تقديم

مساءلة المفاهيم وتبيان إشكالاتها الداخلية، هو المشترك بين علماء الكلام وعرب ما قبل الدعوة الإسلامية، فهو أساس في تنزيله تعالى، هو اشتغال بالمعاني يعكس خصائص التفكير وطرائقه عند العرب. اشتغال يطبع مساءلة الفلاسفة العرب الأوائل لجل الإرث اليوناني. فاعتراض جابر بن حيان على تعريف أرسطو للنفس وقوله بفساده وقبحه، بل وبـ «نقصان منزلة المعتقد به»[1]، لم يكن استثناءً ولا مصادفة، فقد تبعه «المؤسس الأول للفلسفة الإسلامية بمعناها الحقيقي»[2]، يعقوب بن إسحاق الكندي، بوضع فهم يختلف جوهريًا عن فهم أرسطو للزمن، جاعلًا منه «مدة تعدها الحركة»[3]، ليس أزليًا؛ وجد مع إيجاد الجرم.

اعتراض ابن حيان والكندي واختلاف رأيهما عن رأي أرسطو يفيد باستقلاليتهما، ويقول إن الآراء المشتركة بينهما وبين أرسطو تعكس توافقًا في الرأي لا نقلَ جهة عن أخرى، ابن حيان والكندي عن أرسطو. بل إن الاختلاف في الرأي، من حيث استناده إلى تحليل فلسفي الطابع، يشير إلى وجود إرث فكري، يمثل إطارًا، من قبول ورفض، لما تعرض له ابن حيان والكندي من أفكار يونانية، أرسطية وغير أرسطية.

إن إنكار وجود هذا الإرث أو التقليل من أهميته بوصفه أصلًا لأي قول فلسفي نجده عند الكثير من مؤرخي الفلسفة العربية – الإسلامية بحسبانهم الفلسفة علمًا دخيلًا، لم يكن «للعقلية السامية العربية» أن تأخذ فيه، إلا بالنقل الأمين عن اليونان وبالقطيعة مع تاريخ هذه «العقلية البعيدة عن التجريد»[4]؛ فلغة العرب قبل الترجمة عن اليونان ما هي إلا لغة حسية تجزيئية، غير قادرة على البحث في المجرد أو مساءلة المفاهيم، ولا يمكن بالتالي الحديث عن حضور للقول الفلسفي وعن لغة فلسفية عند العرب قبل تلك الترجمات[5]. سنقوم ببيان بطلان هذا الرأي عبر الكشف عن بعض هذ الإرث الفكري عند عرب ما قبل الدعوة ارتباطًا بجديد الدعوة بالخصوص، تأصيلًا لفعل مساءلة المفاهيم، بما فيها اليونانية[6].

أولًا: علم الكلام وما قبل الدعوة

يقوم الفارابي بتعريف علم الكلام على أنه «ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحمودة التي صرح بها واضع الملّة، وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل»[7]؛ وكذلك يفعل الإيجي بقوله إنه «علم يقتدر معه إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه، والمراد بالعقائد ما يقصد به نفس الاعتقاد دون العمل، وبالدينية المنسوبة إلى دين محمد (ص)، فإن الخصم وإن خطأناه لا نخرجه من علماء الكلام»[8]. أما ابن خلدون فيضيّق مجال عمل علماء الكلام ويحصره في نصرة «مذاهب السلف وأهل السنة»[9]، مُخرجًا بقية الفرق.

وعلى الرغم من اختلاف النظر في وظيفة علم الكلام، فإن التعريفات جميعها تتفق على أنه يمثل «العلم المتكفل بالدفاع عن العقائد الإيمانية وإثباتها بالدليل العقلي»[10]، من خلال النظر «في أصول المعتقد»[11].

تباعًا لهذا التعريف، توجد آيات تقوم بالدفاع عن العقائد الإيمانية وإثباتها بالدليل العقلي، من خلال النظر في أصول المعتقد، يعني أن وظيفة علم الكلام لم تبدأ مع علم الكلام، بل مع بدء الدعوة في النص المنزّل. أو، للدقة، وجود مثل هذه الآيات يعني أن علماء الكلام يقومون بما هو مُتضمن أصلًا في التنزيل.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 539 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 539 كانون الثاني/ يناير 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 539 في كانون الثاني/يناير 2024.

عبد الكريم البرغوثي: أستاذ مشارك في الفلسفة، جامعة بيرزيت – فلسطين.

[1]  جابر بن حيان، رسائل جابر بن حيان، إعداد أحمد فريد المزيدي (بيروت: دار الكتب العلمية، 2006)، ص 24.

[2]   محمد عبد الرحمن مرحبا، الكندي: فلسفته – منتجاته (بيروت: منشورات عويدات، 1958)، ص 6.

[3]   أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي، رسائل الكندي الفلسفية، تحقيق محمد عبد الهادي أبو ريدة (القاهرة: دار الفكر العربي، 1950)، ص 146.

[4]   أسس لهذا الرأي كثير من المستشرقين الذين كان هاجسهم فحص الأثر اليوناني في تشكل القول الفلسفي العربي، نافين بذلك إمكان تشكله الذاتي، انظر على سبيل المثال: ت. ج. دي بور، تاريخ الفلسفة في الإسلام، نقله إلى العربية وعلّق عليه محمد عبد الهادي أبو ريدة، ط 3 (بيروت: دار النهضة العربية، [د. ت.]) حيث ينطلق في بحثه من ادعائه أنه «لم تكن للعقل السامي قبل اتصاله بالفلسفة اليونانية ثمرات في الفلسفة وراء الأحاجي والأمثال الحكيمة» (ص 24).

[5]     للمزيد بخصوص مواقف كل من جورج طرابيشي ومحمد عابد الجابري بهذا الشأن، انظر:  Abdulkarim Barghouti, Jamal Daher and Nadim Mseisse, «The Critique of Arab Reason between al-Jabri and Tarabish,» in: Zaid Eyadat, Francesca M. Corrao and Mohammed Hashas, eds., Islam, Modernity, and the state, Mohamed Abed al-Jabri and the Future of the Arab World (London: Palgrave Macmillan, 2018), pp. 41-64.

[6]    يأتي هذا التأصيل في سياق الكشف نفسه عن طرائق الاستدلال على وجود هذا الإرث الفكري عند عرب ما قبل الدعوة، للمزيد انظر: جمال ضاهر، من الحضارة العربية إلى الحضارة العربية الإسلامية (بيروت: دار الفارابي، 2021)، ص 13-26. ومحمد سعيد، أنبياء البدو: الحراك الثقافي والسياسي في «المجتمع» العربي قبل الإسلام (بيروت، دار الساقي، 2018)، ص 11-27.

[7]   أبو النصر محمد الفارابي، إحصاء العلوم، تحقيق وتعليق عثمان أمين، ط 2 (القاهرة: دار الفكر العربي، 1949)، ص 107-108.

[8]   عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، المواقف في علم الكلام (بيروت: عالم الكتب، 1999)، ص 7.

[9]   أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، المقدمة (بيروت: دار القلم، 1986)، ص 458.

[10]   محمد صالح محمد السيد، أصالة علم الكلام (القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1987)، ص 3.

[11]   محمد بن علي الجيلاني الشتيوي، علاقة علم أصول الفقه بعلم الكلام (بيروت: مكتبة حسن العصرية للنشر والتوزيع، 2010)، ص 5.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز