مقدمة:

لقد ساهم التحالف بين العلم والتقنية والثقافة في تعميق الهوة بين عناصر الهوية، بفعل الطبيعة التفكيكية التي تتأسس عليها الرؤية الحداثية المعاصرة الموجهة لسياق الكونية (Globalisation)، والتي يبدو أن تأثيراتها تجاوزت مفهوم العولمة (Mondialisation) بمنظوراتها الكلاسيكية الاقتصادية لتتجه إلى استثارة الثقافات والمقدسات التي جعلت المجتمعات العالمية المعاصرة في وضعية تشتت دائم، وهذا من منطلق نظرتها النسبية إلى العناصر المؤسسة للوجود، الأمر الذي ساهم في إعادة إحياء التساؤل الكلاسيكي والمركزي حول الهوية، وبحث العناصر المرجعية المؤسسة لها، وبخاصة في ضوء تغيرات المجتمع المعاصر، وبروز العالم الافتراضي كشريك أساسي ساهم في خلق «مجتمع شبكي» موازٍ ساهم بطريقة أو بأخرى في إعادة صياغة منطق التواصل والعلاقات الإنسانية عبر التكنولوجيا الرقمية، والتي تفترض علينا كباحثين في علم الاجتماع بحث تمثلاتها، وبخاصة في ضوء تحديات تحول منطق التغير الاجتماعي الذي أضحى أكثر تسارعاً، وتوسع نطاق النسق الثقافي العالمي الذي أضحى أكثر امتداداً بل تداخـلاً مع أنساق أخرى، بفعل تأثير نظم الاتصال الرقمي التي ساهمت في تغيير ملامحه.

أولاً: تحديد المشكلة

تعد الهوية رمزاً للتفرد والاختلاف ومظهراً للتماثل والتمايز في الوقت نفسه، لكن في ضوء معطيات الكونية المعاصرة يتجدد التساؤل حول مفهوم الذات الذي بدأ يفقد معناه في ضوء الغموض الذي يكتنف علاقة الفرد بالآخر، بحكم تغير السياقات الثقافية المعاصرة المؤسسة لمفهوم الذات وتشتت حدود دلالتها في ضوء فوضى مفهوم الماضي والحاضر، تغير مفهوم الزمان والمكان وكونية العلاقات الاقتصادية المعاصرة وتسارع وتيرة نموها، إلى جانب التطور المذهل لنظم الاتصالات وتدفق المعلومات ذات الأبعاد الكونية والتي حفزت حركة الثقافات، وتالياً تضاعف حركات الهجرة في العالم، الأمر الذي جعل مثل هذه التساؤلات تتجدد لتصبح محور النقاش الحضاري.

على ضوء ذلك، يبدو للملاحظ حقيقة عجز الأطر التقليدية والرسمية عن الحفاظ على استقرار الهوية بفعل تراخي دور المؤسسات المحلية التي ظلت تشرف لعقود على عملية نقل التراث الثقافي ودعم القيم الحضارية الأصيلة المؤسسة لمضمون الهوية، حيث بدأت تفقد آليات المتابعة والتوجيه، وقدرتها على صياغة الاجتماعي كمؤسسات فاعلة تشرف على تأطير القيم والمعايير المنظمة لسير العلاقات والتعاقدات المجتمعية، وإعادة بعثها لصالح مؤسسات عالمية تسعى إلى بث نماذج مغايرة لها. لهذا، أقر عالم الاجتماع الفرنسي آلان توران في مؤلفه الأخير نهاية المجتمعات فشل المشروع الحداثي الغربي من خلال عرض الأزمات المتوالية للرأسمالية المعاصرة، وفشلها في تقديم بدائل كونها أصبحت خاضعة لأنظمة كونية تتجاوزها لتساهم في صياغة نظمها الاجتماعية، وتعزز القطيعة الحاصلة بين المؤسسات الاجتماعية التي أصبحت عاجزة عن إنتاج القيم وانحسار الفاعلين الذين أضحوا معزولين، الأمر الذي ينبئ حسبه بـ «انهيار الاجتماعي» (Touraine, 2013: 12).

في ضوء هذه الاعتبارات، أضحت هوياتهم تبنى ضمن سياقات عالمية لا محدودة، بفعل تأثير الشبكات الاجتماعية والاقتصادية والإعلامية الرقمية التي أعطتها دلالات جديدة أوسع من الفضاءات المحلية سواء الأسرية، أو الجمعاتية…، وبخاصة أنها تميزت بعمق تأثيراتها في توجهات الشباب، نتيجة اعتمادها على التقنيات المعلوماتية التي تتيح إمكانية تصفح ونقل وتخزين النصوص المقروءة، المرئية والمسموعة، مع سهولة عرضها وتعديلها، إضافةً إلى أن نمط تأثيرها يكمن في قدرتها على تجاوز نسقية حدود الزمان والمكان، كما أن الاتصال في ظلها يتخذ طابعاً مغايراً يتجاوز إلزامية الحضور الفيزيقي لأطراف التواصل الاجتماعي، بل يتعامل مع الأفراد، كذوات فردية حرة وعارضة وناقلة لمجموعة من الرسائل والمضامين التي يجري تداولها في سياق جماهيري ذي أبعاد ثقافية متنوعة ومفتوح على فضاء رقمي غير محدود المعالم، من حيث المنظومة الثقافية والحضارية التي توجه سياقه.

هذا، إلى جانب غموض هوية أطراف التفاعل التي قد تكون حقيقية أو وهمية، وعليه فهو يتيح لهم حرية التعبير وإمكانية الاختيار بين عدة بدائل، وكذا إمكانية التفاعل في فضاء لا محدود يشبع تطلعات المستخدم للانطلاق والتنقل بين عالمين؛ الافتراضي والواقعي، وتالياً فهي تغطي حاجاتهم الذاتية، وتعطيهم وجوداً مغايراً لتبث عبر ذلك قيماً وممارسات جديدة لثقافة وافدة مغايرة للثقافة الأصلية التي تصبح في وضعية تشتت واستثارة.

يذكر مانويل كاستيل في هذا الصدد «أن (بعد) تكنولوجيا الاتصال والمعلومات (TIC) وتبدل الرأسمالية العالمية، أصبحنا نعيش تنازع قوتين من أجل تحوير العالم وحياتنا هما: العولمة والهوية، لقد خلقت ثورة تكنولوجيا الإعلام وإعادة بناء الرأسمالية نمطاً جديداً من المجتمع، أنه مجتمع الشبكات… تخترقه الثقافة الافتراضية الواقعية… ويكون فضاء تدفقات، وزمناً غير زمني، تعبر كلها عن أنشطة مهيمنة ونخب مسيّرة، لكن ترافقها في الآن نفسه، تظاهرات قوية لهويات جماعية تأتي متحدية العولمة والمواطنية العالمية باسم الخصوصية الثقافية» (رحومة، 2010: 132).

على ضوء ما سبق، يبدو أن مضمون الهوية الافتراضية يعرف عمليات تنميط فعلي، مادتها ذوات الفاعلين التي أضحت تخضع لعملية نمذجة في ظل المجتمع الشبكي، وبخاصة أن سياقات التبادل المعلوماتي المتسارع والجاري عبر الشبكات الافتراضية يفتح الباب على مصراعيه لتداول عناصر بل نماذج ثقافية متعددة، وعليه يجد المستخدمون لهذا الفضاء الافتراضي أنفسهم محاطين بنماذج ثقافية متنوعة، تجعلهم في وضعية مساءلة دائمة بين ثقافة أصيلة يسعون إلى الحفاظ عليها وأخرى وافدة قد تعزلهم، أو تهيمن عليهم، لتنعكس مباشرة على مضامين هويتهم التي تبرز تمثلاتها في تداولاتهم الافتراضية، ومن ثمة ممارساتهم الواقعية وتطلعاتهم لأدوارهم الحضارية.

لمناقشة حيثيات هذا الموضوع ارتأينا طرح التساؤلات الآتية، ومن ثَم مناقشة حيثياتها عبر المحاور البحثية اللاحقة:

ترى، ما الذي يؤسس الهوية الرقمية في ظل تنوع السياقات الثقافية المتداولة في المجتمع الشبكي؟ وكيف يتحدد الوجود الافتراضي في ضوء مواصفات البيئة الرقمية؟

ما هي التحديات التي تواجهها الهوية الرقمية في ظل رهانات رقمنة العلوم الاجتماعية؟ وما هي البدائل المتاحة؟

في الواقع لا تتطلع الدراسة الحالية إلى إعادة بعث مفهوم الهوية الذي أخذ من البحث والتمحيص الكثير، بقدر ما تسعى إلى التنويه بالتغيرات العالمية الحاصلة في المجتمعات الراهنة، والتي رمت بكل ظلالها على المفهوم، ويخاصة من حيث حدوده والعناصر المؤسسة له بفعل تغيرات نطاق الزمان الذي أصبح أكثر تسارعاً أثر في وتيرة التغير الاجتماعي ومنطق التفاعل والاتصال الإنساني في ضوء مجتمع عالمي أكثر امتداداً، أضحى يوظف المجتمع الافتراضي كمدخل إلى ولوج المجتمع الواقعي والتأثير فيه، لا بل توجيهه باعتباره منفذاً مهماً «للمجال عام» ومصدراً للتعبئة الجماهيرية وصياغة الرأي العام.

كل ذلك، يدعونا كباحثين اجتماعيين إلى ضرورة الغوص في تمظهرات المجتمع الشبكي، وفهم مواصفاته باعتباره «مجتمعاً موازياً» استطاع أن يحقق لأفراد المجتمع المعاصر هامشاً من الحرية، وإن كانت افتراضية ومجالاً اجتماعياً بديـلاً، يلج عبره الأفراد إلى عالم الواقع بمنظار جديد أكثر انفتاحاً على الآخر، يشبع فيه ذاتيته التي تبنى في نطاق مغاير، لذلك تتطلع هذه الدراسة إلى بحث سوسيولوجيا الهوية الافتراضية بهدف التأصيل المعرفي لمحددات الوجود الاجتماعي في العالم الافتراضي، والتي تعطي ملامح خاصة للهوية الافتراضية، كما تثير الانتباه إلى التحديات التي تواجهها العلوم الاجتماعية، وعلم الاجتماع المعاصر تحديداً، في ظل رهانات الرقمنة.

ثانياً: تمظهرات الهوية الرقمية في المجتمع الشبكي في ضوء الدراسات الاجتماعية المعاصرة

يبدو أن تمظهرات الهوية الرقمية في الفضاء الافتراضي تعد انعكاساً مباشراً لتمثلات جزء بسيط من الذات الفاعلة في الواقع، سواء من حيث طبيعة قيمها أو تصوراتها التي تؤسس وجودها الاجتماعي والرقمي على حد سواء، بحكم أن جزءاً مهماً من تمثلاتها في المجتمع الشبكي قد تكون مزيفة وتعبر عن مُثل وتطلعات لا تمت بصلة إلى الواقع، لكنها في الوقت ذاته، قد تعكس بعض المضامين التي تبحث لها عن وجود في الواقع، لهذا قد تبرر ممارساتها المقنعة أو المزيفة في الفضاء الافتراضي محاولاتها للتخلص من القيود الاجتماعية في الواقع الفعلي، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار اختلاف تلك التمثلات والدلالات باختلاف مواصفات الفئات الاجتماعية، وطبيعة المجموعات الافتراضية التي تشترك فيها، والغايات التي تسعى إليها. عليه، فإن ممارسات عرض الذات في الفضاء الافتراضي، يمثل رهاناً اجتماعياً حقيقياً بالنسبة إلى المستخدمين من حيث درجة تمثلهم لقيم الاجتماعي، وكيفية تفاعلهم معها، وكيفية تقبل الآخرين لهم.

«غالباً ما يتمثل الأشخاص الرقميون بما يرغبون أن يتمثلوا به، أي يتظاهرون بالأشياء التي يحبونها في الحديث وفي التعريف بأنفسهم وبآرائهم وأفكارهم وغير ذلك، وليس شرطاً أن يكونوا كما هم في واقع الأمر، لكن هذا لا ينفي أن كثيراً منهم يحاول أن يكون صادقاً في كل ذلك، ولكن الأمر المشترك في معظم المتمثلين افتراضياً، هو تمثلهم بما يريدون من الآخرين أن يروهم به…» (رحومة، 2008: 146).

في دراسة اجتماعية معاصرة أنجزتها الباحثة الفرنسية فاني جورج (Fanny Georges) حول الموضوع لبحث خصائص الهوية الافتراضية في ضوء الشبكات الاجتماعية، جاء عنوانها «أسس عرض الهوية الافتراضية على شبكات التواصل الاجتماعي (فايسبوك وماي سبايس)» توصلت نتائج الدراسة إلى نتيجة هي أن عملية عرض الذات ليست إلا جزءاً من الهوية الرقمية التي تعرض في المجتمع الافتراضي، حيث تنسج هذه الأخيرة من خلال عملية الجمع بين مجموع الرموز التي اكتسبها الفاعل ومجموع الرموز التي يتوفر منها الجهاز والتي تكون انعكاساً مباشراً للمؤثرات الثقافية التي هي عرضة لها، ويتجلى ذلك من خلال استخدام مجموع العناصر الرمزية القابلة للملاحظة على الشاشة والحاملة معاني معينة سواء كانت كلمات، أو صوراً أو مقاطع فيديو ذات أبعاد دلالية تساهم في التعبير عنها، حيث تنقسم الهوية الافتراضية إلى ثلاثة عناصر رمزية تعكس تمظهراتها في المجتمع الشبكي، تبرز ملامحها، والتغيرات الحاصلة لها هي (Fanny, 2011: 31‑48):

  • الهوية التصريحية: (Identité déclarative) تبرز من خلال المعلومات التي يجري إدخالها من قبل صاحب الحساب مثل الاسم، تاريخ الميلاد، الصورة…الخ

 

  • الهوية النشطة: (Identité agissante) تبرز من خلال التقارير الدورية للصفحة عن نشاطات المستخدم مثلا: x وy أصبحا صديقين، انضمام إلى مجموعة جديدة…

 

  • الهوية المحسوبة: (Identité calculée): تبرز من خلال متغيرات عددية يعدها النظام (Le Systeme) وتعرض على الصفحة، توضح عدد الأصدقاء، عدد المجموعات، تواريخ مهمة… حيث تسمح هذه الأبعاد الثلاثة بالتحليل الكمي لتغيرات ملامح الهوية وسياق توجهاتها في الفضاء الرقمي.

 

في الواقع، تعيننا مثل هذه الخصائص على إدراك أهمية بحث تمظهرات الهوية الرقمية في المجتمع الشبكي لتفسر لنا الكثير، بل تمكننا من تحديد طبيعة التأثيرات التي تكون الذات الفاعلة عرضة لها في فضاء افتراضي مفتوح على مختلف الثقافات العالمية، والذي يتيح لها إمكانية التواصل الرقمي والتبادل المعلوماتي الذي يتخذ في العادة شكل الرموز، الكلمات، الصور، الملفات، الفيديوهات أو صوتيات…الخ التي بالإمكان رصدها إحصائيا عبر ما توفره شبكات التواصل من معطيات معينة، وتالياً يصبح من الضروري دراسة الهويات النمطية المتداولة في الفضاء الافتراضي، وبخاصة ذات التأثير الواسع. هذا من حيث تركيبتها والمؤثرات الثقافية التي هي عرضة لها لفهم مجراها وإدراك حقيقة قوة حضور الآخر في تمظهر الذات؛ فسياق التداول الافتراضي يجعل أطراف التواصل محل عملية تنشئة إلكترونية مستمرة بحكم أنها تتفاعل وتتواصل في فضاء ثقافي مفتوح يتجاوز الطابع المؤسساتي التقليدي الواضح الحدود والمعالم. عليه، تؤكد الدراسة أن الهوية النشطة هي العنصر الأساس في تركيبة الهوية الافتراضية باعتبارها تفترض من المستخدم تغذية بنية هويته الرقمية باستمرار من خلال إبراز حضوره الافتراضي عبر تحديث ردوده على صفحته، ومشاركاته في المجموعات الافتراضية التي ينتسب إليها، وتالياً «فاستعراض الذات وإبراز ردودها الفورية يعني استمرارية حضورها الافتراضي» وهو مطلب مركزي في المجتمع الشبكي.

إلى جانبها، تبرز دراسة أخرى للباحثة التونسية سهام النجار (Najjar, 2011: 4‑5)، والتي أنجزت في إطار مشروع بحث أشرف عليه معهد البحوث المغاربية المعاصرة (IRMC) حاولت من خلالها رصد «الممارسات الاجتماعية المرتبطة بالانترنت، وعلاقتها بتغير الهويات والروابط في المجتمعات المغاربية»، حيث سعت عبرها إلى إبراز دور شبكة التواصل الاجتماعي (فايسبوك) في تعزيز الروابط الاجتماعية بين الجماعات المهاجرة عبر تحليل مضمون الصفحات الشخصية لمستخدمين من الأقلية المهاجرة، ومجموعات افتراضية لذوي الاهتمامات المشتركة من مهاجرين، ولتحقيق مقاربة اجتماعية موضوعية اتجهت إلى بحث العناصر الهوياتية التي تعتمد عليها الجماعات المهاجرة للتعريف بنفسها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالتركيز على كيفية استخدام وسائل الاتصال الحديثة لعرض هويتها وبنائها، من جهة، وللمحافظة على روابطها الاجتماعية مع موطنها الأصلي من جهة أخرى. وعليه استطاعت الدراسة أن تكشف عن وجود ثلاثة نماذج من الهويات الافتراضية وهي:

  • هوية متجذرة(Enracinés expatriés) تضم الأقلية المهاجرة التي تعتز بأصولها وعرض ذلك عبر الصفحة.

 

  • هوية ثنائية القطب(Diasporiens Bipolaires) تضم أقلية تعبر عن ارتباطها العميق في الوقت ذاته، بالوطن الام، والبلد المستقبِل.

 

  • هوية عالمية(Les Cosmopolites): تعرض انفتاحها على مختلف الثقافات العالمية، وتشير الباحثة في هذا الصدد إلى حدوث انتقال نوعي من هوية مغلقة إلى هوية متحولة، ثم هوية هجينة. وتضيف أن الروابط الاجتماعية التي جرى تعزيزها عبر الشبكة لا تخفي حقيقة التغيرات التي تعرفها الممارسات الهوياتية بفعل سهولة التواصل والتفاعل عبر الفضاء الافتراضي والتي تترجم مظاهر «الاستبطان الهوياتي» في فضاء ثقافي كوني يساهم بطريقة أو بأخرى في إعادة هيكلة الذات الجماعية (Najjar, 2013: 11)، ليتاكد لنا من جديد تلك التاثيرات.

 

على ضوء ما سبق، يبدو أن تصنيف الباحثين لنماذج الهوية الافتراضية في المجتمع الشبكي، وعبر الشبكات الاجتماعية تحديداً، تفترض الأخذ بعين الاعتبار للبيانات الشخصية التي يصرح بها للمستخدم على الصفحة من الاسم، السن،… الآثار التي يخلفها على الصفحة والتي تعكس اهتماماته وانتماءاته المهنية، العلمية… علاقاته، أنشطته المعتادة…، وكذا منشوراته على الصفحة والتي تعكس مواقفه وحدود هويته الافتراضية، وما يميزها من الآخرين، وعلى العموم، فإن استعراض الهوية الرقمية يتأثر بعدة عوامل، نلخصها في ما يلي:

– درجة اندماج المستخدم في المجموعات الافتراضية ذات الاهتمام المشترك، ومشاركته فيها.

– وتيرة استخدامه الصفحة، ومعدل تردده اليومي عليها، على اعتبار أنه كلما زاد حضور المستخدم، زادت حاجته إلى عرض الذات، وتبادل المعلومات مع المجموعات ذات الاهتمام المشترك.

– ارتباط هويته الافتراضية المتداولة على المجتمع الشبكي بهويته الحقيقية في الواقع.

– طبيعة استجابته على الصفحة، سواء كفاعل أو متفاعل أو منفعل أو مجرد ناقل لمعلومة أو مترقب لها، ذلك أن طبيعة تفاعله في الصفحة ومواقفه، تحدد وجوده في المجموعات الافتراضية.

يذكر عبد الغني عماد في هذا الصدد، أنه من أخلاقيات الإنترنت، أنه لا يكفي المستخدم أن يكون مجرد مستهلك للمواد المنشورة على الشبكة أيا كان موضوعها، ولكن عليه أن يكون أيضاً منتجاً لها من خلال المشاركة والتعليق على ما يقرأه؛ فهو مجتمع تفاعلي بكل المقاييس. لهذا، بدأت تتبلور تخصصات اجتماعية جديدة، تهتم بدراسة أنماط تفاعل المستخدمين وأنماط شخصياتهم واهتماماتهم ودورها في تشكيل ثقافة المجتمع وتنميتها (عماد، 2012: 78).

ثالثاً: التأصيل المعرفي لسوسيولوجيا الهوية الرقمية في ضوء تحديات رقمنة العلوم الاجتماعية

يعد علم الاجتماع الرقمي (Digital Sociology) واحداً من الحقول البحثية الرائدة في علم الاجتماع المعاصر، والتي لاقت الاهتمام البارز من قبل الدراسات الاجتماعية الأكاديمية في الجامعات العالمية خلال السنوات الاخيرة، والتي تنبئ بولادة حقول بحثية جديدة في علم الاجتماع تتوق بشغف إلى فهم تداعيات النمو المذهل للتكنولوجيات الرقمية على حياة الإنسان المعاصر ومنتجاته الحضارية، وعلى اعتبار أن مجتمعاتنا تشكل جزءاً مهماً من مجتمع المعرفة، وبخاصة مع تضاعف عدد مستخدمي الإنترنت في العالم والمجتمع العربي على وجه الخصوص، برز بعض المهتمين بتطوير هذا الحقل المعرفي المستجد بالنظر إلى التأثيرات التي خلفتها تكنولوجيا المعلومات على طبيعة الإنسان ونمط حياته الاجتماعية المعاصرة، ويعد الباحث الاجتماعي محمد علي رحومة من جيل الباحثين الذين أسهموا في التأسيس المعرفي لهذا الميدان في المجتمعات العربية، وإن كان لا يزال في مراحله الأولى والذي أطلق عليه «علم الاجتماع الآلي».

مع أنه يقر بحقيقة وجود التباس في تسمية هذا الحقل بين «الرقمي، الافتراضي، الآلي…» إلا أن هناك شبه اتفاق حول مجال اهتمامه الاجتماعي – التكنولوجي المركب، حيث يهتم ببحث سوسيولوجيا الحياة الرقمية في المجتمع الافتراضي، عبر دراسة انماط التفاعل الرقمي وسياقات الاتصال والتفاعل في المجتمع الشبكي، بالتركيز على تمظهرات الذوات الفاعلة واستقراء علاقة الإنسان بالحاسوب أو اختصاراً «الأنسوب» (رحومة، 2008: 32)، تالياً يهتم هذا الحق المعرفي ببحث تمظهرات هذا الكائن الرقمي «البشري – آلي» الذي كان نتاج الفضاء الانترناتي بكل ما يحمله من رمزية في المجتمعات المعاصرة والتي يعد انعكاساً ومكمـلاً لها.

نتطلع من خلال هذه المقاربة إلى بحث بعض المسائل المستعصية في ضوء مميزات هذا الفضاء الذي أعطى دلالات جديدة على وجود الفاعل في المجتمع الافتراضي، حيث يعتبر مجتمعاً موازياً للمجتمع الواقعي، ويؤسس لمنظومة مفاهمية جديدة، وسياق ثقافي مغاير يعطي دلالات جديدة على الفعل ورد الفعل، والوجود الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية ونظم الاتصال والتفاعل التي توجه سياقه في ظل مواصفات البيئة الافتراضية ذات الطبيعة المتغيرة.

«إن الولوج إلى عالم الفضاء الافتراضي ومنعكساته أصبح ضرورة لفهم الثقافة الحديثة المتشكلة نتيجة تفاعل الشباب مع التكنولوجيا ومنتجاتها، حيث بات جيل الشباب اليوم يطلق عليه بـ «الجيل الرقمي»، نظراً إلى رقمنة جميع الأجهزة التي يستخدمها (التلفاز، الحاسوب، الخلوي، أجهزة الموسيقى…). من هذا المنطلق، فإن ظواهر الثقافة الرقمية باتت واقعاً اجتماعياً لا يمكن للسوسيولوجيا أن تغفلها لأنها أصبحت جزءاً لا يتجزء منها (منصوري، 2014: 18). عليه، فإن مثل هذه الرهانات باتت تفترض علينا ضبط المفاهيم الأساسية التي تهندس المجتمع الافتراضي، تحدد ملامحه. وهذا لتقديم رؤية معرفية حوله، وهي كما يلي:

1 – المجتمع الافتراضي

يتخذ المجتمع الافتراضي سمات متميزة تجعله فضاء مثالياً للتواصل، وبخاصة بالنسبة إلى الأجيال الشابة التي أضحت الثقافة الرقمية المرتكزة على الصورة تشغل حيزاً مهماً من حياتها بكل ما تحمله من رموز ودلالات، قواعد التواصل والتبادل، وعلاقات اجتماعية، وجماعات افتراضية… والتي أوجدت نظماً جديدة لإثبات الذات بعد أن أصبح جزءاً من الحياة الاجتماعية للفرد حياة رقمية بامتياز، ما انعكس على ثقافة الشباب، وبخاصة كونهم الشريحة الأكثر تأثرا بفاعلياتها، والتي أضحت أكثر ارتباطاً به ما أثر في تصوراتها واتجاهاتها في الواقع.

إن المجتمع الافتراضي، بحسب هاورد راينغولد، باعتباره أول من استخدم المفهوم في كتابه الجماعات الافتراضية (Virtual Community) والذي اعتبره:

«تجمعات اجتماعية، تنشا من الشبكة حين يستمر أناس بعدد كافٍ في مناقشتهم علنياً لوقت كافٍ من الزمن بمشاعر إنسانية كافية لتشكيل شبكات من العلاقات الشخصية في الفضاء السيبيري». أما الباحث الاجتماعي نديم منصوري، فيعرفه بأنه «مجموعة من الأفراد الذين يتشاركون عبر شبكة الانترنت، لفترة زمنية لتحقيق غاية أو هدف أو هواية، من خلال علاقة اجتماعية افتراضية تحددها منظومة تكنو – اجتماعية» (منصوري، 2014: 21).

على العموم، يمكننا تعريف المجتمع الافتراضي باعتباره تجمعات اجتماعية افتراضية يتواصل عبرها الفاعلون في سياق ثقافي مفتوح لفترة زمنية وغاية محددة من أجل إشباع اهتمامات معينة تفترض بناء علاقات اجتماعية افتراضية يحددها التمازج بين العالمين الافتراضي والواقعي، والمنظومة القيمية التي تؤطرهما وتوجه سياق التفاعل بينهما. ذلك أن التفاعل في ضوء المجتمع الافتراضي يتخذ وجهات متباينة، بحسب طبيعة القيم المشتركة التي يتقاسمها أطراف التواصل، والتي تحدد درجة الارتباط بينهم، استمرارية علاقاتهم ونمو الشبكات التنظيمية العلائقية المتمخضة عنها والتي تسمح بنمو المجتمع الافتراضي.

«إن المجتمع الافتراضي يبدأ بتحديد المجتمع (الفئة العمرية، النوع، الطبقة…)، وتوضيح أهدافه ومخططاته (أهداف ثقافية، اجتماعية، سياسية…)، يستمر في مراحل متعاقبة يزداد من خلال مشاركة الأعضاء وحضورهم الاتصالي (زيادة الأعداد وحجم المشاركين، يتم ذلك من خلال العديد من الانشطة (عرض صور، وضع تعليقات، رسوم، تفاعلات…) للوصول إلى التمثيل التنظيمي…» (منصوري، 2014: 21).

2 – الوجود الافتراضي

يتشكل الوجود الافتراضي تدريجياً من خلال إثبات المستخدم حضوره على الخط (أون لاين) ومن خلال عرض تفرد هويته، وتمايزها في الفضاء الافتراضي ويتحقق ذلك أساساً، من خلال ما يلي:

  • بروزه كفاعل أو متفاعل أثناء عمليات التواصل عبر الشبكة من خلال المشاركة، والتعليق والتعقيب، وليس مجرد مترقب أو ناقل لمعلومة فحسب.

 

  • وتيرة استخدام التواصل المتزامن الفوري وغير المتزامن على الشبكة، ذلك أن طبيعة التواصل عبر الشبكة، تستلزم الردود والاستجابات الفورية على الشبكة، والتي تغير منطق التواصل.

 

  • طبيعة الآثار التي يخلفها وراءه على صفحته بعد لحظة التواصل.

 

  • حجم الاطلاع والاستجابة والردود التي تحظى بها صفحته على الشبكة.

 

  • درجة ارتباط المستخدم بهويته الافتراضية من خلال التحديثات التي يجريها على الصفحة، ويتقاسمها مع أصدقاء الصفحة، وعلاقة ذلك بممارساته الواقعية.

 

تطرق نديم منصوري إلى ثنائية الحضور الافتراضي والانقطاع الافتراضي (الأون لاين/الأوف لاين) (منصوري، 2014: 21) كحالين متلازمتين، تعبران عن أشكال التداخل بين المجتمعين الافتراضي والواقعي الذي أضحى أمراً مفروضاً، وبخاصة أن الحضور الافتراضي أضحى مرتبطاً بالحضور الاجتماعي ومكمـلاً له، إلى درجة أن بعض العلاقات أضحت تتخذ طابع العلاقات الاجتماعية الافتراضية، وبخاصة مع توافر خدمة الإنترنت على مدار الوقت.

يتخذ الوجود الافتراضي في المجتمع الرقمي تمظهرات معينة تتجلى في خصائص الهوية الرقمية، والآثار التي تخلفها أشكال التفاعل والاتصال التي تشكل هويتها وتبنيها.

3 – الهوية الرقمية

الهوية الرقمية هي: «مجموع الصفات والدلالات والرموز التي يوظفها الإنسان للتعريف بنفسه في الفضاء الافتراضي، فيتفاعل ويتواصل على أساسها مع الآخرين؛ بحيث قد لا يتوافق مضمونها مع هويته الحقيقية في الواقع الاجتماعي».

تشرف الذات الافتراضية بصفة إرادية على تنشئة نفسها من خلال التنقل عبر الفضاءات الرقمية التي تكون مجالاً لعرض واستدخال وتبادل قيم ومعانٍ ودلالات متنوعة، نتاج أنساق ثقافية متباينة، الأمر الذي يجعل الهوية الافتراضية عرضة لرهانات زمكانية وعمليات تفاوض آنية، قد تدعم مدلولاتها الأصلية، أو تقوضها، أو أن تعطيها دلالات مغايرة بحسب قدرة الذات على دعم الأطر والعناصر الأساسية المشكلة لهويته المحلية، وقدرته على الانفلات من آليات الهيمنة التي يكون عرضة لها في الفضاء الافتراضي، وبخاصة إذا اتخذت عملية التفاعل الطابع الانفعالي الفوري الذي قد يغيب فيه العقل التأملي النقدي لصالح العقل الفوري، الأمر الذي يدعونا إلى توجيه الانتباه إلى أهمية حضور البعد القيمي والرؤية الحضارية الأصيلة لتحقيق التواصل الهادف التي ينعكس على الممارسة الواقعية.

4 – أنماط الاتصال المتزامن واللامتزامن

قبل التطرق إلى عملية تحديد المفهوم، يجدر بنا التنويه بحقيقة التداول الواسع لمفهوم الاتصال في مختلف الحقول البحثية المشتغلة به، والتي جعلته مشحوناً بمعانٍ ودلالات مختلفة سواء في المجال الإعلامي والمعلوماتي والنفسي والاجتماعي والأدبي… إلا أن هذا التنوع جاء ليحقق غاية مشتركة، وهي عملية «نقل المعلومات» بين مرسل من جهة، ومستقبل من جهة أخرى. وعليه، فإذا كان الاتصال لغة هو «نقل» وتوصيل أو تبادل الأفكار والمعلومات بالكلام او الكتابة أو الإشارة، فهو اصطلاحاً ما يراه شارلز كولي أن: «الاتصال هو ذلك الميكانيزم الذي من خلاله توجد العلاقات الإنسانية وتنمو وتتطور الرموز العقلية بواسطة وسائل نشر هذه الرموز عبر المكان واستمرارها عبر الزمان». أما تشارلز ر.رايت، فيرى أن الاتصال هو عملية نقل المعنى أو المغزى بين الأفراد» (دليو، 2013: 14 – 15). من هنا، يبدو أن الاتصال هو عملية تفاعل معلوماتي اجتماعي هادف بالدرجة الاولى إلى غرض تحقيق التأثير المنشود سواء على المستوى السلوكي أو الوجداني أو المهاراتي… لهذا يتخذ الاتصال في المجتمع الافتراضي نمطين أساسيين هما:

  • الاتصال غير المتزامن: وهو عملية تبادل وتفاعل افتراضي تعلمي لا يفترض تواجد أطراف التواصل في الزمان نفسه أو المكان نفسه، لحظة التواصل، بل تمكن من تحقيق الهدف من التواصل على مراحل متقطعة عبر استخدام البريد الإلكتروني أو منتديات النقاش…التي تمكن من نقل المعلومات المطلوبة من دون الحصول أو الحاجة إلى الاستجابة الفورية التي يجري تأجيلها، وعليه يحصل الاتصال بصورة متقطعة، وغير مستمرة.

 

  • الاتصال المتزامن: على خلاف ذلك، ويفترض تواجد أطراف التواصل «من مرسل ومستقبل» في الزمان نفسه، ليتم التواصل المباشر بينهما من دون الحاجة إلى التواجد الفيزيقي في المكان نفسه، لحظة التواصل، ويكون ذلك عبر استخدام الفيديو التفاعلي، والصفوف أو المجموعات الافتراضية… التي تمكن من حصول التواصل الفوري والاستجابة الآنية بين أطراف التواصل لتحقق الغاية من التواصل، وهو التأثير الفاعل والاستجابة النوعية.

 

رابعاً: قراءة سوسيولوجية لمؤشرات
الوجود الافتراضي في المجتمع الشبكي

تختلف محددات الوجود الافتراضي للفرد ككائن فاعل في المجتمع الشبكي عن الواقع الفعلي، على اعتبار أن اجتماعية الفرد في الواقع تتجلى من خلال وجوده الحقيقي في الحياة الاجتماعية كعنصر حاضر فيزيقياً، وكائن فاعل ومتفاعل ذي وجود مستقل، مميز بذاته من الأخر، حيث تبني اجتماعيته في ضوء منظومة قيمية ومجتمعية متكاملة تحفظ استقراره الاجتماعي في ضوء نظام اجتماعي وحضاري يوجه سلوكه ويصيغ الضوابط والمعايير التي تحفظ إنسانيته وغايته في الوجود. لكن في ضوء مواصفات المجتمع الافتراضي بات وجود الفاعل في ظل هذا الفضاء الجديد يتخذ تمظهرات أخرى تتوافق ومميزات البيئة الرقمية التي تتميز بانفتاحها على مدلولات ثقافية لا محدودة، إضافة إلى قدرتها على الجمع بين وسائل الاتصال الكلاسيكية جميعها (التلفاز، المذياع، الجريدة، الهاتف، الرسائل، الكتب، الملفات…) في بوتقة واحدة (الحاسوب والألواح الإلكترونية الموصولة بالانترنت) لتجتمع بذلك الكلمة والصورة والصوت دفعة واحدة، وتتغير وظيفتها من مجرد وسيلة للاتصال، ونقل للمعلومات إلى عارض، وخازن لها بل ناقل لقيم روحية إنسانية وحضارية بأسرها، لتصبح جزءاً أساسياً من نمط حياة الإنسان المعاصر، وتساهم في صياغة ثقافته الإنسانية وبلورتها.

«لقد انتقلت الظاهرة الاجتماعية بمختلف جوانب تمثلاتها الثقافية، التقنية، السلوكية، الاقتصادية، السياسية، القانونية… من أنها فقط تتمثل طبيعياً في المجتمع البشري الطبيعي، إلى أن تتمثل أيضاً صناعياً رمزياً، رقمياً، ألياً وأيضاً بمختلف جوانب تمثلاتها الأصلية، إلا أنها أصبحت في شكلها الإلكتروني المصنع من الذرة إلى إلكترون، إن الحياة الاجتماعية بهذا المعطى الجديد هي حياة رقمية على الإنترنت في الفضاء المصنع، الامر الذي يفرض على علم الاجتماع أن يتسع قليـلاً أو كثيراً ليشمل بحثه المجتمع البشري الإلكتروني» (رحومة، 2008: 25).

إن المجتمع الشبكي من المفاهيم الرائدة التي كان لعالِم الاجتماع المعاصر مانويل كاستيلز الفضل في ولادته وتأسيس نظريته الشبكية التي فسر من خلالها قوانين عمل المجتمع المعلوماتي العالمي وملامحه الأساسية من خلال مؤلفه الذي أصدره سنة 1996 الذي يحمل عنوان العصر المعلوماتي، الاقتصاد، المجتمع والثقافة الذي صدر في ثلاثة أجزاء ناقش فيه الملامح الأساسية للمجتمع الشبكي من خلال زاويته السياسية والاقتصادية والاتصالية، وتعرض في ذات الصدد إلى أنواع الهويات المتداولة في المجتمع الشبكي، والتي عبرت عن كينونتها في مواجهة العولمة، وتعد مقاربته السوسيولوجية من أهم المقاربات المفسرة لمجتمع المعلومات الذي يرتكز على التكنولوجيا ويتميز بالمواصفات الآتية (عماد، 2012: 91):

  • الطابع الانتشاري

 

  • المنطق الشبكي.

 

  • المرونة.

 

  • المعلومات هي مادته الخام.

 

  • تحول تكنولوجيات محددة إلى نظام متكامل.

ينطلق مانويل كاستيلز في مقاربته السوسيولوجية لمجتمع المعلومات من فكرة أن الرأسمالية المعاصرة بكل تجلياتها هي الأكثر كونية وعنفاً ومرونةً، وهي بذلك تفوق بمواصفاتها الرأسمالية السابقة، كون رغبتها في الانتشار تجعلها في مواجهة الحركات الاجتماعية العالمية التي تنادي بالتفرد الثقافي، لهذا فهو يتصور أن التوتر بين الرأسمالية والحركات الاجتماعية المعاصرة هو الذي يميز الديناميكيات الأساسية لعصر المعلومات، الأمر الذي يفرز ذلك التعارض الثنائي الذي يطبع العلاقة بين العولمة والهوية، وبين الشبكة والذات، على اعتبار أن الشبكة هي الفضاء الذي تجري فيه عمليات التبادل في التنظيمات المعاصرة سواء الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية…، والذات ترمز إلى الأنشطة التي يسعى من خلالها الأفراد إلى تأكيد هوياتهم في ضوء التغيرات المحيطة بهم.

إن ثورة تكنولوجيا المعلومات، أدت إلى بروز صيغة جديدة للمجتمع العالمي الذي يطلق عليه «بالمجتمع الشبكي». يستمد خصوصيته مما يتم تداوله في العالم الافتراضي الذي يتسم بقدرته على النفاذ إلى جميع أرجاء الكون، كما يتسم بارتباط وحداته بعضها بعضاً اتصالاً وثيقاً، مع تنوع رسائله الثقافية والحضارية، وبخاصة أن مرونة التدفق المعلوماتي في المجتمع الشبكي يسّرت من سرعة التواصل والانتشار، وساهمت في تغيير مفهوم الزمان والمكان، لهذا فهو يعتقد أن السلطة الجديدة في المجتمعات المعلوماتية المعاصرة تقوم على إدارة شبكات الاتصال وهو ما عرضه في مؤلفه الأخير عام 2013 «سلطة الاتصال» والذي أفرز اليوم ما سماه «الاتصال الشخصي الجماهيري»، (l’auto-communication de masse)، وهو مفهوم محوري يعكس أهمية الهوية الافتراضية في ضوء المجتمعات الشبكية المعاصرة، على اعتبار أن المستخدم في ظلها أصبح قادراً على المساهمة في صياغة هويته والمشاركة في تعريفها ونشرها، عبر التعبير عن اتجاهاته، ومواقفه، والمساهمة في نشر المعلومة، وتقاسمها وتحقيق التعبئة الجماهيرية عبرها، وهو ما تبرزه أعداد المدونات، وأعداد الشبكات الاجتماعية على اختلافها، مما قد يفسر لنا حقيقة التغيرات الحاسمة التي يشهدها المجتمع الشبكي الذي أضحى مجتمعاً مدنياً موازياً للمجتمع الواقعي بل أيضاً مجالاً عاماً افتراضياً بامتياز، لكن الرهان الحقيقي الذي علينا الاشتغال عليه هو بحث تمظهرات المجتمع الشبكي، وانعكاساته الاجتماعية على المنظومة الثقافية والحضارية، وعلى الممارسات الثقافية المحلية.

للكشف عن ذلك، تطلعنا إلى تحديد خصائص الوجود الافتراضي في هذا الفضاء، والذي يتخذ شكـلاً مغايراً عن الحياة الواقعية يفترض على الباحث الاجتماعي أخذه بعين الاعتبار، وبخاصة أن تمثلات تأثير المجتمع الشبكي، أصبحت تشغل حيزاً مهماً من حياتنا الاجتماعية، وهذا حتى يتأتى له إمكانية إدراك تمظهرات الهوية الرقمية، والتي تتمثل بالخصائص الآتية:

  • لا يتأتى للفرد التواجد في المجتمع الافتراضي إلا من خلال التحامه بالعناصر التكنولوجية التي عليه أن يألفها ويتحكم في مجرياتها أحسن تحكم حتى يضمن فاعلية تواصله مع الأخر في هذا الفضاء.

 

  • يعتبر الفاعل في المجتمع الرقمي ذاتا افتراضية مرقمنة (مبرمجة آلياً) فهو مركب رقمي غامض لا جسد له (رحومة، 2005: 53)، قد يتخذ شكل رمز أيقوني (avatar) أو شيفرة متميزة قد تتخذ شكل صورة أو رمزاً للإشارة إلى هويته الرقمية التي تصبح رمز التفاعل والتواصل في الفضاء الافتراضي.

 

  • لإنسان الحاسوب تمظهرات معينة في المجتمع الشبكي تحكمها قواعد مغايرة تتجاوز نسقية النظم الاجتماعية المنظمة للحياة الجمعية والثقافية في الواقع، وان كانت الذات الافتراضية تساهم عبر خياراتها وتفاعلاتها في إعادة بعثها عبر المجتمع الافتراضي.

 

  • يتخذ التواصل في المجتمع الشبكي الطابع المتزامن الذي يفترض الحضور الآني لأطراف التواصل أو اللامتزامن الذي يفترض الغياب الفيزيقي لأطراف التفاعل زمن التواصل الأمر الذي يؤثر في مجرى العلاقات الافتراضية في المجتمع الشبكي التي تتخذ طابعاً خاصاً يختلف من محدداتها في الواقع.

 

  • يفترض التواجد في هذا الفضاء في شكل عدد لا محدود من الوحدات والعناصر المؤسسة له، فرد، وفرد – مجموعة، ومجموعات افتراضية في ما بينها، تنظيمات رقمية قائمة بذاتها تنتظم في شكل شبكات ذات أبعاد عالمية.

 

  • يتجسد الوجود الافتراضي في المجتمع الشبكي من خلال وجود أطراف التواصل «على الخط» موصولون بشبكة الانترنت، وتالياً فإن الحضور الفيزيقي لأطراف التواصل ليس مطلباً أساسياً للتفاعل.

 

  • يتمثل كيان الفرد في الفضاء الافتراضي من خلال الآثار الرقمية التي تخلفها عمليات التواصل والتي تبرز في تلك الرموز التجريدية التي تتنوع أشكالها باختلاف الشبكات الافتراضية التي يشترك فيها مثل: نعم/لا، الفتح/الغلق، الوصل والفصل، الإعجاب، المشاركة، التعليق… الخ.

 

  • عبر تحليل آليات التفاعل بين المستخدمين، ورصد ما يحدث في الواقع الاجتماعي الفعلي، عقب عمليات المشاركة والدعوة، والإعجاب، والصد، والغلق في شبكات التواصل الاجتماعية، يساهم علم الاجتماع الرقمي في استجلاء حقائق سوسيولوجية مهمة حول تأثيرات التكنولوجيا في نظم التفاعل والأنساق الاجتماعية المتمخضة عنها، فالوجود الافتراضي ما هو الا انعكاس لتفاعلات الذات مع المتداول الرقمي في ضو السياقات الثقافية المتمخضة عنها.

 

  • تتخذ لغة التواصل في المجتمع الافتراضي طابعاً مميزاً يجمع بين الكلمة والرمز، الايقونة، الوجوه، الصورة وغيرها، التي قد يجري التلاعب برمزيتها وبناء معانيها سعياً إلى خلق خصوصية الأثر في ضوء ديناميكية الجماعات الافتراضية وتالياً بلورة الوجود الرقمي في المجتمع الشبكي. من هنا، تجدر بنا الإشارة إلى التحديات التي تواجهها اللغة في ظل المجتمع الشبكي، وبخاصة أن منطق التواصل الافتراضي من طريق اللغة المكتوبة المعبرة عن الردود الفورية السريعة الممزوجة بالمشاعر والانفعالات تتطلب استخدام مختصرات بحروف لاتينية أو عربية أو المزج بينهما أو أيقونات معبرة عن ذلك، الأمر الذي يؤثر في تركيبة اللغة الوطنية ويشوهها، ولا شك في أن مثل هذه الممارسات اللغوية المعتمدة في المجتمع الافتراضي تعكس التحديات التي تواجهها الهوية في المجتمعات العالمية، وتأثير تكنولوجيا المعلومات في نمط حياتنا المعاصرة.

 

خامساً: تحديات علم الاجتماع
في ضوء رهانات رقمنة العلوم الاجتماعية

بحكم التغيرات التي يشهدها المجتمع الافتراضي، فان الحياة الرقمية في هذا الفضاء تفترض على عالم الاجتماع أن يغير نظرته إلى معطيات الوجود الافتراضي وعلاقاته بالواقع الفعلي، عبر توظيف مناهج وتقنيات منهجية أكثر مرونة تمكّنه من الدراسة الموضوعية لتمثلات الفاعل في المجتمع البشري الإلكتروني الذي يجمع بين الطابع الاجتماعي والتكنولوجي المركب ويذكر الباحث محمد رحومة في هذا الصدد:

«ليس لنا في العصر الكوني – مجتمع إنساني بمعنى «الإنساني» المعهود، بل إنساني/آلي، اذاً سيتغير كل شيء في نظر السوسيولوجي للمجتمع، نظراً إلى تغير وحدة النظر أساساً، لا طبقة، ولا طور أو نظام، ولا جماعة اجتماعية بشرية، ولا مجتمع محلي بشري أو فرد اجتماعي محدد، بل إن ما سيأتي له أن يأتي الآن ونحن ننتظر ونراقب ونرصد ونلاحظ ونحلل ونصف من جديد…» (رحومة، 2008: 28).

عليه، فإن أحد التحديات التي يواجهها علم الاجتماع المعاصر اليوم هو تحدي الكونية والرقمنة على حد تعبير عالم الاجتماع الفرنسي ميشال فيفيوركا (Michel Wieviorka) (فيفيوركا، 2014: 14) بكل ما يحمله من تغيرات في الملمح السوسيولوجي؛ فواقع رقمنة العلوم الاجتماعية وطبيعة النقاشات التي تثيرها تفترض تغييراً بل تطوير طريقة التفكير والمفاهيم المتداولة، مع توظيف المناهج والتقنيات التي تتقاطع مع تخصصات أخرى، وتمكن الباحث من الاستفادة من نظرة الآخر إلى بحث التغيرات الحاصلة في النسيج المجتمعي، وبخاصة مع تسارع وتيرة التغيرات الحاصلة في العالم.

يقول في هذا الصدد: «نحن نلج عالماً غيرته الإنترنت والتكنولوجيات الجديدة والمعطيات الضخمة تغييراً تاماً، علم الاجتماع يدخل حقبة جديدة حيث تتغير طرقنا في التفكير ومواضيعنا وطرائقنا وبراديغماتنا وأدوات تحليلنا، هذا يعني أن إمكانيات جديدة تتوافر، علينا أن نعمل بطريقة مختلفة مع فاعلين آخرين، بما في ذلك أولئك العاملين في الفنون والإنسانيات وعلوم الحياة بطرق جديدة في التعاون والكتابة والنشر…». عليه، يبدو أن التناولات البينية التي تتطلب اعتماد منهجية التكامل المعرفي هي مطلب محوري لتحقيق هذه النظرة الشمولية التي تفترضها طبيعة الظاهرة الكلانية ذات الأبعاد الثقافية المتعددة لتحقيق رؤية أكثر شمولية وأكثر منهجية، بل أكثر عمقاً وأكثر واقعية، متخذة من أدوات العلوم الأخرى وتقنياتها، بما فيها الطبيعة والتقنية منطلقاً اساسياً لفهم تجليات الظواهر الاجتماعية، وبخاصة في ضوء خصوصيات المجتمع الشبكي التي تفترض الاستفادة من العلوم التقنية والاجتماعية على حد سواء.

أضف إلى ذلك، أن إشكالية اللامساواة الاجتماعية التي فرضها الفضاء الافتراضي مع رقمنة مصادر المعلومات في العلوم الاجتماعية، حتمت وجود أشكال جديدة من التمايز الاجتماعي في الميدان البحثي، وذلك من حيث تباين قدرة المستخدمين على التحكم في التقنيات الحديثة، وتباين القدرة على الولوج إلى قواعد البيانات العالمية والمواقع البحثية التي تبقى متاحة لمن له القدرة على امتلاك حقوق الاشتراك والنفاذ إليها، كذلك رهانات النشر في المجلات الإلكترونية العالمية الرصينة وذات معامل التأثير التي تبقى حكراً على قلة من الباحثين. يوحي كل ذلك بأهم تحديات الرقمنة التي تواجهها العلوم الاجتماعية عموماً، وخصوصيات المجتمع الافتراضي على وجه التحديد، والتي تفترض على عالم الاجتماع إدراكها مع اولوية انفتاحه على التخصصات الأخرى، من دون أن يفقد صلته بالممارسة الواقعية التي تمكنه من إدراك أثر الممارسات الافتراضية في المجتمع الشبكي على الواقع الاجتماعي، وبخاصة أن حتمية وجود الإنسان المعاصر في وضعية تواصل دائم وتنقل مستمر بين العالمين الافتراضي والواقعي، تقتضي منا كدارسين أخذ ذلك بعين الاعتبار، لفهم تمثلات الهوية الافتراضية ودلالاتها في الواقع الاجتماعي وتفسيرها.

سادساً: أخلاقيات الهوية الرقمية وأولويات المواطن الافتراضي في المجتمع المدني الشبكي

لا شك في أن تحديات التداول الافتراضي في المجتمع الشبكي ذي السياق الثقافي الكوني، يفترض تحديد مفهوم المواطن الافتراضي، وأيضاً مساءلة حقيقية حول دلالات الانتماء، بحكم أن الوجود الافتراضي في المجتمع الشبكي يحتم على الإنسان المستخدم التنقل بين ثقافات عدة بل التردد على أوطان مختلفة، متجاوزاً الحدود الجغرافية والزمنية. عليه، فهو يعيش دائماً جزءاً مهماً من حياته اليومية، وهو في وضعية تنقل دائم بين عالمين: أحدهما افتراضي ممتد يتيح له بل يفترض عليه متابعة المستجدات العالمية التي تكسبه وجوده الافتراضي وتمنحه مواطنة عالمية، والآخر، حقيقي يعيد ربطه بواقعية بمجتمعه المحلي ووطنه الأم، وهذا بفضل البدائل التي يتيحها المجتمع الافتراضي لمستخدميه، والتي تسهم بصورة أو بأخرى في بلورة هويته الافتراضية.

«لقد استطاع الإنترنت فعـلاً أن يدخل العالم ضمن العالم الواحد من خلال التفاعلات على الخط، والثقافة الرقمية، والمجتمعات الافتراضية، والمنتديات على الخط، والتعلم الاجتماعي… والكثير من العناصر المشتركة التي جعلت الفرد الإنساني ينتمي إلى العالمية ويصبح عضواً فاعـلاً في المجتمع العالمي مع أصدقائه العالميين، الذي بات يجمعه وأياهم الكثير من القضايا الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والعاطفية… مساهمة في إدماج الفرد في نطاقه العالمي والكوني (منصوري، 2014: 83). عليه، فإنّ أولويات إرساء الدعائم الأخلاقية في بلورة الهوية الرقمية تقتضي على المستخدم الاستفادة من هامش الحرية المتاحة له في المجتمع الافتراضي مع تحمل مسؤوليته الأخلاقية تجاه المتداول الرقمي في المجال العام الافتراضي ليمارس اهتماماته المشتركة ويتقاسمها مع الآخرين، مع أولوية التعبير عن المنظومة الثقافية والحضارية للمجتمع الذي ينتمي إليه مكاناً وزماناً، كذلك العمل على خدمة مجاله العام بصورة هادفة، ليس كملاحظ فحسب بل كممارس أيضاً؛ فطبيعة التحولات التي عرفتها المجتمعات العالمية أثبتت أن تصاعد مدّ الحركات الاجتماعية أثبت فاعلية المجال العام الافتراضي، ولكنه من جهة أخرى جدد التساؤلات المركزية حول التحديات التي تواجهها الهويات الوطنية، وبخاصة مع تصاعد النقاش الحضاري حول الهوية والكونية والذات والشبكة التي قد تسحب المواطن الافتراضي إلى نطاقات عالمية مزيفة، وتفقده صلته مع مواطنته الحقيقية.

يذكر الباحث الصادق رابح حول تمثلات الهوية الرقمية في المقاربات البحثية أن «جيل الإنترنت» يظهر كجيل ثنائي الهوية؛ فهو من ناحية هشّ وغير راشد، ويحتاج دائماً إلى الأخذ بيده في مجاهل التكنولوجيا الحديثة لتأسيس علاقة «سوية» بها، ومن ناحية أخرى، فهو جيل فضولي ومعتمد على ذاته وذكي، يملك القدرة على التكيف، ويميل إلى تثمين ذاته، إضافة إلى كونه صاحب رؤية شاملة في توجيه نفسه (رابح، 2012: 97).

تعد هذه نتيجة حتمية خاصة إذا علمنا أن حدود الهوية الرقمية في العالم الافتراضي غامضة المعالم، إذ لا تحدها حدود جغرافية أو تضبطها منظومة قيمية، فهي فضاء مفتوح لا محدود لمواطنين كونيين من مختلف الأعراق والأجناس والخلفيات الثقافية، وعليه، فهوية كل مواطن تتدرج من هويته الوطنية لتمتد إلى أبعاد عالمية. فإذا كان مارشال ماكلوهان قد أشار إلى التحديات التي جاءت بها التكنولوجيا العولمة بفعل تأثيرات تكنولوجيا الإعلام والاتصال بمختلف وسائلها، وربط تأثير الرسالة في الوسيلة المستخدمة، فقد نوه عبد الرحمن عزي من خلال نظرية الحتمية القيمية إلى البعد القيمي والحضاري للمضمون الذي تحمله الرسالة الإعلامية، والذي لطالما تجاهلته الدراسات الاجتماعية الغربية (بوعلي، 2009: 24)؛ فالمضمون المتداول رقمياً هو مضمون حامل لقيم، وبخاصة أن التأثير في ضوء المجتمع الشبكي يتخذ طابعاً انفعالياً وبخاصة اذا كان في ضوء بيئة رقمية تساعد على تحقيق التأثير المرجو. ليس الأمر كذلك فحسب، بل حتى منطق الفعل ورد الفعل في ظل الشبكات الاجتماعية في تغير مستمر تحكمه متطلبات التواصل الافتراضي عبر الشبكة المتزامنة واللامتزامنة، والتي قد تتطلب رداً فورياً أو متقطعاً، والتي تنعكس على منطق التواصل الإنساني.

كما أن حيز العلاقات الاجتماعية بين المستخدمين وحدودها تغيرت، وأضحى حدود الحيز الشخصي والمهني والاجتماعي جد متداخل إلى درجة الحديث عن تمظهرات الهوية الافتراضية في ضوء سياقات مفتوحة، قد تسقط فيها الكثير من الحواجز الشخصية التي قد تهدر خصوصية العلاقات الإنسانية، وبخاصة إذا لم يلتزم أطراف التواصل بالتحكم في عملية برمجة الحساب الشخصي، وفق مقاييس تقنية محددة تضمن خصوصية الهوية الافتراضية وتتيح لها المشاركة في الفاعليات الافتراضية المختلفة. وعليه، من بين أهم أخلاقيات التواصل التي تحقق للهوية الافتراضية استقرارها وتضمن للمواطنة الافتراضية فاعليتها، لانها ستنعكس حتماً على الممارسة الواقعية الهادفة، وهي:

– قيمة التعارف وهو ضرورة بشرية لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].

– قيمة احترام حرية الآخر

– قيمة احترام الحيز الشخصي لأطراف التواصل

– قيمة المشاركة والعطاء والعمل الجماعي.

– قيمة الفاعلية أثناء عملية التواصل.

– قيمة تحفيز الآخر وتشجيعه.

– وغيرها من القيم الحضارية الهادفة التي تجدد اتصال الإنسان بعناصر هويته التي تجدد حقيقة اتصاله الوثيق بالقيم المشتركة التي تجمعه بها عبر الأرض، الدين، التاريخ، اللغة، الثقافة، المصالح المشتركة. ولا يتحقق ذلك إلا من خلال إعادة بعثها من المجتمع المدني الافتراضي إلى الممارسة الواقعية عبر ممارسات حقيقية هادفة تجسد ذلك من خلال العمل التطوعي، والأنشطة الخيرية الهادفة، والأنشطة التعليمية المجانية…الخ.

خاتمة

نواجه اليوم أكثر من إي وقت مضى رهانات الأمن الفكري والحضاري؛ فواقع مجتمعاتنا المعاصرة المشتتة بين الافتراضي والواقعي، بين ثنائية الشبكات والهوية، ينبئ بأزمات الإنسان المعاصر الذي عليه أن يدرك ذلك ليحمل بين جنباته الهم الحضاري، ومطلب إبراز الجانب الأخلاقي في نظم تواصله في ظل المجتمع الشبكي. إن الهوية الرقمية وإن كانت تعكس جزءاً بسيطاً من تمثلات المجتمع الواقعي، فإن دينامياتها تكشف عن التحديات المحيطة بها، ومطلب تأصيل أخلاقيات الهوية الرقمية يثير الانتباه إلى ضرورة الاشتغال على الذات عبر إعادة تجديد صلتها بتاريخها ومرتكزاتها الحضارية، لتحقق مقصد التعارف الهادف، والتحكم في منهج الحوار الحضاري.

إن حتمية التواصل والتفاعل في ضوء المجتمعات الكونية، تفترض إحياء الهوية التعارفية، كأساس لتوجيه سياق الحوار الحضاري المدرك لكينونته قبل التواصل مع الآخر والذي يجعلنا في وضعية العقل المدرك الفاعل لا المنفعل فحسب، بحكم أن التواصل في العالم الافتراضي القائم على آنية الردود وتقويض اللغة، قد يقوض عمليات أساسية في أصول التعارف ومنطق التواصل الإنساني، بل قد يعطي الهوية صبغة آنية قابلة للتغير والقولبة كما أن أطراف التواصل غالباً ما يكونون في وضعية الفعل ورد الفعل العاطفي من خلال ظرفية التواصل وآنيته، في ضوء سياق ثقافي موجود سلفاً، وفي وضعية تغير دائم. وعليه، فإن إدراك كينونة الهوية كذات فاعلة وإضفاء البعد الأخلاقي عليها، يجعل أطراف التواصل في وضعية الفاعل المدرك ليصبح مطلب الحوار في هذا الفضاء مؤسساً وهادفاً، لتتجسد الهوية التعارفية، كفعل معرفي متجسد في المجتمع الافتراضي وسلوك حضاري هادف ممارس في المجتمع الواقعي، لا مجرد سلوك انفعالي ذي منحىً إقصائي.