ملخص:

الاستدامة البيئية والتنمية المستدامة هما معياران مهمّان وأساسيان لرفاهية البشر وضبط النظام البيئي والحفاظ على الموارد الطبيعية. وبناءً عليه، يتطلب ذلك ألّا تؤثر الأنشطة الاقتصادية والصناعية الحالية على رفاه الأجيال الحالية والقادمة، مع مراعاة الأمور الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والإنسانية (الأخلاقية)، فضلاً عن الاستفادة من التطورات التكنولوجية والتقنية أو الفنية. ومع ذلك، لا يزال هناك جدل كبير حول مدى حدوث التغيير والتطور والنمو في أحد هذه الأمور (رأس المال الاقتصادي، على سبيل المثال) على حساب الأمور الأخرى، مع الحفاظ على التوازن العام. في هذه الورقة العلمية الموجزة، تم التحقيق في هذه الأمور للدول العربية بوجه عام، ولدول مجلس التعاون الخليجي بوجه خاص. وكذلك تم تقديم أفكار للتوازن بين الاستدامة البيئية والتنمية المستدامة في المنطقة العربية.

كلمات مفتاحية: الاستدامة البيئية؛ التنمية المستدامة؛ النظام البيئي؛ الموارد الطبيعية؛ اقتصاديات اجتماعية؛ الجغرافيا السياسية؛ المنطقة العربية؛ مجلس التعاون الخليجي.

مقدمة

يتم تعريف الاستدامة البيئية على أنها “التفاعل المسؤول مع البيئة لتجنب استنزاف أو تدهور الموارد الطبيعية، وللسماح بجودة بيئية طويلة الأمد”. أما التنمية المستدامة فتعرَّف بأنها “التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتهم الخاصة”. يغطي هذا التعريف الاستدامة البيئية والاقتصادية والاجتماعية وكذلك الأخلاقية (او ما تدعو إليه الأخلاق الإنسانية للحفاظ على البيئة واستدامتها)، مع الأخذ بعين الاعتبار التطورات التكنولوجيية والتقنية وتجنيدهما في خدمة الاستدامة البيئية والتنمية المستدامة. وفي ما يلي تعريف لبعض أنواع الاستدامة التي تهمنا في هذه الدراسة:

الاستدامة البيئية: هي القدرة على الحفاظ على معدلات استخدام الموارد الطبيعية المتجددة (مثل المياه والتنوع البيولوجي أو الحيوي)، وخفض معدلات التلوث الناتجة من تلوث الهواء والماء والتربة وكذلك عن الضوضاء، وتنظيم عملية استنفاد الموارد غير المتجددة (مثل مصادر الطاقة الأحفورية: النفط والغاز الطبيعي والفحم والصخر الزيتي) بطريقة تستمر إلى أجل غير مسمى، وذلك من أجل استخدامها من جانب الأجيال القادمة.

الاستدامة الاقتصادية: هي القدرة على دعم، إلى أجل غير مسمى، مستوى محدد من الإنتاج الاقتصادي، والذي يجب أن يقود المجتمعات إلى الرخاء والازدهار والاستقرار، وبالتالي توفير الأمن والأمان، ولا سيما الأمن الغذائي والمائي والقومي وكذلك السلم الاهلي والمجتمعي.

الاستدامة الاجتماعية: هي قدرة النظام الاجتماعي، مثل الحي والمجتمع والدولة والأمة والكيان الجيوسياسي، وما إلى ذلك، على العمل، إلى أجل غير مسمى، على إيجاد مستوى محدد من الرفاه الاجتماعي، والذي يتطلب بالتأكيد – كشروط مسبقة – الاستدامة البيئية والاستدامة الاقتصادية.

الاستدامة الأخلاقية: هي تعني أنه من خلال فهم الالتزام الأخلاقي للاستدامة، يمكننا أن نفهم بدقة ما يجب الحفاظ عليه من بيئة وموارد طبيعية وأرض وأنهار وبحار ومحيطات، وما إلى ذلك من معطيات الطبيعة. إذًا لتحقيق الاستدامة في دولة ما، أو مجتمع ما، لا بد إذًا من الفهم على أن الاستدامة البيئية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية – مع تطويع التكنولوجيات والتقنيات الحديثة – تعمل جميعها يدًا بيد من أجل خدمة الفرد والمجتمع والبشرية جمعاء على المدى القصير والبعيد. لذلك، بالنسبة إلى المجتمع الذي يتمتع مواطنوه وسكانه بحياة جيدة، على غرار الوضع في جميع دول مجلس التعاون الخليجي. على سبيل المثال، يجب أن يكون للمجتمع الركائز الأربع للاستدامة (البيئية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية) مع استخدام البعد الفني (التقني) والتكنولوجي.

يتم تبني التنمية المستدامة كدليل للسياسة والإدارة الناجحتين في الهيئات الصغيرة والكبيرة على حد سواء، بما في ذلك الحكومات والشركات والمؤسسات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية والصناعية والخاصة والأكاديمية وغيرها. هنا، يجب التنبيه إلى أربع تحديات لتطبيق مفهوم التنمية المستدامة على أرض الواقع. هذه التحديات الأربعة هي: (1) التغيير: لا بد من التغيير وذلك من أجل الحصول على نتائج أفضل لخدمة البيئة والاقتصاد والمجتمع. المقصود بالتغيير هنا هو تغيير ما اعتاده الفرد أو المجتمع، بما في ذلك تلك الأنشطة أو الأفعال التي تؤثر سلبًا في خصائص النظام الإيكولوجي أو البيئي. وهنا تأتي مقاومة التغيير من جانب الأفراد والمجتمعات. (2) المرونة (القدرة على التكيف والتعافي): إن نجح الفرد والمجتمع في التغيير نحو بيئة أفضل يأتي دور التكيُّف مع المستجدات الناتجة من التغيير. هذا يعني المرونة في القدرة على التكيف والتعافي مما اعتاده الفرد والمجتمع من ممارسات خاطئة. (3) الإدارة المثلى للتنمية المستدامة: هذا يتضمن النظر في عدد لا يحصى من الآثار وتبعاتها الناتجة من التغيير، وذلك عبر مجموعة واسعة من الأنظمة والتطبيقات والسياسات البيئية الفعالة زمانيًا ومكانيًا. (4) عدم اليقين: المطلوب هنا محاربة أو مواجهة عدم اليقين المتأصل والمرتبط بعدم نجاعة الاستدامة البيئية لدى بعض الأفراد والمجتمعات والحكومات، ومحاولة استبدال عدم اليقين بالإيمان واليقين الحتمي بنجاعة الاستدامة البيئية وربطها – قولًا وفعلًا – بالتنمية المستدامة.

ثانيًا: مناقشة

 

1- العوامل المؤثرة في الاستدامة البيئية والتنمية المستدامة في المنطقة العربية

هناك العديد من العوامل أو الدوافع التي تؤثر في الاستدامة البيئية والتي تسير جنبًا إلى جنب مع التنمية المستدامة، والتي تؤدي جميعها – سلبًا أو إيجابًا – إلى التغيرات البيئية. هذه هي بعض العوامل أو الدوافع الأساسية التي من شأنها أن تمكن الهيئات الصغيرة والكبيرة (المذكورة أعلاه) من خلق توازن بين المعيارين (الاستدامة البيئية والتنمية المستدامة) في المنطقة العربية:

أ- ديناميات السكان والتحضّر والاستهلاك والإنتاج

ازداد عدد سكان المنطقة العربية، بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي، زيادة كبيرة في العقود القليلة الماضية. بلغ عدد السكان في الدول العربية مجتمعة في عام 2019 نحو 428 مليون نسمة حيث تضاعف نحو 4.7 مرات منذ عام 1960، إذ كان عندئذ قرابة 92 مليونًا[1]. أضاف التحضر السريع، المرتبط بالانتقال من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية، المزيد من الضغوط على المدن الكبرى، فأدى إلى زيادة الاستهلاك، وبالتالي إلى إنتاج المزيد من النفايات الملوثة للبيئة وعناصرها الثلاثة: الهواء والماء والتربة. هنا يجب الإشارة إلى وجود تفاوتات واسعة في المنطقة العربية في ما يتعلق بأنماط الاستهلاك والإنتاج التي تكمن وراء ديناميات السكان والتحضر. على سبيل المثال تعَد دولتا قطر والإمارات العربية المتحدة في منطفة الخليج العربي من أعلى دول العالم في ما يعرف بـ “بصمة القدم البيئية” (أو البصمة البيئية) على مستوى الفرد[2]. تُعرف البصمة البيئية على أنها مؤشر لقياس تأثير مجتمع معيَّن على كوكب الأرض ونظمه الطبيعية. يوضح لنا مؤشر البصمة البيئية مدى مستوى استدامة نمط عيش سكان دولة ما، ومدى تأثيرهم في كوكب الأرض وضررهم به. يتم التوصل إلى هذه النتيجة من خلال مقارنة استهلاك تلك الدولة للموارد الطبيعية مع قدرة الأرض على تجديد هذه الموارد.

ب- التدهور البيئي واستنزاف الموارد

من الواضح أن البيئة في المنطقة العربية قد تدهورت إلى حد كبير، ومن ناحية أخرى، فإن الموارد الطبيعية، مثل المياه والتنوع البيولوجي (الحيوي)، قد استُنزفت بشكل حاد أو حتى إنها تدهورت كثيرًا. على سبيل المثال، تمثل ندرة المياه في الدول الست لمجلس التعاون الخليجي تحديًا كبيرًا، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الدول تحتل المرتبة الـ 17 الأكثر شحًّا للمياه على وجه الكرة الأرضية[3]. وعلى سبيل المثال أيضًا، فإن سد النهضة الإثيوبي العظيم الذي شيدته الحكومة الإثيوبية على نهر النيل الأزرق يهدد الأمن المائي، وربما الأمن الغذائي المستقبلي، للدولة المصرية التي اعتادت التمتع بكميات هائلة من المياه[4]. أما المثال الآخر على شح المياه بالرغم من وفرتها فهي الحالة الفلسطينية، حيث يسيطر المحتل الاسرائيلي على كل مصادر المياه في فلسطين التاريخية، وبالكاد يحصل الفلسطينيون في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 (قطاع غزة والضفة الغربية ومن ضمنها القدس الشرقية) على 13 بالمئة من مصادرهم المائية[5].

ج- تنفيذ آلية الفصل بين الضغوط على النظام البيئي والنمو الاقتصادي

بسبب الضغوط غير العادية والمتزايدة على الموارد الطبيعية في المنطقة العربية، المرتبطة بالنمو السكاني والاستهلاك الكبير وقلة الإنتاج، هناك حاجة ملحّة لتطبيق آلية الفصل بين الضغوط على النظام البيئي والنمو الاقتصادي. المزيد من الفصل يتطلب توسيع نطاق الممارسات الإيجابية للاستدامة والمزيد من التحولات الأساسية بطريقة ينتج فيها المواطنون أكثر، ويستهلكون أقل، ويتخلصون من نفاياتهم بطرائق رشيدة وصديقة للبيئة. من المرجح أن تكون هذه التحولات أكثر كفاءة وفعالية إذا كانت مدعومة بأهداف طويلة الأمد وشاملة وقائمة على البحث العلمي والتخطيط السليم، والتي توفر الأساس الموضوعي للتوجهات والإجراءات المستقبلية نحو استدامة بيئية وتنمية مستدامة في البلدان العربية. ومع زيادة معدل إنتاج النفايات الصلبة للفرد الواحد عن 1.5 كغم في اليوم في المتوسط، تحتل بعض دول مجلس التعاون الخليجي مرتبة بين أعلى الدول المنتجة للنفايات على مستوى العالم. ولا يزال معدل إعادة التدوير أقل من 5 بالمئة من إجمالي النفايات المنتجة، كما الحال في عام 2012. وبناءً على ذلك، تشير التقديرات إلى أن التكلفة السنوية للضرر الناجم عن الإدارة غير السليمة للنفايات تتجاوز 0.6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية مجتمعة[6].

د- تغير المناخ

يجب أن يكون تغيُّر المناخ قضية أولى وجوهرية، حيث إن التغيرات المناخية تؤثر في صحة الإنسان والنظام البيئي (الهواء والتربة والتنوع البيولوجي والمياه العذبة والبحار والمحيطات والأرض)، والذي يعمل بدوره على تغيير التفاعلات المعقدة بين البشر والبيئة. المخاطر على مستوى المجتمع، المرتبطة بآثار التغير المناخي والتدهور البيئي، تكون أكثر عمقًا وأكبر تأثيرًا بوجه عام في المنطقة العربية، وبخاصة في وجود مناخ شبه جاف إلى جاف يؤثر في المنطقة أكثر فأكثر. من المؤكد أن المنطقة العربية، بما في ذلك منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط ​​، تأثرت – وسوف تتأثر – أكثر فأكثر بتأثيرات التغير المناخي، بما في ذلك نقص حاد في المياه، وزيادة الجفاف، والتقلبات في كميات الأمطار السنوية، وارتفاع درجات الحرارة، وارتفاع مستوى سطح البحر[7]، والهجرة الناتجة مباشرة من تأثيرات التغير المناخي[8]… إلخ. المدن الساحلية في المنطقة العربية، مثل الإسكندرية (مصر) والمنامة (البحرين) وغزة (فلسطين) وغيرها ستكون معرضة لارتفاع مستويات سطح البحر، نتيجة لتغير المناخ والظواهر الجوية الحادة[9]. هذا إضافة إلى أن الجزر، أو المدن الصغيرة التي أنشأتها بعض الدول الخليجية على حساب مياه الخليج العربي – والتي أدت إلى تغيرات سلبية ملموسة في البيئة البحرية المجاورة – ستكون أولى ضحايا ارتفاع مستوى البحر الناتج من التغيرات المناخية.

هـ- ارتفاع معدلات الفقر

بسبب عدم المساواة بتوزيع الثروات والإيرادات بين المواطنين، وكذلك بسبب ارتفاع مستويات الفساد وغياب السياسات الاقتصادية الفعالة، وصل الفقر في البلدان العربية إلى مستويات غير مسبوقة. وبناء عليه فلقد اتسعت الفجوة أكثر فأكثر بين أولئك الذين لديهم الكثير من الثروات والذين لا يوجد لديهم شيء، ولا حتى قوت يومهم. وقد أدى هذا بدوره إلى عدم الاستقرار وأحيانًا إلى النزاعات المسلحة، وكذلك المشاكل الاجتماعية ومنها: انتشار المخدرات وارتفاع نسب الجريمة والطلاق وتشرد الأطفال. هذه المشاكل بدورها أثرت سلبًا في البيئة وخلقت عقبات كبيرة أمام التنمية المستدامة في كثير من البلدان العربية[10].

و- اعطاء دور أكبر للمرأة العربية

سوف يكون لمثل هذا الإجراء تأثير مضاعف في تعزيز الاستدامة البيئية والتنمية المستدامة وحماية النظام الإيكولوجي والعدالة الاجتماعية والعدالة البيئية[11]. هذا مهم جدًا خصوصًا في المناطق الريفية والذي سيساعد المرأة العربية على بناء أسرتها بصورة أفضل ويعمل على الحفاظ على البيئة، ومن ثم يكون رافعة قوية باتجاه التنمية المستدامة في المجتمعات العربية[12].

ز- التقدم في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات

يجب أن يعمل وجود التنوع الواسع في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات – بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي – كآليات توعية فعالة للمساعدة في زيادة الإنتاج وتقليل الاستهلاك وتطبيق طرق فعالة لإعادة التدوير، وكذلك في قطاعَي الصحة والتعليم والعديد من القطاعات الأخرى، وبالتالي حماية البيئة كهدف من أجل الوصول إلى الاستدامة البيئية والتنمية المستدامة[13].

ح- النفايات وإدارتها

على الرغم من أن التنمية الاقتصادية وتقدم التكنولوجيا قد سهَّلت إلى حد كبير حياة الناس، لكن يجب القول أنه كان لها العديد من التأثيرات والعواقب السلبية، خصوصًا في ما يتعلق بتأثيراتها في البيئة. يعاني العالم اليوم من كميات النفايات الضخمة، ومنها الصلبة والسائلة الناتجة من الاستخدامات البشرية. وتنتج هذه النفايات من عدة مصادر، بما في ذلك الطعام الذي يستهلكه البشر، وكذلك الصناعة والمرافق الصحية والتكنولوجيات الحديثة وتطبيقاتها (ومن ضمنها النفايات الكهربائية والإلكترونية) وما إلى ذلك من نفايات مختلفة. وبناءً على ذلك، تتطلب هذه الأنواع المختلفة من النفايات وكمياتها الضخمة تقنيات متقدمة للتعامل معها. البلدان العربية، بوجه عام، مع بعض الاستثناءات القليلة، لم تضع بعد تشريعات مناسبة للتعامل مع النفايات بمختلف أنواعها، ومعايير قانونية واضحة واستراتيجيات طويلة الأمد. كذلك لا توجد هياكل تنظيمية، هذا إضافة إلى النقص الحاد في نظم جمع المواد القابلة لإعادة التدوير، ووجود نسبة عالية من، وتنوع كبير في المواد القابلة للتحلل أثناء وجودها مع النفايات الصلبة، وكذلك وجود بعض المواد السامة والخطرة الناتجة من النفايات الصناعية والطبية والزراعية (مثل المبيدات الحشرية) وما شابه ذلك. هذا فضلًا عن نقص في الفنيين المدربين للتعامل مع النفايات، وعدم تساوي الخدمات المتعلقة بالنفايات بين المناطق الحضرية والريفية، وعدم وجود قاعدة بيانات موثوق بها تتعلق بالنفايات بأنواعها المختلفة وكيقية التعامل معها[14].

ط- الأمن الغذائي

يعَدّ الأمن الغذائي ركيزة أساسية لتقدم المجتمعات وكذلك لأمنها الوطني وهي، على وجه الخصوص، مهمة جدًا بسبب الاستجابة لتزايد عدد السكان وزيادة الاستهلاك. إن انعدام الأمن الغذائي يعني زيادة الضغوط على الأنظمة البيئية والمناخية المختلفة المحلية والعالمية. وتعد الزراعة في العديد من البلدان العربية أكبر مستهلك للمياه، وعندما لا يتم إدارتها على نحو سليم ومستدام، يكون إنتاج الغذاء سببًا رئيسيًا لفقدان التنوع البيولوجي وكذلك لتلوث الهواء والتربة والمياه العذبة والبحار والمحيطات. كما أنه يكون مصدرًا رئيسيا لتدهور التربة وانبعاثات الغازات الدفيئة. وفقًا لإيكاردا (2018)، أكثر من 20 بالمئة من سكان البلدان العربية يعانون الآن، وسوف يعانون أكثر فأكثر، غياب أو فقدان الأمن الغذائي بسبب النزاعات الداخلية والبينية والفقر والبطالة وتأثير تغير المناخ والادارة غير السليمة للموارد الطبيعية ومنها الماء بالرغم من شحه[15]. وكمستورد للغذاء، تحتاج المنطقة العربية إلى حلول جذرية لحماية المستهلكين – وخصوصًا الفقراء منهم – من تقلبات أسعار المواد الغذائية. لذلك، من المهم جدا الاستثمار السليم في الاستخدام الأمثل للأراضي وكفاءة استخدام المياه وذلك لتعزيز إنتاجية المحاصيل، مما سيساهم بشكل كبير وناجح في الاستدامة البيئية والتنمية المستدامة.

 

2- أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة وعلاقتها بالمنطقة العربية

تعتبر أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة بمثابة بصمة متميزة لتحقيق مستقبل أفضل وأكثر استدامة للجميع. تتصدى أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر للتحديات العالمية التي تواجهها الإنسانية، بما في ذلك تلك المتعلقة بالفقر وعدم المساواة وتغير المناخ والتدهور البيئي والسلام والعدالة.

هذه الأهداف كلها مترابطة، ومن أجل عدم تخلف أحد عن الركب الدولي، من المهم أن يحتاج الناس في جميع أنحاء العالم إلى تحقيق كل تلك الأهداف بحلول عام 2030. أهداف التنمية المستدامة الـ 17 للأمم المتحدة هي: (1) الفقر؛ (2) القضاء على الجوع؛ (3) صحة جيدة ورفاهية للبشرية؛ (4) جودة التعليم؛ (5) المساواة بين الجنسين؛ (6) المياه النظيفة والصرف الصحي؛ (7) طاقة نظيفة وبأسعار معقولة؛ (8) العمل اللائق والنمو الاقتصادي؛ (9) الصناعة والابتكار والبنية التحتية؛ (10) الحد من عدم المساواة؛ (11) المدن والمجتمعات المستدامة؛ (12) الاستهلاك والإنتاج المعقول؛ (13) تغير المناخ وتأثيراته؛ (14) الحياة تحت الماء؛ (15) الحياة على الأرض؛ (16) الدفاع عن حقوق الإنسان؛ (17) شراكات من أجل تحقيق تلك الأهداف[16].

جدير بالذكر أن العديد من البلدان العربية، بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي، تتحرك بعد سنوات عديدة من التردد نحو العمل على تحقيق وتنفيذ أهداف التنمية المستدامة – ولو البعض منها – بحلول عام 2030، وذلك بناء على منظور الأمم المتحدة. وفي ما يتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي، تزامنت فترة النمو المرتفع الذي بدأ في السبعينيات من القرن الماضي مع ظهور أجندة الاستدامة العالمية بعد “مؤتمر الأمم المتحدة الأول حول البيئة البشرية” الذي عقد في عام 1972 في ستوكهولم، السويد[17]. بدأت دول مجلس التعاون الخليجي في ممارسة المزيد من السيطرة على إمدادات النفط وأسعاره مع تزايد الطلب العالمي عليه بين عامي 1965 و1973، عندئذ بدأت قي دول الخليج المشاريع التطويرية – وخصوصًا مشاريع البنية التحتية.

3- الموارد الطبيعية (النفط والغاز الطبيعي) والاضطرابات وعدم الاستقرار في المنطقة العربية

إن قفزة أسعار النفط في العقود الثلاثة، أو الأربعة الماضية، مكنت الدول المنتجة للنفط في المنطقة العربية، والتي تتصدرها دول مجلس التعاون الخليجي، من تحقيق إنجازات كبيرة تتعلق بالتنمية في قطاعات الحياة المختلفة، بما في ذلك المجتمعية والاقتصادية والصحية والتعليمية والبنى التحتية والإنشاءات والاتصالات والنقل، وما إلى ذلك من قطاعات أخرى. ومع ذلك، فإن وجود النفط في منطقة الخليج – بوجه خاص – والبلدان العربية الأخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – بوجه عام، إضافة إلى قفزة أسعاره جاء على حساب ديناميات أخرى، والتي أثرت كثيرًا في المنطقة العربية، بما في ذلك التأثيرات السلبية في البيئة وكذلك عدم الاستقرار الجيوسياسي، حيث اندلعت العديد من الحروب في المنطقة على مدى العقود الماضية وحتى الآن. وعليه، يرى العديد من المراقبين (أكاديميين وسياسيين وآخرين من نخب مختلفة) أن وجود النفط والغاز الطبيعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (بما في ذلك منطقة الخليج) كان ولا يزال أحد الأسباب الرئيسية وراء عدم الاستقرار والصراعات العسكرية العديدة التي ألهبت المنطقة العربية برمّتها. إضافة إلى ذلك، فإن احتياطيات النفط الضخمة في منطقة الخليج بخاصة، والشرق الاوسط وشمال أفريقيا بعامة، فتحت شهية القوى العظمى حيث جذبتها إلى المنطقة العربية، فأدت إلى إنشائها قواعد عسكرية ضخمة وخصوصًا في كل البلدان العربية في منطقة الخليج[18].

4- اختلاط اقتصاديات النفط والغاز الطبيعي بالسياسة

يمكن القول إن الوضع المتقلب الذي طال أمده في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بوجه عام، وفي منطقة الخليج العربي على وجه الخصوص، يشير بقوة إلى أن اقتصاديات النفط اختلطت بعمق مع السياسة[19]. يعزى الاضطراب المستمر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والذي أدى إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة وأثر في العالم بأسره في فترات مختلفة وفي مناسبات عديدة، يعزى إلى حد كبير إلى أربعة أسباب رئيسية. تلك الأسباب أثرت – وما زالت تؤثر – بصورة ملحوظة في غياب الاستدامة البيئية والتنمية المستدامة في المنطقة العربية، والتي هي:

أ- وقوف الإدارة الأمريكية المنحاز بقوة تجاه إسرائيل

على الرغم من أن دولة اسرائيل تم تأسيسها بصورة غير عادلة في أيار /مايو من عام 1948 على 78 بالمئة من أرض فلسطين التاريخية وعلى حساب معاناة الشعب الفلسطيني (السكان الأصليين للأرض)، وعلى الرغم من أن إسرائيل احتلت بقية فلسطين التاريخية في حزيران/ يونيو من عام 1967، لم تتوقف الإدارة الأمريكية – أبدًا ومن دون قيد أو شرط وبصورة غير منصفة –عن دعمها المستمر لإسرائيل لعقود، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وماليًا وإعلاميًا، وما إلى ذلك من أشكال الدعم المختلقة. هذا بالرغم من أن إسرائيل – ومنذ تأسيسها في عام 1948 – ارتكبت العديد من الانتهاكات بحق الإنسان الفلسطيني وأرضه وبيئته وممتلكاته – والتي تعّدّ كلها مخالفات صارخة للقانون الدولي[20].

ب- الوجود والتأثير العسكري للولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي والمنطقة العربية بأكملها

أدى ذلك الوجود والتأثير إلى إشعال النار بين عدة أطراف ومنها المحلي والاقليمي والدولي. هذا الحال يطرح سؤالًا مهمًا وهو: هل الوجود العسكري الامريكي في المنطقة العربية أدى إلى السلام والاستقرار، أم أنه أجج حروبًا ونزاعات طاحنة لا أول لها ولا آخر؟ وهل الهيمنة العسكرية الأمريكية على منابع النفط في المنطقة أدت إلى الحد من النزاعات الإقليمية، أم أن تلك الهيمنة أدت إلى صراعات عسكرية كانت – وما زالت – نتائجها كارثية في ما يتعلق بالإنسان العربي وصحته ومستقبله ومستقبل أولاده وأرضه ووطنه وموارده الطبيعية. كل ذلك أثر سلبًا – بالتأكيد – في الإنسان والبيئة والنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة. وبناء على ذلك يمكن القول أن الهيمنة الأمريكية وتبعاتها كانت عائقًا للاستقرار والتنمية في المنطقة العربية وليست ضامنًا لهما[21]. وكما يرى البعض، فإن ما بدأ كسياسة أمريكية لمنع الآخرين من إقامة الهيمنة على المياه الغنية بالنفط في منطقة الخليج العربي تحول إلى سياسة تأكيد للهيمنة الأمريكية على المنطقة. ومنذ غزو الولايات المتحدة للعراق واحتلاله في آذار/ مارس من عام 2003، لم يشهد العراق وبقية منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – وبالتحديد منطقة الخليج العربي – أي استقرار على الإطلاق. استمرت التطورات الدرامية في الظهور في المنطقة العربية بعد الغزو الأمريكي للعراق حيث كان ذلك على شكل احتلال طويل الأمد. ولكن الغريب في الأمر أنه وبعد الغزو الامريكي للعراق واحتلال أرضه جاءت الدعوة الأمريكية إلى “دمقرطة” واسعة النطاق وإعادة تشكيل الشرق الأوسط بأكمله (لما سُمي بالشرق الأوسط الجديد أو الكبير تكون لإسرائيل فيه اليد العليا) وبالطريقة التي تريدها الولايات المتحدة الأمريكية، لا العرب أنفسهم – أهل المنطقة. ولكن مع تراجع أهمية البترول عالميًا، وأمريكيا بوجه خاص، وذلك بسبب اكتشاف مخزون هائل من الصخر الزيتي لدى الولايات المتحدة الامريكية[22]، بدأ الاهتمام الأمريكي بالتراجع في منطقة الخليج على وجه الخصوص[23]. ولكن اسرائيل تبقى الرقم الصعب – بل الأصعب – بالنسبة إلى السياسات الخارجية للولايات المتحدة الامريكية. ولكي تضمن أمن إسرائيل قي المنطقة العربية، كان لا بد للولايات المتحدة الأمريكية من أن تضغط على الأنظمة الرسمية العربية من أجل أن تقيم اتفاقيات سلام مع البلدان العربية[24]. وهذا ما حصل فعلًا في الفترة الأخيرة بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، وفي طريقه أن يحصل أيضًا مع دول عربية أخرى.

ج- عدم وجود أنظمة سياسية ديمقراطية وعدم احترام حقوق الإنسان

في المنطقة العربية بعامة، بما في ذلك منطقة الخليج، لا توجد أنظمة ديمقراطية تقوم على انتخابات عامة حرة ونزيهة وشفافة. البلدان العربية الـ 22 تحكمها إما أنظمة ملكية أو رئاسية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن بعض البلدان العربية تسمح بانتخابات برلمانية حرة، مثل الكويت والعراق والأردن ولبنان ومصر وتونس والجزائر والمغرب. هذا على الرغم من الحقيقة المُرة أن حتى هذه الانتخابات تتأثر بشدة بالقبيلة والعرق والدين والطائفة والمذهب والأحوال الاجتماعية والاقتصادية للمرشحين والثروة وعلاقات الصداقة والقرابة، علاوة على السلوك السلبي لبعص المرشحين مثل الرشوة، وما إلى ذلك من أوجه الفساد. ومع ذلك، فإن المواطنين في كل البلدان العربية متعطشون للديمقراطية التي يجب أن تنشأ بحرية وشفافية ودون عنف وسفك للدماء، والأهم من ذلك، دون تدخلات أو ضغوط أجنبية. وبناءً على ذلك، يجب على الدول الرأسمالية الغربية أن تفهم أن الديمقراطية وعملية التحول الديمقراطي في المنطقة العربية لا يجب أن تأتي من الخارج أو من خلال البوابات الأمريكية، ويجب أيضًا أن لا يتم فرضها من جانب لاعبين دوليين أو إقليميين آخرين بسبب مصالحهم الخاصة، بل يجب أن تكون نابعة من قناعة تامة لدى المواطنين العرب والأقليات التي تعيش بين ظهرانيهم – أولئك الذين يبحثون عن تغييرات سلمية وبناءة. في الواقع، لا يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي، وكذلك بقية البلدان العربية أن تتبنى الديمقراطية بشكل كامل طالما أن المنطقة العربية تسيطر عليها الحروب وعدم الاستقرار والتدخلات الأجنيية من كل حدب وصوب، وطالما أن علاقاتها مع القوى الغربية الرئيسية (وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية) تهيمن عليها مصالح تلك الدول الغربية في الحصول على إمدادات النفط وبأسعار متدنية، وكذلك بيع الأسلحة المتطورة من أجل ضمان استمرارية اشتعال الحروب في المنطقة العربية. في دول مجلس التعاون الخليجي وبقية الدول في المنطقة العربية، الشعوب العربية تتحدث بصورة روتينية عن أفكارها ومخاوفها وقلقها وآلامها وآمالها وتطلعاتها. كذلك فإن تلك الشعوب تصر على ضرورة الانفتاح والشفافية، وكذلك المشاركة في عملية صنع القرارات التي تهمهم في ما يتعلق بحاضرهم ومستقبلهم ومستقبل الأجيال القادمة. هذا إضافة إلى ما يتعلق بأمنهم الشخصي والمجتمعي والوطني، وذلك بخصوص المسائل الداخلية التي تخصهم، فضلًا عن قضايا السياسة الخارجية الرئيسية التي تخص مجتمعاتهم واوطانهم. بناء على شادي حامد (2011) فإن الولايات المتحدة الامريكية والقوى الغربية الأخرى دعمت ما سمي “الإصلاح”، لكنهم في المقابل لم يكونوا مهتمين بإلغاء الواقع أو الدور الذي منحتهم إياه طواعية الأنظمة العربية، مع الأخذ بالاعتبار أنها أنظمة غير شرعية. هذا صحيح ولا سيما أن تلك الأنظمة العربية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من ترتيب استراتيجي مريح للولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى حيث يؤمن لها مصالحها في المنطقة العربية، بما في ذلك الأوضاع العسكرية المتقدمة لتلك الدول الغربية، والوصول إلى موارد الطاقة بسهولة، وتوفير الأمن والأمان لدولة إسرائيل[25].

د- الافتقار إلى الحوكمة الرشيدة للموارد الطبيعية وغياب التوزيع العادل لإيراداتها

على الصعيد الدولي، تم تعزيز شفافية إدارة الموارد الطبيعية من خلال مبادرات مختلفة – منها على سبيل المثال لا الحصر – “مبادرة شفافية الصناعات الاستخراجية” كوسيلة لزيادة المساءلة ومعالجة ما هو معروف باسم “لعنة الموارد”[26]. جلبت الموارد الطبيعية، بما في ذلك المياه والمعادن والفلزات والفحم والنفط والغاز الطبيعي والصخر الزيتي، وما إلى ذلك من مصادر طبيعية، جلبت ثروات كبيرة للعديد من الدول حول العالم، منها بالطبع دول مجلس التعاون الخليجي. الإيرادات الضخمة لتلك الموارد أو المصادر الطبيعية ساهمت في تحسين وتسهيل سبل عيش المواطنين في بعض تلك الدول وعملت كذلك على رفاهيتهم ووفرت لهم الأمن الغذائي وعملت على تحسين الأداء لاقتصاديات بعض تلك الدول. كما أنها ساعدت على تحسين قطاعات التجارة والصناعة والصحة والتعليم والبنى التحتية والاتصالات وغيرها، ووفرت أيضًا مشاريع ضخمة على المستويات المحلية والوطنية والإقليمية والدولية.

الحوكمة الرشيدة للموارد الطبيعية في دولة ما تعني تفعيل المؤسسات والمعايير والعمليات التي تحدد كيفية ممارسة السلطة الحاكمة في هذه الدولة أو تلك لمسؤولياتها على مواردها الطبيعية، وكذلك كيفية اتخاذ القرارات المتعلقة بتلك الموارد وكيفية مشاركة المواطنين – رجالًا ونساءً وسكانًا أصليين ومجتمعات محلية – في إدارة تلك الموارد الطبيعية والاستفادة منها الآن ومستقبلًا على أفضل وجه ممكن. وعليه، يجب أن تسهم ثروات الموارد الطبيعية في تحقيق نتائج إيجابية نحو تنمية مستدامة ناجحة وفعالة لتستفيد منها الأجيال الحالية والأجيال القادمة في كل البلدان العربية. ولكن – للأسف – فإن العديد من البلدان العربية الغنية بالموارد الطبيعية تعاني عدم الاستدامة، وذلك بسبب الصراعات الدائمة، ووجود المؤسسات المختلة أو المعتلة، وكذلك سوء الإدارة وغياب الحوكمة الرشيدة، أضف إلى ذلك الفساد وضعف الأداء الاقتصادي.

5- الاضطرابات الجيوسياسية في المنطقة العربية على الرغم من تجانس شعوبها

على الرغم من الدرجة العالية نسبيًا من التجانس الثقافي واللغوي والديني والتاريخي لشعوب المنطقة العربية – على الأقل مقارنةً بمناطق أخرى حول العالم، إلا أن البلدان العربية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كانت منذ عام 1990 مسرحًا لأحداث جيوسياسية درامية ودامية شملت وما زالت حروبا طاحنة – قصيرة الأمد وطويلة الأمد – وثورات وكذلك انتفاضات شعبية وعمليات ارهابية كبيرة قتلت الكثير من الأبرياء ودمرت الكثير من الممتلكات ومن الإنجازات والبنى التحتية. هذا إضافة إلى محاولات خارجية مختلفة لإعادة رسم الخريطة الجغرافية السياسية (الجيوسياسية) الإقليمية للوطن العربي. وفي هذا السياق، يمكن للمرء أن يتساءل: ما الصلة بين هذه الاضطرابات الجيوسياسية ومستوى التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالرغم من كل درجات التجانس (هيتروجينيا) الكبرى فيما بينها؟ من المؤكد أن عدم المساواة وغياب العدالة الاجتماعية في ما يتعلق بتوزيع الثروات، وكذلك وجود الفساد المستشري أكثر فأكثر في البلدان العربية والذي أثر ويؤثر سلبًا في المشهدين الاجتماعي والاقتصادي[27]. هذا إضافة إلى التدخلات الأجنبية في المنطقة العربية وشؤون دولها – كما ذكر آنفًا – ساهمت كلها، وإلى حد كبير في تأجيج الصراعات والتي أدت بدورها إلى عدم الاستقرار في العديد من البلدان العربية.

وعلى غرار المناطق الأخرى من العالم ذات التوزيع غير المتكافئ للثروات، تتميز البلدان العربية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بهيكلية اجتماعية اقتصادية مزدوجة. وهذا يعني أن هناك مجموعة غنية للغاية تتربع عل رأس الهرم المالي وتستحوذ على قدر كبير من الثروات، حيث إن مستويات دخلها يمكن مقارنتها على نطاق واسع مع نظيراتها في البلدان ذات الدخل المرتفع مثل الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية واليابان – وربما أكثر. وفي المقابل هناك كتلة أو فئة أو طبقة كبيرة من المواطنين – والتي تمثل السواد الأعظم من سكان البلدان العربية – لا تملك إلا القليل وبالكاد تستحوذ على قوت يومها كما ذكر آنفًا. تعكس هذه الهيكلية الاجتماعية الاقتصادية المزدوجة غياب “الطبقة المتوسطة” والتي يجب أن يكون لها حصة الأسد في تلك الهيكلية في البلدان العربية، وهو ما أدى ويؤدي إلى خلل كبير في البنى الاجتماعية والاقتصاديةـ ويؤثر سلبًا في الاستدامة البيئية والتنمية المستدامة في البلدان العربية. وللعلم فإن الفساد المستشري في البلدان العربية وكذلك الصراعات الداخلية والبينية، إضافة إلى السياسات اللامنهجية والخاطئة في معظم الأحيان للحكومات العربية أوقعت دولها في مشاكل اقتصادية لا حصر لها. فعلى سبيل المثال لا الحصر – في هذا الخصوص – واستنادًا إلى بيانات عام 2015، كان لدى دول مجلس التعاون الخليجي عجز مالي بلغ 136 مليار دولار أمريكي، وتتحمل السعودية نحو 129 مليار دولار أمريكي (وهو ما يعادل عجزًا بنسبة 19.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة في عام 2015)[28].

ثالثًا: استنتاجات وتوصيات

على الرغم من توافر الكثير من الموارد الطبيعية في البلدان العربية (على سبيل المثال لا الحصر: الطاقات الأحفورية والمتجددة والمعادن والفلزات والتنوع البيولوجي وغيرها الكثير) وعائداتها الهائلة، وعلى الرغم من التجانس الثقافي واللغوي والتاريخي والديني الذي يميز المجتمعات العربية، فإن الدول العربية تعاني مشاكل عديدة لا حصر لها. ومن بين تلك المشاكل الافتقار إلى الاستدامة البيئية والتنمية المستدامة. هذا في حين أن توافر هذين المعيارين ضروري ومهم لإيجاد معادلة الرخاء والازدهار والاستقرار، والتي يمكن صوغها كما يلي: استدامة اقتصادية + استدامة اجتماعية + استدامة بيئية + استدامة أخلاقية + استخدام الوسائل التكنولوجية والتقنية الحديثة + تشجيع الابتكارات + دعم البحث العلمي = رخاء وازدهار واستقرار للفرد والمجتمع والدولة. وبوجه عام، لا يتوافر – للأسف – أي من هذه المكونات في كثير من البلدان العربية. لذلك فإنه من الصعب القول أن البلدان العربية بمجملها ستحقق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة بحلول عام 2030 كما خططت لذلك الأمم المتحدة.

وبالرغم من ذلك، لا يزال أمام الحكومات العربية ومؤسساتها عشر سنوات حتى عام 2030 لتحقيق بعض أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة. وبناء على ذلك، هناك حاجة ماسة لتحقيق توازن بين الاستدامة البيئية والتنمية المستدامة في المنطقة العربية، كما نوقش في هذه الورقة البحثية المختصرة. وهذا يتطلب تنفيذ متطلبات أساسية، بما في ذلك – على سبيل المثال لا الحصر: (1) إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وبقية الأراضي العربية التي احتلت عام 1967؛ (2) وقف جميع أشكال النزاعات داخل البلدان العربية وفيما بينها؛ (3) تقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء؛ (4) توزيع إيرادات الموارد الطبيعية بطريقة عادلة بين جميع المواطنين ومن ضمنهم الأقليات؛ (5) إتاحة الفرصة لكل المواطنين في المجتمعات العربية – بما في ذلك الأقليات – المشاركة الكاملة في انتخابات شفافة ونزيهة، وكذلك المشاركة في صنع القرارات التي تؤثر في حاضرهم ومستقبلهم، وكذلك احترام حقوق الإنسان؛ (6) زيادة الاهتمام برفاهية المواطنين من خلال زيادة الإنفاق وخصوصًا في ما يتعلق ببرامج الصحة والتعليم والبحث العلمي والتطوير؛ (7) منح المزيد من الاهتمام والتقدير والاحترام للباحثين والعلماء وذلك بدعمهم من خلال تمويل برامجهم ومشاريعهم البحثية والاستشارية وتشجيعهم على زيادة البحث والتأليف والنشر، وبالتالي تشجيعهم على البقاء في بلدانهم الأصلية بدلاً من الهجرة إلى بلدان أخرى، وهو ما أدى ويؤدي إلى المزيد من هجرة الكفاءات – تلك الظاهرة التي باتت تعرف بـ “هجرة الأدمغة والكفاءات” من الوطن العربي؛ (8) تشجيع الإنتاج المحلي وذلك من خلال قطاعات الزراعة والصناعة من أجل الاعتماد على الذات والحد من الاستيراد من الخارج، وهذا بدوره ينمي الطاقات ويبني الكفاءات الوطنية في كل الدول العربية – مستذكرين بذلك القول العربي: “لا بارك الله في قوم يأكلون مما لا يزرعون ويلبسون مما لا يصنعون”، أو كما نسب للشاعر والمفكر العربي الكبير جبران خليل جبران: “…. ويل لأمة تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر …” (جبران خليل جبران – ويلات وطن)[29].

 

اقرؤوا أيضاً  التدهور البيئي في الوطن العربي: التحدي لاستدامة الحياة

#مركز_دراسات_الوحدة_العربية #التدهور_البيئي #المنطقة_العربية_والبيئة #التنمية_المستدامة_في_المنطقة_العربية

#المناخ #مجلس_التعاون_الخليجي_والتنمية #النمو_الاقتصادي_في_المنطقة_العربية #الموارد_الطبيعية_في_المنطقة_العربية #الحوكمة_الرشيدة