مقدمة:

أسال موضوع النفط الكثير من الحبر من جانب الباحثين الاقتصاديين؛ إذ يعد مورداً أساسياً في عملية التصنيع. ويعتقد الكثير أنه منحة مجانية لبعض بلدان العالم. وكانت الصين أول دولة قامت بالحفر من أجل استخراج النفط. وأول من قام باستخراج المشتقات النفطية وتكريرها واستعمالها في الإنارة والطبابة هي دمشق سنة 950، أما أول بئر حفرت لغرض استخراج النفط فكان على يد إدوين دراك (Edwin Drake)  في ولاية تكساس  الأمريكية عام 1859 بعمق 21 متراً[1]. وقد ساهم هذا المورد في تحسين وتطوير حياة الإنسان عبر الزمن، وبخاصة على مستوى الدول التي أحسنت استغلاله، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبعض الدول الأوروبية. ويعد النفط من أكبر السلع تداولاً بين بلدان العالم، وهو لم يعد دوره يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط بل امتد إلى الجانب السياسي، كونه أصبح محل صراع وإشعال حروب أهلية داخل الدولة الواحدة، أو تدخلات غير مباشرة لبعض الدول الصناعية القوية من أجل السيطرة على النفط.

إن مبالغة الدولة في الاعتماد على هذا المورد تؤدي إلى إضعاف اقتصادها؛ وقد كانت معالم ذلك واضحة في هولندا، التي اهتمت بهذا القطاع على حساب القطاعات الأخرى؛ وسمي هذا الوضع “المرض الهولندي”، الذي نشرت مجلة الإيكونوميست البريطانية موضوعاً عنه عام 1977 في وصفها لقطاع التصنيع في هولندا الذي تراجع بسبب الموارد الطبيعية من بترول وغاز طبيعي اللذين تم اكتشافهما في النصف الأول من القرن العشرين؛ حيث سبّبا تراجعاً في قطاع الصناعات التحويلية الهولندية، وولّد نوعاً من الخمول والكسل لدى الهولنديين، وأدى ذلك إلى زيادة معدل البطالة[2]. ثم انتقلت عدوى هذا المرض إلى عدة بلدان في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وبعض بلدان آسيا.

وتعد الجزائر واحدة من البلدان الأفريقية، والعربية، والإسلامية، التي تتمتع بموارد طبيعية متعددة، من أهمها البترول والغاز اللذان جعلا الجزائر تحقق إيرادات عالية من خلال الاستثمار في قطاع الطاقة (المحروقات)؛ وهو جعل الشعب الجزائري يبني آمالاً كبيرة على تنمية أكبر، وتوظيف أكبر ، ودخل أكبر، وبخاصة عند وصول سعر النفط إلى أعلى مستوياته منذ اكتشافه؛ الأمر الذي سمح للجزائر بتحصيل إيرادات مالية عالية (نعمة النفط)؛ لكن المؤشرات الأخيرة لأسعار النفط بيّنت أن الجزائر تواجه أزمة في إيراداتها وبالتالي في ميزانياتها؛ إذ أصبحت التنمية فيها في خطر نتيجة تهاوي سعر البرميل إلى ما يقارب 20 دولاراً أمريكياً.

وعلى الرغم من نعمة النفط التي تتمتع بها الجزائر منذ نحو ستين سنة عبر الانتاج والبيع، والوصول إلى ما يطلق عليه “البحبوحة المالية”، أي الوضعي المالي المريح للجزائر، حيث وصلت احتياطيات الصرف الأجنبي إلى ما يزيد على 190 مليار دولار أمريكي، فإن هذه النعمة تحولت إلى نقمة؛ وبناء على ذلك يمكن إثارة السؤال الآتي:

هل الاتجاه النزولي لأسعار المحروقات حوّل النعمة إلى نقمة في الجزائر؟ وهل يمكن تحويل النقمة إلى نعمة في المستقبل القريب أو البعيد؟

للإجابة عن السؤال السابق يمكن تناول ثلاثة محاور، هي:

  • مظاهر نعمة النفط في الجزائر.
  • نقمة النفط بوادرها ومظاهرها في الجزائر.
  • آليات تحويل نقمة النفط إلى نعمة في الجزائر.

 

أولاً: مظاهر نعمة النفط في الجزائر

تعد النظرية النسبية من المقاربات النظرية التي ترى أن الموارد الطبيعية هبة مجانية تساهم في التنمية الاقتصادية في عدد من البلدان النامية، إذ تسمح لها بتحقيق أرباح من جراء القيام بالتجارة الدولية. وقد ساهم تطوير القطاع الأولي في دعم التوسع العمراني، ونمو الأسواق المحلية، وتأمين البنية التحتية، إضافة إلى مساهمته في رفع مستوى الادخار والاستثمارات المحلية. ومن بين البلدان التي استطاعت أن تدير وتتحكم في الإيرادات الناتجة من استغلال النفط هي النرويج وأندونيسيا وبوتسوانا. وهذا ما يعزز التبريرات النظرية لبعض الباحثين في هذا المجال، ويرجع ذلك إلى وجود مؤسسات داعمة وذات نوعية جيدة وقوية، حيث إن نجاح هذه البلدان في التحكم في هذه النعمة يعود إلى طبيعة السياسات الحكومية التي تجعلها تتحكم في إدارة مواردها بنجاح، وتحويل إيرادات هذه الموارد لمصلحة معظم فئات السكان على المدى البعيد[3].

إن النرويج، على سبيل المثال لا الحصر، انتهجت نهجاً مخالفاً لمعظم البلدان الغنية بالموارد (النفط)، وبخاصة البلدان الأفريقية، فهي لم تكن متلهّفة لاكتشاف النفط واستخراجه؛ إذ كان الشعور العام يشوبه الفتور في ما يخص إمكان اكتشاف النفط في بحر الشمال، استناداً إلى مديرية المسوح الجيولوجية، التي جزمت بعدم وجود نفط، كما كان يُنظر إلى شركات النفط كمجموعة من المغامرين الذين يحلمون باكتشافات كبيرة تقلل من استيراد بلدان الغرب للنفط. إضافة إلى ما سبق، فإن المستوى المعيشي للشعب النرويجي كان لا يسمح بالمغامرة المغرية والخطيرة، وبعد اكتشاف النرويج الغازَ في مياهها ودخولها في عملية التنقيب، وضعت الأسس التشريعية والتعاقدية والتنظيمية؛ فعزز ذلك العلاقة بين الشركات والمؤسسات الحكومية، المبنية على احترام الأدوار، والمشاركة في تغطية التكاليف، وفي المجازفة[4].

وقد دعا رئيس الوزراء النرويجي السابق ينس شتولتنبرج الدول الغنية للإفادة من نموذج النرويج ونهجها في إدارة ثروتها النفطية في كلمة ألقاها في جامعة هارفورد، مشيراً إلى أن النرويج تمكنت من امتلاك صندوق سيادي بقيمة 747 مليار دولار بوصفها ثاني أكبر مصدر للغاز، وسابع أكبر مصدر للبترول في العالم، وهي تملك أكبر صندوق سيادي في العالم بفضل عائدات النفط والضرائب المفروضة على الغاز والنفط[5].

وفي ما يخص دولة الجزائر، التي تتربع هي الأخرى على مخزون من النفط لا بأس به؛ حيث تم اكتشاف النفط فيها سنة 1956 في عهد الاستعمار الفرنسي، وفي السنة نفسها كانت بداية الإنتاج، وقد قدرت احتياطيات البترول المؤكدة نهاية سنة 2014 بـ 12.2 مليار برميل بنسبة 0.94 بالمئة من إجمالي احتياطيات البترول في العالم. أما احتياطيات الغاز الطبيعي فقد بلغ في السنة نفسها 4505 مليارات متر مكعب بنسبة 2.28 بالمئة من إجمالي الاحتياطيات المؤكدة في العالم؛ أما من حيث الاكتشافات في نهاية سنة 2014 فقد سُجّل حصول 15 اكتشافاً في البترول، و17 اكتشافاً في الغاز[6]. وقد مكنت هذه النعمة الجزائر من تجميع 193 مليار دولار حتى سنة 2014[7].

إضافة إلى ذلك، تمكّنت الجزائر من دخول 23 سوقاً عالمية مصرح بها في مجال تصدير المحروقات من مختلف القارات، بما يزيد على 500 ألف برميل يومياً من النفط سنة 2014[8]. وأسهمت بـ15.17 بالمئة من حجم الصادرات الإجمالية لدول الأوبيك سنة 2014[9]. كما أنها تمكنت من تحقيق إيرادات المحروقات في الفترة 2002-2014 بما يقدر بـ 36513.8 مليار دينار جزائري بمعدل سنوي يقدر بـ 2808.75 مليار دينار جزائري[10] (انظر الجدول الرقم (1)).

 

الجدول الرقم (1)

تطور إيرادات المحروقات في الجزائر  (2002-2014)

(الوحدة: مليار دينار)

السنة2002200320042005200620072008
القيمة1007.913501570,72352,727992796.84088.6
السنة200920102011201220132014
القيمة2412.729053979.74184.33678.13388.3

المصدر: تقارير بنك الجزائر: 2006، 2010، 2013 و2014.

 

وقد استطاعت الجزائر في ظل ما يسمى “البحبوحة المالية” خفض نسبة المديونية الخارجية التي طالما أثقلت ميزانية الدولة فيها لعقدين من الزمن تقريباً، (1986 – 2003)؛ التي عرفت شهدت قيمة المديونية بعدها بداية الانخفاض؛ وكانت سنة 1996 السنة التي تم تسجيل أعلى قيمة للمديونية الخارجية؛ إذ بلغت 33.651 مليار دولار أمريكي، وبفضل إيرادات المحروقات تمكنت الجزائر من خفض هذه القيمة إلى 5.457 مليار دولار سنة 2010[11] و3.735 مليار دولار سنة 2014[12] (انظر الملحق الرقم (1)).

 

ثانياً: نقمة النفط: بوادرها ومظاهرها في الجزائر

إن مصطلح نقمة النفط تم تداوله من جانب عدد من الباحثين المهتمين بالموارد على الصعيد الاقتصادي بخاصة، حيث اختلفت التسميات لكن مغزاها واحد، فهناك من أطلق مصطلح لعنة الموارد، ولعنة وفرة الموارد، ومفارقة الموارد، والدولة الريعية، والدولة المنتجة للنفط، والدولة النفطية، ونقمة النفط.

في هذا الإطار جاءت مقولة للمؤلف الإسباني ميغيل دي ثيربانتس سابيدرا في القرن السادس عشر في رواية دون كيشوت دي لامانش «إن نعمة الثروة لا تتمثل في مجرد تملكها أو التبذير في الانفاق، ولكن في استخدامها بطريقة حكيمة». وهذا ما ينطبق على الحالة الهولندية في الستينيات من القرن العشرين حين جرى اكتشاف مخزونات كبيرة من الغاز في بحر الشمال، الأمر الذي أسفر عن زيادة دخل الدولة، وهذا أدى إلى عواقب ضارة باقتصاد البلد (قيمة أكبر للعملة، بطالة أكبر، ارتفاع أسعار الموارد الطبيعية)، وهذه الحالة أصبحت كنموذج لدراسة آثار وفرة الموارد في بلدان العالم[13].

ويقول وزير النفط الفنزويلي السابق جون بابلو إنه رجس الشيطان. نحن غارقون في رجس الشيطان، ويقول الملك الليبي السنوسي أيضاً، عند إخباره باكتشاف النفط: أتمنى لو أنكم عثرتم على مياه[14].

وكان البعض يتوقع للبلدان النامية الغنية بالنفط أن تصبح أكثر ثراء، وديمقراطية، وسلاماً، وأكثر استقراراً من الناحية الاقتصادية والاجتماعية نتيجة الدخول المتزايدة من إيرادات النفط، لكن الواقع أثبث أن البلدان من دون نفط تبدو في أحسن حال من البلدان الغنية بالنفط، فخلال المدة 1980-2006 انخفض نصيب الفرد من الدخل في فنزويلا 6 بالمئة، وفي الغابون 45 بالمئة، وفي العراق بـ 85 بالمئة. إضافة إلى بلدان أخرى مثل الجزائر وأنغولا وكولومبيا ونيجيريا والسودان، وتعد 50 بالمئة من البلدان النفطية أكثر عرضة للحكم المستبد والحروب، وأكثر سرية، وأكثر تقلبات من الناحية المالية[15]، وأكثر تشوهاً في الاقتصاد، وعرضة لانتشار الفساد، وتهيئة لظروف الصراع. وقد أثر المرض الهولندي في قطاع الزراعة والتصنيع في عدد من البلدان النامية، مثل الجزائر وكولومبيا والإكوادور ونيجيريا وفنزويلا، وهناك أكثر من 60 بالمئة من فقراء العالم يعيشون في البلدان الغنية بالموارد[16].

إن مظاهر نقمة النفط أصبحت واضحة المعالم في الجزائر، حيث بوادر الأزمة الاقتصادية تلوح في الأفق. فالجزائر كدولة لم تسلم من ذلك المرض رغم الفرص التي أتيحت لها؛ إذ  كانت قادرة على الخروج من التبعية للنفط من خلال استثمار إيراداته الوفيرة باستمرار، والاهتمام بمختلف القطاعات الاقتصادية التي تساهم في تنويع الدخل الوطني. ومن مظاهر هذه النقمة في الجزائر ما يأتي:

1- خنق النمو بدلاً من خلق النمو: إن رائحة البترول والغاز أثرت كثيراً في تنفس الاقتصاد الجزائري، فصار متخلفاً، وعاطلاً من الحركة نحو الأحسن؛ حيث إن الحكومات المتعاقبة انفقت على مدى 16 سنة مئات المليارات من الدولارات من أجل رفع مستوى النمو؛ لكن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابثة بالعملة الوطنية ظل متواضعاً، وبخاصة بعد الأزمة المالية العالمية 2008-2009، فعرف شبه استقرار عند حدود الـ 3 بالمئة فقط. (انظر الشكل الرقم (1)).

 

الشكل الرقم (1)

متوسط النمو الاقتصادي السنوي في الجزائر (2000-2015)

المصدر: إعداد الباحث بالاعتماد على احصائيات الأونكتاد <http://unctadstat.unctad.org>.، وتقرير صندوق النقد العربي 2015، ص 54. وبرنامج excel.

 

يلاحظ من خلال الشكل الرقم (1) ضعف النمو الاقتصادي في الجزائر رغم ضخ أموال ضخمة في ظل البرامج التي وضعتها الحكومات الجزائرية للرفع من مستواه خلال المدة 2001-2014 (انظر الجدول الرقم (2)).

 

الجدول الرقم (2)

البرامج المخصصة لتحسين النمو في الجزائر في الفترة بين 2001-2014

البرنامجالفترةالمبلغ
برنامج الانعاش الاقتصادي2001-200416 مليار دولار أمريكي
البرنامج التكميلي لدعم النمو2005-200955 مليار دولار أمريكي
البرنامج الخماسي2010-2014286 مليار دولار أمريكي

المصدر: إعداد الباحث بالاعتماد على زهير عماري، “تحليل اقتصادي قياسي لأهم العوامل المؤثرة على قيمة الناتج المحلي الفلاحي الجزائري خلال 1980-2009،” (أطروحة دكتوراه، جامعة محمد خيضر بسكرة، 2013-2014)، ص 65 و68.

 

يرجع تسجيل التحسن في متوسط النمو السنوي سنة 2001 إلى إطلاق برنامج اإنعاش الاقتصادي الذي بدأ في تلك السنة بغلاف مالي قدِّر بـ7 مليارات دولار أمريكي، ووصل في نهايته إلى 16 مليار دولار أمريكي بحجة إضافة مشاريع جديدة، وخلال المدة 2005-2006 انخفضت نسبة النمو، ومن أسبابها إجراءات تتعلق بالصفقات العمومية التي تحتاج إلى وقت لانطلاق مشاريعها التنموية كمشروع الطريق السيار شرق-غرب. وبعدها تم تسجيل ارتفاع في معدل النمو حتى سنة 2007، ثم اتجه النمو نحو الهبوط مرة أخرى بالتزامن مع الأزمة العالمية 2008-2009، وبعدها ارتفع إلى 3.6 بالمئة نتيجة الدعم المالي الكبير في إطار البرنامج الخماسي سنة 2010. ولكن رغم ذلك بقي النمو يراوح بين 2.8 بالمئة و3.6 بالمئة، وهذا في الحقيقة لا يعكس حجم الدعم المخصص لتحسينه؛ وقد يبقى معدل النمو في الجزائر ضعيفاً في السنوات القادمة، وفق ما جاء في قانون المالية 2016؛ الذي يحمل في طياته توجه الجزائر نحو التقشف من خلال خفض الإنفاق العام بسبب الاتجاه الهبوطي لأسعار النفط.

2- بلد غني وشعب فقير: إن تجميع احتياطيات كبيرة خلال المدة 2000-2014 لم تشفع للشعب الجزائري في تحسين واقعه؛ حيث إن الاحتياطيات تطورت من 19 مليار دولار أمريكي سنة 2001 إلى 201 مليار دولار أمريكي سنة 2013، وهي السنة التي وصلت فيها تلك الاحتياطيات إلى ذروتها، ثم اتجهت بعدها إلى الانخفاض ، إذ بلغت 186 مليار دولار أمريكي فقط سنة 2014 بسبب انخفاض أسعار النفط (انظر الجدول الرقم (3)).

الجدول الرقم (3)

إجمالي الاحتياطات بما فيها الذهب

الوحدة: (بالمليار دولار)

السنوات2001200220032004200520062007
إجمالي الاحتياطيات بما فيها الذهب192535455981114
السنوات2008200920102011201220132014
إجمالي الاحتياطيات بما فيها الذهب148155170191200201186

المصدر: <http://data.albankaldawli.org/indicator/TG.VAL.TOTL.GD.ZS?page=1>.

 

وعلى الرغم من حجم الاحتياطيات المشار إليها في الجدول السابق؛ فقد بلغت نسبة الفقر بحسب خط الفقر الوطني 12.1 بالمئة سنة 2000، وفي سنة 2005 انخفض إلى 5.7 بالمئة بسبب التحسن النسبي في معدل النمو؛ أما البطالة فبلغت نسبتها 9,8 بالمئة سنة 2011، و10,6 بالمئة سنة 2014[17]؛ حيث يساهم قطاع المحروقات بنسبة 0.54 بالمئة و0.51 بالمئة من إجمالي القوة المشغلة خلال المدة 2001-2004، و0.95 بالمئة و0.83 بالمئة من العدد الكلي المشغل خلال المدة نفسها[18]. ومن ناحية الوضع الاجمالي للموارد البشرية فقد تم ترتيب الجزائر بحسب دليل التنمية البشرية لعام 2014 في المرتبة 83 على المستوى العالمي[19]. وهذا يبيّن أن الشعب الجزائري ما زال يحتاج إلى عناية واهتمام كبيرين من طرف الدولة.

3- عقدة الـ 98 بالمئة (أو لغز 98 بالمئة): وهي النسبة التي تمثل إيرادات الدولة المرتبطة بعائدات النفط، واللغز في ذلك هو تكرار كتابة هذه النسبة لمدة طويلة في ظل التغييرات الحكومية المتكررة التي شهدتها الجزائر رغم تحسن ميزانيتها بفضل إيرادات النفط (انظر الجدول الرقم (4)).

 

الجدول الرقم (4)

نسبة الصادرات خارج المحروقات بالمقارنة مع أسعار النفط الخام في الفترة 2002-2013

السنوات200220032004200520062007
نسبة صادرات المحروقات (بالمئة)96.898.197.998.497.998.2
أسعار النفط الخام24,328,23650,661,069,1
السنوات200820092010201120122013
نسبة صادرات المحروقات (بالمئة)98.298.398.398.398.498.4
أسعار النفط الخام94,46177,4107,5109,5105,9

المصدر: إعداد الباحث بالاعتماد على تقرير بنك الجزائر 2006، 2010 و2013، وتقرير الأمين العام لمنظمة الأوابك 2014، ص 87.

 

يلاحظ من الجدول الرقم (4) أنه لا جدوى من ارتفاع سعر البرميل الذي عاد على الخزينة العمومية بالملاءة، ومنه إتاحة الفرصة لنقل هذه العوائد إلى الاستثمار في القطاعات الأخرى، وتنويع الدخل الوطني؛ حيث إن نسبة صادرات المحروقات من إجمالي الصادرات ما زالت تراوح مكانها. ويوجد تفسير أساسي لهذا الوضع في الجزائر وهو تجذر السلوك الاستعماري فيها، الذي نهب ثرواتها، ولم يشجع على التنمية الحقيقية؛ بحيث يدعم في السلطة من يحقق له الولاء ويرضى بالتبعية الاقتصادية له. وغلق المجال أمام النخبة القادرة على تغيير الواقع الاقتصادي.

4- الفساد المالي يتضاعف: إن الفساد يزعزع الاستقرار ويزيد في حالات التمرد والصراع، وكم من دولة أفلست بسبب الفساد بأنواعه وبخاصة المالي منه، ففي الجزائر صراعات باردة بين السلطة والنخبة وبين الشعب الساخط عليهم، وبخاصة بعد ظهور قضايا فساد وتسلسلها، وأولها قضية الخليفة سنة 2003[20]، وسوناطراك1 سنة 2006، ثم الطريق السيار شرق-غرب سنة 2009[21]، ثم سوناطراك2 وسوناطراك3 سنة 2013[22]. لذلك هناك من يشكك في جِدِّ مكافحة الفساد رغم وضع آليات للحد منه؛ إذ تم تأسيس هيئة وطنية للوقاية من الفساد ومكافحته، إضافة إلى مؤسسات التشريع. ويشير رئيس اللجنة الاستشارية لترقية وحماية حقوق الإنسان أنه توجد 7000 قضية فساد ماتت بالتقادم على مستوى المحاكم[23]. كما يشير مؤشر مدركات الشفافية الدولية أن الجزائر من الدول التي انتشر فيها الفساد؛ حيث ترتيبها في المراكز الأخيرة للشفافية (انظر الجدول الرقم (5)).

الجدول الرقم (5)

مدركات الفساد في الجزائر (2003-2014)

السنوات200320042005200620072008200920102011201220132014
الرتبة88979784999211110511210594100

 المصدر: من إعداد الباحث بالاعتماد على التقارير السنوية لمنظمة الشفافية الدولية حول مدركات الفساد 2003-2014.

 

ويلاحظ من الجدول الرقم (5) أن رتبة الجزائر خلال المدة 2009 -2012 هي أسوأ رتبة احتلتها الجزائر في الفساد مقارنة بسنوات الفترة المحددة؛ وهذا راجع إلى قضايا الفساد التي ظهرت في تلك الفترة وهي قضيتي الطريق السيار شرق- غرب، وآثار قضية سوناطراك1.

5- الاستدانة من الخارج تلوح في الأفق: إن الخزينة الجزائرية مهددة بالإفلاس في حال بقاء سعر النفط منخفضاً، حيث أشار الخبير الاقتصادي بشير مصيطفى إلى أن الاحتياطي من الصرف الأجنبي انخفض من 193 مليار دولار إلى 159 مليار دولار بين حزيران/يونيو 2014 وحزيران/يونيو 2015، أي بنسبة 15 بالمئة، وفي الفصل الأخير من عام 2014 تراجع بنسبة 6.5 بالمئة، وبعدها سجل الاحتياطي تراجعاً بـنسبة 11 بالمئة، وهذا سيؤدي إلى نفاد الاحتياطي النقدي في مدة 36 شهراً في حال بقاء الاقتصاد الوطني على حاله[24].

وبحسب تقرير صندوق النقد الدولي للثلاثي الأول 2016 أن الجزائر قد تتحول إلى أحد البلدان الأكثر اقتراضا بحلول العام 2021 إذا ما استمرت في نهج سياستها الاقتصادية الحالية. وجاء ذلك في ظل تراجع احتياطيها من النقد الأجنبي سنة 2015 بمقدار 35 مليار دولار لتبلغ 143 مليار دولار مقابل 194 ملياراً سنة 2013[25].

 

ثالثاً: آليات تحويل نقمة النفط إلى نعمة في الجزائر

الاعتماد على البترول يحول البلد إلى “قدور عسل” كما قال تيري لين كارل، حيث تتم مداهمتها من الداخل والخارج بغض النظر على العواقب طويلة الأجل، وهذا ما يسبب خطراً على الدولة كلها سياسياً واقتصادياً. بل يمكن أن يمتد هذا الخطر ليهدد الاقتصاد العالمي ككل إذا لم يتم احتواؤه في الوقت المناسب[26]. ويرى أن الدول الريعية بصفة عامة عليها أن تبدأ بالإصلاحات التكنوقراطية من أجل تجنب اخفاقات السوق والدولة، من خلال تحرير التجارة ونظام الصرف والقيام بإجراءات الخصخصة لضمان استقرار الاقتصاد الكلي.

ويرى جوزيف ستيغليتز أنه يمكن تحويل الموارد إلى نعمة لا إلى لعنة من خلال وضع سياسات على المستويين الكلي والجزئي، لضمان إفادة البلد من موارده؛ حيث تتجه بالنمو في الاتجاه الصعودي، ويتم اقتسام المنافع على نطاق واسع[27]. ويشدّد البعض على ضرورة تنويع القاعدة الإنتاجية، أي إصلاح جانب العرض؛ حيث يمكن تنويع الإنتاج خارج القطاع الهيدروكربوني. ويحتاج تنويع الإنتاج إلى تنمية تراكم رأس المال البشري، وإصلاح القطاعين العام والخاص، والحد من تركز الأسواق والثروة، وبناء قاعدة صناعية تدعم عملية التنويع[28].

بناء على ما سبق، يمكن تصنيف الجزائر من الدول الريعية، إذ ظهرت فيها قضايا فساد كبيرة، مقابل ضعف نسبة النمو وارتفاع نسبة الفقر والبطالة؛ لكن هذا لا يعني استحالة تحقيق نقلة نوعية من الناحية الاقتصادية، وبخاصة أن الجزائر تملك مقومات تؤهلها لتحقيق ذلك. فهي بحاجة إلى إعادة تشكيل نفسها من خلال اتخاد القرارات الاقتصادية الفعالة، والمكللة بالدعم السياسي بدلاً من توزيع عائدات النفط على الأصدقاء والحلفاء، كما أنه يجب على الرجل السياسي استشارة الرجل الاقتصادي بدلاً من التشاور بين السياسيين، وهو من الأسباب التي ولدت الانحرافات في المجال الاقتصادي. ويمكن توضيح بعض التوجهات الضرورية في الآتي:

1- من ناحية السياسات: بادر عدد من الخبراء الاقتصاديين إلى تقديم مقترحات في ما يخص تحويل هذه النقمة إلى نعمة، إذ يرون أنة هناك فرصة للخروج من هذا الفخ، وعلى رأسهم الخبير الاقتصادي بشير مصيطفى الذي أشار إلى إمكان تحقيق ذلك من خلال إيجاد مصادر دخل أخرى في المديين القريب والمتوسط[29]:

– على المدى القريب: وضع قائمة رمادية للاستيراد عن طريق الحواجز غير الجمركية. واستحداث وزارة منتدبة للجباية. كما يتم الشروع في تبسيط إجراءات إنشاء مؤسسات صغيرة ومصغرة لامتصاص السيولة، وترسيم سوق الصرف الموازية بفتح محال الصرف الخاصة ضمن القانون التجاري الجزائري. وكذلك تحرير السوق النقدية بتحرير سعر الفائدة، وإطلاق منتجات مصرفية مبنية على المشاركة والمضاربة.

– على المدى المتوسط: تفعيل رؤية الجزائر 2030، ونموذج النمو 2019، من أجل تحقيق نمو مستدام بين 7 بالمئة إلى 10 بالمئة. وتحويل المخاطر إلى فرص في المستقبل وفق معايير الإقلاع من خلال تفعيل القطاعات الراكدة التي هي دون سقف النمو، مثل الفلاحة والصناعة، من خلال تفعيل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والمحروقات (التحويل والبتروكيمياء) والمناجم (الاستخراج والتحويل)، والخدمات (البنوك والسياحة)، والمعلومات (الاتصال وتكنولوجيا المعلومات).

2- استغلال الإمكانيات: إن الجزائر لديها ما يؤهلها وما يكفيها ليس لتخطي هذه الصدمة البترولية فقط، أو للخروج بسلام من نقمة النفط، بل يمكنها الالتحاق بالدول المتقدمة في المدى الطويل، وهذه الصدمة تعد درساً وفرصة للدولة الجزائرية في التحول الحقيقي إلى دولة تتنوع فيها مصادر الدخل، وتحويل هذه النقمة إلى نعمة في المستقبل؛ حيث إن فرص تنويع الاقتصاد متاحة، فالاقتصاد الأخضر يعد محوراً أساسياً يمكن الاعتماد عليه في التنمية الاقتصادية من خلال الاستثمار في قطاعاته (الطاقة المتجددة، والفاعلية الطاقية، والنقل المستدام، وبناء يراعي ويحافظ على البيئة، والنباتات الطبية، والخدمات المرتبطة بالبيئة)، كما يمكن إدماج قطاع المؤسسة الصغيرة والمتوسطة في هذه القطاعات من أجل تحقيق التقدم[30].

الجزائر بلد غني بالموارد؛ حيث تملك ساحلاً يمتد على مسافة 1200كم؛ ويمكن تخصيصه للسياحة والصيد والنقل، وصحراء تؤلف 80 بالمئة من المساحة الإجمالية التي تبلغ 2381741 كم2، وتمثل 20 بالمئة من الصحراء الإفريقية، وتعد أكبر خزّان للطاقة في العالم بحسب مركز الفضاء الألماني؛ إذ يمكن إنتاج كهرباء من الطاقة الشمسية في الصحراء الجزائرية تغطي 50 مرة احتياطيات القارة الأوروبية من الطاقة التي تستغل سنوياً[31]. إضافة إلى ذلك هي تملك نسبة عالية من الشباب بلغت 57.4 بالمئة من إجمالي سكانها سنة 2014[32]؛ وهذا قد يغنيها عن العمالة الأجنبية باستثناء أصحاب الكفاءة العالية. إضافة إلى النفط الذي تمت الإشارة إليه سابقاً. وعليه فالأرقام السابقة تبين أن الإمكانيات التي تملكها الجزائر من ثروات مادية وطبيعية وبشرية لا تملكها بعض الدول المتطورة، وحتى التشريعات معظمها ترقى إلى مستوى الدول المتطورة، لكن الأزمة أزمة لصوص لا أزمة نصوص.

3- الاستفادة من توجيهات المؤسسات الدولية: هذا لا يعنى تطبيق الإملاءات والخضوع لما يطلبه الآخرون، لأن الحل يكون في الأصل من الداخل، لكن هذا لا يمنع الإفادة وتكييف التوجيهات التي تأتي ضمن التشاور المبني على مصلحة البلد. وفي هذا الإطار جاءت اقتراحات صندوق النقد الدولي، الذي شدّد مبعوثه إلى الجزائر دوفان، بعد هذه الأزمة، على ضرورة التحرك نحو مواجهة انخفاض أسعار النفط، والتكيف مع الصدمة من خلال تنفيذ مجموعة من الإصلاحات بالتدرج على المستويين القريب والمتوسط؛ فعلى المستوى القريب القيام بإجراءات الضبط المالي مثل تعبئة الإيرادات غير الهيدروكربونية، ولا سيّما خفض الإعفاءات الضريبية وتعزيز التحصيل الضريبي، واحتواء الإنفاق الجاري، والاهتمام أكثر بنظام الدعم في حماية الفقراء، والحد من الاستثمار العام والاهتمام بمدى كفاءته، وكذا تقويم الميزانية. أما على المستوى المتوسط، القيام بإصلاحات هيكلية تجعل الاقتصاد أكثر دينامية وتنوعاً، لكن شريطة أن تكون هذه الإصلاحات تهدف إلى تخفيف أثر الضبط المالي على النمو[33].

 

خاتمة

بعد الدراسة والتحليل نخلص إلى أن الجزائر لم تفلت من نقمة النفط، التي أصبحت آثار هذه النقمة واضحة بعد الانخفاض المستمر لأسعار البترول التي اقتربت من عشرين دولاراً أمريكياً للبرميل، كما أن الجزائر تشترك في المظاهر التي تظهر بها الدولة الريعية (الفساد، وانعدام الشفافية، والتواطؤ مع الحكومات والشركات الأجنبية…).

لكن الجزائر لديها مقومات النجاح لتحويل النقمة إلى نعمة، فبعد الاعتراف أن الاعتماد على النفط يجعل سياسات وخطط الدولة مهددة بأسعار النفط التي تعرف تذبذبات من حين إلى آخر، يجب المضي لبناء اقتصاد متنوع واستغلال كل الإمكانات التي تزخر بها الجزائر (زراعة، وصناعة، وخدمات، وموارد بشرية)، وهذا يحتاج إلى قرارات اقتصادية قوية معززة بالإرادة السياسية المبنية على الشفافية، والديمقراطية، والعمل وفق مبدأ مصلحة الوطن أولاً.