المؤلف: علي علّاوي

مراجعة: سيّار الجميل(*)

الناشر: New Haven, CT; London: Yale University Press,xxxiv

سنة النشر: 2014

عدد الصفحات:634 ص

 ISBN: 9780300127324

 

فيصل الأول: ملك العراق

أولاً: مضمون بانوراما ضائعة!

نشر علي عبد الأمير علاوي كتاباً بالإنكليزية عن تاريخ الملك فيصل الأول، عام 2014 عن مطبعة جامعة يل (Yale) الأمريكية بعنوان (Faisal I of Iraq)، بـ 634 صفحة، زيَّنه بصور وخرائط وله فهارسه. والمؤلف ابن وزير سابق في العهد الملكي. لقد غدا المؤلف أول وزير للدفاع في العراق في إثر الاحتلال الأمريكي عام 2004، وفي عام 2005 عين وزيراً للمالية. وهو اليوم باحث في جامعة سنغافورة الوطنية، وهذا هو كتابه الثالث. وبالرغم من نشر عدة مقالات أشادت بهذا الكتاب الموسّع، لكن كتّابها ومعهم المؤلف ليسوا من المؤرخين المتخصصين في تاريخ العراق المعاصر.

يروي المؤلف الأحداث الدرامية لفيصل الأول، ويعيد تقويم دوره التاريخي الحاسم في التطورات السياسية لما قبل الحرب العالمية الأولى حتى رحيله عام 1933، وبقي تأثيره كبيراً في المنطقة طوال القرن العشرين(1). تميز فيصل الأول بزعامته القتالية عالية المستوى لمجموعة من الضباط العسكريين القدامى الذين تخرجوا في كليات اسطنبول العثمانية، ووجد ضالته في المساعدة السياسية التي كان يقدمها له لورانس العرب (1888 – 1935) الذي أصبح حلقة اتصال بينه وبين العالم. لقد نظمت الثورة العربية ضد سياسات حكومة الاتحاديين العثمانية؛ وغدا فيصل الممثل الرئيسي للقضية العربية، كما عمل إلى جنب المس غروترود بيل (Gertrude Bell) (1868 – 1926) لاحقاً، وفي مؤتمر فرساي بباريس للسلام عام 1919؛ وجد نفسه الزعيم العربي المؤسس الذي يخرج لأول مرة على العالم بمشروع أول دولة عربية مستقلة تمثلها حكومته في سورية، والتي قضى عليها الفرنسيون في إثر احتلالهم لبنان وسورية… فبقي فيصل في الظل قليلاً ليغدو أول ملك للعراق عام 1921 ومؤسساً للعراق المعاصر.

ثانياً: فيصل الأول:
مناقشة قضايا جوهرية

1 – لم يمنح المؤلف لفيصل دوره التاريخي، وانساق وراء لغط الإنكليز بتضخيمهم دور لورنس العرب في زمن الحرب، إذ اعتمد على ما سجله لورنس في كتابه أعمدة الحكمة السبعة(2). علماً بأن دور لورنس لا يتعدى دور المترجم والمساعد في الاتصال(3)، وتخبرنا كل الشواهد التاريخية بأن فيصل كان يرسم بمعية ضباط أركانه العراقيين، استراتيجية الحرب وتقدم الثورة. صحيح أن المؤلف لاحظ أن تقرير لورنس لرؤسائه حول التقاط العقبة، كانت بداية لأسطورة شاعت عمَّن سمي «لورنس العرب»، ولكننا لم نقف لما يبرهن على أدوار فيصل الحقيقية. لقد فرض فيصل نفسه قبل أن يأتي لورنس لاختياره قبل إخوته، ولا يمكن لمؤرخ حصيف قبول ما جاء في الكتاب، خصوصاً في سياق ما كتب عن عام 1917، عندما قرر ضابط الاستخبارات البريطاني المغامر، توماس إدوارد لورنس، اختيار فيصل… ليجري تسويقه على أنه ممثل «الثورة العربية»، التي كان يجري التخطيط لها لإطاحة الخلافة العثمانية في شبه جزيرة العرب (ص 76).

كانت الثورة قد اندلعت في بداية حزيران/يونيو 1916، وقد نصب فيصل لقيادتها، ولم يكن لورنس إلا مساعداً، وكان فيصل يدرك جاسوسية لورنس، وقد كشفت الوثائق، أن فيصلاً كانت له علاقات قوية بالشباب العرب السوريين والضباط والقادة العراقيين قبل اندلاع الثورة(4)، وقبل قرارات والي الشام جمال باشا (السفاح) البطش بالأحرار العرب، فكانت الثورة العربية هي الرد الحاسم ضد إعدام قافلتين من الشباب في دمشق وبيروت، وقامت ضد سياسة التتريك التي اتبعها الزعماء الاتحاديون الثلاثة: طلعت باشا وأنور باشا وجمال باشا السفاح… فلم يكن الخليفة/السلطان بصاحب قرار كي يثور العرب ضده! هذه المعادلة السهلة لم يفهمها أو يدركها العرب ولا الترك حتى اليوم! وعليه، ينبغي أن يدرك المؤلف أن فيصلاً لم يبق كما ورد ليكون هو المرشح لتقديمه للعرب على أنه الوجه الأمثل للثورة العربية ضد العثمانيين (ص 77 – 79).

ثمة دور تاريخي للنخبة العسكرية العربية الفاعلة تحت قيادة فيصل، وهي أغلبية عراقية ساحقة من الضباط الذين تسمّوا لاحقاً «الضباط الهاشميين»(5). إن المذكرات التي تركها البعض من اولئك العسكريين والساسة المتابعين لخطواته، تعلمنا عن الخطط الحقيقية المثيرة والذكية بعيداً عن لورنس، وخصوصاً أن قيادات تلك النخبة شكلها ضباط عثمانيون لهم تجاربهم واحترافهم. ولقد نجح فيصل في كسب التأييد لصالح أهدافه. بإقناعه ذوي العقلية الإصلاحية التي كانت تؤمن بدولة عثمانية لامركزية، وأفهمهم ضرورة تأسيس دولة عربية اتحادية مستقلة.. ولم أجد أي تحليل لهذا المنعطف، ولا أي دحض لمزاعم البعض من العرب والأتراك والإيرانيين الذين يقفون ضد فيصل الأول وسياساته وأدواره.

2 – إيمان فيصل بالقومية العربية، وإخلاصه للمبدأ الذي ناضل من أجله والده الملك (الشريف) حسين بن علي وترويجه فكرة تأسيس مملكة عربية في المشرق العربي، وهي دولة فكرتها مبنية على «المبادئ الوطنية القومية بدلاً من الاعتبارات الدينية والمذهبية». وقد رأى فيصل أن المسيحيين واليهود في الوطن العربي، هم أولاً وقبل أي شيء عرب، وهذا ما يجعلهم «مواطنين متساوين في دولة عربية جديدة». وعليه، فإن فيصلاً لم يمايز بين المسلمين وغيرهم، ناهيكم بعدم تفريقه بين السنة والشيعة في العراق أبداً(6). يشدد المؤلف على أن فيصل كان له طموحه بتحقيق حلم «دولة عربية كبرى متعددة الأعراق تجمع كل الناطقين بالعربية وثقافتها»، ولكن محاولاته اصطدمت بسياسات غادرة ومؤامرات مضادة، فأحبط حلمه وماتت آماله. وكنت أتمنى أن يتم تعمّق المؤلف كثيراً في أهم مشروع نهضوي عربي نادى به فيصل الأول وسبق غيره فيه يتمثل ببناء دولة «الولايات المتحدة العربية»(7).

وتأتي تطبيقات المؤلف وأمثلته معاكسة لتوجهات فيصل المتمدنة وتفكيره القومي العربي، فقد أثبتت الأيام أن اختيارات فيصل كانت ناجحة باعتماده على مختصين عرب أقوياء وأذكياء من أديان ومذاهب مختلفة، وكان أحدهم ساطع الحصري الذي يعد اليوم في الذاكرة العراقية الشيعية إنساناً شريراً، وقد انساق المؤلف ضمن هذا السياق الخاطئ! والحقيقة أن طاقماً عربياً خدم العراق على عهد فيصل الأول قد أسدى خدمات تاريخية للمجتمع العراقي إبان بناء مؤسساته ومنهم ساطع الحصري الذي أشرف على بناء المعارف العراقية، وقد نجح نجاحاً باهراً في بناء جيلين عراقيين رائعين في القرن العشرين. وهناك غيره من الرجال العرب الأقوياء أمثال: رستم حيدر وعبد العزيز الثعالبي وراسم سردست وأمين كسباني وغيرهم(8).

3 – لقد اتُّهم فيصل اتهامات ظالمة، ولم يعالج المؤلف أفكار فيصل الأول بعمق وتاريخ مقارن. ويحلل كل الآراء المضطربة لما أُسمي «اتفاقية فيصل – وايزمان» التي تناولها العديد من الباحثين والمؤرخين(9) الذين لم أجد المؤلف للأسف قد اطلع على أعمالهم سواء بالعربية أم الإنكليزية أم العبرية. ولم يوفّق المؤلف في تغطية التاريخ المفعم بالأحداث والمواقف والقرارات زمن حكومته الفيصلية في سورية قبل الاحتلال الفرنسي، من جراء عدم إطلاعه على الأدبيات التاريخية الرسمية التي صدرت في دمشق إبان تلك المرحلة التاريخية الصعبة، وفي مقدمتها جريدة العاصمة، بل اكتفى بسرد ما كان غيره من المؤرخين قد كتبوه عن الموضوع.

4 – كنت أتمنى على المؤلف أن يؤكد تاريخياً إرادة العراقيين اختيار فيصل ليرد بذلك وثائقياً على جملة من الاتهامات التي يطلقها خصومه ضده. كنت أتمنى أن يقّدم المؤلف توثيقاً تاريخياً لذهاب وفد عراقي يضم قرابة تسعين شخصية من أكبر أعيان العراق إلى مكة لطلب موافقة أبيه الشريف حسين من أجل تتويج فيصل ملكاً للعراق(10)، وكان قد أجابهم: «أخشى على ولدي فيصل أن تفعلوا به ما فعلتم بجده الإمام الحسين بن علي»! وعليه، فإن مؤتمر القاهرة عام 1920 وقراراته كانت تتويجاً لإرادة العراقيين.

يقول المؤلف: «كان النفوذ البريطاني كبيراً بما يكفي «لإعطاء مصداقية لمطالبة المعارضة بأن العراقيين ما زالوا عبيداً لقوة عظمى». وهذا ليس بصحيح أبداً، بدليل ما شهده العراق إبان عهد فيصل. ولو طال عمر فيصل لعشرين سنة أخرى لسلك العراق مسالك أخرى! إذ ساد التسامح العرقي والديني وكم الضرورة تقضي باستحضار ذلك لمعالجة حالة العراق المعاصر، إذ كان لفيصل دوره في نزع فتيل الأسباب الجذرية للعنف والطائفية والتمزقات. كنت أتمنى تحليل مبادئ فيصل، وكيفية عمل فيصل مع الديناميات العرقية والدينية والسياسية والطائفية التي لا تزال تشكل إعاقات في إعادة تشكيل الشرق الأوسط اليوم(11).

5 – النخبة العربية: يصرّ المؤلف – كما يبدو – على رسم صورة مغايرة لواقع فيصل الأول وتاريخه في العراق، إذ يقول: «ومع عدم القدرة على الإحساس بالسعادة في ما يخص العراق، حاول فيصل مناصرة قضية العروبة، حيث أحاط نفسه بمجموعة من الشخصيات من مصر ولبنان وسورية وفلسطين».

نعم، لقد استقدم فيصل نخبة من المختصين العرب كطاقم تكنوقراط للعمل في المرافق الحيوية الأساسية وكان قد عرفهم واحداً واحداً(12)، ومن مصلحة العراق أن يعمل طاقم له كفاءته ومعرفته. وهم من لبنان وسورية وفلسطين وتونس (وليس من مصر) أمثال: صفوت العوا، ورستم حيدر وساطع الحصري وأمين كسباني وعبد العزيز الثعالبي وأحمد المناصفي وحسين افنان وتحسين قدري وأحمد قدري وأمين معلوف وراسم سردست وعبد الله الحاج وغيرهم(13). هنا أيضاً نلفت نظر المؤلف إلى عدم حياديته وانسياقه وراء هجمة البعض من العراقيين على فيصل الأول. وكنت أتمنى عليه أن يكون الكتاب منصفاً وحيادياً في معالجة مشكلة ساطع الحصري 1880 – 1968 مع محمد مهدي الجواهري 1899 – 1997، وقد كتب كلّ من الاثنين وجهة نظره في الآخر في مذكراتهما(14). لقد قدّم ساطع الحصري جهوده التربوية الكبيرة في بناء جيل أو جيلين عراقيين على أفضل ما يكون، إذ لا يمكن أن يضيع كل ذلك في «موقف» اتخذه من مواطن عراقي شاب لم تكن أوراقه الثبوتية مكتملة للتعيين معلماً وفق القانون، وقد وجدنا مشاكسات الجواهري ومشكلاته عندما عيّن تشريفاتي في البلاط، كالتي أوضحها السيد باقر الحسني في مذكراته(15).. والمعروف أن الحصري كانت له مشكلاته أيضاً مع معروف الرصافي وفهمي المدرس وغيرهما، وكان هؤلاء من أقرانه وربما أثقل من الجواهري قيمة وأبرز منه مكانة وقت ذاك(16).

ثالثاً: نقد العنوان والهيكلية والمراجع

1 – كان أفضل أن يجمع عنوان الكتاب ثلاث تجارب لفيصل سواء في قيادته الثورة العربية، وتشكيله الحكومة الفيصلية، وتأسيسه المملكة العراقية كما عالج المؤلف ذلك. لقد عبر العنوان عن فيصل الأول ملكاً للعراق فقط! لقد قضى الرجل في حكم العراق 12 سنة بعد أن قضى 4 سنوات في كل من الثورة العربية وحكم سورية القصير.

2 – ثمة خلل في هيكلية البحث، فأقسام الكتاب الأربعة تضم 26 فصلاً: الأول 3 فصول عن النشأة والتكوين، والثاني 5 فصول عن الثورة العربية، والثالث 8 فصول عن سورية، والرابع 10 فصول عن العراق. وما دام عنوان الكتاب مخصصاً للعراق فقط، فكان لزاماً بحث موضوعات عراقية أخرى، إذ كان العهد تأسيسياً، يتطلب مزيداً من التحليلات لدوره في إرساء أسس الدولة، وعمله على إدماج منظومة المجتمع وتوحيده، وهي معقدة ومؤشكلة.

3 – ليس معقولاً أن تصدر جامعة يل كتاباً بهذا الحجم، وهو بلا قائمة بالمراجع، إذ اكتُفي بصفحات الملاحظات والهوامش آخر الكتاب، وهو ما اتعب القارئ. وأسأل: لماذا صدر الكتاب بهذه البدائية؟ وهذا نقص غير مقبول، فإن غفل المؤلف عنها، فكيف يغفل عنها ناشر أكاديمي!؟

4 – كان ينبغي الاعتماد على مصادر أساسية ووثائق وأوراق وسجلات وصحف قديمة في كتابة تاريخ بايوغرافي لزعيم عربي معروف مع تحليلات علمية وإجلاء مسائل ومشكلات. إن الاعتماد على وثائق تاريخية نادر جداً لا يفي بما تفرضه الضرورة البحثية لمحطات متعددة، وهذا نقص منهجي آخر. إن وثائق تاريخية مهمة جداً غاب توظيفها، وهي بريطانية وعثمانية وفرنسية وعراقية وسورية وهناك افتقاد لمصادر أساسية، ومنها تاريخ مقدرات العراق السياسية لمحمد طاهر آل المصيب العمري(17) وجريدة العاصمة، وهي الجريدة الرسمية للحكومة الفيصلية الصادرة في دمشق إبان حكم فيصل، التي أعيد نشر مادتها في مجلدات كاملة إبان التسعينيات في الأردن(18)، ناهيكم بالصحف الصادرة على عهد فيصل.

(5) ثمة مشكلة أساسية في نقص المراجع التاريخية، فمن الخطأ الجسيم تأليف كتاب بهذا الحجم، وتغييب أعمال: حنا بطاطو ومجيد خدوري وزكي صالح وعبد الرحمن البزاز، وأحمد زكي الخياط وفاضل حسين وغسان العطية ووميض نظمي وهاشم التكريتي، وكاظم هاشم نعمة ومحمد مظفر الأدهمي ومحمد يونس العبادي وعلاء الحربي ومؤيد الونداوي وعبد المجيد كامل وهادي حسن عليوي وغيرهم من المؤرخين والكتّاب، أمثال: عادل زعيتر وعبد الرحمن عزام، وعبد الرحمن شهبندر، وفارس الخوري، وعباس العقاد، وأحمد حسن الزيات، ومحب الدين الخطيب، وباقر الحسني وسليمان الموسى، وخيرية قاسميّة، ومصطفى طلاس وغيرهم.. ناهيكم بتغييب أعمال مؤرخين غربيين. كما لم تتم استشارة دراسات ممتازة نشرتها مجلة آفاق عربية التي كانت تصدرها وزارة الثقافة والإعلام العراقية على مدى أكثر من ثلاثين سنة، واكتفى المؤلف باعتماد مراجع عامة ومعروفة وبعضها ليس له قيمته التاريخية.. وهذا ما أضعف الكتاب.. إن مجرد الاستسلام لمؤرخ غير أكاديمي مثل السيد عبد الرزاق الحسني الذي جمع الغث والسمين من دون أي نقد تاريخي، يعد من الأخطاء المنهجية.

6 – اكتفى المؤلف بما هو مسجل في بعض المراجع (التي اختارها عن قصد) عن فيصل وأعاد إنتاجها بالإنكليزية، ولم يتعمّق في علاقة فيصل بالعراق والعراقيين، وكيف قام فيصل بتجسيره العلاقة مع المثقفين من أدباء وأعيان وشعراء من كل بيئات العراق(19). كما تجاهل المؤلف مقالات الكتّاب المجايلين لفيصل: فتح الله سرسم، وعبد الجبار باشا الخياط، وعبد الحسين الأزري، وسليمان فيضي، وعبد الغفور البدري، ويونان عبو اليونان، وداود صليوا، وإبراهيم حلمي العمر، وعلي الجميل، وإبراهيم صالح شكر، وكاظم الدجيلي، ويوسف رجيب، وسليم حسون، وعبد اللطيف ثنيان، وحسن غصيبه، وروفائيل بطي، وتوفيق السمعاني، وغيرهم(20).

رابعاً: عجز منهج وضعف رؤية

1 – يذكر المؤلف أنه من الصعب على المرء أن يجد في تاريخ العرب الحديث شخصية تجمع صفات القيادة وحنكة رجل الدولة مع مناقب الاعتدال والحكمة والكياسة. ويذهب علاوي إلى أبعد من ذلك، إذ يرى أن القومية العربية الواقعية، الهادفة والبناءة قد انتهت عندما مات فيصل الأول، لتحل محلها «قومية متقلبة، متشدقة وغاضبة». نعم، كانت عقلانية فيصل الأول قد تعاملت مع العروبة فجعل العراق منطلقاً لها بحكم تاريخه وموقعه، فكان واقعياً حتى رحيله، في حين بدأ العراق يتأثر بالنازية والفاشية الصاعدتين أوروبياً، فبدأت الجمعيات والنوادي القومية في العراق إبان عهد ولده غازي (حكم 1933 – 1939)، ومع رحيله كانت الحرب العالمية الثانية، وفي غمارها دخل العراق مغامرة الحرب مع البريطانيين من جراء التأثر بألمانيا النازية. وكان نوري السعيد يحمل فكر فيصل ورؤيته العروبية، فكان أن أصدر من قبس فيصل عدة مشروعات قومية واقعية وعلى رأسها الاتحاد الكونفدرالي العربي الذي تحّول على يد العرب إلى «جامعة الدول العربية»(21). أما القومية المتقلبة المتشدقة والغاضبة، فكان على المؤلف تحديدها بأحزاب وأسماء صبغتها الرومانسية والعنف!

2 – قال المؤلف: «حصل ذلك حتى كان عام 1827، عندما قام محمد علي باشا – المعيَّن من قبل الدولة العثمانية حاكماً لمصر – بتنصيب محمد بن عون «شريفاً» لمكة، ليبدأ بذلك حكم الأسرة التي ينتمي إليها الملك فيصل الأول» (ص 6). للعلم، أن الشرافة (منصب خاص هي السدانة) قديمة جداً، ولم تمنح من قبل محمد علي باشا والي مصر. لقد أرسلت آيات الشكر والتعظيم لأولئك الأشراف الحسنيين في مكة بعد فتح القسطنطينية 1453، ومن ثم أطلق منصب أمير مكة كمنصب اجتماعي أكثر منه منصباً سياسياً(22).

3 – ويذكر المؤلف أن الخلافات والمؤامرات العائلية التي كانت مسيطرة على البلاط العثماني قد أثرت في فيصل الذي قضى شطراً كبيراً من طفولته ومراهقته في إسطنبول…(ص 15 – 16). وهذا كلام لا محل له من الإعراب أبداً. لقد درس فيصل هناك وتثقف ثقافة عليا.

4 – جاء في الكتاب أيضاً: «غير أن المشكلة التي كانت تتعلق باختيار فيصل هي أنه لم يكن «معتاداً على حياة الصحراء»، حتى إنه كان يصر على اصطحاب الأثاث وأدوات المائدة الحديثة خلال حملات جيشه في المناطق الصحراوية. ولحرصه الدائم على أن يبدو أنيقاً ومهندماً، كان فيصل يصر على شراء ملابسه من كبريات العواصم الأوروبية (روما وباريس ولندن). لكن المشكلة الحقيقية كانت تكمن في طبيعة فيصل غير العسكرية، إذ إنه لم يكن محارباً، وكان يكره منظر إراقة الدماء. ويروى عنه أنه عندما سمع بأن قوة تركية تتحرك باتجاه الموقع الذي يتمركز فيه عند ميناء صغير على البحر الأحمر، سارع باللجوء إلى سفينة حربية بريطانية حتى انتهت الأزمة». وهذا كله عارٍ من الصحة تماماً، فكل المذكرات التي صدرت، وكل الوثائق التي كشف عنها تقول بأن فيصل كان يقود الحرب بملابسه الحربية العسكرية، وهو يلبس الكوفية والعقال العربيين، وكان يتعامل مع الصحراء كونه ابنها الحقيقي، فضلاً عن تعامله مع البدو متقناً لهجتهم، ومشاركاً عيشهم.. ويشير كل من علي جودت الأيوبي ومحمد أمين العمري ونورس السعيد وغيرهم الذين شاركوه الحرب أن فيصلاً كان من أذكى المحاربين وأشجعهم، وكما وصفه أمين الريحاني(23).

5 – إن العراقيين لم يتفقوا كالعادة على ترشيح أحدهم ملكاً، وكان هناك ثلاثة مرشحين: عبد الرحمن الكيلاني نقيب أشراف بغداد، وهادي باشا العمري من الموصل، وطالب باشا النقيب من البصرة(24)، وثمة أصوات تنادي بالجمهورية، وأصوات أخرى تنادي بآخرين، ولكن اسم فيصل كان أكبر منهم جميعاً، فاندفعوا باتجاه ترشيحه قبل الإنكليز، وخصوصاً ما كسبه من شهرة في إثر اشتراكه في مؤتمر فرساي عام 1919. وعليه، فإن ما جاء في الكتاب لا أساس له من الصحة، وخصوصاً عندما ختم عبارته بالقول: «وفي نهاية الأمر وبفضل حملة الدعاية النشطة التي قادها لورنس وحلفاؤه، بمن فيهم السير بيرسي كوكس، فاز فيصل الأول بعرش العراق». إن هذا ما شاع ضده منذ تولّيه عرش العراق حتى الآن، ولكن، أثبتت الأيام أن الرجل كان مؤهلاً لحكم العراق أكثر من العراقيين، وأن البلاد وقفت على رجليها في عهده القصير، وكان وراء حبك نسيج دولة وبناء مؤسسات دولة امتدت طوال القرن العشرين.

6 – وسجل المؤلف بأن قلب فيصل لم يسعد يوماً بتوليه حكم العراق، حيث ظل قلبه معلقاً بسورية. وظل – حتى آخر نفَس – يسعى جاهداً بشتى الطرق – مؤامرات وصلوات – للعودة إلى دمشق، حتى إنه في وقت من الأوقات روَّج لفكرة دمج العراق وسورية تحت قيادته الملكية. وقد يعود هوس فيصل الأول بحب سورية إلى حبه للحياة بجوار البحر وكراهيته الشديدة للطبيعة الصحراوية. فقد نشأ في تهامة (السهل الساحلي على البحر الأحمر الذي يقع غرب شبه الجزيرة العربية بين أقاليم الحجاز واليمن التاريخية) وشبّ في القصور العثمانية التي تطلّ على بحر مرمرة. وهكذا كان فيصل يشعر وكأنه محبوس داخل العراق الذي كان يعتبر نظرياً دولة حبيسة.

لا صحة لذلك أبداً، اذ تؤكد كل الأدبيات أن فيصل عشق العراق وأحب العراقيين الذين منحوه ولاءهم وناصروه في متاعبه مع الإنكليز من أجل الاستقلال ولم يكن حبيساً في بيته ببغداد. لقد تجول في أرجاء العراق، والتقى الناس فيه، وعاش مع القبائل، واصطاف في كردستان، وزار العتبات والأديرة والكنائس والمعابد والأضرحة.. وارتاد المجالس والمدارس واستمع للشعراء وجسّر علاقاته بالمثقفين والمعارضين.

7 – يقول المؤلف: أدلى فيصل بتصريحات غريبة مثل قوله بأن «العرب كانوا عرباً قبل مجيء سيدنا موسى وعيسى ومحمد (ﷺ)». وعلى الرغم من ذلك، لم يقدم فيصل أي تعريف لـ«العرب» الذين يتخيلهم. وكان الأمر المؤكد هو عدم ملاءمة هذا الوصف للعراقيين. أسأل: لماذا لا يلائم هذا الوصف أمر العراقيين؟ أليس جلّهم من العرب؟ أليس العراق مثوى حضارياً للعروبة؟ كنت أتمنى على المؤلف التدقيق في فلسفة فيصل، وصحة ما جاء في تاريخ العرب القديم. وقول فيصل لا يخالف ما نشره المؤرخ جواد علي في موسوعته عن العرب قبل الإسلام. كان فيصل يدرك ما يقول، بثقافته العالية وإدراكه معاني الشعر وتاريخ العرب وأصولهم(25).

8 – وقف المؤلف طويلاً عند «المذكرة» التي زعم البعض أن فيصل قد كتبها قبل وفاته وقد ألصقوها به ظلماً منذ أن نشرها عبد الرزاق الحسني حتى اليوم(26). وقد عوّل عليها المؤلف تعويلاً كاملاً، وبنى أحكامه المطلقة. إن التأمل في نص «المذكرة» يمنحنا الثقة بعد مقارنتنا لما جاء في خطبه على امتداد 12 سنة من حكمه للعراق(27)، ذلك أن «المذكرة» قد كتبت لاحقاً، وخصوصاً أن «النص» قد ورد في مرجع يتيم واحد كتبه بعد زمن من رحيل فيصل موظف صغير اسمه عبد الرزاق الحسني(28)!

9 – كان الفضل للملك فيصل في لمّ شمل المجتمع العراقي في كيان وطني موحد، ونجح في خلق نسيج عراقي متعايش، بل ونجح في خلق فضاء ثقافي مدني بالرغم من التحدّيات الصعبة التي صادفها من عقليات متحجّرة، ومن عشائر متمردة، ومن بيئات طائفية غير مقتنعة ومن ملالي ترتبط بهم مجموعات بشرية تؤمن بالخرافات والغلو والأوهام، أو من نخبة مثقفين غير منسجمة ومن معارضين سياسيين قليلين يناضلون ضمن مبادئ وطنية صادقة، وكثرة تلهث وراء السلطة والنفوذ، ناهيكم ببناء مؤسسات كالجيش والقضاء والإدارة والمعارف ودوائر الدولة، فضلاً عن جهاز الشرطة والأمن في أصقاع العراق.

10 – ونقرأ في الكتاب: «كيف يمكن أن يكون لدى العراقيين «شعور وطني» حينما يكون ملكهم معيناً من قبل قوة استعمارية أوروبية أنكرت وجودهم؟ وماذا سيعتقدون عندما يعتاد ملكهم على الاستعانة بقوات سلاح الجو الملكي البريطانية للسفر إلى المناطق القبلية وإرهاب القبائل للرضوخ والامتثال؟». أجد المؤلف يحمل تناقضاً صارخاً بين تقييم ما حدث بين الاحتلال البريطاني 1914 – 1918 للعراق وبين الاحتلال الأمريكي له عام 2003، ومن نصّب في حكم العراق من قبل الاثنين! وما حدث للعراق اليوم بعد أكثر من ثمانين سنة على نمو الشعور الوطني! كما أن فيصلاً لم يكن سلاح الجو الملكي البريطاني في خدمته في إرهاب المناطق القبلية وإرهاب القبائل للرضوخ والامتثال! ما حقيقة هذا الكلام؟ أين مرجعه التاريخي الرسمي؟ لم يجر مثل هذا على عهد فيصل الأول، فلماذا اختلاق هذه المعلومات؟

11 – أخالف المؤلف في توصيفاته: «كانت فترة حكم الملك فيصل مليئة بالكثير من التوترات داخل المجتمع العراقي، بما في ذلك الثورات القبلية والحركات الاحتجاجية…» إن هذا ليس بصحيح أبداً، إذا كانت التظاهرات ضد الإنكليز وليس ضده، وأتت حقيقة باتفاق فيصل نفسه مع المعارضة! وباستثناء أحداث تمرد الأثوريين على عهده، فلم يشهد المجتمع حالات سياسية سيئة. إن المؤلف لم يحسن أيضاً معالجة تاريخ تمرد الأثوريين كونه لم يعرف أو يطلع على الأقل على جذور المشكلة وأولوياتها التاريخية. ثمة خلط، وأرقام غير صحيحة، واتهام فيصل بتهم باطلة وكأن لا معرفة عنده بما أحدثه المتمردون! وما أهدافهم؟ وما مصادرهم التاريخية؟

12 – كنت أتمنى أن يعالج المؤلف موت فيصل، واللغز المحير في رحيله المبكر. وهل ثمة مؤامرة لقتله(29)؟

استنتاجات وأحكام نقدية

بوصفه أول كتاب بالإنكليزية عن فيصل الأول وأدواره المؤثرة بحيث وُصف بـ «سيمون بوليفار العرب»، فإن المؤلف لم يكن مؤرخاً قوياً، وكان بعيداً عن فهم سيرة فيصل وحكمه، فالمنهج ضعيف، وتم التأليف برؤية مسبقة، واعتماد مراجع معينة دون أخرى. لم يعالج المؤلف الغبن التاريخي الذي لحق تاريخ فيصل عراقياً وعربياً ودولياً، واتهم الرجل باتهامات قاسية، ونسيت أدواره التاريخية والنهضوية(30).

تمنيت تقديم سيرة فيصل بمنهجية عالية، وموضوعية متوازنة، وتحليلات مقارنة، واستشارة وثائق مهمة وجديدة. وأعتقد أن مراجع المؤلف قد خانته، إذ لم يبحث بما فيه الكفاية عن مصادر وبحوث أخرى في مشروعات فيصل. ومهمة المؤرخ الجاد أن يكون ذكياً وموضوعياً وحيادياً وحصيفاً دون الدفاع عن جانب ضد الآخر.

بالرغم من حجم الكتاب الواسع، كانت قراءته متعبة جداً للمؤرخ الملمّ بتاريخ العراق المعاصر، وهو بحاجة إلى إعادة نظر، وخصوصاً أنه يتناول بيوغرافية زعيم عربي له شأنه الكبير في تاريخنا المعاصر، كنت أتمنى أن أقرأ قصة رائعة لزعيم عربي غبن حقه كثيراً. لقد قدّم علي علاوي عملاً لا جديد فيه من المعلومات، ولم يعتمد فيه على الوثائق التاريخية.. وأتمنى عليه مخلصاً أن يعالج في قابل نواقص الكتاب وخلله. وأختم بالقول: ليس المؤرخ من يجمع أية مادة تاريخية من مسرب عادي واحد، ولكن ما قدرته على فهم خفاياها من مسارب مختلفة. أتمنى عليه مخلصاً أن يتقّبل ملاحظاتي ونقدي بصدر رحب وفاء للبحث التاريخي واحتراماً لمؤسس تاريخنا العراقي المعاصر .