كل كيان إنساني يحوز ما يختزله في علاقاته بإحداثيات وجوده، له هويته الخاصة، تاريخيًا وحضاريًا، تراث شاهد عليه، موروثات ورثها عن الأسلاف، فينقلها عبر الأجيال، في كل أشكالها وتلاوينها، المادية والرمزية، في رمزيتها لهوية إنسانية خاصة بأقلية أو شعب أو أمة، تسترسل في شرايين كتلة بشرية ما، حيث تساهم في تمتين الأواصر بين الأفراد والجماعات ومجموع مكونات الكتل الإنسانية في اتصال دائم بين الماضي والحاضر والمستقبل.
فالشعوب المغاربية لا تشذ عن هذه الخطاطة النظرية في علاقاتها بما يمثل كينونتها الوجودية؛ شعوب بدورها تتملك كل مقومات الحضارة، قديمًا وحديثًا، مع بداية أول بذرة تجمِّع سكاني بجغرافيتها، بانية صروحها عبر كل محطة تاريخية، في تماس وتفاعل وتلاقح مع كل من وفد إلى ربوعها، سواءٌ غازيًا محتلًا، أو فاتحًا لها حاملًا معه مشروع نشر دين جديد… وما إلى ذلك في تفاعلات علاقات الشعوب والأمم بعضها ببعض.
أولًا: التاريخ والتراث
بداية، لا بد أن نقرّ بكون شعوب الدول المغاربية لها كل مقومات المشترك التراثي فيما بين أفرادها وجماعاتها وإنسياتها، تكونت عبر مراحل تاريخية ممتدة، من الماضي الغابر إلى الحاضر المسترسل، والمفروض تحيينها وإعادة بنائها من جانب جميع فعالياتها، فردية وجماعية ومؤسسيًا، نحو مستقبل له جذوره الضاربة عمقًا في التاريخ المغاربي، في أفق تمتين روابط اللحمة المغاربية، وتعزيز التساكن والتعايش وإحلال قيم السلام والسلم بين شعوبه ودوله، عملًا بتضافر الجهود وبذل المزيد من التعاون والتآزر لأجل الرقي الحضاري على كل الصعد، وتحقيق كل التطلعات والآمال التاريخية المنشودة في مخيلة كينونات مكوناتها الإنسية كافة، مع العزم على تضافر كل الإرادات والعزائم لأجل بسط نفوذ الوجود الفعلي كقوة إقليمية فعلية وموطئ قدم ندًا للند في علاقاتها مع الأمم الأخرى.
فالشعوب التي تطاردها المشاعر السلبية والتخوفات الحراكية وانفعالاتها الوجدانية المرضية وتفاعلاتها غير السوية مع أوضاعها على اختلافها، وتفترق بها السبل، لا يمكنها أن تحوز درجة عالية من التقدم بين الأمم الأخرى، إذ لا يمكن الققز على جدليات التاريخ والاجتماع والثقافة والأيديولوجيا والسياسة، إذا ما أردنا خلق دول قوية برجالاتها وشعوبها في مستوى تحديات كل مرحلة من مراحل التاريخ، وهو ما يتطلب من شعوب المنطقة المغاربية التخلص من الأنماط السلبية في تعاطيها مع كل مقومات وجودها ومعطياته المتعددة بغير ما يعتمل آنيًا في علاقاتها بذواتها في كل المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، والأيديولوجية.
ثانيًا: المشترك المغاربي والجغرافيا
الجغرافيا وطن، الجغرافيا انتماء، الجغرافيا امتداد لكل ما يمثل كل الانتماءات اللصيقة بالأفراد والشعوب والأمم. الجغرافيا حاضنة لكل بذرة من وجود الإنسان على رقعة ما. شعوب المنطقة المغاربية لها جغرافياها الخاصة بها، تقع في شمال القارة الأفريقية، تطل على البحر الأبيض المتوسط شمالًا، المحيط الأطلسي غربًا، يحدها شرقًا مصر، جنوبًا السودان والتشاد والنيجر ومالي.
إنها في داخل جغرافيا ذات مميزات خاصة، كونها تمثل جزءًا مهمًا من جغرافيا منفتحة بعضها على بعض، ألا وهي جغرافيا البحر الأبيض المتوسط. تلاقحت مكوناتها عبر مراحل تاريخية ضاربة في القِدم، من طريق حضارات مرت بمراحل متعددة وغنية في كل مستوياتها، في كنف إمبراطوريات تعاقبت في حكمها عبر ربوعها الممتدة، وبسط نفوذها عليها، إلى أن استقرت بها الحال على هذه الشاكلة من المعطيات التاريحية والحضارية، فكان من أقدار التاريخ أن ينفصل شمالها عن جنوبها، وشرقها عن غربها، وجزؤها عن مراكزها، في شكل دول وأوطان وجغرافيات يرتبط بعضها ببعض بحسب ما أنتجته تدافعات التاريخ والصراعات التي حصلت في ما سبق من مراحل تاريخية معينة، وتشكلت معها وحدات انتماء لكل فضاء بحسب مكوناته العرقية/الإثنية الدينية والثقافية والحضارية.
فالجغرافيا لها وظائف جمّة في صبغ كائناتها بملامح وخصوصيات مميزة، وباختلافات وتباينات يتسم بها من يستوطنها من أفراد وجماعات وشعوب عن من يستوطن بقاعًا أخرى من المعمورة. وقد تعدل من جينات كائناتها الإنسانية، من خلال التفاعلات القائمة بداخلها، وتعمل على إنتاج وإعادة إنتاج معطياتها المادية والرمزية وفق علاقات بناها البشرية والثقافية والاجتماعية. إنها حاضنة للعمران البشري في كل أنماطه وصوره، واشتغالاته وإنتاجاته، وأعماله وتكسباته، وكذا بناءات إعماره، فلا مناص من وجود ما يميِّز كل إنسية عن باقي الإنسيات الأخرى انطلاقًا من وجودها في رقعة جغرافية ما، بحسب موقعها ومناخاتها وتضاريس طبيعتها، وهو ما يفرض على كل مُنتمٍ إليها أن يطبع بطبائع وسمات خاصة بذاتها في كيان الإنسية المستوطنة، تتجسد في طرق العيش والعادات والتقاليد وتصوراتها وأنماط تفكيرها، ومدى تمدنها وكيفيات هندسة عماراتها ومنازلها…
كل هذا يسمح لنا بالقول إن ما توجد عليه الشعوب المغاربية هو من صميم انتماءاتها وتقاطعاتها اللصيقة بموقعها الجغرافي الخاص بها، في كل خانات حيواتها الفردية والجماعية والشعوبية، وأما التباين الممكن فرزه فيما بين مكونات إنسياتها فقد ينم عن علامة إعادة إنتاج شكل من الأشكال المعطاة ثقافيًا وحضاريًا، أو تلاقح مع نمط ما قد يكون وافدًا، أو إنتاج خاص من صميم التجارب والتفاعلات المحدثة في جزء من جغرافيته.
تشترك الشعوب المغاربية في كل شيء، وتتقارب أنماطها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية إلى حد عدم الفصل بين من يقطن مراكزها المدينية ومن يقطن هوامشها، وبين من يسكن مدينة أو قرية في وطن من أوطانها ومن يسكن في وطن آخر في شرقها أو غربها. لذا حريٌّ بنا القول والتسليم بما لا يخضع للشك أن كل ما يجمع شعوب الجغرافيا المغاربية أكثر كثيرًا مما يفرقها، وتحظى بإجماع كل المنتمين إليها، تصورًا وحياةً، وبقدر ما نتأمل في كل ما هو معطى بها، نزداد يقينًا أن كل وحدة من وحداتها تمثل عرى وثيقة بين أفرادها وإنسياتها, وتتعدد أواصرها من الخاص إلى العام.
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 533 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:
المصادر:
نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 533 في تموز/يوليو 2023.
[1]عبد المجيد بن شاوية: كاتب مغربي مهتم بالقضايا الفكرية والثقافية، وباحث في الشؤون المغاربية.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



