مقدمة

تؤدي وسائل الإعلام دورًا مركزيًّا في تكوين الرأي العام، وخصوصًا في مناطق النزاع التي تتسم باضطرابات سياسية واجتماعية متواصلة. ولا يخفى على أحد أن منطقة الشرق الأوسط عمومًا، وقطاع غزة على وجه الخصوص، واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والسياسية في العصر الحديث، إذ تتعرض غزة لحصار خانق وعدوان متكرِّر أفرز أوضاعًا مأسوية مسّت كل جوانب الحياة اليومية، وتسببت في سقوط عشرات ألوف الضحايا بين شهيد وجريح، أغلبيتهم من النساء والأطفال. وفي ظل هذا الواقع المأسوي، يبرز الإعلام كأداة محورية في تكوين الرأي العام ونقل حقيقة ما يجري داخل مناطق النزاع.

وبسبب التحدِّيات الجسيمة التي تواجه الصحافة التقليدية في التغطية داخل غزة، نتيجة المنع والملاحقة والتصفية المباشرة للصحافيين، برز إعلام المواطن بوصفه وسيلة بديلة وفاعلة، استطاعت أن تكسر القيود، وتنقل ما يجري لحظة بلحظة، فقد أصبح الهاتف المحمول أداة مقاومة، والكاميرا وسيلة للتوثيق، الأمر الذي جعل من كل مواطن شاهدًا ومراسلًا، يسهم في إعادة صوغ المشهد والتأثير في اتجاهات الرأي العام.

برز ذلك جليًا بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وما تلاها من عدوان على قطاع غزة، حيث برز إعلام المواطن كأداة نقل للأحداث ووسيلة لكسر الحصار الإعلامي، مع نشوء فواعل من الميدان عبر منصّات مثل فيسبوك، وتويتر، ويوتيوب وتيليغرام وتيك توك من خلال نشر الفيديوهات والصور والتقارير العفوية التي تعكس الواقع، ضمن الإمكانيات المتاحة ورفد الجمهور الفلسطيني والدولي بكثير من المضامين التي غُيّبت عن الإعلام التقليدي.

في ظل هذا التحول الجذري، بات من الضروري دراسة الدور الذي يقوم به إعلام المواطن، وكيف يساهم في إعادة تكوين الرأي العام تجاه غزة، وإبراز حقيقة ما يجري بعيدًا من التضليل والتزييف الإعلامي.

من هنا جاءت هذه الدراسة لتجيب عن الإشكالية الآتية: ما مدى مساهمة إعلام المواطن في إعادة تكوين الرأي العام المحلي والعالمي حول ما يجري في غزة في ظل النزاع المستمر؟

تهدف هذه الدراسة إلى قياس مدى اهتمام المواطن في إعادة تكوين الرأي العام المحلي والعالمي، حول سياق الإبادة في غزة، ودراسة تحولات هذا الاهتمام واستجاباته، عبر تحليل المحتوى الاعلامي المتصل، في سياق مضطرب.

ويفترض الباحث في دراسته أن إعلام المواطن في غزة كسر الاحتكار الإعلامي الموجه، وأعاد بعفويته نقل الصورة من قلب الحدث مكوِّنًا تعاطفًا وتحولًا في الكثير من المواقف المحايدة أو حتى السلبية تجاه الفلسطيني رغم التحديات وساسيات التضييق.

أولًا: مفهوم إعلام المواطن
ودوره في مناطق النزاع

إعلام المواطن هو ظاهرة إعلامية حديثة نسبيًّا ظهرت وتطورت بصورة ملحوظة مع الثورة الرقمية الهائلة التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة، وخصوصًا مع انتشار التكنولوجيا الحديثة ووسائل الاتصال الرقمية. لم تغيِّر هذه الثورة في تكنولوجيا الاتصال الطريقة التي يتم بواسطتها إنتاج المعلومات ونقلها فقط، بل ساهمت في إبراز فواعل إعلامية جديدة من الميدان، وهم المواطنون العاديون الذين أصبحوا قادرين على إنتاج المعلومات وتوزيعها، وليسوا فقط مستقبلين سلبيين لها.

بهذا، تحولت خريطة الإعلام التقليدية التي كانت حكرًا على المؤسسات الكبرى والجهات الرسمية إلى فضاء مفتوح يتيح للجميع المساهمة في نقل الخبر، ورصد الأحداث، وتوثيق الوقائع، وبخاصة في البيئات التي تفتقد إلى حرية إعلامية أو تعاني قيود أمنية وسياسية صارمة، كما هي الحال في مناطق النزاع.

برز ذلك جليًا في عدة أحداث، دوليًّا وعربيًّا وبالتأكيد فلسطينيًّا، وحتى قبل أن يعرف إعلام المواطن شكله المستحدث القائم على التكنولوجيا ووسائل الاتصال الاجتماعي بعدة أشكال في سياقات زمنية مختلفة، حيث إن البيانات الشعبية والمنشورات التي كانت توزع في انتفاضة الحجارة الفلسطينية عام 1987، والكتابة على الجدران لإيصال رسائل متعددة الأهداف، يمكن أن تندرج ضمن هذا السياق وخصوصًا أنها تنبع من حرص المواطن ضمن الأطر الجماعية لصنع حالة تغيير وتأثير.

1 – مفهوم إعلام المواطن

يعدُّ مفهومُ صحافةِ المواطن أحد أكثر المفاهيم إثارةً للجدل نظرًا إلى حداثته من جهةٍ، واختلاف الباحثين حول معناه من جهةٍ أخرى، فهو «الإعلام التشاركي»، أو التفاعلي، والتعاضدي، وعند آخرين الإعلام البديل أو الصحافة المدنيّة[1].

أمام التعدّد في المصطلحات، يمكننا ملاحظة إجماع على تبنّي مصطلح «صحافة المواطن»، وجعله المصطلح الأكثر شيوعًا في أدبيات الباحثين الناشطين في هذا المجال، كما يمكن ملاحظة توافقٍ ضمنيٍّ على دلالة هذه المفردة الجديدة في قاموس الإعلام والاتصال، والتي يمكن حصرها في اعتمادها على ما يأتي[2]:

– شبكة الإنترنت كفضاءٍ للنشر والتعبير عن الرأيّ.

– تأكيد حضور المواطن في قضايا الشأن العام ودعم الممارسة الديمقراطيّة.

– حسبان مخرجات صحافة المواطن امتدادًا لمرجعيات الإعلام البديل والصحافة البديلة.

أما في مناطق النزاع، فتتميز بيئة الإعلام بخصائص ومحددات خاصة تجعل من الإعلام الرسمي أو التقليدي غير كافٍ أو حتى غير موثوق في نقل الأحداث بصورة موضوعية ومتوازنة، حيث كثيرًا ما تخضع هذه المناطق لرقابة مشددة أو تمارس الرقابة الذاتية خشية التعرض للملاحقة القانونية أو العنف، و«بذلك فرضت صحافة المواطن نفسها في مناطق النزاع وبنوعٍ خاص المناطق العربية كوسيلة أساسية، إذ إنّ الطوق الأمني المفروض من قبل الأنظمة العربية التي شهدت بلدانها نزاعات، دفع بالكثيرين لكي يكونوا مواطنين صحفيين، لا ينتظرون أوامر رئيس تحرير أو توجيهات لحدثٍ معيّن، بل ينقلون ما يجري حولهم كما هو»[3].

تقول ليندساي بالمر (Lindsay Palmer)، الأستاذة في كلية الصحافة والاتصال الجماهيري في جامعة ويسكونسون ماديسون، إن صحافة المواطن تساعد العالم على رؤية وفهم النزاعات بصورة أعمق، وبخاصة تلك التي قد تبقى خفية أو بعيدة من الأنظار في غياب التغطية التقليدية[4].

ولا يمكن عربيًّا المرور عمّا اصطُلح على تسميته «الربيع العربي» الذي أشعل شرارته المواطنون من خلال مواقع التواصل، بتوثيق وبث مباشر ونقل أحداث من قلب الميادين. لقد أصبح المواطن يقوم بدور الصحافي من قلب الحدث، وسرعان ما انتشرت وتعممت التجربة كحجارة الدومينو على رقعة عدة عواصم عربية، حيث وجدت الجماهير طريقة للتعبير عن دواخلها دونما وسيط بشري، هذا التغيير الذي سمع صداه كثير من الدول بحيث غيّرت من أليات خطابها وأدخلت أدواتها بتمويل كبير من أجل محاولة السيطرة على المزاج العام.

رويدًا رويدًا أضحت وسائل التواصل الاجتماعي مسرحًا لصراع من نوع آخر بين الصوت الفعلي للمواطن والصوت المفتعل باسم المواطن، ولكن هذا الصراع الذي لا يمكن كبح جماحه لا ينفي أن صوت المواطن وأثره أضحى أكثر إدراكًا لقدرته وإمكانياته على كسر احتكار الموقف والصورة، بل إنه سبق بخاصية سرعته الكثير من وسائل الإعلام المتقدمة، حيث إن المدة التي تتطلبها وسيلة الإعلام لتحرير الخبر والتأكد من مصادره وتصميمه فنيًّا ليليق بسمعتها وشكل رسالتها، كانت كفيلة بانتشار الخبر أو الصورة كالنار في الهشيم على منصّات تجوب العالم بالتأكيد؛ على حساب المصداقية والنوعية في كثير من الأحيان، ولكنه تجاوز الكثير من التابوهات وأصبح منصة لمن لا منصة له.

هذا ما لمسناه من خلال المتابعة والتدقيق منذ بداية العدوان على قطاع غزة، حيث أتيح للأفراد العاديين فرصة المشاركة المباشرة في إنتاج المعلومات وتداولها، بعيدًا من احتكار المؤسسات التقليدية لعملية نقل الأخبار، أو حتى في ظل عجزها عن الوصول إلى مسرح الأحداث في معظم الأحيان. فمن خلال المواطن نُقلت صور وشهادات، وتحقق قدر من التوثيق الفوري للوقائع، بما ساهم في كشف الحقائق، والتصدي للتضليل، فضلًا عن التأثير في اتجاهات الرأي العام، وإعطائه بعدًا إنسانيًا يعكس الحال من الميدان.

من هنا يمكن القول إن إعلام المواطن في مناطق النزاع لم يعد ظاهرة عابرة أو ثانوية في المشهد الإعلامي، بل هو ركيزة أساسية في نقل الحقيقة ومقاومة التضليل، وأداة قوية لبناء وعي مجتمعي، قادر على مواجهة التحديات، والمساهمة في إحداث تغييرات حقيقية، تعكس تطلعات المجتمعات وخصوصًا تلك التي تعيش في غمار النزاعات المسلحة والاضطرابات المتعددة.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 570 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 570 آب/أغسطس 2026

دراسات ذات صلة:

غزة في ظلمات ثلاث: الحصر والقصف والتخاذل الدولي

حرب تحت الأرض: أنفاق غزة مقابل الاستراتيجيا العسكرية الإسرائيلية

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 570 في آب/أغسطس 2026.

سامر تيم: إعلامي ومحاضر جامعي من فلسطين، وباحث في
سلك الدكتوراه، جامعة مولاي إسماعيل – المغرب

[1] عباس صادق، الإعلام الجديد: المفاهيم والوسائل والتطبيقات (عمّان: دار الشروق للنشر والتوزيع، 2008)، ص 183.

[2] جمال الزرن، ««صحافة المواطن»: المتلقي عندما يصبح مرسلاً،» المجلة التونسية لعلوم الاتصال (معهد الصحافة وعلوم الأخبار، جامعة منوبة، تونس)، العددان 51 – 52 (2009)، ص 2 – 3.

[3] سرمد الجيلاني، «صحافة المواطن في سوريا… من الحاجة الى الإحتراف،» شبكة الصحافيين الدوليين، 30 تشرين الأول/أكتوبر 2018، <https://tinyurl.com/bddn5nmr> (تاريخ الزيارة 18 تشرين الأول/أكتوبر 2025).

[4] Audrey Thibert, «Conduct in Conflict: Engagement with Citizen Journalists in War Zones,» Center for Journalism Ethics, School of Journalism and Mass Communication, 3 January 2024, <https://ethics.sjmc.wisc.edu/2024/01/03/conduct-in-conflict-engagement-with-citizen-journalists-in-war-zones/>.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز