تهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن موقف السلطان عبد الحميد الثاني من الحركة الصهيونية ومدى قدرته على حماية الأرض والمقدسات ومنع امتداد هذا النشاط وتزايده، وهو الذي شكل النواة الأولى لتأسيس دولة الصهاينة على أرض فلسطين في ما بعد.

تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تقدم قراءة تاريخية تحليلية لموقف السلطان عبد الحميد الثاني منذ بدايات السيطرة الصهيونية على الأرض في فلسطين في الفترة 1876 ـ 1909. وهي المرحلة التي بدأت فيها طلائع الصهاينة بالهجرة إلى فلسطين وبداية تأسيس المستعمرات بشكل منظم. وانطلقت بدايات السيطرة الاقتصادية من تأسيس البنوك والشركات التي تُعنى بنشاط الحركة الصهيونية وتدفع بها نحو تحقيق أهدافها.

أولاً: الأوضاع العامة للدولة العثمانية
إبَّان حكم عبد الحميد الثاني

مرت الدولة العثمانية إبَّان حكم عبد الحميد الثاني بأزمات دولية وأخرى داخلية هددت مصير الدولة العثمانية ووحدة أراضيها. فمنذ اليوم الأول الذي ارتقى فيه عبد الحميد الثاني عرش الإمبراطورية وجد أن ثورات هادرة تعمّ إقليمي البوسنة والهرسك، والثورة ما زالت مشتعلة في بلغاريا إضافة إلى الحرب المباشرة مع روسيا القيصرية التي كشفت عن ضعف الدولة العثمانية في حماية حدودها. كما استولت فرنسا على تونس عام 1881، وإنكلترا على مصر عام 1882.

أما على الصعيد الداخلي فقد تم إعلان الدستور (1876) وتم إنشاء مجلس نيابي، لكن عبد الحميد عاد وعطَّل الدستور وحلّ البرلمان سنة 1878، وهو ما جعل حكمه أوتوقراطياً على مدى ثلاثة عقود متتالية[1].

أما الخزينة فكانت خاوية، الأمر الذي دفع الحكومة إلى التفتيش باستمرار عن مصادر دولية جديدة للقروض بفوائد وشروط غير مريحة.

وعلى الرغم من هذه التركة التي ورثها عبد الحميد الثاني إلا أنه نجح في المحافظة على حكمه. أما أسلوب تحقيق هذا الهدف فكان سبباً في الانتقادات الشديدة التي وُجِّهت إلى نظام حكمه وسياسته الداخلية، إذ حاول كسب ولاء المسلمين بدعمه فكرة الجامعة الإسلامية التي رأى بها سياجاً يحمي الدولة من الأخطار التي كانت تحيق بها من الدول الغربية، وفي المقابل حارب الأفكار الليبرالية، وخصوصاً القومية منها، مستعيناً في سبيل ذلك بأجهزة أمن قمعية تعتمد على شبكة واسعة من المراقبة والتجسس[2].

1 ـ شخصية السلطان عبد الحميد الثاني

عُرف السلطان عبد الحميد الثاني بحنكته السياسية، إذ كان رجلاً ألمعياً أديباً حساساً ذا فكر ثاقب يدرك كل ما يدور من حوله بفطنة وسرعة بديهة. وكان مجدَّاً ومجتهداً يتمتع بطاقة وحيوية عظيمتين ويهتم بكل شيء ويتابع كل صغيرة وكبيرة في قضايا الأمة، وكان على علم قوي بالشؤون الأوروبية عارفاً باللغات والعادات والشؤون الخارجية لكلا العالمين الغربي والشرقي. ارتكزت سياسته الخارجية على السلطة المركزية والتوازن والاعتدال والاستقلالية وعدم الانحياز. ورأى الأفغاني أن السلطان رجل داهية و«قرماً من أقرام السياسة». وكان الهدفُ من إبراز معالم شخصية هذا السلطان القولَ إننا لسنا أمام شخصية ضعيفة لا تقرأ ما يدور حولها من أحداث وبالتالي لا يمكنها أن تتنبأ بما سيحدث في المستقبل[3].

2 ـ تعريف الصهيونية ودور هرتزل فيها

يطلق اصطلاح الصهيونية على نظرة محددة ظهرت في أوروبا ترى أن اليهود ليسوا جزءاً عضوياً من التشكيل الحضاري الغربي، بل هم شعب الله المختار والجماعة المقدسة التي استوطنت القدس في فلسطين ويجب أن تهجر إليها.

وبعد المؤتمر الصهيوني الأول تحدد المصطلح وأصبح يشير الى الدعوة التي تبشر بها المنظمة الصهيونية وإلى الجهود التي تبذلها، وأصبح الصهيوني هو من يؤمن ببرنامج بازل، وأصبحت الصهيونية تعني تهجير اليهود المشتتين إلى فلسطين لتأسيس الدولة اليهودية التي تدين بالدين اليهودي وتتميز بالعنصر اليهودي والثقافة اليهودية وتعمل على بعث مملكة داود وإعادة بناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى ثم اتخاذ فلسطين مركز انطلاق للسيطرة على المناطق المتاخمة لها والتي تمتد من النيل إلى الفرات.

انطلقت الصهيونية مع مؤسس الحركة ثيودور هرتزل الذي بدأ يدعو إلى إنشاء دولة يهودية مستقلة عبر كتابه الدولة اليهودية الصادر عام 1896 الذي نبّه به إلى أن مشكلة اليهود مسألة قومية، ويجب على الدول أن تنظر إليها بوصفها سياسة دولية، وعلى الدول المتحضرة أن تجتمع لمناقشتها، وقرر أن اليهود لا يمكنهم العيش في المجتمعات الأخرى لأنه ليس لهم مكان يجمعهم. وفي كتابه توقف عند فلسطين بقوله: «أما فلسطين فهي وطننا التاريخي الذي لن يُنسى أبداً واسمها فقط سيجذب شعبنا إليها بقوة. وإذا فرضنا أن السلطان سيعطينا فلسطين فإننا في المقابل سنتولى إدارة المالية العثمانية كلها».

ولقد ساندت الجمعيات اليهودية فكرة هرتزل ومشروعه وأُطلق عليه لقب «موسى الجديد» ودعته إلى قيادة الحركة السياسية. وبهذا نرى أن هرتزل قد شكل حجر الأساس في انطلاقة الحركة الصهيونية وتحقيق أهدافها في استعمار فلسطين[4].

ثانياً: موقف السلطان عبد الحميد الثاني
من الهجرة اليهودية إلى فلسطين

شكلت فلسطين في مرحلة حكم السلطان عبد الحميد الثاني جزءاً من الإمبراطورية العثمانية وكانت تابعة لأقسام الشام الإدارية. وبناء على توجهات عبد الحميد فقد ثُبِّتت متصرفية القدس الشريف عام 1887 كياناً إدارياً مستقلاً عن ولاية سورية تُحكم من القدس ومرتبطة بوزارة الداخلية مباشرة.

وأصبحت فلسطين تُدار من المركز إسطنبول مباشرة وأوصلت مع القصر بواسطة خطوط اتصال، على أن إجراء أي تصرف أو اتفاق الحكام الإداريين كان يتطلب تفويضاً رسمياً من إسطنبول، ولقد تم العمل بهذا النظام المركزي لضمان عدم وجود أي انحراف في تطبيق الفرمانات والأوامر المركزية.

خلال حكم الدولة العثمانية للبلاد العربية كان اليهود من رعايا السلطان ينتقلون بحرية من فلسطين وإليها وأقاموا في الأماكن المقدسة في القدس وصفد وطبريا والخليل. ومع نظام الحماية الذي طبقته الدولة العثمانية على الأقليات الدينية عبر منحهم المساواة التامة مع المسلمين وأصبح هؤلاء الرعايا يلجأون إلى القناصل الأجنبية في القدس ليكونوا تحت حماية دولهم وليصبحوا مواطنين أجانب يتمتعون بالامتيازات الأجنبية الممنوحة لهم[5].

ومع صدور فرمان تملُّك الأجانب لعام 1869، تزايد قدوم اليهود الأجانب إلى فلسطين ولم تدقق الدولة العثمانية في أسباب دخولهم، الأمر الذي مكّنهم من شراء الأراضي والبدء في إنشاء المستعمرات؛ وأعطيت لهم الحقوق الكاملة في التملك والعمل على كل الأراضي العثمانية ما عدا الحجاز.

أدّت عوامل عديدة دوراً أساسياً في تزايد الهجرة اليهودية إلى فلسطين منها: المذابح والاعتداءات المنظمة ضد اليهود في روسيا عام 1881 التي أسفرت عن هجرات جماعية إلى فلسطين؛ والنشاطات التشجيعية التي كان يقوم بها أغنياء يهود أوروبا أمثال روتشيلد وهيرش؛ وكذلك الجمعيات اليهودية التي كانت تهدف إلى مساعدة يهود أوروبا ومنها التحالف الإسرائيلي العالمي[6].

  • سياسة عبد الحميد الثاني تجاه الهجرة اليهودية إلى فلسطين

سجلت الدولة العثمانية ممثلة بالسلطان عبد الحميد الثاني أول موقف رسمي معلن من الهجرة اليهودية إلى فلسطين في نيسان/أبريل عام 1882 بعد تزايد أعداد المهاجرين اليهود من أوروبا الشرقية إليها، إذ أعلنت أنه لن يسمح لليهود المهاجرين إلى أراضيها بالاستقرار في فلسطين؛ بل يمكنهم الهجرة إلى داخل أي ولاية عثمانية أخرى وأن يستقروا فيها كما يريدون بشرط أن يصبحوا رعايا عثمانيين، وأن يقبلوا فرمانات الدولة العثمانية عليهم. ووفقاً لهذه الفرمانات كان يمكن إعطاؤهم الأراضي الحكومية معفاة من الرسوم والضرائب، وأُعفوا من الخدمة العسكرية وأُعطوا حرية ممارسة شعائرهم الدينية شأنهم شأن بقية الرعايا وكان يمكن لليهود الاستقرار بمجموعات لا تتجاوز 150 عائلة في المنطقة الواحدة[7].

كان هذا الحظر مناقضاً لشروط اتفاقات الامتيازات الأجنبية الموقعة مع الدول الأجنبية التي ضمنت لرعاياها حرية التنقل في مختلف أنحاء الدولة العثمانية باستثناء الحجاز، الأمر الذي اضطر القناصل الأجانب إلى الاحتجاج على هذه التعليمات؛ لذا كانت الحكومة العثمانية دائماً تتراجع عن قرار الحظر الصادر بشأن منع ـ أو الحدّ من ـ الهجرة اليهودية إلى فلسطين.

أدت الصدامات بين العرب واليهود إلى حظر الهجرة اليهودية إلى فلسطين عام 1886، وفي عام 1888 صدرت فرمانات جديدة تسمح لليهود بزيارة دينية للقدس لمدة ثلاثة أشهر. احتجت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على القيود المفروضة على الهجرة في ما يتعلق برعاياها، فاضطرت الدولة العثمانية إلى التراجع عن قراراتها (مرة أخرى) والتصريح بأن القرارات لن تطبق إلا بحق المهاجرين بأعداد كبيرة وليس بحق الذين يكونون فرادى[8].

تجدر الإشارة إلى محاولات رؤوف باشا بوضع العراقيل في وجه المهاجرين اليهود الذين أبدوا رغبتهم في اكتساب حق الرعاية العثمانية، وبذْل الجهود لأجل طرد المقيمين الأجانب الذين خرقوا الفرمان، وفرْض ضريبة عالية على الذين سعوا للحصول على الجنسية العثمانية، وطلبه من الباب العالي أن تكون فلسطين خارج حرية الدخول والإقامة؛ فكان الردّ بما نصه أن «اليهود القادمين إلى فلسطين من أجل الحج والتجارة لا يستطيعون البقاء فيها أكثر من شهر وبعدها يغادرون البلاد». مثل هذه القرارات برأي رؤوف باشا هي التي سمحت لليهود بالاستيطان الدائم. وهي الخطوات التي اتبعها الصهاينة لتسهيل أمور الهجرة إلى فلسطين.

ويذكر أنه في العام 1890 تزايدت أعداد اليهود المقيمين بطريقة فرمانية وغير فرمانية وأغلبهم تحت الحماية الأمريكية والبريطانية[9].

وبالتسلسل الزمني نجد السلطان عبد الحميد قد كتب فرمانات بخط يده عام 1896 ليحول دون استيطان اليهود في فلسطين خشية قيامهم بتشكيل حكومة يهودية عنصرية في فلسطين، وبعثها إلى الصدارة العظمى لاتخاذ قرار عام في هذا الموضوع، وهي من خلالها نتلمس وعي السلطان عبد الحميد الثاني الكامل للهدف الحقيقي من هجرة اليهود؛ وهو تشكيل حكومة موسوية (يهودية) في فلسطين بتشجيع من الدول الأوروبية؛ وأنهم إن أُسكنوا أي جزء من الدولة العثمانية فسيتسللون إلى فلسطين. هذا التناقض الصارخ في موقف السلطان سنراه لاحقاً حين عرض على هرتزل استيطان أي جزء من الدولة العثمانية عدا فلسطين؛ فهو حينما عرض العرض كان يعلم أن بمقدور اليهود التسلل إلى فلسطين، إذ فتح لهم الباب لكن من جهات أخرى[10]. وبعد إصدار فرمانات 1891 وردت تقارير للأستانة حول كثرة المستعمرات وتنبّه السلطان لها دون اتخاذ أي إجراءات من شأنها أن توقف الهجرة.

أصدرت الدولة العثمانية تعليمات جديدة عام 1898 بمنع اليهود الأجانب من دخول فلسطين دون تمييز بين جنسياتهم ما لم يدفعوا تأميناً ويقدموا تعهداً بالمغادرة خلال ثلاثين يوماً. وفي عام 1899 أصدرت فرمانات جديدة ألغت تحديد الإقامة ثلاثين يوماً وسمح لهم بتمديدها لثلاثة أشهر[11].

نرى ممّا تقدم أن عبد الحميد حاول منع الهجرة، لكن يبقى السؤال هل كانت هذه الإجراءات ناجحة تماماً؟ وهل تمكن من وقف الهجرة؟

فشلت سياسة عبد الحميد في منع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، إذ تزايدت أعدادهم ثلاثة أضعاف ما كانت عليه عام 1882. وازدادت نسبة اليهود من 5 بالمئة إلى 11 بالمئة من مجموع السكان في فلسطين، ولم يتمركزوا في القدس والخليل وصفد وطبريا فحسب، بل في يافا وحيفا وغيرها من المدن الفلسطينية، وشكلت موجات الهجرة اليهودية الأولى إلى فلسطين القاعدة المادية أو البنية التحتية لإنشاء الكيان الإسرائيلي لاحقاً، إذ أدت إلى إدخال مزيد من رؤوس الأموال اليهودية وبالتالي إلى توسيع النفوذين الاقتصادي والسياسي للحركة الصهيونية، ومكنّتها من السيطرة على الأرض في فلسطين وزيادة حجم استثماراتها الاقتصادية[12].

إن نقطة الضعف التي تسجلها هذه الدراسة على السلطان عبد الحميد تجاه المسألة الفلسطينية أنه أصدر فرمانات جزئية لمصلحة بعض اليهود وأذن لهم بمقتضاها بشراء مساحات محدودة من الأراضي الفلسطينية؛ وليس في حنكة المؤرخ المحايد أن يجد تفسيراً لموافقة السلطان على إصدار هذه الفرمانات الجزئية بحجة تعرّضه لضغوط أوروبية؛ إذ شكلت هذه الفرمانات سنداً قوياً في يد الصهيونية للتوسع في شراء مزيد من الأراضي الفلسطينية وفتح باب الهجرة، سواء بطرائق مشروعة أو بأخرى غير مشروعة. ولا يمكن القول إن عبد الحميد لم يكن يتوقع أن تكون موافقته على بيع أراض محدودة في فلسطين لليهود بدايةً لتهويد فلسطين.  إن مثل هذا التفسير يُبعد من السلطان صفات السياسي الحصيف المحنّك التي أجمع جمهرة من المؤرخين على أنه كان على حظ موفور من هذه السجايا[13].

ثالثاً: موقف السلطان عبد الحميد الثاني
من الاستعمار الاستيطاني الصهيوني

1 ـ المستعمرات الاستيطانية الصهيونية

يتفق معظم المؤرخين اليهود والعرب على أن بداية الاستعمار الصهيوني الفعلي على أرض فلسطين كانت عام 1882، وعلى أسس استهدفت تحويلها إلى وطن يهودي وتمثلت بامتلاك الأراضي وإنشاء المستعمرات عليها وإحياء اللغة والثقافة العبريتين. وقد مرت حركة الاستعمار الصهيوني في فلسطين بمرحلتين هما: الأولى، مرحلة الاستيطان غير المنظم وتنتهي عام 1900 ومنها مشروع مونتفيوري ومشروع أوليفانت؛ والثانية، مرحلة الاستيطان المنظم وتبدأ عام 1900؛ إذ به أخذ اليهود ببرنامج استعماري استيطاني منظم له أهدافه الواضحة التي تحظى بتأييد جماهير اليهود، وتم إيجاد الأجهزة والأدوات لدعم عملية الاستعمار. واتخذ الاستيطان أشكالاً متعددة منها الاستيطان المدني والاستيطان الزراعي[14]. من أهم المستعمرات التي تم تأسيسها:

ـ مستعمرة مكفيه إسرائيل (1870)؛ ومستعمرة بتاح تكفا (1878)، التي كان لها دور مهم في بلورة مفاهيم عديدة داخل الكيان الصهيوني في فلسطين، حيث أصبحت محطة مرور لأبناء الهجرة الصهيونية الثانية بين عامي 1904 و1914؛ ومستعمرة ريشون ليتصيون وقد اشتراها اليهود الروس في المزاد العلني الذي عرضته الحكومة العثمانية لعجز أهلها عن تسديد الضرائب المترتبة عليهم؛ ومستعمرة زخرون يعقوب. وقد شكلت المستعمرات السابقة الذكر نواة الاستعمار الصهيوني في فلسطين، إذ أدت دوراً أساسياً في تدريب المزارعين اليهود على الزراعة وفق الأساليب الحديثة [15]. ومستعمرة عكرون التي سجلت أرضها باسم ميشال إرلانغن رئيس جمعية أحباء صهيون في باريس. أما بقية المستعمرات الزراعية التي أنشئت من أجل الإعلان عن الجمعية الصهيونية العالمية فقد تم اختيارها على أن تكون قريبة من الساحل، ومنها مستعمرة نس تصيونا، ومستعمرة جديرا التي اتخذت مركزاً للأبحاث الزراعية لتدريب اليهود المهاجرين على أعمال الفلاحة.

نلاحظ أن الفترة التي تأسست فيها هذه المستعمرات تزامنت مع بدء إصدار فرمانات منع الهجرة والاستيطان؛ فكيف نشأت هذه المستعمرات وبهذه الفترة الزمنية القصيرة؟ وفي الأعوام ما بين 1890 و1900‏[16] تم تأسيس الكثير من المستعمرات في وقت شددت فيه الدولة العثمانية من إجراءاتها لمنع دخول اليهود. وعبّر الأهالي عن معارضتهم لهذا الاستيطان من خلال مخاطبة الدولة في إسطنبول بعرائض موقعة من جميع فئات المجتمع مطالبين بمنع قدوم اليهود ومنع شراء الأراضي (بخاصة في القدس).

ومن المستغرب أن الدولة العثمانية اعترفت بوجود المستعمرات التي أسست قبل إعلان المنع وهو ما سمح للبارون روتشيلد تسجيل الأراضي التي اشتراها باسمه وسمحت لليهود بشراء الأراضي في كل أنحاء سورية. ومن المستعمرات التي أسست في تلك الفترة: بيئر طوفيا (1886)؛ رحبوت (1890)؛ عرتوف (1895)؛ الخضيرة (1890)؛ متولا (1895) وهي جاء تأسيسها في إثر تمرد قام به سكان المنطقة ضد الدولة العثمانية عند استعداد روتشيلد لشراء أراضيهم فوافقت السلطات المحلية على ذلك وأجبرت الأهالي على الرحيل وطردتهم من أراضيهم بعد أن أعطتهم تعويضات رمزية عن ذلك، وأسكنت مستوطنين يهوداً مكانهم[17]؛ ومستعمرة غان شموئيل (1896).

وما إن جاء مؤتمر 1897 حتى كان هناك 19 مستعمرة غطت مساحة 45 ألف دونم وضمت 4350 نسمة، إضافة إلى أراضٍ غير مستعمرة لليهود 10 آلاف دونم غرب نهر الأردن و20 ألف دونم شرق الأردن. كما وصل عدد اليهود إلى 45 ألفاً يعيشون في 9 قرى (28 ألفاً في القدس لوحدها). ومع نهاية القرن التاسع عشر كان عدد اليهود حوالى 50 ألفاً.

ونتيجة لزيادة الطلب على أراضي البناء قفزت أثمان الأراضي قفزات كبيرة. وكانت الحكومات الأوروبية والمؤسسات الصهيونية وكبار الأثرياء والممولون اليهود على استعداد تام لإغداق الأموال الطائلة لشراء الأراضي ولبناء المستعمرات لاستيعاب المهاجرين اليهود والمؤسسات الدينية والثقافية. ومنها مستعمرات محانايم (1899)، ومنحاميا (1902)، وغفعات عيده (1903)، وعتليت (1904)، وكفار سابا، وخلدا، وبن شمن، وبئر يعقوب، وغيرها الكثير.

نشير إلى تأسيس العديد من القومبانيات (نحو 33)، وهي عبارة عن أحياء سكنية يهودية أقيمت فترة حكم عبد الحميد الثاني والهدف من إنشائها تمكين اليهود الأجانب من الحصول على بيوت للسكن وتم تجهيزها بالمؤسسات الدينية والمدارس الدينية والمشافي والصيدليات والأسواق التجارية في كل حي تم بناؤه[18].

2 ـ أدوات الاستعمار الاستيطاني الصهيوني

تأسس في أوروبا عدد من جمعيات ومنظمات وشركات يهودية التقت على هدف واحد هو نقل الجماعات اليهودية المهجرة من أوطانها إلى فلسطين بعدما تكون قد بعثت مبعوثيها لشراء الأراضي الزراعية لتوطين تلك الجماعات. وقد وصل عدد من الأعضاء المؤسسين لهذه الجمعيات إلى فلسطين للقيام بالدور الذي أوكل إليهم من متابعة عمليات شراء الأراضي وإنشاء المستعمرات عليها. وفي ما يلي أهم المؤسسات والشركات اليهودية التي عملت على شراء الأراضي العربية في فلسطين[19]:

(1) جمعية التحالف اليهودي العالمي: تأسست على يد اليهودي الفرنسي أدولف كراميه، وقد عهد لهذه الجمعية الصهيونية تعليم أبناء اليهود في فلسطين.

(2) جمعية رومانيا الاستعمارية: تشكلت باتحاد 32 جمعية لتهجير اليهود عملت بمساعدة اللجنة المركزية لأحباء صهيون. وقد قامت على أسس وأهداف عملت لأجلها وهي تحقيق استعمار فلسطين على يد اليهود، ونشر الفكرة القومية بين اليهود وتعزيزها، ورفع شأن اللغة العبرية باعتبارها لغة قومية[20].

(3) يسود همعلاة: تأسست على يد زلمان رافيد ليوفنتين مبعوث الجمعيات الروسية التي كانت تعمل من أجل استيطان اليهود في فلسطين سنة 1882 بهدف تنسيق عمليات الاستعمار الصهيوني في فلسطين وتقديم المشورة والعون للمهاجرين الجدد الذين يفدون إلى البلاد[21].

(4) البيلو: مختصر للكلمات العبرية «تعالوا نرحل لبيت يعقوب» سُجلت رسمياً في الدولة العثمانية عام 1882، ونقل مكتب البيلو إلى إسطنبول. هدفت هذه الجمعية إلى تجهيز الطلائع (الحالوتسا) وتوجيهها إلى فلسطين من أجل الاستعمار[22].

(5) جمعية أحباء صهيون: وهي أول حركة صهيونية ذات طابع سياسي، هدفها تهجير اليهود إلى فلسطين وتأسيس المعاهد التعليمية في فلسطين وتأمين مرشدين في الأمور العملية[23].

(6) الوكالة اليهودية (جمعية الاستعمار اليهودي): ترجع نشأتها إلى مؤتمر بازل عام 1897 وهي الجهاز الذي يُشرف على حركة الاستعمار الاستيطاني، ويُعنى بإسكان المهاجرين في المستعمرات. وقد نالت الوكالة دعم بريطانيا وقامت بتزويد المستوطنين بكل ما يلزمهم لتكوين أنفسهم في المستعمرات من بناء ورأسمال وعقار.

(7) الصندوق القومي اليهودي[24]: أنشئ الصندوق عام 1900 بهدف شراء الأراضي في فلسطين وبيعها للإنشاء والزراعة والبستنة[25].

(8) المصرف اليهودي للمستعمرات: أنشئ بهدف تحسين إدارة الاستعمار في الشرق ولا سيّما فلسطين[26].

(9) مكتب فلسطين: أسس من أجل توسيع شركة الاستيطان اليهودي عام 1903 بتمويل من البنوك اليهودية وبالتعاون مع شركات خاصة، للتطوير الصناعي والتجاري والإشراف على مراحل النشاطات الاستعمارية الاستيطانية في فلسطين[27].

(10) البنك الإنكليزي الفلسطيني: تأسس في لندن 1903 ومركزه الرئيسي في يافا وله فروع في القدس والخليل وصفد وطبريا؛ هدفه البحث عن الامتيازات لمشروعات اقتصادية تخدم المشروع الصهيوني وتساعد الحركة على شراء الأراضي، لهذا ساعد الحكومة العثمانية بقروض مقابل الحصول على امتيازات للحركة الصهيونية ورفع القيود عن الهجرة[28].

3 ـ
النتائج التي ترتبت على موقف عبد الحميد الثاني
من حركة الاستعمار الصهيوني

نلخص أبرز هذه النتائج بـ:

أ ـ كانت الظروف الموضوعية والأوضاع الإدارية في فلسطين خلال حكم عبد الحميد خير معين لليهود الأجانب للقدوم إلى فلسطين وشراء الأراضي وإقامة المستعمرات.

ب ـ إصدار الفرمانات ومن ثم تعديلها كانا من أبرز المشاكل التي كان يواجهها الحكام الإداريون في فلسطين.

ج ـ استطاعت الدول الأجنبية المحافظة على الحقوق التي اكتسبتها من الامتيازات الأجنبية، إذ حصلت على امتياز من الباب العالي يسمح لليهود بالاستقرار في فلسطين بشرط أن يصلوا فرادى لا جماعات.

د ـ رغم أن السلطان رفض بيع الأرض مباشرة فإنه كان يبدي استعدادات ملحوظة للتساهل مع الطلبات اليهودية سواء عبر غض الطرف عن تطبيق الفرمانات في شأن هجرتهم أو عبر إصدار تشريعات تستجيب لرغباتهم.

هـ ـ عملية امتلاك الأراضي كانت فرمانية تماماً وتناولتها تقارير مفصّلة كان يبعث بها الولاة من فلسطين إلى الأستانة.

و ـ كان لروتشيلد علاقة جيدة مع عبد الحميد وإدارته لأن بنك روتشيلد في لندن كان قد أمن عدة قروض للدولة العثمانية أثّرت بدورها في سياسة الدولة العثمانية تجاه فلسطين.

ز ـ كرست الحركة الصهيونية نشاطها الاستعماري في ثلاث مدن هي القدس ويافا والخليل؛ إذ أصبحت أوكاراً لأعضاء الحركة الصهيونية وشركاتها وبنوكها وجمعياتها ووكلائها الذين نشطوا في شراء الأراضي في الأرياف والبادية[29].

رابعاً: مفاوضات هرتزل ـ عبد الحميد الثاني
(1896 ـ 1903)

يمكن تلخيص مفاوضات هرتزل ـ عبد الحميد بالنقاط التالية:

1 ـ بدأ هرتزل مفاوضاته مع السلطان عبد الحميد الثاني عبر رجالات السلطان والمقربين منه أمثال الكونت نيولنسكي وصموئيل مونتاغو. وقد انطلقت المفاوضات من التعهد بتسديد ديون الدولة وإنعاش اقتصادها من خلال تشجيع كبار الأثرياء اليهود للقيام بأنشطة اقتصادية لمصلحة الدولة العثمانية. وذلك مقابل الحصول على ميثاق قانوني من السلطان عبد الحميد يسمح له بتملك أرض فلسطين وباعتراف دولي بهذا الحق[30].

2 ـ امتدت المفاوضات ستة أعوام قام هرتزل خلالها بخمس رحلات إلى إسطنبول خلال الفترة 1896 ـ 1902، وكانت اثنتان منها على نفقة السلطان عبد الحميد[31].

3 ـ تمثل ردّ السلطان عبد الحميد الأولي على هرتزل بالمقولة الشهيرة له «لا استطيع أن أبيع ولو قدماً واحداً من البلاد لأنها ليست ملكاً لي بل لشعبي… ليوفر اليهود ملياراتهم» ونذكر أن تاريخ هذه المقولة 19 حزيران/يونيو 1896 ولكن بعد أيام معدودة منها في 26 حزيران/يونيو 1896 وافق على مقابلة هرتزل آجلاً أم عاجلاً[32].

4 ـ إن المتابع للمفاوضات الأولية الدقيقة يجد أن السلطان لم يملك رؤية أو موقفاً واضحاً يتفق عليها الطرفان، لكن نتلمس من ردوده ـ الصارمة أحياناً والتي تمتاز بالمرونة أحياناً أخرى ـ أن السلطان أراد المناورة ليحقق أهدافه وأهمها المالية.

5 ـ أثناء سير المفاوضات عُقد المؤتمر الصهيوني الأول في  بازل 1897، الذي تمخض عن تحديد أهداف الحركة الصهيونية وأهمها «أن غاية الصهيونية هي خلق وطن للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه الفرمان العام»[33].

6 ـ كان السلطان عبد الحميد متابعاً لهذا المؤتمر الصهيوني الأول والمقررات التي تمخضت عنه ولجميع المؤتمرات الصهيونية اللاحقة وكانت تُرسل إليه برامجها[34].

7 ـ كانت زيارة هرتزل الثانية لإسطنبول 1898 بهدف لقاء القيصر الألماني فيلهلم الثاني الذي كان في زيارة عبد الحميد حيث رأى هرتزل فيه خير وسيط بينه وبين السلطان لتحقيق مشروعه.

8 ـ التقى هرتزل بالقيصر الألماني في الأستانة حيث شرح هرتزل أوضاع اليهود في العالم وتطلعاتهم إلى تحقيق الهجرة إلى فلسطين ومشاريعهم الاقتصادية التي ينوون القيام بها حين يستوطنون فلسطين؛ وأظهر القيصر بدوره تعاطفاً مع مطالب هرتزل وذلك لقناعته بأن القدرات المالية والبشرية لليهود يمكنها أن تحقق آمالهم وتطلعاتهم[35]. عاد هرتزل والتقى القيصر على أبواب مستعمرة مكفية إسرائيل، وكتب هرتزل معلقاً على زيارته لفلسطين قائلاً «لو كان لدى الحكومة العثمانية بُعد نظر لوضعوا حداً لنشاطي وتحركاتي»[36].

9 ـ أعلن هرتزل في خطابه الافتتاحي أمام المؤتمر الصهيوني الثالث عام 1899 أن اتصالاته التي بدأها مع العثمانيين لا بد من أن تستمر حتى تتمكن الحركة من الحصول على موافقة الباب العالي لتنفيذ خطتها الاستيطانية في فلسطين بحماية السلطان ورعايته[37].

10 ـ قابل هرتزل السلطان عبد الحميد الثاني في 18 أيار/مايو 1901 حيث تلخص الحديث بينهم عن ديون الدولة العثمانية العامة مقابل تصريح من السلطان لهجرة اليهود[38].

11 ـ استمرت المفاوضات بين السلطان وهرتزل عبر الرسائل التي تم تبادلها في ما بينهم، ومن أهم ما جاء فيها طلب الدولة العثمانية الأموال من هرتزل؛ في المقابل عرض هرتزل إنشاء شركة أراضٍ عثمانية تعمل على استصلاح الأرض وبناء المستعمرات لتسهيل عملية اقتراض الأموال[39].

12 ـ كان الجواب النهائي من السلطان ورجاله لهرتزل على شكل نصيحة تقول: «ادخلوا هذه البلاد كرجال مال وكونوا أصدقاء؛ بعد ذلك يمكن لكم أن تفعلوا ما تشاؤون» ويمكن أن تفهم من هذه النصيحة أن «بإمكانهم الحصول على فلسطين ونحن لا نمانع بذلك ولكن علينا أن نكون حذرين وإلا خسرنا كل شيء»[40]. نرى من عرض السلطان المتلاحق على هرتزل بأنه على استعداد لفتح الإمبراطورية أمام المهاجرين اليهود من جميع الدول على أن يتعهدوا بأن يصبحوا رعايا عثمانيين بكل ما يفرضه ذلك عليهم من واجبات وبهذا يمكنهم السكن في أي مقاطعة من البلاد عدا فلسطين ـ بادئ الأمر ـ مقابل ذلك يريد السلطان من هرتزل تأسيس وكالة لتصفية الدين العام والقيام باستثمار مناجم الدولة العثمانية ومعادنها كلها. لكن هرتزل كان يرفض أي اتفاق لا ذكر لفلسطين فيه مع عدم القبول بالهجرة غير المقيدة[41].

13 ـ تضاربت الآراء حول مفاوضات هرتزل ـ عبد الحميد فهناك من اعتبرها مناورة سياسية من قبل السلطان ليطلع على مخططات الصهاينة، وهناك من شكك بصحة قيام مثل هذه المفاوضات، وهناك من حمّل تبعتها لمستشاري السلطان وأفراد بطانته ممن كانوا يبحثون عن الرشوة[42].

14 ـ جاءت سياسة هرتزل تجاه الدولة العثمانية على أساس «أعطِ وطالب»؛ لكن هذه السياسة أثبتت فشلها لأنه لم يستطع توفير المصادر المالية، كما أن السلطان رفض تقديم أي تصريح مباشر يمكنه أن يقنع أو يطمئن كبار رجال المال اليهودي أو الصهاينة[43].

15 ـ تمكن هرتزل عبر هذه المفاوضات أن يجعل من فلسطين مسألة سياسية وإعلامية تشغل بال الرأي العام الأوروبي ووضع الصهيونية على الخريطة السياسية للدول الكبرى. رغم أن هرتزل لم يحقق شيئاً بشكل فرماني ومباشر، لكن على الصعيد المعنوي انتشرت أخباره وأخبار مهمته بين اليهود في العالم وهو ما مهّد السبيل أمام زعماء الصهاينة لاحقاً للسير على خطته إلى أن تم لهم ذلك على يد حاييم وايزمن بوعد بلفور[44].

16 ـ الوعد الفرماني؛ وعلى الأغلب كان عبد الحميد يرى أن عدم التنازل والتشدد إزاء مطلب الوعد الفرماني سيكون كافياً لحمايته من حكم التاريخ ويدفع عنه تهمة بيع فلسطين لليهود، غير أن تساهله مع استراتيجية التسلل قادت عملياً إلى النتيجة نفسها، وكأن التنافس والتفاوض كان يتم آنذاك بين عمليتين: الأولى، شراء فلسطين من قبل اليهود بالجملة ودفعة واحدة (مسار هرتزل)؛ والثانية، شراؤها بالتقسيط عبر التسلل وهو مسار الصهيونيين العمليين[45].

17 ـ فشلت الصهيونية في تحصيل وثيقة الاستيطان لكن حققت الفوز بشكل آخر إذ راوغت الأتراك في الهجرة والاستيطان واستطاعت أن تؤسس لنفسها مستعمرات كثيرة على امتداد سير المفاوضات، وهي المستعمرات التي شكلت النواة الأولى لدولة اليهود في فلسطين[46].

ونرى أن المؤرخين يقعون في تناقض كبير عند تفسير ما يعرض من معلومات تستند إلى الوثائق التاريخية عن الهجرة والمستعمرات الصهيونية في فلسطين بسبب التعارض مع رأيهم الخاص أو التحليل الذي يقدمه لموقف السلطان، فالتبريرات تستند إلى العاطفة لا إلى الوقائع التاريخية البحتة. فالمبدأ أو الموقف الحازم لا يقبل التفاوض لمدة ست سنوات، ولا يقبل كل هذه التنازلات التي أتيحت للصهاينة سواء في الهجرة أو الاستيطان أو النشاط الاقتصادي.

خامساً: الموقف الشعبي العربي تجاه النشاط الصهيوني
وموقف السلطان عبد الحميد منه

اتخذت المعارضة أشكالاً مختلفة، منها:

1 ـ العرائض والشكاوى التي رفعها أهالي فلسطين إلى السلطان مطالبين بوقف الهجرة والاستيطان اليهودي، وعبر المقالات التي نشرت في الصحف الكبرى آنذاك التي نبهت السلطان إلى الخطر الصهيوني وطالبته باتخاذ موقف حازم تجاه حركة الهجرة والاستيطان الصهيوني[47].

2 ـ لم تشهد فلسطين حركة مقاومة منظمة ومستمرة يمكن أن تقف بقوة أمام المشروع الصهيوني؛ وما جرى جاء ردَّ فعل مباشراً على النشاط الصهيوني وموجات الهجرة، وفي المقابل نشط الأعيان وأصحاب النفوذ المحليون في كبريات المدن الفلسطينية وعلى رأسها القدس في مواجهة الصهاينة[48].

3 ـ قام وفد من وجهاء القدس بتقديم الاحتجاج ضد والي القدس 1890 وتضمن مطلبين هما تحريم الهجرة اليهودية ومنع استملاك اليهود للأراضي الفلسطينية، وتم رفع عريضة إلى السلطان تحكي تفاصيل تواطؤ بعض المسؤولين في فلسطين عام 1890 في بيع أراضٍ بين حيفا ويافا للمستوطنين اليهود[49].

4 ـ سجل عرب فلسطين أول تذمُّر رسمي لهم من الهجرة اليهودية عام 1891 عبر برقية موقعة من خمسمئة شخص إلى الصدر الأعظم يطالبون بفرمان يمنع الصهيونيين من دخول فلسطين ومن شراء الأراضي فيها[50].

5 ـ آذار/مارس 1899 بعث يوسف ضيا الخالدي مبعوث القدس إلى مجلس المبعوثان إلى زادوك كاهن الحاخام الأكبر ليهود فرنسا أكد فيها أن فلسطين جزء لا يتجزأ من الدولة العثمانية، ورأى أن الصهاينة يشكلون خطراً على مصير شعب فلسطين وطالب اليهود بالذهاب إلى مكان آخر[51].

6 ـ اهتمت الصحافة العربية للحركة الصهيونية وتنبهت مبكراً إلى أطماعها وقامت بدور بارز في تنبيه الرأي العام العربي ولا سيَّما الرأي الفلسطيني إلى خطورة المغامرة الصهيونية وإلى حقيقة أطماعها وفي التعريف بالصهيونية والتحريض على مقاومتها[52].

7 ـ تابعت الصحافة العربية تطورات الحركة الصهيونية وعملت على تنبيه السلطان عبد الحميد للعمل من أجل وقف الهجرة والاستيطان وقد تمثل ذلك في مقال لأمين أرسلان نُشر في المقطم بعنوان «مملكة صهيون» يُشير فيه إلى مؤتمر  بازل وما كتبه فرح أنطون في الأهرام بعنوان «الحمام الإسرائيلي ووطنه القديم». وفي حديث إلى الأهرام عن زيارة إمبراطور ألمانيا تم توضيح مطامع الألمان في فلسطين وأنهم من أكبر الداعمين للصهاينة في احتلال فلسطين ولها إشارات عديدة حول نشاط الجمعية الصهيونية وأهدافها القائمة على إعادة بناء مملكة صهيون وجمع كلمة اليهود في العالم. وكتبت جريدة المؤيد توضح أضرار الهجرة وكانت لكتاب سوريين وفلسطينيين ممن شاهدوا بأنفسهم خطر الوجود اليهودي في فلسطين واستشعروا أهدافه[53].

8 ـ نشرت المقطم (1901) ما يُشير إلى أن الجمعية ظفرت بمرادها من السلطان بالسماح لها باستعمار جهات عديدة حول القدس وفي بلاد فلسطين وقالت «إنه تم الاتفاق على ذلك مالياً إما على سبيل البيع أو الشراء».

9 ـ كتابات محمد رشيد رضا التي دعا من خلالها العرب والمسلمين إلى تفهم الخطر الصهيوني ودراسته ودعا العرب إلى اليقظة القومية والتنبه إلى خطر الصهاينة والتثبت والتحري من أهداف الحركة الصهيونية، والعمل بجدية إلى مقاومتها[54].

10 ـ أشارت الأهرام إلى مقابلة هرتزل ـ عبد الحميد 1901 بقولها «إذ جاء هرتزل ومعه كاتم أسرار الجمعية الصهيونية وأحسنَ رجال المابين استقبالهم وأكرموا مثواهم» وأشارت إلى «حسن مقابلة السلطان لهم». وكتبت صحيفة المقطم بعنوان «استعمار فلسطين» وطالبت السلطان عبد الحميد بالعمل على قمع المهاجرين اليهود ومحاربة الرشوة وأصحابها من الولاة[55]. كما أشارت الأهرام مراراً إلى مواقف هرتزل وتطلعاته ومحاولاته المتتابعة لأخذ الموافقة من السلطان لتأسيس دولتهم، وتم نشر كثير من المقالات التي تعبر عن عطف السلطان على اليهود واستعداده لمنحهم إذناً بالإقامة في فلسطين[56].

11 ـ كان نجيب عازوري أول عربي يُندد بالخطر الصهيوني بوضوح ورؤية بعيدة المدى لاستحالة تعايش الكيانين العربي والصهيوني معاً. وأشار إلى ضعف الإدارة العثمانية وتغلغل الفساد في أجهزتها وهي الأسباب التي أدت إلى التسلل الصهيوني. وتجلت كتاباته هذه في كتابه يقظة الأمة العربية، وقام بنشر العديد من المقالات في صحف الإخلاص والمقطم حول المسألة الفلسطينية حيث شرح من خلالها كيفية تملّك مساحات شاسعة من أراضي فلسطين خلال حكم عبد الحميد الثاني[57]. كما تحدث عازوري عن تساهُل الولاة المرتشين، ونخص بالذكر هنا كاظم بك حاكم القدس، في بيع الأراضي للوكالة اليهودية. ونشر في الإخلاص المصرية رسالة أخرى تعهد فيها بالاستمرار في فضح الوالي ليتأكد من خلالها السلطان عبد الحميد أن أولئك الخونة سيكونون سبباً في خراب الدولة وفقدانها من أيدي المسلمين.

وكتب عازوري سلسلة مقالات بعنوان «وعيد وتهديد» ومقال «أملاك الدولة بالمزاد» ومقال «المتصرفون في السلب» جميعها حمّل فيها عبد الحميد المسؤولية عمّا يجري في فلسطين وامتلاك الأجانب الأراضي فيها، إذ اعتبره أمراً متعلقاً بالسلطان بشكل مباشر ويقول «إن رجال المابين شركاء كل حاكم يبتز الأموال ويقسمها حصصاً»[58].

12 ـ نلخص موقف العرب في فلسطين من المساعي الصهيونية بالنقاط التالية:

أ ـ اتخذت المقاومة أشكالاً متعددة جمعت بين أساليب العنف ممثلة بمهاجمة المستعمرات الصهيونية والأساليب السياسية السلمية من خلال التظاهرات والاحتجاجات.

ب ـ إرسال برقيات أو عرائض ومذكرات وشكاوٍ إلى الدولة العثمانية تدور حول المطالبة بوضع قيود على هجرة اليهود الروس ومنع استملاكهم الأراضي وحلّ مشكلة اليهود بتوطينهم خارج فلسطين.

ج ـ الجهود والمساعي التي بذلها النواب العرب في مجلس المبعوثان العثماني.

د ـ التوعية الإعلامية من طريق الصحف والمجلات.

استنتاجات

يمكن الوقوف هنا على بعض النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة:

  • رغم أن الصهاينة قد فشلوا في تحقيق أهدافهم السياسية بالحصول على «ميثاق فرماني» لدولتهم اليهودية المقترحة لكنهم تمكنوا من أن يوطنوا آلافاً من اليهود في فلسطين، إذ ازدادت أعدادهم عام 1908 إلى 80 ألفاً أي نحو ثلاثة أضعاف ما كان عليه عددهم في عام 1882، حيث كان عدد اليهود لا يتعدى 24 ألفاً، وبهذا ازدادت نسبتهم من 5 بالمئة إلى 11 بالمئة (80 ألفاً من عدد السكان الذي وصل في عام 1908 إلى نحو 700 ألف نسمة). وكان أكثر من خمسين ألفاً من الوافدين الجدد من الصهيونيين الذين لم يحصلوا على الجنسية العثمانية (سوى عدد قليل منهم)، ومن هنا كان بإمكان أغلبيتهم التمتع بالمزايا التي تضمنها نظام الامتيازات الأجنبية.

 

وقد فشلت سياسة الدولة العثمانية بصورة لا يسهُل علاجها، على عكس ما يذهب إليه الكثيرون الذين يصورون السلطان عبد الحميد الثاني بصورة المدافع عن فلسطين، والأدلة والشواهد على ذلك كثيرة.

  • بحلول عام 1908 كان اليهود الصهاينة قد حصلوا على ما مساحته (400 ألف دونم من الأرض من مجموع مساحة البلاد البالغة 27 مليون دونم وأنشأوا 68 مستعمرة زراعية عام 1908، وبحلول 1908 لم يعد اليهود يتمركزون في القدس والخليل وصفد وطبريا كما كان عليه الحال في 1882، إنما انتشروا في مدن الساحل (يافا وحيفا).

 

  • وجود الفجوة الواسعة بين النظرية والتطبيق في سياسة عبد الحميد الثاني وقراراته في منع الهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها، وأبرز الأسباب التي حالت دون تنفيذ قراراته: تدخل الدول الأجنبية لمصلحة الصهاينة وذلك وفقاً لنظام الامتيازات الأجنبية الذي شدد الخناق على عبد الحميد الثاني وجعله في حالة اضطراب عند إصداره الفرمانات ومن ثم التراجع عنها أو تعديلها وفقاً لمصالح الدول الكبرى والصهاينة. فأي قرارات معادية للصهيونية تعتبر لاغية وباطلة من تلقاء نفسها. فالقرارات والفرمانات وأوامر المنع التي ناقضت نفسها غير مرة كانت عيباً كبيراً في سياسة عبد الحميد الثاني تجاه فلسطين. فما معنى أن تنطبق قيود الدخول فقط على اليهود الذين يأتون إلى فلسطين في جماعات، أما هؤلاء الذين يصلون مع عائلاتهم فقط فلهم مطلق الحرية؟

 

  • الربط الإداري المباشر بين متصرفية القدس والأستانة يعدّ أقوى دليل على علم عبد الحميد الثاني بكل ما يجري على أرض فلسطين، وليس الولاة والحكام المرتشون فقط هم يتحملون مسؤولية ضياع فلسطين.

 

  • لم يخفِ الصهاينة مخططاتهم، بل أعلنوها بكل صراحة ووضوح، والمتتبع للصحافة الأوروبية ولمؤلفات الصهاينة يجد الأدلة على سياستهم الرامية إلى الاستيلاء على أرض فلسطين، ولا ننسى أن عبد الحميد كان متتبعاً للصحافة الأوروبية بشكل جيد؛ فهو على اطلاع دائم على تحركات الصهاينة ومؤتمراتهم وخطواتهم العملية على أرض فلسطين، ورغم استشعاره الخطر الصهيوني إلا أنه لم يأخذ من الإجراءات ما يمنع من خلاله تسلل اليهود إلى فلسطين.

 

  • رغم أن السلطان عبد الحميد رفض أن يبيع الأرض مباشرة فإنه كان يبدي استعدادات ملحوظة للتساهل أمام الطلبات اليهودية سواء عبر غض الطرف عن تطبيق الفرمانات بشأن هجرتهم أو عبر إصدار تشريعات وفرمانات تنظيمية تستجيب لرغباتهم. ولنا أن نؤكد أن جميع المستعمرات التي تم تأسيسها والأراضي التي تم شراؤها كانت ضمن الترخيص الفرماني.

 

  • كانت الإغراءات المالية التي قدمها الصهاينة سبباً لحمل عبد الحميد الثاني على إصدار فرمانات جزئية، فأذِنَ لهم بشراء أقسام معينة من فلسطين، واعتماداً على فرمان تملُّك الأجانب (1869) أجيزت الملكية لمن يريد سواء أكانوا أفراداً أم مؤسسات أم شركات. وهكذا تمكنت الجمعيات والمؤسسات الصهيونية من شراء الأراضي من الملّاك الإقطاعيين وإقامة المستعمرات عليها.

 

  • تمثلت ردود الفعل الحميدية على العرائض والشكاوى ـالتي رفعها أهالي فلسطين للسلطان مُطالبين من خلالها بوقف المدّ الصهيوني على أراضيهم ـبالتراجع لفترة قصيرة عن بعض القرارات التي سمحت بالهجرة وبيع الأراضي، ولكن لمدة زمنية ليس لها تأثير يذكر، إذ سرعان ما تم تعديلها لمصلحة الصهاينة. ونعتبر أن جميع ما ورد في الصحف العربية والعرائض والشكاوى دليل على علم ودراية عبد الحميد الثاني لكل ما يجري في فلسطين.

 

  • من أهم ما تم تداوله بشأن موقف عبد الحميد الثاني من الحركة الصهيونية «وثيقة أبو الشامات»، الرسالة التي وجهها السلطان إلى شيخ الطريقة الشاذلية في دمشق يوضح فيها أن سبب خلعه عن العرش كان موقفه من فلسطين وبها نُشير إلى الآتي: يجب علينا أن نعالج الوثيقة كأداة من أدوات البحث التاريخي وليس الأداة الحاسمة أو تلك التي تؤخذ على علّاتها ومن دون نقد وتفكيك. من هنا لا بد لنا من وضع الوثيقة في سياقها الخاص وربطها دوماً بظروف كتابتها والأهداف المتوخاة منها.

 

ونشير إلى أن رسالة أبو الشامات إلى السلطان ليس لها ذكر في أي من الأرشيفات العثمانية، ولماذا يسكت الشيخ أبو الشامات نفسه على هذا السفر التاريخي الكبير ولا يدافع عن سمعة أحد كبار مريديه بل يموت سنة 1923 ولا تظهر الوثيقة إلا سنة 1972. هناك تعابير تُثير الشكوك من مثل «تفضلوا بقبول احترامي» هي صيغة معاصرة، أيضاً التاريخ الممهور إلى جانب السلطان 22 أيلول 1329، لماذا يستخدم لفظة أيلول، لماذا يرسل السلطان الرسالة إلى رجل دين؟ هل من أجل أن يضفي على روايته لتاريخه مع الصهيونية صدقية وشرعية دينية؟ على ذلك فإن إرساله تلك الرسالة ـ وبفرض صحتها ـ قصد منه تحقيق تسوية حساباته التاريخية مع خصومه السياسيين وتسديد ضربة لهم في محكمة التاريخ؛ كونهم عزلوه بسبب تصلبه أمام الصهاينة، ومن أجل تبرئة نفسه وسياساته من مسألة التفريط والتساهل بأرض فلسطين.

  • يمكننا رؤية الجهود الصهيونية التي تهدف إلى تملّك فلسطين مع السلطان عبد الحميد، وخلال فترة حكمه، بكونها كانت تتم عبر سيرورتين متكاملتين: الأولى «تحتية ـمن أسفل إلى أعلى» ومتجسدة في الاستيطان المباشر والتراكمي المتواصل، وشراء الأراضي، وجلب المهاجرين اليهود، وتأسيس الشركات، والاتحادات، وسوى ذلك؛ أي توفير البنية التحتية للدولة اليهودية التي سوف تتأسس في المستقبل. والسيروة الثانية «فوقية ـمن أعلى إلى أسفل» والمتجسدة في جهود هرتزل نحو الحصول على وعد فرماني ودولي من السلطان عبد الحميد ومصادق عليه من قبل الدول الكبرى، يتم بموجبه منح فلسطين لليهود. أدت جهود هرتزل المتواصلة إلى طرح المسألة اليهودية في العالم واعتبارها مسألة دولية تحتل مكاناً بارزاً على أجندة سياسة القوى العالمية. وقد وفر ذلك كله دعاية وخطاباً سياسياً (من فوق) يتمركز حول فكرة الوطن القومي اليهودي والدولة اليهودية. وفي الوقت الذي كان يظن فيه عبد الحميد أن رفضه (المتردد) لمطالب هرتزل «الفوقية» سوف يمنع، أو يعوق على الأقل، تحقيق الهدف الصهيوني النهائي، كان تساهله إزاء السيرورة «التحتية» يبطل مفعول رفضه للسيرورة «الفوقية». فعلى الأرض كانت آليات البناء من «أسفل إلى أعلى» تشتغل بطاقةٍ كبيرة وبقوة متواصلة ولا تواجه صعوبات حقيقية في مراكمة إنجازاتها، ويتحمل السلطان وسياسته المسؤولية الأولى والأخيرة في نجاح سيرورة «البنية التحتية» التي أسست عملياً لقيام دولة إسرائيل في ما بعد.

 

للكاتبة كتاب حول الموضوع ذاته، اضغطوا للحصول عليه

دور السلطان عبدالحميد الثاني في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين 1876-1909