تحرير: كيت أورتون – جونسون ونيك بريور 

ترجمة: هاني خميس أحمد عبده

الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت. عالم المعرفة؛ 484

سنة النشر: 2021

عدد الصفحات: 325

 

مقدمة

كان أثر التكنولوجيا – في العقدين الأخيرين – في الفعل الاجتماعي (الأنظمة الاجتماعية، والحركية الاجتماعية، وصورة التغير الاجتماعي)، ثم في طبيعة التفاعل الاجتماعي، واضحًا جدًا. وهذا الأمر جعل التكنولوجيا الرقمية توجد في كل مكان. لهذا، نجد أن التكنولوجيا الرقمية قد اخترقت مختلف الأبعاد الخاصة بالمجتمعات: البعد السياسي، والبعد الاقتصادي، والبعد الاجتماعي، والبعد الثقافي[1]. بحكم هذه الهيمنة التي صارت للتكنولوجيا، نجد أنها كانت، ولا سيما في السنوات الأخيرة، موضوعًا لعلم الاجتماع[2].

ساهم بروز وسائل التواصل الاجتماعي في نشوء رابط جديد يسمى «الرابط الاجتماعي الرقمي»، كما ساهمت أيضًا في بناء «الأسرة المتصلة بالإنترنت». لهذا وجد علماء الاجتماع الأنثروبولوجيون والإثنوغرافيون أنفسهم أمام ضرورة خلق نوع من التكييف مع الموضوعات التي يفرضها المجال الرقمي. هذا من دون أن ننسى أيضًا الضرورة التي فرضت في ما يتعلق بالتغيير على مستوى منهج دراسة الإشكاليات التي تأخذ طابعًا رقميًا.

علم الاجتماع الرقمي، إذًا، هو نتيجة حتمية للتطورات التي عرفها مجال الاتصال والمعلومات. جاء هذا التخصص الفرعي من علم الاجتماع، متأخرًا. لم يتم استعمال مفردة «علم الاجتماع الرقمي» إلا في سنة 2009. وكان هذا الاستعمال من جانب جوناثان وين في مقال حول استعمال التكنولوجيا في عملية التدريس وفي الدراسة الإثنوغرافية[3]. يمثل هذا الكتاب، الذي صدر في نسخته الأصلية باللغة الإنكليزية، سنة 2013، مقدمة حول علم الاجتماع الرقمي؛ يضم الكتاب مقالات مؤلفة من لَدُنِ باحثين متخصصين في موضوعات متعلقة بالرقمي.

أولًا: بنية الكتاب

1 – تيمة العلاقات في علم
الاجتماع الرقمي

جاء الكتاب في  325صفحة، وفي بنية مكونة من مقدمة وخمسة عشر فصلًا، موزعة على خمسة أبواب رئيسية. حَمَلَ الباب الأول عنوان «العلاقات»، وركز الفصل الأول فيه، الذي وضعه لين جيميسون، على دراسة العلاقات الحميمية والشخصية ثم الذات في العصر الرقمي المحكوم بسيادة الوسائط الرقمية. لا أحد قد يشك في القوة التي أصبح يتمتع بها المحتوى الرقمي وأثره المختلف من حيث الشكل، والمتفاوت من حيث الدرجة، على حياة الأفراد، ولا سيما الحميمية وعلاقاتهم الشخصية مع الآخرين. كما أن لا أحد أيضًا في إمكانه أن يختلف في كون الوسائط الرقمية والشبكة على وجه العموم قد خلقت نوعًا جديدًا من «الذات الشبكية»؛ التي تتميز بقدرتها على تجاوز مجمل القيود والمعايير المؤطرة للفعل/الأفعال الاجتماعية في المجال الرقمي.

كان الاهتمام بالشخص الآخر في المجال الواقعي يتم عبر لقائه بصورة يومية، من خلال تبادل أطراف الحديث… إلخ، لكن في المجال الرقمي، أخدت الحميمية شكلًا آخر. من مؤشرات هذا النوع من الحميمية أنها اهتمام يكون بالإنترنت، وفي الإنترنت وعبرها، بمعنى أنها تعتمد على وسيط.

أما الفصل الثاني فيتعلق بمسألة «إضفاء النوع على العصر الرقمي: تأثير منظورات النوع والتكنولوجيا في الخيال السوسيولوجي». صحيح أن وسائل الاتصال والمعلومات حققت طرفة متقدمة جدًا، لكن بحكم أن التكنولوجيا، في البدء والنهاية، منتوج اجتماعي، وتُستخدم اجتماعيًا، فإنها ستكون قالبًا يحتوي على مختلف تلك التراتبيات المتعددة والقائمة سوسيو-ثقافيًا. هنا عملت النظرية النسوية على دراسة التكنولوجيا، فنجد أن هناك صنفًا من الدراسات النسوية قد وجدت التكنولوجيا وسيلة للتغلّب وتجاوز عدم المساواة القائمة على النوع. في حين يرى صنف من التنظيرات النسوية أن التكنولوجيا قد عملت على تكريس التفاوتات المؤسسة على النوع في المجال الرقمي. لكن رغم ذلك، فإن كلًا من الاتجاهين يتفقان في كون العلاقة بين التقنية والنوع هي علاقة تغلب عليها المرونة والتغير.

في حين جاء الفصل الثالث والأخير من الباب الأول، كصيغة تركيبية للفصلين الأول والثاني؛ حيث يبرز ذلك الأمل النسوي من العلاقات الرقمية كبديل لشكل العلاقات الاجتماعية القائمة على التراتبية الجنسية والإثنية والدينية.

2 – تصور علم الاجتماع
الرقمي للفضاء

خصص الباب الثاني لدراسة الفضاءات حيث يمثل الفصل الرابع الموسوم «إعادة النظر في الفضاء: المعلوماتية الحضرية والخيال السوسيولوجي»، الذي وضعه روجر باروز ودايفيد بير، قلب هذا الباب، لأنه يقدم محاولة في إعادة النظر في طريقة البحث في الفضاء، ولا سيما الحضري. فبحكم تغير الأنطولوجيا (الواقعية/الرقمية) فقد لزم في الآن نفسه تغير في شكل الفضاء ثم طبيعته. تشكل الشبكة العقل الناظم للفضاء الذي خلقته التكنولوجيا. إلى جانب ذلك التغير، فإن المسميَّات التي تعطى للأشياء والأمكنة، هي أيضًا من الضرورات التي وجب إعادة النظر فيها. أدى كل ذلك إلى بروز شكل جديد للمدينة وسم بالمدن الذكية؛ التي تعد فيها الشبكة بنية تحتية ضرورية. هنا، تطرح ضرورة البحث عن مفاهيم جديدة؛ لها القدرة على ضبط «الحقائق الجديدة» (ص 86)؛ ومن بينها: الفضاء المعزَّز، الفضاء المعدَّل، الفضاء المحوًّل (ص 95-97).

يستمر الفصل الخامس في تحليل وإبراز ضرورة إعادة النظرة التي فرضها التحول الرقمي، لكن هذه المرة بالتركيز على المجتمع المحلي في العصر الرقمي. يمر المجتمع المحلي بالكثير من التحولات التي هي نتاج للثورة الرقمية. فإذا كان المجتمع المحلي، على مر التاريخ، يحيل على مجمل «العلاقات والممارسات التي تدل على الاتصال والتضامن مع الآخرين» (ص 104). وبحكم العولمة وعوامل أخرى، فقد أصبحت هناك إمكانات جديدة أمام الأفراد لربط علاقات جديدة متميزة بالبعد الكوني، ومتجاوزة ذاك الجانب الضيق (المجتمع المحلي).

يثير الفصل السادس أهمية المقاربة السوسيولوجية في دراسة الفضاءات الإلكترونية الرقمية، وبخاصة إذا علمنا أن البناء الأول لهذا المفهوم كان بالضبط في أدب الخيال العلمي، ووضعه ويليام جيبسون. وتبرز أهمية هذه المقاربة السالفة الذكر في احتسابها أن العلاقات الموجودة في هذه الفضاءات، هي في نهاية الأمر اجتماعية. إضافة إلى هذا، فإن المراقبة التي أصبحت تمارسها الوسائط الرقمية، سواء كنا واعين أو غير واعين بها، يدعو إلى ضرورة الفهم الكلي لمثل هاته القضايا.

3 – البنية الرقمية من زاوية
علم الاجتماع الرقمي

خُصص الباب الثالث الموسوم بالبنى الرقمية لمعالجة بعض الاختلافات التي تتميز بها بنية المجتمع الشبكي. في الفصل السابع، الذي وضعه فان دايك، تمت الإشارة إلى النمط الجديد للامساواة التي توجد في المجتمع الشبكي. يأخذ هذا الشكل من اللامساواة صيغة تتقاطع فيها خصائص مختلفة ومتعددة «التعليم، العمر، الجنس، العرق…» (ص 137). كما أن لها بعدين أساسين، الأول هو الوصول إلى شبكة الإنترنت، ثم يليه بعد ذلك المهارات الخاصة باستخدام الوسائط الرقمية. يطرح فاين دايك سؤالًا في ذروة الأهمية، هو سؤال عن إمكان أو قدرة نظريات علم الاجتماع على تجاوز التفاوتات في تفسير هذا الشكل من التفاوتات التي تكون في مجتمع الشبكات؟

تزداد الأمور تعقيدًا في الفصل الثامن الذي يناقش «علم الاجتماع: المال في مواجهة العصر الرقمي». لقد خلق الفضاء الرقمي نموذجًا من الوجود والحياة الرقميين. كما خلق في الآن نفسه نموذجًا من المال الذي يتم التعامل به في الاقتصاد الرقمي. من شأن الاهتمام السوسيولوجي بالمال الرقمي أن يوضح شكل التفاوض، والتفاعل في هذه السوق الجديدة، والاختلافات الواردة بينه وبين النموذج الفعلي للسوق. وهو من جهة أخرى، من شأنه أن يكشف لنا «طريقة إنتاج المعرفة وصياغتها وتعبئتها»، كما أن له القدرة على رفع الحجاب عن طبيعة العلاقة بين كل من التكنولوجيا والنشاط الاقتصادي.

يطرح الفصل الأخير من هذا الباب، فكرة ذات قيمة مهمة، وهي أن الرقمي يمثل رهانًا وتحديًا قويين جدًا لعلم الاجتماع. من مؤشرات هذا الرهان أن البنية التي تؤسس الرقمي عمومًا تتميَّز بخصائص مختلفة جدًا عن تلك الموجودة في الواقع. الأمر الذي يفرض بصورة حتمية ضرورة فهم ما لهذه البنية من خصائص، وهو سيمكننا أيضًا من فهم أشكال الفعل/ الأفعال الاجتماعية.

4 – استعمال الوسائل الرقمية

جاء الباب الرابع، بعنوان «استخدام الوسائط» وهو باب ركز الفصل العاشر فيه على الدور الذي احتلته الوسائط الرقمية في أوقات الحروب. في الحرب الفاضلة يتم توظيف التكنولوجيا سعيًا «لإظهار أخلاقيات القتل في صورة متناقضة بنحو حاد مع أشكال الحرب السابقة» (ص 195). نشأت ثلاثة أنواع من الحرب، كان فيها للتكنولوجيا الرقمية دور بارز. النوع الأول هو حرب الشبكات تليه حرب الفرجة ثم في الأخير حرب الحداثة الجديدة (ص 197 – 198). محصول القول، صارت التكنولوجيا تتحكم في درجة القوة؛ التي كانت من ذي قبل تعزى إلى مدى توافر الدولة على مؤشرات مركزة جدًا (الأسلحة النووية على سبيل المثال). على خلاف اليوم الذي صارت فيه التكنولوجيا من بين المتغيرات المعتمد عليها في قياس قوة الدول، وتتمشّى هذه الفكرة مع ما سماه مانويل كاستلز الرأسمالية المعلوماتية، التي أنتجت الدولة الشبكية[4].

ركز الفصل الحادي عشر للباحث أليسون كافانا على «تخيل الشبكات: علمُ اجتماع الاتصال في العصر الرقمي». ينطلق الباحث من مسلمة أساسية وهي أن الشبكة قد سيطرت على جل أبعاد الحياة اليومية للناس، محددة شكلها، ووتيرتها. من هنا، تساءل عن الأسباب المؤدية بالشبكات لتكون لها هذه المكانة الرئيسية في العالم المعاصر. يُقر أليسون أن التفكير والنظر في المجتمع كشبكة هو نتيجة من باقي نتائج الحداثة. يمثل النظر إلى المجتمع بذات طريقة النظر والتعامل مع الشبكة الإلكترونية، اختزالًا وإغفالًا لعناصر جوهرية للاجتماعي. لقد لقيت الشبكة اهتمامًا يوازي في وتيرته الوتيرة نفسها التي لقيتها في الحياة الاجتماعية. من بين الميادين العلمية التي اهتمت بها الشبكة، نجد علم الاجتماع، رغم أن هناك اختلافًا بين الباحثين في تأريخ بداية الاهتمام بدراسة هذا المفهوم، إلا أن السؤال الأهم هو دائمًا «ماذا يعني أن ننظر إلى المجتمع كشبكة؟» (ص 218). ينظر في الغالب إلى الإنترنت، بوصفها شبكة، توفر إمكانات إيجابية للمتصلين بها، وهذا هو التصور السائد، غير أنها تَحْجُبُ في الآن ذاته الأفراد الذين هم غير متصلين بها.

حاول نيك بريور ثم جونسون الإشارة في الكلمة الختامية لهذا الباب، إلى أن لا أحد يمكنه إنكار التطور الحاصل في علم الاجتماع الرقمي. هذا التطور كان في ما يرتبط بالمفاهيم، كما في المقاربة. وتأتي ضرورة وأهمية الفهم السوسيولوجي للتكنولوجيا في كون هذه الأخيرة صارت جزءًا في طريقة «فهمنا للعلاقات الاجتماعية والثقافية» (ص 231).

5 – خصوصية الممارسات
في الفضاء الرقمي

خُصص الباب الخامس، والأخير، من هذا الكتاب، لقضية «الممارسات» المتعلقة بالتكنولوجيا. لهذا، نجد الفصل الثالث يحاول فيه نيل سيلوين «إعادة النظر في التعليم في العصر الرقمي». يشير سيلوين إلى كون استعمال التكنولوجيا في المجال التعليمي قد أدى إلى تغيرات جذرية في سيرورة التعلم. ومن مؤشرات ذلك، أن مكان ثم وتيرة وزمن التعلم إضافة إلى طبيعته لم تعد كما كانت عليه من قبل. كل هذا، يبين أن التكنولوجيا قد أضفت الجانب الفرداني على مسألة التعلم. لذلك برز نمط جديد من التعلم وهو التعلم غير الرسمي. لكن هذا لا يلغي استمرارية الأنماط الأخرى للتعلم في البلدان التي ما تزال، أو أريد لها كذلك، متأخرة في المجال التكنولوجي- الرقمي.

أما الفصل الرابع عشر للباحث جويل كيفيتز فقد كان حول «الصحة الإلكترونية والمقاربات السوسيولوجية المتجددة للصحة والمرض». أدى اعتماد التكنولوجيا في مجال الرعاية الصحية إلى بروز دراسات تمزج بين تخصصات مختلفة قصد فهم الصحة بوجه عام. كما تَشَكَّلَ أيضًا مجال بحثي عُرِف بالصحة وتكنولوجيا المعلومات والاتصال. غاية هذا المبحث هي معرفة الظروف التي توفرها الإنترنت في عملية مراقبة الصحة (ص 262). إن ضرورة إعادة النظر في المقاربات النظرية حول مبحث الصحة والمرض نجد له مبررات كثيرة؛ منها، على سبيل الذكر، تغير طريقة الكشف عن المرض ثم تغير شكل الثقة والخبرة في نموذج العامة/المهنيين. كما لا ننسى إمكان البحث عن معلومات ذات صلة بالصحة وطريقة التفاوض حولها.

خُتم هذا الباب بالفصل الخامس عشر «التكنولوجيا الرقمية والنوافذ السوسيولوجية». في هذه الكلمة الختامية لباب الممارسات، يشير أندرو ويبستر إلى أن عملية إعادة النظر في التكنولوجيا الرقمية أفضت إلى كونها ذات دورين، دور التمكين ثم دور التقييد (ص 276). راوحت الإنترنت بين من ينظرُ إليها كاستمرارية ومن ينظر إليها كقطيعة مع الواقع. غير أن الأبحاث الواردة بهذا الخصوص، بحسب ويبستر، ما زالت غير كافية وبخاصة في بعض الموضوعات من قبيل السياسة. يفرض الانتشار الواسع/ المحدود لتكنولوجيا الرقمية، ضرورة دراسة طرق استعمال ثم كيفية الاستفادة من هذه التكنولوجيا. كل هذه الأمور هي بمنزلة تحديات أمام علم الاجتماع الرقمي.

ثانيًا: مناقشة ختامية

ترتبط الفصول فيما بينها في كونها تدرج البعد الرقمي في التحليل، لكنها تختلف في طبيعة الجزئية المدروسة. كما تحاول كلها استجلاء أهم التغيرات التي خلفتها التكنولوجيا عليها، وكونت كل هذه المحاولات صيغة إعادة النظر في ما كان، وكيف أصبح الآن. غير أن كل هذه الصيغ يمكن مناقشتها في ثلاث مسائل مركزة.

1 – مسألة التكنولوجيا وعلاقتها
بالحركات النسوية

اعتقدت بعض الحركات النسوية أن التكنولوجيا هي الحل، المأمول، لمختلف أشكال التراتبية القائمة في المجتمعات. ما غاب ويغيبُ في أذهان من يعتقد في هذا التصور أن التكنولوجيا، في البدء والنهاية، هي ثقافة [5]؛ إنها ممارسة ثقافية لمن يستعملها، وفي الوقت نفسه حاملة لروح ثقافة من أنشأها. لكن هذه النقطة ما تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات، ولا سيما أن مؤشر النوع له علاقة وطيدة بطريقة ثم درجة الوصول إلى التكنولوجيا[6].

2 – مسألة الشكل الجديد للتفاوتات
التي خلقتها التكنولوجيا

نتج من محاولات ربط المجالات الجغرافية بالإنترنت، تعميق درجة التفاوتات. يتأثر الوصول إلى  وسائل الاتصال والمعلومات، واستعمالها والإفادة منها، بدرجة التفاوتات الأخرى. هنا يبدو أن الفصل الخاص بهذه النقطة، لم يبين أهمية العلاقة بين التفاوتات الاجتماعية الواقعية والتفاوتات الرقمية. يمكن التساؤل، إذًا، هل بإمكاننا اليوم أن نستند إلى المقاربات التحليلية نفسها لعلم الاجتماع التفاوتات، قصد تفسير هذا النموذج الجديد من الظاهرة؟

3 – مسألة المنهج

السؤال الذي يغيب في الكتاب هو: هل بإمكان التقنيات التي يعتمدها علماء الاجتماع، بوجه خاص، في الجانب الإمبيريقي، قادرة على دراسة الموضوعات الرقمية؟ تتضح قوة هذه المساءلة في أن مجال الدراسة لم يعد كما هو سابقًا، الواقعي/الرقمي. هذا التغير في المجال، لازمه أيضًا تغير في طبيعة الجماعات الاجتماعية الواقعية/الجماعات الاجتماعية الرقمية. بهذا، يستلزم الأمر إعادة نظر شاملة في منهجية[7] دراسة الظواهر التي تنتج في هذا المجال، ومن طرف تلك الجماعات بالذات. كما يضع أيضًا أهمية ومكانة أخلاقيات البحث موضع تساؤل. يحتوي الكتاب على روح تفاؤلية تجاه التكنولوجيا الرقمية، عبر جل العناصر التي درست على مدى الفصول الثاوية في هذا الكتاب. رغم أنه تم تناسي، بوعي أو بغير وعي، مسألة المراقبة التي أمست تفرضها وسائل الاتصال والمعلومات على الحياة الخاصة للأفراد، وعلى باقي مناحي الوجود الاجتماعي. بهذا المعنى الآنف الذكر، تصير التكنولوجيا بمنزلة سلطة يمكن فهمها من منحيين. المنحى الأول هو المصدر الذي يتحقق في الرأسمالية المعلوماتية، ثم المنحى الثاني المتجلي في ميدان هذه السلطة وهو مختلف الأبعاد الإنسانية[8]. غير أن فهم هذه الحقيقة، لا بد أن يتأسس على أساسيين. الأول يتضح في المقاربة التحليلية التي يمكن اعتمادها للكشف عن هذه المراقبة، وهي التخصصات البينية. ونسجل الغياب التام لهذه الأخيرة في الكتاب. أما الأساس الثاني فيخص المنهج، بأي طريقة منهجية يمكن دراسة الظواهر الرقمية المنشأ.

لا يكفي أن تكون هناك على مستوى البنية التحتية شبكة الإنترنت لكي تكون هناك المدينة/ المدن الذكية[9]. يمكن تبرير ذلك بالقول بأن ما يجعل أو يميز المدينة الذكية عن باقي الأشكال الأخرى هو أن تكون مختلف مناحي الحياة الخاصة بالأفراد والجماعات قائمة على الشبكة التي هي قلب المدن الذكية وفي هذه الشبكة.

وفي الأخير، يستوجب السياق الإشارة إلى كون الحديث عن الرقمي، اليوم وما بعده، يفرض الإشارة المستوى التحليلي الذي يتم التركيز عليه. أقصد من ذلك، أن الحديث عن علم الاجتماع الرقمي، أو عن التحليل السوسيولوجي للظواهر الرقمية، يفرض على الباحث عمومًا، التصريح بصيغة مباشرة هل يشتغل من حيث وحدة التحليل عن؛ الفرد، الأسرة، الجماعة، المجتمع. كما يستوجب أيضًا الإشارة إلى طبيعة المجال المعتمد في الدراسة، إذ ليست كل الدول لها الصيغة المجالية نفسها (حضري، شبه حضري، قروي).

المصادر:

نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 535 في أيلول/سبتمبر 2023.

محمد أرحال: باحث الدكتوراه في تخصص علم الاجتماع، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن زهر – المغرب.

[1]Pete Fussey and Silke Roth, «Digitizing Sociology: Continuity and Change in the Internet Era,» Sociology, vol. 54, no. 4 (August 2020), pp. 659–674, <https://doi.org/10.1177/0038038520918562>.

[2]   Ian Hutchby, «Technologies, Texts and Affordances,» Sociology, vol. 35, no. 2 (2001), pp. 441–56, <http://www.jstor.org/stable/42856294>.

[3]   Jonathan Wynn, «Digital Sociology: Emergent Technologies in the Field and the Classroom.» Sociological Forum, vol. 24, no. 2 (2009), pp. 448–456, <http://www.jstor.org/stable/40210412>.

[4]   ستيفن سيدمان، معرفة متنازع عليها النظرية الاجتماعية في أيامنا، ترجمة مرسي الطحاوي (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص 464.

[5]   Judy Wajcman, «Feminist Theories of Technology,» Cambridge Journal of Economics, vol. 34, no. 1 (2010), pp. 143–152, <http://www.jstor.org/stable/24232027>.

[6]   Susan Carol Losh, «Gender, Educational, and Occupational Digital Gaps 1983-2002,» Social Science Computer Review, vol. 22, no. 2 (May 2004), pp 152–166, <https://doi.org/10.1177/0894439303262557>.

[7]   Helene Snee [et al.], Digital Methods for Social Science: An Interdisciplinary Guide to Research Innovation )London: Palgrave Macmillan, 2016(.

[8]   ناصيف نصار، منطق السلطة مدخل إلى فلسفة الأمر، (بيروت: أمواج للنشر والتوزيع، 2001)، ص 8.

[9]   Fang Zhao [et al.], «Smart City Research: A Holistic and State-of-the-Art Literature Review,» Cities, vol. 119 (December 2021), <https://doi.org/10.1016/j.cities.2021.103406>.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز