15] تحولاً مهماً، إذ انخرط في تيار حضاري له ارتباط بالحضارة الإسلامية، واتسم التناول السائد في أسطوغرافيا‏[16] هذه المرحلة من تاريخ المغرب بتضخيم بعض التجارب مع تجاهل كيانات معاصرة لها وإضفاء الطابع الدوري التكراري على تجارب الدول المركزية في نوع من الإحالة المبسطة على الأنموذج الخلدوني سابق الذكر‏[17].

والواقع أنه يمكننا أن نتبيَّن ضمن هذه التجارب بعض السمات التطورية كذلك؛ فالمغرب تميز للمرة الأولى باسم المغرب الأقصى‏[18]، كما ظهر معجم جديد يتضمن لفظاً خاصاً كلفظ المخزن‏[19] إضافة إلى مؤسسات مستحدثة. ثم هناك اعتناق المذهب المالكي، الذي تم على نحو متقطع زمانياً ومجالياً، كمرجعية فقهية عقدية. ويبدو أن عنصر المجال قد أصبح عنصراً حاسماً من جهته؛ بمعنى أن الحكم قد أمسى مرتبطاً بمراقبة شبكات الطرق التجارية الواصلة بين المغرب والأبيض المتوسط والموانئ المتوسطية وأفريقيا جنوب الصحراء؛ وهكذا فإن الأهمية التي تميزت بها تجارة العبور ضمن المسلسل الجاري لتمركز الدولة تكاد تستأثر بكل شيء لتصبح مصدر هشاشة وقوة في الآن نفسه‏[20]. وغير خفيّ عن البيان أن الحديث عن كل تجربة سياسية عرفها المغرب خلال المرحلة الوسيطية بتفصيل، أمر يحتاج إلى مساحة أكبر، لهذا سأعمل على إبراز الخصائص الكبرى لتجارب الدولة وميكانيزماتها بهدف الوقوف على عناصر الاستمرارية أو القطيعة في الممارسة الدولاتية المغربية.

نعلم أن للدولة من الناحية العلمية عدة تحديدات قد تختلف باختلاف المناهج والقطاعات لكنها تتفق على أنها كيان اجتماعي يرمي إلى ضبط العلاقات وحماية الأرض وضمان الاستقرار. وفق هذا المعطى يقتصر الأمر على الدول المركزية المعروفة التي دأب المؤرخون على سردها، في حين يتم تجاوز الكيانات السياسية التي وسمها القبلي بـ «الكيانات المغلقة» كإمارة سجلماسة وأغمات وبلاد بورغواطة‏[21]، التي تلتقي رغم اختلافها عند الأخذ في اللامركزية وما يتبعها من تساكن وتعامل وصراع أيضاً. وقد ركزت الكتابات الكلاسيكية المغربية على أن هذه التجارب لا تعدو في النهاية أن تكون مجرد حلقة عادية لها ما يمثلها في التجارب البشرية ابتداء بما عرفه الغرب المسيحي المعاصر من قيام الدولة المركزية على أنقاض دول لامركزية متعددة متساكنة‏[22]. لهذا تجسدت المحاولات الأولى للانفصال عن الخلافة في المشرق في التجربة البورغواطية والدولة الإدريسية التي يعتبرها البعض أول دولة مركزية بالمغرب الأقصى، فقد كانت دولة‏[23] في غاية البساطة وتملكت عناصر الدولة ممثلة بجيش مكون من المستجيبين لدعوة إدريس الأول، ومن بيت مال تموله غنائم الحرب وأداءات غير المسلمين من جزية وخراج ومن أرباح ضرب السكة‏[24]. فالأمر الذي ميَّز الدولة الفتية عن سابقاتها هي الإجراءات التي اتبعتها لإضفاء الشرعية على نفسها عبر إشراك الأمازيغ واقتراح نموذج شامل يعتمد على الإسلام واللغة العربية‏[25]، وإنْ بشكل متدرج. إلا أن الدولة الإدريسية لم تتمكن من احتواء كل العصبيات القبلية‏[26]. بيد أن الرواية التاريخية ترى أن إدريس الثاني (188هـ/213هـ) هو من أسس دولة منظمة… استوحى نظامها من الأنماط الشرقية‏[27]. وهو ما دفع المؤرخ الفرنسي هنري طيراس إلى القول إنه بذلك ترك أثراً كبيراً في تاريخ المغرب، وكانت قيمة الأدارسة في المثال الذي ضربوه لمن جاء بعدهم‏[28].

2 – التجارب الدولاتية الوسيطية في المغرب

يقول عبد الله العروي عن التجربة المرابطية إنها من دول المغرب الأولى ذات الأهمية العالمية‏[29]، ومرد ذلك أنها اعتمدت على قوالب شكلية مكونة من العاهل والحكومة المركزية والإدارة المحلية مكرِّسة صيغ التراتب والغلبة، إذ ارتكز النظام المرابطي على عنصرين اثنين: هما الأوليغارشية القبلية العسكرية والنخبة المكونة من الفقهاء‏[30]. لم يكن جيش المرابطين قبلياً صرفاً بسبب الدعوة نفسها حين ركزت على توحيد العقيدة التي أصبحت ملزمة للجميع. علاوة على ذلك أنشأ المرابطون هياكل إدارية جديدة لتسيير الدولة كالدواوين، مثل ديوان الغنائم ونفقات الجند والضرائب والجباية. أما السلطة الدينية فإنها كانت بيد الفقهاء المالكيين يتقاضون مرتباً معلوماً ويحضرون مجلس الأمير يستشارون في الملمَّات يرافقون الجيش في غزواته ومن يقطن منهم مصراً يراقب أحكام قضاة السداد (المحليين). كان دور الفقهاء مزدوجاً: سياسياً وقضائياً‏[31]. وعلى مستوى تنظيم أجهزة الدولة تم توظيف مصطلح «إمارة المسلمين»‏[32]؛ فقد استمد يوسف بن تاشفين (توفي 1106م/500هـ) سلطته السياسية من الخليفة العباسي من طريق نظرية التفويض التي تتجلى في حقوق الخطبة وحقوق السكة التي يحتفظ بها الخليفة أمير المؤمنين. ففي المغرب المرابطي عموماً كانت الصلاة تقام باسم الخليفة العباسي إلى جانب اسم السلطان المغربي، كما كانت النقود تضرب باسمه إلى جانب السلطان المغربي‏[33].

وقد تمكن بن تاشفين من تأسيس نظام سياسي من أهم معالمه منصب أمير المسلمين ومن اختصاصاته الإشراف على الجهاد، وتولية العمال على أقاليم الدولة ومراقبة الجهاز الإداري، إلى جانب سلطاته الروحية، ولو أنها ظلت بيد الفقهاء المالكيين الذين كانوا يتقاضون راتباً معلوماً. كما أحاط نفسه بمجموعة من الكتّاب (مستشارين) احتلوا مكانة مرموقة في الدولة. علاوة على ذلك تم إحداث منصبي ولي العهد ونائب أمير المسلمين ووهبه سلطة مطلقة‏[34]. برز أيضاً مصطلح الدولة في المراسلات الرسمية التي كانت تحمل خاتم الأمير مرفوقاً بكلمة دولة المرابطين أو دولة الملثمين‏[35].

وحتى لا نتيه في التفاصيل الكثيرة ونحاول الحفاظ على وحدة هذه الدراسة، نرى أن عوامل قيام الدولة المرابطية هي نفسها التي ساهمت في تراجعها حين لم تتمكن من إيجاد حل للمشكل العسكري، ولا لمشكل تنظيم الدولة ولا إيجاد أيديولوجيا توحد الناس. فقد تمخض عن ضعف الاقتصاد واستمرار الموروث القَبلي داخل أجهزة الحكم احتكار المناصب السياسية من طرف العصبية المؤسسة للدولة. وهو ما انعكس أيضاً على التنظيمات الإدارية التي ظلت تعاني الهشاشة ولم تتمكن من مسايرة الإيقاع السريع الذي تمثله الدولة المرابطية والمجال الإداري المتحضر الذي اقتحمته عندما ضمت الأندلس وبالتالي ظهور تناقض بين العناصر المكونة للمشروع المرابطي‏[36]. هيّأت هذه العوامل مجتمعة الفرصة لظهور مشروع سياسي جديد عارض الأخلاق والأيديولوجيا المرابطية وأظهر نفسه كالمنقذ والمطهر للمجتمع، والمقصود هو المشروع الموحدي.

تُعد «دولة الموحدين» أول دولة مغربية مستقلة تماماً عن الخلافة السنية المشرقية، إذ سعى الموحدون إلى خلق إطار للتكوين الأيديولوجي، على غرار التجربة المرابطية، يهتم بتلقين مفهوم الأمة لأعضائه وتربيتهم على العيش في مجتمع متجانس عقائدياً ومتماسك سياسياً‏[37].

تميزت التجربة الموحدية ابتداءً من القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي إلى أواسط القرن السابع الهجري ببلوغ أوج الازدهار، إذ بدت الدولة أكثر تنظيماً في هيكلتها من دولة المرابطين؛ فهي تتضمن مستشاراً أول (وزير)، وحاجباً، وقاضياً ووزير المالية (صاحب الأشغال). وورث الموحدون عن المرابطين أيضاً دواليب وهياكل متطورة اندمجت تدريجاً في التنظيم الذي خلفه المهدي ابن تومرت؛ إذ تكونت الهيئة الحكومية على النطاق المركزي من وزير وهو أول من يستشار في الملمات ويُختار من بين الأشياخ ومن كاتب (أو رئيس كتاب) تمرس على الكتابة الديوانية في الأندلس أو في المغرب على يد أساتذة أندلسيين؛ من الحاجب، وهو أقل نفوذاً من حاجب القيروان أو قرطبة؛ ومن قاضي القضاة الذي يشغل كذلك منصب الخطيب، وأخيراً من صاحب الأشغال المكلف بالشؤون المالية والمقرب من الخليفة، إذ عليه تدور رحى الدولة في أيام الحرب وأيام السلم‏[38]، وانحصرت مهمته في الإشراف على الدخل والمنصرف، وله حق تتبع العمال ومحاسبتهم والقبض عليهم، وله مساعدون بكل الأقاليم ويسمون المشرفين‏[39]. ونجد نفس الهيئة مصغرة على رأس كل إقليم حيث تفوض السلطة فيه لنائب يتمتع بما للخليفة من سُلط وفي الآن نفسه يتحمل مسؤولية تامة ومطلقة عما يترتب عن مختلف أعماله‏[40]. والجديد في هذا التنظيم هو تأسيس هيئات استشارية تعد امتداداً للمجالس التي وضعها ابن تومرت‏[41]. كما تم تنظيم البريد الذي تعزز بوضع رقّاصين قادرين على طي المسافات الطويلة. وبذلك فاقت الحكومة الموحدية إدارة المرابطين، حيث شغل عدد من الناطقين باللسان الغربي، والواردين من كل أنحاء بلاد المغرب، مناصب عليا كان منهم الوزراء والكتاب والشعراء والأطباء وأصحاب البريد والأشغال، حسب ما ذهب إليه ابن عذاري‏[42]. والواضح أن الدولة الموحدية تجاوزت إلى حد ما دولة القبيلة والإطار الجغرافي لبلاد المغرب الأقصى وأصبحت دولة الغرب الإسلامي. رسخت الدولة الموحدية كذلك، مسألة ولاية العهد التي استنَّها المرابطون قبلهم واعتبروها نظاماً يدعم استمرارية الدولة. لكن هذا الإجراء واجهته صعوبات في التنفيذ وبخاصة خلال أوقات ضعف الدولة أو تقاعس الأمير عن أداء واجباته فينجم عن ذلك تنافس على العرش، وما يستتبعه ذلك من تناحر وصراعات ودسائس، زيادة على الحروب والثورات الداخلية في المغرب والأندلس. اعتمدت الدولة على موارد متنوعة‏[43]، وملكت وسائل الاستقرار المادية، لكنها فقدت العدة الفكرية والروحية وهي الأهم‏[44]. وهذا يدل على وجود شرخ عميق في البنية الموحدية بين التنظيم الحزبي التومرتي، المتشبث بحقه في الاستشارة والمشاركة في تصريف الشؤون العامة، وبين كتّاب الدواوين، حيث استحال الجمع بين منطق الدعوة، الشورى في أساسه، ومنطق الدولة الاستبدادي في عمقه وصلبه‏[45]. وهو ما عجَّل بانهيار الدولة بعد سلسلة من الانفصالات مثل انفصال الزناتيين بالإمارة العبد الوادية بتلمسان سنة (633هـ/1236م)، كما انفصلت إفريقية عن مراكش سنة (634هـ/1236م) سبقتها نهاية حكم الموحدين بالأندلس سنة (630هـ/1232م) ‏[46].

مع التجربة المرينية دخل تطور الدولة في المغرب مرحلة مختلفة، فالمرينيون ينحدرون من قبائل زناتة البُتر الذين حكموا المغرب فيما قبل عن طريق حكم المغراويين وبني يفرن إبان القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر الميلادي. والجديد في هذه المرحلة هو إلغاء الأيديولوجيا الموحدية، وكذا عدم توافرهم على دعوة دينية/سياسية كالتجارب السابقة، لذلك لجأوا إلى استغلال أيديولوجيات أجنبية عليهم، وشرعيات سياسية خارجة عن نطاق مغرب القرن الثالث عشر‏[47]، إذ ورث المرينيون واقعاً متشعباً، تجاذب فيه الفقهاء وأشياخ القبائل أطراف السلطة حيناً وتكامـلاً حيناً آخر ولم يبدُ الطابع الإصلاحي مع الدولة المرينية واضحاً كما هو الشأن بالنسبة إلى سابقيهم‏[48]. فالالتحام بين العصبية والعقيدة عنصر غائب في الأصل، ويرجع السبب إلى عدم انتسابهم إلى بيت النبوة إلا أنهم سعوا إلى إرساء أسس شرعيتهم من طريق الإكثار من مراكز تعليم ونشر الفقه الإسلامي من خلال المدارس وإقرار المؤسسات السياسية للمجتمع المغربي، ونتج من هذه السياسة تقوية المذهب المالكي وتعزيز التصوف‏[49]؛ فأسفر ذلك بدوره عن قيام بنية حكومية استمرت في المغرب إلى حدود القرن العشرين. إذ إن فكرة الدولة بمفهومها العصري بدأت تتضح بالأذهان فتكونت في تلك الحقبة أجهزة ثابتة متماسكة تمثل ما يسمى إلى يومنا هذا المخزن الذي أطلق على هيئة إدارية وتراتبية اجتماعية، وعلى سلوك ومراسيم، فهو مخزن سيف وقلم‏[50]. ويمكن وصفه مستلهماً من مخزن الحفصيين من الناحية الهندسية إن لم يكن قد أخذ عن الأصل الموحدي بحكم قرب المسافة وكذا عن النموذج الأندلسي المشترك‏[51].

سار المرينيون على المنوال السابق في تعيين كتّابهم من عناصر غير مغربية وغير منتمية إلى العصبية الحاكمة. ويتجلى ذلك بالخصوص في تعيين ابن خلدون في ديوان الإنشاء والعلامة وتعيين لسان الدين ابن الخطيب في منصب الوزارة‏[52]. في حقيقة الأمر، لم تتمكن التجربة من التخلص من التقاليد القبلية السابقة على تأسيس الدولة، الأمر الذي جعل التجارب السابقة واللاحقة تتأرجح بين التجاذب والتوتر. فكان المخزن المريني بذلك نظاماً قائماً على التوافق بالدرجة الأولى. والواقع أن الوظائف تمركزت ظاهرياً بين يدي الوزير أو الحاجب السلطاني حسب المراحل. إلا أن هذا التمركز كان بروتوكولياً في أغلب الأحوال، بمعنى أنه لا يفترض أي تنسيق ولا إشراف بالنسبة إلى مجموع الأنشطة، بل تتوزع تدريجاً فتفضي في الغالب إلى انفجار مكشوف للحكم‏[53]. خلاصة القول، تميزت الدولة خلال هذه المرحلة بهشاشة بنيوية بسبب غياب قاعدة محددة لوراثة الحكم وسياسية ضريبية غير قارّة، إضافة إلى عوامل أخرى. رغم ذلك، أدى التراكم إلى الترسيخ التدريجي لمؤسسات الدولة المركزية وإدخال الأفكار والهياكل السياسية المعززة للوحدة القطرية والجغرافية لما سيصبح عليه المغرب الأقصى في العصر الحديث‏[54].

3 – الدولة المخزنية/السلطانية

ساهم اضمحلال الدولة المرينية في تلاشي دول العصبيات الكبرى التي حكمت المغرب ومهَّدت لبروز دول الشرفاء، فتفكك الدولة المركزية المرينية أنتج تعدد الزعامات المحلية ووقوع عدد من الثغور تحت السيطرة الإيبيرية بداية من احتلال البرتغال لمدينة سبتة سنة 1415.

مثّل صعود السعديين إلى السلطة ظهور نمط آخر من الحكم في المغرب؛ فزيادة على اعتمادهم على النسب الشريف والاعتماد على السلطة الروحية والرمزية والجهاد لاستعادة وحدة البلاد. عمل السعديون على الحفاظ على الموروث المريني المتعلق بالتنظيم الإداري والقضائي والمراسمي. أما المجال العسكري فعرف تغيراً نوعياً بفضل الاعتماد التدريجي على التقاليد العثمانية والأوروبية‏[55] رغم تعدد دوائر المواجهة الخارجية التي أضحت أكثر قوة وأكثر تعقيداً. ومن أبرز تجلياتها معركة وادي المخازن ضد البرتغال. ونتج من هذه المعركة تربُّع أحمد المنصور عرش السعديين، فعمل على تجسيد أبهة الدولة وهيبتها في شخصه؛ فأقام الديوان على نحو ما شاهده في إسطنبول‏[56]، كما عمل على تقوية مؤسسة السلطان من طريق تكوين جيش محترف من العلوج والأندلسيين، معزول عن المجتمع ومرتبط بشخص السلطان. وهو ما حتم عليه البحث عن موارد مالية إضافية فأعاد هيكلة السياسة الضريبية ووسع خريطة التحصيل. كما راهن على تطوير التجارة الداخلية عبر تشجيع بناء القناطر والاهتمام بوسائل الري ومد القنوات، وكذلك أيضاً التركيز على التبادل التجاري واحتكار الدولة لبعض المواد كالسكر والنحاس وملح البارود‏[57]. فضلاً عن تكثيف العلاقات التجارية والدبلوماسية مع الخارج‏[58]. ساهمت هذه التدابير في تكريس الحضور المخزني ببُعديه المادي (العسكري والإداري) والرمزي التي حددها الباحث جادور في الاحتفالات والبروتوكول والمواكب المخزنية والبناء والترميم‏[59]، لما لهذه الأبعاد الرمزية من أهمية في تعميق الشعور بمكانة المخزن. في حين رأى أحد الباحثين أن مختلف الأجهزة والمرافق السلطانية لم تكن لها أطر قانونية أو عملية تحدد تخصصاتها ومخصصاتها على نحوٍ دقيق كما هي الحال في عدد من الأنظمة الملكية. فكلّ شيء نظرياً على الأقل، يتوقف على الإرادة السلطانية. فتوسيع أو تقليص الاختصاصات وتنوع المهمات يقف على العلاقات الشخصية القائمة على الولاء والنسب ولا سيّما مع السلطان‏[60].

كانت الهيئات الإدارية والمالية والقضائية والعسكرية على عهد أحمد المنصور تسمى مناصب وخُطَط، وكانت التعيينات والإقالات الموسومة بـالتقليدات الشريفة تتمّ بواسطة مرسوم سلطاني يطلق عليه ظهير منذ القرن الثاني عشر. هذا ولم تكن الظهائر تستعمل للتعيين والإقالة فقط بل لتنظيم وتأطير الكثير من الشؤون الإدارية والمالية للسلطنة أيضاً. إضافة إلى السلطان الشريف، الذي يملك نظرياً على الأقل كل السلطات الدنيوية والروحية فإن نواة المخزن تتكون من عدد من القُوّاد والباشوات متعددي الاختصاصات. وما لا شك فيه أن أرفع منصبين على عهد المنصور كانا هما الحاجب وقائد القواد؛ وعُدّا من أقرب مستشاري السلطان ومعاونيه وتمتعا بسلطة واسعة في مختلف المجالات‏[61]. الجلي في التجربة السعدية هو تطور بنية المخزن ليس على مستوى الهياكل والوظائف ولكن على مستوى الأسس، إذ تم تغيير الأساس القبلي بأطر مخزنية. لكن مشكل هشاشة الدولة ظل قائماً فعلاوة على مشكل المصادر المالية برزت قوى جانبية، كما أن إلغاء الأساس القبلي والاعتماد على النسب الشريف لاكتساب الشرعية سهّل وصول العلويين إلى الحكم منذ القرن السابع عشر الذين دشنوا مرحلة جديدة في تطور الدولة بالمغرب، فاتبع العلويون المعايير السابقة نفسها في ضبط المجال من طريق التحكم في البنية القبلية وتليين شوكتها عبر منحها مجموعة من الامتيازات «لقبائل الكَيش» مثـلاً، أو ترحيلها باستمرار عن مجالاتها الأصلية وترسيخ شرعية الحكم. واحتكر السلطان السلطة الدينية وتكوين جيش منظم نواته الرئيسية من عبيد البخاري مرتبط بالمولى إسماعيل (1672 – 1727م) أكثر من ارتباطه بالمجتمع أو القبيلة، وتركزت وظيفته الأصلية في تهدئة البلاد وحماية الثغور الوطنية‏[62]، وهذا يدل على ترسيخ استقلالية الدولة عن المجتمع. والغريب أن هذا الجيش كان سبباً في أزمة دامت ثلاثين سنة بعد وفاة مؤسسه المولى إسماعيل، وهو ما يدل على أن سلطة المخزن بوجه عام ارتبطت بالسلطان وبحضوره واستمراريته. لهذا وبهدف ضبط وإدارة البلاد لجأ المخزن إلى ما يسميه الباحث شقير العنف المشروع، ومن أهم عناصره: تكوين جيش منظم، مخزنة القبائل وتجريد القبائل الأخرى من السلاح‏[63]. غير أن هناك أساليب أخرى ساعدت على استمرار هيبة الدولة كالتحالف مع القوى الدينية (الزوايا) حسب الظروف، والمصاهرة وتقنين ولاية العهد زيادة على الاهتمام بالتجارة الخارجية ونهج دبلوماسية مرنة مع الدول الأوروبية‏[64]. لذلك نلاحظ تعزيز الهياكل الإدارية للدولة خلال هذه المرحلة، إذ عمد السلطان محمد الثالث (1757 – 1790) إلى إعادة تنظيم الجهاز الحكومي، وذلك بإحياء التقاليد المخزنية المرينية مع الحفاظ على بعض التجديدات السعدية. واستمر العمل بهذه الأجهزة إلى غاية توقيع الحماية الفرنسية سنة 1912. وعليه يمكن رصد أهم الوظائف الحكومية في ما اصطُلح عليه بـ «الوزراء» الذين اقتصر عملهم على مساعدة السلطان على تحضير قراراته وتنفيذ أوامره، فكل ما كانوا يقومون به كان يتم باسم السلطان وما من مشروع كانوا يقدمون على فعله إلا واستوجب أخذ رأي السلطان فيه. فهم آلة مخزنية تنفذ الأوامر وبالتالي فهم وزراء تنفيذ، ففي عهد السلطان الحسن الأول (1873 – 1894) اقتصر دور الصدر الأعظم على إدارة شؤون القبائل، ولم تكن لوزير الشؤون البَرانية صلاحية اتخاذ أي قرار من دون مراجعة السلطان. وهكذا تكونت إدارة المخزن من الصدر الأعظم (وزير الداخلية) إلى جانب وزراء آخرين ذوي مهمات مختلفة ينفذون الأوامر فقط، وفي هذا الإطار يمكن التمييز بين صنفين من الوزراء:

– وزراء القلم: موزعة على محرر الرسائل السلطانية والوثائق والعهود وكتابة الحسابات من طرف رئيس الضرائب والنفقات والطوارئ.

– وزراء السيف: موزعة بين أصحاب الشرطة ورئيس الزحف‏[65].

والواقع أنه لم يكن هناك وزراء حقيقيون يتمتعون باستقلالية حقيقية، بل كانوا مجرد كتّاب السلطان الذي كان يتخذ كل القرارات بمفرده‏[66]، إذ ظل الجهاز المخزني تقليدياً جداً في نُظمه الإدارية والعسكرية بحيث لم تكن «البنيقة» التي هي مقر الاجتماعات الوزارية مجهزة تجهيزاً يضمن السير العادي لعمل الحكومة. تجدر الإشارة إلى وجود امتدادات محلية للسلطة المركزية أدّى فيها الوالي والقايد والباشا والمفتي ومؤسسات القبيلة دوراً في تدبير أمور الدولة المخزنية واحترام حرمة السلطان، وترسيخ سلطته، والقيام بوظائفه المتعددة.

تأسيساً على ما سبق يمكن القول إن الدولة المخزنية استمرت في الوجود رغم عتاقتها ورغم افتقارها إلى وزارات حقيقية، وبخاصة تلك المكلفة بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية ووزارات ذات صبغة تقنية، ووزارات حيوية منغرسة في المجتمع. كما يكشف عن وجود دولة لها كيانها القانوني والسياسي والاجتماعي وتمتعت سلطاتها المركزية بحيوية واضحة رغم هشاشتها البنيوية التي أوضحنا أسبابها. إجمالاً فقد تعددت التصنيفات التي أعطيت للدولة المخزنية قبل الحماية، إذ أدرجها البعض ضمن النموذج البتريمونيالي‏[67] لاعتبارين اثنين هما:

1 – أنها غير منبثقة من النموذج القبلي.

2 – اعتمادها على القوة العسكرية لتطوير ذاتها والتحكم في بنى المجتمع.

وأدرجها عبد الله العروي ضمن دولة السلطنة حين يقول: «منذ قرون والدولة في البلاد العربية والإسلامية دولة سلطانية، في خدمة السلطان»‏[68]، أما جاك بيرك فيرى أن الدولة المخزنية عبارة عن سلطة ذات مبدأ مطلق ووسائل محدودة، ودولة عاجزة‏[69]. كما يورد أن مسار تطور الدولة المغربية يجمع بين عدة نماذج منها:

أ – دولة/الزاوية، نموذج الزاوية الدلائية التي يقول عنها إنها تجربة فريدة لأنها أوشكت أن تمد المغرب في القرن السابع عشر بدولة إقليمية نامية ومتمركزة حول حياة رعوية وحربية. إنها النسخة القريبة لمجال نفوذ الخاص الشهير عند الملوك الأوروبيين.

ب – دولة الأسرة الحاكمة، مثل النموذج السعدي والعلوي حين اعتمدا على الشرف كإحدى الركائز الأساسية التي قامت بها البيروقراطية الناشئة. كما يعلق أن ما يفتقده المخزن بصورة جوهرية ليس هو القوة ذات الطبيعة القمعية، بل هو القوة في شكلها الاقتصادي‏[70]. وبذلك يمكن القول باختزال مفهوم الدولة مؤسسياً في عناصر: «المخزن والجيش والضرائب والأيديولوجيا والشرف». كما عبر عن ذلك بلمليح.

عملت سلطات الحماية أيضاً على الحفاظ على ثيوقراطية الحكم السلطاني واستثمار هيبته، وإرساء بنية سياسية وتنظيمية مستلهمة من نموذج الدولة الغربي، حين قامت بتحديث بنى الدولة المهترئة، وهو ما أدى إلى بروز عنصر جديد في الحقل السياسي المغربي والمقصود هنا الدولة الاستعمارية، لهذا تم إحداث نظام قائم على الازدواجية في كل شيء تقريباً، فاعتماداً على نظرية التفويض بوصفها وسيلة شرعية وقانونية بامتياز لتقزيم الدولة المغربية وإفراغها من مقوماتها، وجعلها مجرد حكومة شرفية ليس إلا، إذ تم سحب اختصاصات الوزارات المغربية ومنحها للمقيم العام، ولم يستمر إلا الصدر الأعظم الذي لم تتغير مهماته إلا قليـلاً، فهو يشرف على الوزراء والباشوات والقواد ويكاتبهم بواسطة إدارة الحماية ومشورتها. وله اتصال بالإدارات التي يشرف عليها مديرون فرنسيون وهم الوزراء الفعليون، ويشتغل تحت إمرة الصدر الأعظم مندوبون يربطون الصلة بالمخزن في إدارة المالية، والفلاحة، والتجارة، والأشغال العمومية، والبريد والتلغراف، والصحة، والشؤون الاجتماعية، زيادة على ذلك فقد أحدثت الحماية ثلاث وزارات جديدة، هي وزارة العدلية مكلفة بالشؤون الشرعية، ووزارة الأحباس، ونيابة التعليم‏[71]. نجحت دولة الحماية في إرساء قواعدها في قلب المجتمع المغربي معتمدة على عناصر متميزة في الفضاء السياسي والإداري، وتطلبت في ذلك العلوم والقوة الاقتصادية، وهو ما سهل وضع ترسيم جديد للمربع التنظيمي الحاكم في المغرب.

ثالثاً: بنية الدولة ما بعد الكولونيالية

مثلت الاستمرارية التاريخية للدولة المغربية أحد أهم الفرضيات التي انطلق منها البحث، ذلك بأن حقبة الحماية لم تلغ الدولة المخزنية، حين عملت سلطات الحماية على الحفاظ على ثيوقراطية الحكم السلطاني واستثمار هيبته، وإرساء بنية سياسية وتنظيمية مستلهمة من نموذج الدولة الغربي، إذ قامت بتحديث بنى الدولة المهترئة، وهو ما أدى إلى بروز عنصر جديد في الحقل السياسي المغربي أي الدولة المستوردة، لهذا تم إحداث نظام قائم على الازدواجية في كل شيء تقريباً، اعتماداً على نظرية التفويض بوصفها وسيلة شرعية وقانونية بامتياز لتقزيم الدولة المغربية وإفراغها من مقوماتها، وجعلها مجرد حكومة شرفية ليس إلا‏[72]. فنتج منها بروز مفاهيم جديدة في المشهد السياسي المغربي ذات طابع دولي، تتعارض مع خصوصية البنية العميقة للمغرب، وتسير نحو فرض تفوق السلطة الكولونيالية التي ركزت على إدخال مجموعة من الإصلاحات الإدارية ونقل مركز القرار من القصر إلى الإقامة العامة بهدف إظهار مكامن ضعف الإدارة المغربية وهشاشة الهرم السلطاني، وهو ما مهد لميلاد الدولة «التراسبية».

تنتقل السيادة، في إطار النظام التراسبي، من قطب إلى قطب معتمدة على المؤسسات والفاعلين الموضوعاتيين (القوانين التنظيمية للإدارة الفرنسية). وتتجسد العلاقة بين الطرفين في عنصرين:

الأول: يتمثل بتعاون النظام المخزني مع الإقامة العامة.

الثاني: محاولة المخزن ترسيخ مكانته في الوظيفة التشريعية، على الرغم من محاولات الإقصاء الذي كانت تحاول الإدارة الفرنسية ممارستها.

يظهر دور السياسة الكولونيالية في تغيير معالم الأجهزة الإدارية المخزنية نظراً إلى الهشاشة المؤسسية والإدارية التي ميزتها. كما تم المساس بوظيفة السلطان التي حوصرت وقُزمت؛ فمن جهة تخول له النصوص سلطة شبه مطلقة في الميدان التشريعي، ومن جهة ثانية تأتي الإجراءات المتعلقة بالمبادرة التشريعية وإصدار النصوص لتجرده من السلطة الحقيقية. كما سُحبت السلطة الخارجية والدبلوماسية من دائرة اختصاصات السلطان‏[73]، إلا أنه احتفظ بسلطة دينية كاملة، وبجزء من سلطته التنفيذية والقضائية التي يتقاسمها مع الدولة الحامية وتحت مراقبتها‏[74]. عزز حصول المغرب على استقلاله من سلطات المخزن واسترجع ما فقد من صلاحيات، إذ انطلقت أسس بناء وهيكلة الدولة المغربية الحديثة، بتأسيس أول حكومة مغربية، وعلى الرغم من صعوبة الوضع المتمثل بقلة الأطر المتخصصة وقلة الإمكانيات بعد توقف الاستثمارات الفرنسية، وعلى الرغم أيضاً من ضخامة مسؤولية تسيير البلاد في مرحلة انتقالية حرجة، إلا أن حماسة النخبة الوطنية وإيمانها بتحدي الصعاب جعلها تتغلب على جملة من المعيقات. وهكذا عمل الملك على استرجاع السلطات التي كان يمارسها المقيم العام من سلطة تنفيذية وتشريعية وتمثيلية، حيث نص العهد الملكي لسنة 1958 على أن سيادة البلاد تتجسد في الملك الذي هو الأمين والمحافظ عليها، بيده السلطة المطلقة والحكم النافذ ورثهما عن أسلافه حتى يضع المجلس التشريعي دستوراً للشعب. الملك السلطة التشريعية الممثلة في الظهائر… وكذا في أقواله وأعماله وخطبه الرسمية… ويفوض الملك السلطة التنفيذية للحكومة‏[75].

لهذا واجهت الدولة المغربية مشاكل متعددة بعد الاستقلال، منها إشكالية مغربة الأطر الإدارية والعسكرية، ومن ثم أنشئت وزارة الخارجية في نيسان/أبريل 1956 وأسس الجيش الملكي والأمن الوطني في أيار/مايو 1956، ولم يكن تأسيساً مكتمـلاً بقدر ما كان انتقالاً للسلطة ليد المغاربة وإعادة هيكلة الجهازين، ثم انضم المغرب إلى هيئة الأمم المتحدة في 12 تشرين الثاني/نوفمبر من السنة نفسها. كما أُنشئت مجموعة من المعاهد العليا لتكوين الأطر المغربية التي كانت الإدارة المركزية بحاجة إليها. وكانت المناصب العليا تسند إلى أبناء الفئات الأرستقراطية والعائلات المخزنية. أما على الصعيد المحلي، فقد اعتمد المخزن على شبكة النخب القروية والأعيان من شيوخ ومقدمين كانوا يشتغلون في دواليب الإدارة المحلية الاستعمارية. كما تم التحكم في المجال القروي، لأنه مفتاح التحكم في النظام السياسي بأكمله.

على المستوى السياسي، استطاعت الدولة الحديثة الاشتغال وفق دينامية متسارعة ومزدوجة في الآن ذاته، حين تمكنت من إعادة نظام النخب المحلية واختيار نظام الاقتراع الفردي والتقسيم الإقليمي‏[76] وهو ما فتح المجال لانتخاب طبقة من النواب القرويين التي بقيت محافظة على روابطها السالفة‏[77]. فمن شأن الاقتراع العام أن يحدث على أرض الواقع شرعية جديدة يمكن أن تكون لها قيمتها التنافسية بقوة الأشياء. وهو ما يؤكده الباحث الفرنسي ريمي لوفو في كتابه الفلاح المغربي مدافع عن العرش أن الملكية كانت واعية كل الوعي أن من يملك البادية والجبال البربرية يستطيع أن يملك المغرب كله. وبناء عليه تغاضى السلطان عن تفويض السلطة السياسية للأعيان، إلا أنه كبح كل ما من شأنه أن ينال من وضعهم الاقتصادي، وكذا كل ما يمكن أن يبدو كأنه أمر يعبر عن بدايات طلائعية لبعض الإصلاحات الأوسع في البنى الهيكلية‏[78].

بعد عودته من المنفى وضع الملك محمد الخامس الخطوط الأساسية للنظام السياسي المغربي المعتمد على الملكية الدستورية ومن أسس هذا النظام:

– التعددية الحزبية: سواء الأحزاب التي تأسست في مرحلة الحماية أو الأحزاب التي تأسست فيما بعد وتنوعت أيديولوجيتها وبرامج عملها.

– الاحتفاظ بسلطة القرار.

– المساواة بين المواطنين.

– البعد الأفريقي والإسلامي‏[79].

رغم التجديدات التي عرفتها الدولة المغربية الحديثة إلا أنها عملت على تكريس الازدواجية الموروثة عن الاستعمار في إطار ما يمكن تسميته الجمع بين الأصالة والمعاصرة تبرز الأولى من خلال الإمامة، والإمارة في قيادة الجيش والشرطة ومصالح الاستخبارات. وتتجلى المعاصرة في البرلمان الذي يراقب عمل الحكومة، ثم الانتخابات والدستور…‏[80].

وعليه، فالدولة المغربية اليوم هي نتاج تاريخي تركيبي للمراحل السياسية التي مر بها البلد، إذ عملت اليوم على تكريس وإعادة إنتاج المراسيم المخزنية كالإبقاء على الحاجب الملكي والمحافظة على المظاهر البروتوكولية المختلفة كالمظلة وحفل الولاء… وبالتالي العمل على إعادة إنتاج الثقافة المخزنية‏[81].

وفي إطار التفاعل مع أحداث الربيع العربي عملت الدولة المغربية على وضع دستور جديد عام 2011 وفق هندسة تروم التغيير ضمن الاستمرارية‏[82]، ووسيلة لتجديد الشرعية والمشروعية تمارس بموجبه المؤسسة الملكية صلاحياتها الدستورية بناء على صفتين هما: إمارة المؤمنين أو رئاسة الدولة، فالصفة الأولى تضفي على المؤسسة الملكية «رمزية دينية» تخوله الإشراف على الحقل الديني عبر «حماية حمى الملة والدين، وضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية»، من خلال «الظهائر» (الفصل 41)، في حين أن صفته كرئيس للدولة، فتخول له ممارسة وظائف حديثة، فالملك هو «رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها» (الفصل 42).

على سبيل الختم

تأسيساً على ما سبق، يمكن تسجيل الاستنتاجات التالية:

– أن الواقع القبلي كان له دور في استمرارية حكم الأسر بالمغرب.

– أن مسار الدولة في المغرب، هو من الأمور التي يصعب الإمساك بعناصرها مباشرة، لأن ظهور الدولة المركزية يجب ألّا ينسينا كيانات سياسية وإن اختلفت قوتها وتأثيرها، كما لا يمكن تجاوز دورها وقيمتها.

– أن الدولة بالمغرب ارتبطت بالسلالة الحاكمة أكثر من طبيعة النظام السياسي وبناه ومكوناته ورموزه وتمثلاته، فظهر مصطلح المخزن كجهاز مستمر في الزمن. ومرتبط في التمثل الجمعي بكونه مرادفاً للدولة.

– أن الدولة الحديثة بالمغرب تكونت عبر مسار تاريخي طويل أو ما يسمى الكثافة التاريخية، واستمدت شرعيتها من خلال ممارسات وطقوس جمعت بين الديني والدنيوي، بعضها مستمر إلى اليوم وهو ما يضفي عليها طابع التمركز داخل المجتمع المغربي ويسمح لها بهيكلته ومراقبته وخلق مؤسسات دستورية وآليات قانونية، كما أن دستور 2011 الذي جاء بعد حراك شعبي أدى فيه المجتمع دوراً مهماً وعبّر عن تطلعاته وآماله في إقرار دولة الحق والمؤسسات.

كتب ذات صلة:

ابن خلدون : سيرة فكرية

فكر ابن خلدون، العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي

الوطنية والتحديثية : دراسات في الفكر الوطني وسيرورة التحديث في المغرب المعاصر

الحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية: الإسلام السياسي في مصر وتونس والمغرب