طُرح الكثير من التساؤلات لمّا أُعلن عن إفلاس ثلاثة مصارف أمريكية بداية آذار/مارس 2023 وحصول ارتباك كبير في الأسواق المالية. ودارت كل هذه التساؤلات حول طبيعة الحدث وأسبابه وتداعياته، وهذا ما سأحاول الإجابة عنه من خلال هذا المقال. وإن كانت هذه الأزمة مرتبطة بطبيعة الرأسمالية، إلا أنه يمكن رصد بدايتها في سنة 2020، مع تعطّل الإنتاج والتوزيع في العالم الذي رافق جائحة كورونا، حيث حصل تضخم بسبب اختلال في التوازن بين العرض والطلب. وهذا كان وراء قرار المصارف المركزية القاضي برفع معدلات الفائدة الذي خلق متاعب لبعض المصارف ولعموم الشعب. ونظرًا إلى ارتباط كل القطاعات الاقتصادية بالأسواق المالية فالتساؤل عن استمرارية الرأسمالية أو انهيارها يبقى مشروعًا، لكن الأرجح هو كيفما كان كانت حدة الأزمة، فالرأسمالية لن تنهار من تلقاء نفسها ولن تتحول نحو النظام الاشتراكي ما لم تنتظم الطبقة العاملة وتفرز قيادتها الواعية بهذه المهمة وتنجزها بكل ما تقتضي الظرفية من حزم. أما في غياب ذلك، فالرأسمالية تتطور وتتجدد دائمًا من خلال أزماتها.

ما عشناه خلال شهر آذار/مارس عاد بالذاكرة الجماعية إلى الأزمة المالية لسنتي 2008-2009 وما تلاهما. وإذا شئنا المقارنة بينها وبين أزمة 2023، فوجه الشبه أنهما بدأتا بإعلان إفلاس مصارف أمريكية. أما أوجه الاختلاف، فنذكر منها أن أزمة 2008 كانت أعمّ، بحيث تأثر بها كثير من القطاعات الاقتصادية وكثير من البلدان. في تلك السنة، بدأت الأزمة بعجز عام لزبائن مصارف أمريكية عن تسديد القروض العقارية وانخفاض مهول في ثمن العقار بالبلد. وبسبب هذا الانخفاض، كانت المصارف غير قادرة على استخلاص أموال كافية لتسديد ما عليها من ديون حتى وإن وضعت يدها على العقارات التي كانت تتسلمها كضمانات للقروض بمقتضى عقود قانونية. وهكذا، فالمصارف التي كانت تعتمد بدرجة كبيرة على القروض العقارية، انهارت وأثرت في القطاع المالي بأكمله داخل أمريكا وخارجها.

أما أزمة هذه السنة، فترتبط بتداعيات الصعوبات التي يعانيها قطاع الأموال الإلكترونية وارتفاع معدل الفائدة على القروض. فالنسبة الكبرى من استثمارات المصارف الثلاثة التي أفلست كانت على نحو سندات طويلة الأمد للخزينة الأمريكية. وكما هو معروف، فهذا النوع من الاستثمار يعدّ الأكثر ضمانًا، لأن الخزينة تؤدي الفوائد السنوية وأصل (ثمن) السند عند حلول الأجل من دون مماطلة. وعرف الجميع أن الدولة الأمريكية ليست في حالة إفلاس رغم حجم الدين، وكل الحروب التي تخوضها لا تمثل إلى حد الآن أي تهديد لكيانها، لأنها تدار خارج بلدها وضد جيوش صغيرة. ولمزيد من التوضيح، وإذا تجاوزنا التسميات، فالشخص الذي يشتري سند الخزينة، في الواقع، يقرض الدولة إلى أجل مسمى مقابل الحصول على فوائد سنوية. لكن هذه الفوائد تكون منخفضة جدًا مقارنة بالسوق لأن خطر ضياع الأموال المستثمرة منخفض جدًا. أما الخطر الذي يواجه السندات فهو أنها تفقد جزءًا من قيمتها مع كل ارتفاع لنسبة الفائدة في السوق. مثال ذلك: شخص «أ» اقترض 1000 دولار لشراء سند أجله سنة واحدة ويعود عليه بـ 1 بالمئة كفائدة سنوية. نفترض أن نسبة الفائدة على قرض الشخص هو 0 بالمئة. في نهاية السنة، بعد تسديد قرضه، سيحصل الشخص على دخل صافٍ يقدر ب 10 دولارات، ومباشرة بعد الشراء، ارتفع سعر الفائدة على القروض إلى 2 بالمئة والشخص «أ» يحتاج إلى المال ويريد بيع السند، والشخص «ب» يريد شراء السند. «ب» لن يكون مغفلًا كي يقترض بـ 2 بالمئة ويشتري سندًا يعود عليه بـ 1 بالمئة. كي يحصل على نفس دخل «أ» 10 دولارات، عليه أن يفاوض لشراء السند على الأكثر بـ 980 دولارًا (1000/1,02). هكذا، سيحصل في نهاية السنة على 1000 دولار من الخزينة (الأصل) وعلى فوائد 10 دولارات، ويسدد دينه 980 دولارًا وفوائد دينه 20 دولارًا، ويحصل على دخل صافٍ 10 دولارات. وكما رأينا كلما ارتفعت نسبة الفائدة، انخفضت قيمة السندات. وتزداد انخفاضًا كلما كان أجل السند أطول.

كل المصارف في أمريكا تعرضت لخسائر نتيجة انخفاض قيمة أصولها بعد الرفع من معدلات الفائدة؛ وبعض الإحصاءات قدرت الخسارة في نهاية 2022 بـ 620 مليار دولار[2]. لكن ما ميز المصارف الثلاثة المفلسة هو زيادة الطلب على سحب الأموال رغم أنها كغيرها كانت دائمًا معرّضة لمخاطر السيولة. للحدّ من هذه المخاطر، تفرض القوانين في كل البلدان أن يحتفظ البنك بنسبة معينة من السيولة للاستجابة لطلبات زبائنه. لكن هذه النسبة تبقى ضئيلة جدًا إذا فقد الزبائن الثقة في البنك لسبب من الأسباب وطلبوا أموالهم المودعة في وقت متقارب. وهذا ما حصل مع المصارف الثلاثة التي عرفت انتعاشًا كبيرًا في السنوات الأخيرة ابتداءً من 2019 بعد أن ركزت على التعامل مع شركات الأموال الإلكترونية والتكنولوجيا واستثمرت في الخدمات التي تساعد على هيكلة قطاع تصاعد بوقتٍ سريع. لكن ما إن أعلنت شركة FTX الأمريكية إفلاسها في تشرين الثاني/نوفمبر 2022 واعتقل مؤسسها سام فريد (Sam Bankman Fried)، حتى بدأ الشك يتزايد حول هذه الشركات.[3] وكانت FTX بمنزلة بورصة وغرفة مقاصة لها. لهذا، ساهم الإفلاس في انخفاض قيمة الأموال الإلكترونية وشركاتها والمصارف التي تتعامل معها أساسًا.

عملة «بيت كوين» (Bitcoin) مثلًا التي كانت قيمتها سنة 2018 3200 دولار فقط، وصلت عام 2021 إلى 60 ألف دولار، لتعود سنة 2022 بعد إفلاس FTX إلى 20 ألفًا[4]. وهذا ما ساهم في زيادة حاجة الشركات إلى سحب الأموال المودعة من أجل تعويض خسائرها، وصعّب مهمة المصارف، وبخاصة بعد الرفع من معدلات الفائدة. فرغم أنها بدأت في بيع أصولها (السندات) في السوق متعرضة لخسارة مهمة، كانت وتيرة الطلب متسارعة وحجم السحب أكبر، وهو ما أدى إلى انهيارها في الأخير. قد يتساءل البعض لماذا التسارع على سحب الأموال المودعة، والجواب هو أن القانون الأمريكي لا يضمن ما فوق 250 ألف دولار من الأموال المودعة في حساب بنكي[5]. لهذا ما إن يبدأ الشك حول بنك ما، حتى يتسارع الزبائن لسحب أموالهم.

تعتمد المصارف بدرجة كبيرة على ثقة الزبائن، فما إن تهتز هذه الثقة حتى تنهار بسرعة. لهذا سارعت السلطات المالية الأمريكية للإعلان عن ضمان كل الودائع عند المصارف الثلاثة للحدّ من تداعيات الانهيار. أما رأسمال البنك أو مجموع أموال المساهمين في البنك فتبقى ضئيلة بالنظر إلى مجموع الأموال التي تروجها. سيتضح هذا أكثر إذا نظرنا إلى التقارير السنوية:

بنك «سيليكون فالي ((Silicon Valley Bank (SVB) بلغت أصوله في سنة 2022 نحو 211 مليار دولار، بينما الرأسمال المساهم كان فقط 16 مليار دولار. أما الودائع فوصلت إلى 173 مليار دولار[6]، ولا يؤدي عنها البنك أي فائدة لأصحابها. مثلًا، إذا حسبنا خسارته بناء على نسبة 15 بالمئة التي تم تقديرها بعد أن وصل معدل الفائدة في أمريكا 4,5 بالمئة، يكون خسر نحو 32 مليارًا من قيمة أصوله، أي ضعف رأسماله.

بنك « سينيتير» (Signature Bank) الذي كان يحتل المرتبة 21 من حيث حجمه في أمريكا، فوصلت أصوله في سنة 2022 إلى 110 مليارات دولار، أما الرأسمال المساهم فبلغ 8 مليارات دولار، بينما كانت الودائع 102 مليار دولار[7].

البنك الجهوي الصغير «سيلفرغايت»(Silvergate Bank) ، فأصوله وصلت 14 مليار دولار، ورأسماله المساهم وصل إلى 1 مليار دولار، أما الودائع فكانت 13 مليار دولار سنة 2021 [8].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 534 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 534 آب/أغسطس 2023

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 534 في آب/أغسطس 2023.

[1]محمد سعيدي: باحث من المغرب.

[2]     Pierre Couture, «Les Banques américaines assises sur des pertes potentielles de 620 milliards $US,» Cash Mire plus.com, 12 mars 2023, <https://shorturl.at/iwBRY>.

[3]    انظر: محمد المنشاوي، «انهيارات متتالية لمنصات قطاع التشفير «بلوك فاي» تشهر إفلاسها،» الجزيرة.نت 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2022، <https://shorturl.at/mrxN6>.

[4]   Crypto site, «Cours Bitcoin (BTC): Prix en direct et historique de sa valeur,» 28 février 2023, <https://cryptonaute.fr/crypto-monnaie/bitcoin/>.

[5]   BFM, «Des petites banques américaines garantissent plus de dépôts pour ne pas faire face aux géants,» 9 avril 2023, <https://shorturl.at/dhu59>.

[6]   التقرير السنوي للبنك 2022،       <https://ir.svb.com/…/annual-reports-and…/default.aspx>.

[7]   التقرير السنوي للبنك 2022،      <https://www.macrotrends.net/…/signature-bank/total-assets>

[8]   التقرير السنوي للبنك 2021:      <https://ir.silvergate.com/financial-results/default.aspx>


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز