مقدمة   

إن الاستراتيجية الأمريكية التقليدية في الشرق الأوسط، التي كانت تقتصر على ضمان تدفق النفط وحماية أمن إسرائيل، وعدم السماح لأية دولة منافِسة الحلول محلها، والحفاظ على استقرار النظم السياسية في المنطقة، باتت تشمل أيضًا إدخال تغييرات في البنية الداخلية للنظام الرسمي العربي في إطار محاولتها إعادة هيكلة المنطقة[1]، من خلال استغلال التوتر القائم بين الأنظمة العربية وشعوبها، رغم مخالفة ذلك للقانون الدولي[2].

استغلت الولايات المتحدة هذه المتغيرات الجديدة لإدارة الصراع في الشرق الأوسط بأساليب جديدة من الجيل الرابع للحروب، تتمثّل بالحرب الناعمة، ومن أهم الوسائل التي اعتمدت عليها الإدارة الأمريكية، هي ثورات «الربيع العربي»، وإدارتها من أجل إزالة اللاعبين المعرقلين للمصالح الأمريكية، وخلق لاعبين جدد داعمين لها لتحقيق الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

أدى الربيع العربي في اليمن إلى سقوط الرئيس علي عبد الله صالح، وانقلاب الحوثيين على السلطة، ودخول القوى الإقليمية في الصراع اليمني الداخلي، من خلال قيادة السعودية لـ«التحالف العربي» ضد جماعة الحوثيين عام 2015، بدعم من الولايات المتحدة، في مقابل دعم إيران للحوثيين، وهكذا تحول اليمن إلى ساحة للصراع بين القوى الإقليمية والدولية؛ فكيف تتم إدارة الصراعات الدولية والإقليمية في اليمن؟

 أولًا: الصراع الإقليمي في اليمن

تدخلت دول الخليج لحل الأزمة اليمنية دبلوماسيًا. لكن فشل المبادرة الخليجية لحل هذه الأزمة دفع السعودية وإيران إلى التدخل عسكريًا في الصراع اليمني.

1 – تدخُّل دول الخليج في الصراع اليمني

تدخلت القوى الإقليمية في الثورة اليمنية، حيث أطلق مجلس التعاون الخليجي مبادرة، تنحّى علي عبد الله صالح بموجبها عن السلطة في 27 شباط/فبراير 2012. وهو ما جسده قرار مجلس الأمن الرقم (2051) الصادر بتاريخ 12 حزيران/يونيو 2012 الذي تضمن ما يلي:

ضرورة تنفيذ مبادرة مجلس التعاون الخليجي وآلية تنفيذها بصورة كاملة.

يهيب بجميع الأطراف أن تمتنع فورًا عن استخدام العنف لبلوغ أهداف سياسية.

يشدد على أهمية عقد مؤتمر للحوار الوطني يضم جميع الأطراف.

إعادة هيكلة قوات الأمن والجيش في إطار هيكل وطني موحد.

اتخاذ خطوات على صعيد العدالة الانتقالية ودعم المصالحة الوطنية.

إجراء إصلاح دستوري وانتخابي وإجراء انتخابات عامة.

دعم جهود الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومة الوفاق الوطني الرامية إلى الدفع قُدمًا بعملية الانتقال السياسي.

وقف الأعمال التي تعمل على تقويض حكومة الوفاق الوطني والانتقال السياسي.

محاسبة المسؤولين عن انتهاك حقوق الإنسان.

إفراج الحكومة اليمنية عن المتظاهرين المحتجزين بصفة غير قانونية.

كما اعترف مجلس الأمن بنقل السلطة إلى عبد ربه منصور هادي، بوصفه رئيسًا مؤقتا لليمن يشرف على الحوار الوطني، بموجب قرار مجلس الأمن الرقم (2140) الصادر بتاريخ 26 شباط/فبراير 2014 الذي تضمن ما يأتي:

تنفيذ عملية الانتقال السياسي، على نحو كامل وفي الوقت المناسب عقب مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وذلك تمشّيًا مع مبادرة مجلس التعاون الخليجي وآلية تنفيذها.

يرحب بالتقدم المحرز مؤخرًا في عملية الانتقال السياسي في اليمن.

صوغ دستور جديد في اليمن.

تنفيذ الإصلاح الانتخابي.

إجراء استفتاء على مشروع الدستور.

إصلاح بنية الدولة لإعداد اليمن للانتقال من دولة موحدة إلى دولة اتحادية.

إجراء الانتخابات العامة، على أن تنتهي بعدها ولاية الرئيس هادي الحالية عقب تنصيب الرئيس المنتخب بموجب الدستور الجديد.

مشاركة جميع الأطراف في الحوار الوطني.

تعجيل المصالحة الوطنية.

أصدر عبد ربه منصور هادي مسودة دستور اتحادي لليمن في 21 كانون الثاني/يناير 2015، لكن جماعة أنصار الله عارضته، لذلك أصدرت في 6 شباط/فبراير 2015 إعلانًا دستوريًا، يتضمن الآتي:

يستمر العمل بأحكام الدستور النافذ التي لا تتعارض مع أحكام هذا الإعلان.

يتألف من اللجنة الثورية مجلس وطني انتقالي، عدد أعضائه 551 عضوًا يحل محل مجلس النواب المنحل، ويشمل المكونات غير الممثلة فيه، ويحق لأعضاء المجلس المنحل الانضمام إليه.

يتولى رئاسة الجمهورية في المرحلة الانتقالية مجلس رئاسة مكون من خمسة أعضاء ينتخبهم المجلس الوطني، وتصادق عليه اللجنة الثورية.

لم يوافق عبد ربه منصور هادي على الإعلان الدستوري، لذلك فرضه الحوثيون بالقوة العسكرية، وهو ما أدى إلى اندلاع صراع عسكري بين عبد ربه منصور هادي والحوثيين، انتهى بفرار هادي إلى عدن. وفي إثر ذلك بعث هادي رسالة إلى رئيس مجلس الأمن بتاريخ 24 آذار/مارس 2015 يقول فيها: «لقد طلبت من مجلس التعاون لدول الخليج العربية وجامعة الدول العربية تقديم الدعم على الفور، بكل الوسائل والتدابير اللازمة، بما في ذلك التدخل العسكري لحماية اليمن وشعبه من استمرار عدوان الحوثيين». بناء على هذا الطلب، أُطلِقَ ما يسمى «عاصفة الحزم» بقيادة السعودية.

هذه السرعة والحماسة في إطلاق عاصفة الحزم، توحي وكأن القدس تشن عليها حملة صليبية. لكن الأنظمة العربية لم تبدِ ولو نصف هذه الحماسة، عندما استولت إسرائيل على القدس أو الجولان أو الضفة الغربية أو غزة، أو عندما استولت داعش على بلدان عدة بلدان عربية. وهذا معناه أن تهديد جماعة الحوثيين بالنسبة إلى السعودية وحلفائها أهم وأخطر من تهديد إسرائيل وداعش.

شاركت في عاصفة الحزم إضافة إلى السعودية، كل من الإمارات بثلاثين مقاتلة، والكويت بـ  15 والبحرين بـ  15، بينما شاركت ق???????طر ب???عشر طائرات، والأردن بست طائرات، وكذلك ا?????????لمغرب ب??ست طائرات، والسودان بثلاث طائرات. وأكدت مصر و??????الأردن وباكستان والسودان مشاركتها في العملية البرية ضمن عاصفة الحزم، بينما أعلنت الولايات المتحدة عن استعدادها لتقديم دعم لوجستي واستخباراتي إلى التحرك العسكري الخليجي في اليمن[3].

حددت السعودية ثلاثة أهداف رئيسية لعاصفة الحزم، هي: استسلام الحوثيين وتسليم السلاح وعودة الشرعية إلى العاصمة اليمنية صنعاء، وحددت مدة الحرب لإجبار الحوثيين على تنفيذ تلك الشروط بثلاثة أشهر فقط. وبعد 25 يومًا من إعلان عاصفة الحزم، وتحديدًا في 21 نيسان/أبريل 2015، أعلنت قيادة العملية إيقافها وبدء عملية «إعادة الأمل»، بعد أن أعلنت وزارة الدفاع السعودية «إزالة جميع التهديدات التي تمثل تهديدًا لأمن السعودية والدول المجاورة»، وبعد أن تم تدمير الأسلحة الثقيلة والصواريخ البالستية والقوة الجوية التي كانت بحوزة الحوثيين[4].

لكن الحوثيين في الواقع وسعوا نفوذهم، واستولوا على الكثير من المناطق، وبحسب تقرير فريق الخبراء المعني باليمن، «سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء، و13 محافظة من أصل 21 محافظة، تمثل هذه المناطق 27 بالمئة من مساحة أراضي اليمن، وتضم 80 بالمئة من مجموع السكان قبل الصراع. سيطر الحوثيون على كامل أو معظم محافظات إب، والحجة، والحديدة، وذمار، وريمة، وصعدة، وعمران، والمحويت، وصنعاء، كما سيطروا على أجزاء كبيرة من البيضاء والجوف، وتعز»[5].  كما استولى الحوثيون عام 2020 على أراضٍ استراتيجية في نهم والجوف والبيضاء ومأرب، ومعظمها أراضٍ كانت بحوزة حكومة اليمن، ثم دخلوا الدريهمي بعد حصار دام عامين. واحتفظ المجلس الانتقالي الجنوبي بعدن وأجزاء من أبين ولحج والضالع وسقطرى[6].

في المقابل تراجع نفوذ الحكومة اليمنية، وهو ما أكده تقرير لجنة الخبراء المعني في اليمن قائلًا: «لم تستطع الحكومة استعادة سيطرتها في الشمال، ووسع الحوثيون نفوذهم السياسي خارج محافظة صعدة، وأنشأوا وجودًا قويًا لهم في صنعاء ومناطق أخرى في اليمن، وفي الجنوب تتعالى أصوات عناصر حركة الحراك التي تطالب بالاستقلال، وبات نبض الشارع منجذبًا إلى المتطرفين في غياب المزايا المتأتية من وجود حكومة مركزية»[7].

تدخُّل التحالف العربي العسكري في اليمن أفشل المصالحة اليمنية، وهو ما أكده المبعوث الأممي لليمن جمال بن عمر قائلًا[8]: «كان اليمنيون على وشك الاتفاق على مسودة كانت مطروحة، لكن التدخل العسكري للتحالف بقيادة السعودية، هو من أجهض هذه الجهود، الأطراف الدولية شجعت هذه الحرب، لا يمكن لمجلس الأمن أن يدعي أنه يدعو إلى السلام، وفي نفس الوقت أعضاء مجلس الأمن يتنافسون على من يحصل على صفقات السلاح من الدول المشاركة في الحرب باليمن».

أصبح اليمن ساحة للصراع بين ثلاث قوى عسكرية، مقسمة إلى ثلاث مناطق نفوذ: هيمنة جماعة أنصار الله المدعومة إيرانيًا على شمال اليمن، وهيمنة الحراك الجنوبي المدعوم إماراتيًا على جنوبه، أما الحكومة المدعومة سعوديًا، فلم يكن لها أي وجود فعلي إلا في فنادق الرياض.

دفع تدهور الوضع في اليمن مجلس الأمن إلى إصدار قرار رقمه (2216) بتاريخ 14 نيسان/أبريل 2015، يتضمن ما يأتي:

يطالب مجلس الأمن جميع الأطراف اليمنية، ولا سيما الحوثيين، بالتنفيذ الكامل للقرار 2201 سنة 2015، وبأن يمتنعوا عن اتخاذ المزيد من الإجراءات الانفرادية التي يمكن أن تقوض عملية الانتقال السياسي في اليمن.

الكف عن استخدام العنف.

سحب الحوثيين قواتهم من جميع المناطق التي استولوا عليها، بما في ذلك العاصمة صنعاء.

التخلي عن جميع الأسلحة الإضافية التي استولوا عليها من المؤسسات العسكرية والأمنية، بما في ذلك منظومات القذائف.

التوقف عن جميع الأعمال التي تندرج ضمن نطاق سلطة الحكومة الشرعية في اليمن.

الامتناع عن الإتيان بأي استفزازات أو تهديدات ضد الدول المجاورة، بسبل منها الحصول على القذائف، وتكديس الأسلحة في أي أراض حدودية لإحدى الدول المجاورة.

الإفراج عن الأشخاص الموضوعين رهن الإقامة الجبرية أو المحتجزين تعسفيًا.

إنهاء تجنيد الأطفال واستخدامهم وتسريح جميع الأطفال المجندين في صفوفهم.

يدعو كل الأطراف اليمنية، وبخاصة الحوثيون، إلى الالتزام بمبادرة مجلس التعاون الخليجي.

يطالب جميع الأطراف اليمنية بالالتزام بتسوية الخلافات من طريق الحوار والتشاور، ونبذ العنف لتحقيق أهداف سياسية.

يحث جميع الأطراف اليمنية، على الرد بالإيجاب على طلب الرئيس اليمني منها حضور مؤتمر يعقد في الرياض لدعم العملية السياسية في اليمن.

استخدم التحالف العربي بقيادة السعودية القرار 2216 لشرعنة العدوان على اليمن، على الرغم من أن القرار يدين الأعمال التي قام بها الحوثيون، لكنه لا يتضمن أي إشارة تجيز استخدام القوة العسكرية في اليمن، بل إن القرار يرى أن الحوار هو السبيل الوحيد لمعالجة الأزمة في اليمن.

وبالتالي، بسبب الثورة في اليمن أُدخلت البلاد في صراعات عسكرية، شجعت القوى الإقليمية على التدخل في الصراع اليمني، وتٌوِّج هذا التدخل بعدوان عسكري، أدى إلى ارتكاب جرائم إنسانية في حق المدنيين والبنية التحتية لليمن، على نحو مخالف للقانون الدولي الإنساني. وهو ما أكده تقرير الأوتشا حين قال: «أصابت الغارات الجویة والصواریخ مستشفیات، وبنیة تحتیة للاتصالات، ومطارات، ومرافق للمیاه، والمدارس»[9].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 536 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 536 تشرين الأول/أكتوبر 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 536 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

أحمد أهل السعيد: طالب باحث بسلك الدكتوراه في العلاقات الدولية، جامعة محمد الخامس.

الصورة من Getty Images.

[1]   صالح يحيى الشاعري، تسوية النزاعات الدولية سلميًا (القاهرة: مكتبة مدبولي، 2006)، ص 177.

[2]   تنص الفقرة السابعة من المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة على أنه «ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما». كما نصت المادة الأولى من قرار الجمعية العامة الرقم 2131 الصادر بتاريخ 21 كانون الأول/ديسمبر 1965: «ليس لأي دولة الحق في التدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة لأي سبب كان في شؤون دولة أخرى، كيفما كان السبب الدافع إلى ذلك. ولا تحصر ذلك في التدخل العسكري فقط، بل تمنع كل أشكال التدخل، وكذا كل تهديد ضد سيادة الدولة أو ضد نظامها السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي». كما نصت المادة الثانية من قرار الجمعية العامة الرقم 2625 الصادر بتاريخ 24 تشرين الأول/أكتوبر 1970 «مبدأ الالتزام بعدم التدخل في الشؤون التي تدخل ضمن الاختصاص الوطني لأي دولة طبقًا للميثاق».

[3]   ««عاصفة الحزم».. الدول المشاركة والداعمة وحجم القوات،» الجزيرة.نت، 26 آذار/مارس 2015، <http://rb.gy/3x9cz>.

[4]   «بعد 6 سنوات من الحرب… لماذا باتت السعودية في موقف المتودد؟،» نون بوست، 27 آذار/مارس 2021، <https://www.noonpost.com/40210>.

[5]   مجلس الأمن، رسالة من فريق الخبراء المعني باليمن إلى رئيس مجلس الأمن، رقم 193، الصادرة بتاريخ 27 كانون الثاني/يناير 2017، ص 11.

[6]   المصدر نفسه، ص 16.

[7]   مجلس الأمن، تقرير بعثة مجلس الأمن إلى اليمن، الصادر بتاريخ في 27 كانون الثاني/يناير 2013، ص 5.

[8]    مقابلة تلفزيونية لجمال بن عمر، برنامج بلا قيود، قناة بي بي سي، 2021،  <https://youtu.be/9ibZtcOkvbE>.

[9]   تقرير الأوتشا، آخر المستجدات الإنسانية في اليمن، العدد 1، 2022، ص 4.


أحمد أهل السعيد

طالب باحث بسلك الدكتوراه مختبر العلوم السياسية، جامعة محمد الخامس، المغرب.

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز