مقدمة:

تتخذ المجتمعات البشرية، في عصرنا الحاضر مسارًا عالميًا تتسارع في اتجاهه أغلب دول العالم بما فيها الدول النامية: التحول إلى مجتمع المعرفة. لقد كانت المعرفة وستبقى محددًا أساسيًا لكينونة الإنسان ووجوده. ومع تطور الحياة البشرية، والتطور الجذري الذي لحق تقنيات الاتصال في زمننا الراهن، شهدت البشرية ميلاد نمط مجتمعي جديد هو «مجتمع المعرفة».

إشكالية الدراسة: تتطلب إقامة مجتمع المعرفة التعقل في التدبير المعرفي، وتستند إلى بناء اجتماعي مؤطر بثقافة عالية وقدرات كبيرة على صناعة المعرفة (إنتاجا وتوزيعًا). كما يفرض أعباءً ومسؤوليات على الجامعات في قدرتها على إنتاج المعرفة المتجددة لربط قضايا بحوثها بمتطلبات مجتمع المعرفة.

وكون المجتمع الفلسطيني يعيش تحت احتلال إسرائيلي فهو يهيمن على جميح نواحي حياة الفلسطينيين الاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، والسياسية.

ضمن هذه الاعتبارات سوف ترصد إشكالية بحثنا، وتتعقب بالضرورة مدى توافق استراتيجيات وسياسات الجامعات في استيعاب مقومات مجتمع المعرفة وأسسه والانخراط فيه. كما سوف نرصد ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وأثرها في تعطيل سيرورة بناء مجتمع المعرفة الفلسطيني.

أسئلة البحث: تطرح الدراسة ثلاثة أسئلة وهي:

– ما الإطار المفاهيمي لمجتمع المعرفة؟

– ما السياسات التي يفترض على الجامعات الفلسطينية انتهاجها للمساهمة في بناء مجتمع معرفة فلسطيني؟

– ما هي ممارسات الاحتلال الإسرائيلي التي تعمل على عرقلة بناء مجتمع معرفة فلسطيني؟

أهمية البحث: تبرز أهمية الدراسة الحالية لأهمية الموضوع (مجتمع المعرفة) حيث إن المورد الأساس للاقتصاد في المجتمع الجديد هو المعرفة والمعلومات، والقوة المحركة للتقدم هي تطوير التقانة ونشرها.

منهج البحث: استخدمنا المنهج الوصفي التحليلي لمناسبته لطبيعة هذه الدراسة.

أولًا: مفهوم مجتمع المعرفة

يتميز كل عصر بسماتٍ معينة تُوحد وتُدرج في مسمى معين، من أجل تعريفه وفرض السيطرة على ديناميته. وقد تكون الأسماء ذات خلفية أيديولوجية بحتة، من حيث إنها تصنف العالم وتسميها كما يرونها، وتدخل ضمن هذه الفئة أسماء على غرار عصر «الحداثة» أو «مجتمع المعرفة»[2].

ومثّل مفهوم «مجتمع المعرفة» اهتمام عدد كبير من الباحثين. ويمتد جذور مفهوم «مجتمع المعرفة» إلى الباراديغم المعلوماتي السيبراني الذي بدأ بالتكون خلال أربعينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة، مع أعمال نوربارت واينر Wiener) (Norbert[3].

ويعرّف المجلس الأوروبي «مجتمع المعرفة» بأنه المجتمع الذي تعتمد المعاملات والممارسات الحياتية بداخله على إنتاج المعرفة ونشرها واستعمالها[4]. وقد تؤدي هذه الرؤية لمجتمع المعرفة إلى التركيز على البعد التقاني والمعلوماتي. غير أن تقرير المعرفة العربية الثاني لعام 2009 وسع هذا المفهوم ليشمل الأبعاد الثقافية والحضارية، بحيث لا يضل المفهوم مقتصرًا على البعدين العلمي والتقاني كما الحال في مرتكزات مؤشرات «فجوة المعرفة» التي أصبحت دارجة في تقارير المؤسسات الاقتصادية والبنكية الدولية، كالبنك الدولي. كما يؤكد التقرير العربي المذكور «أن مجتمع المعرفة، الذي تكتفي بعض التسميات بنعته بـ «المجتمع الرقمي: «هو مشروع مجتمع، وهو أكبر من أدواته وأكبر من شبكات الإنترنت. وبذلك، أمكن لتقرير المعرفة العربي أن يسلط الضوء على أن «مجتمع المعرفة» يعَدّ نقلة متقدمة عن «مجتمع المعلوماتية»[5].

يتحقق التقدم والتنمية من خلال استراتيجيات شاملة للحصول على المعرفة – محليًا وعالميًا – واستيعابها وتوصيلها إلى جميع أفراد المجتمع. وتتكامل هذه الاستراتيجية مع الاستثمار في رأس المال البشري تعليمًا وإبداعًا. كما يتحقق التقدم والتنمية بنشر التقنية الرقمية الخاصة بشبكة الإنترنت لكل فرد من أفراد المجتمع، لما لها من ارتباط مع انتشار المعرفة ولذلك تتنافس المجتمعات المتقدمة – منذ بدايات الألفية الثالثة – في سرعة التحول إلى المجتمع المعرفي لرفاهية مجتمعاتها وللارتفاع بترتيبها التنافسي العالمي[6].

إلا أن بناء الموارد المعرفية يحتاج إلى بيئات تنظيمية وإبداعية، وبنية معلوماتية وشبكية، ومهارات وقدرات من جانب المستخدمين، ورؤية حكومية لرشيدة تضع هذه الموارد في صلب اهتماماتها. وهذا ما لم تدركه معظم البلدان العربية مقارنة بالدول التي تبنت ديناميات التحول المعرفي منذ بدايته.

وهذا ما أكده التقرير العالمي لتكنولوجيا المعلومات (The Global Information Technology Report) الصادر في عام 2016 [7] المعطيات المحددة لموقع 139 بلدًا في العالم لجهة جاهزيته الشبكية. ويتبين وفق التقرير وجود 11 بلدًا عربيًا بين البلدان الـ 139، وغياب11 بلدًا آخر من البلدان 22 العربية، وهو ما يظهر ضعفًا وتفاوتًا في البنية المعلوماتية والشبكية بين البلدان العربية.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 540 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 540 شباط/ فبراير 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 540 في شباط/فبراير 2024.

[1]عبير جهاد النتشة: برنامج التعليم- وكالة الغوث الدولية.

[2]   دارن بارني، المجتمع الشبكي، ترجمة أنور الجمعاوي (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015).

[3]   المصدر نفسه، ص 14.

[4]     Roser Cussó, «Quand la Commission européenne promeut la société de la connaissance,» Mots: Les langages du politique, vol. 88 (2008), <http://mots.revues.org/14263> (Mis en ligne le 1 novembre 2010).

[5]   تقرير المعرفة العربي لعام 2010/2011: إعداد الأجيال الناشئة لمجتمع المعرفة (دبي: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، المكتب الإقليمي للدول العربية، 2012)، ص 11.

[6]    أحمد أبو بكر، «المجتمع المعرفي والإنترنت،» مجلة العلوم التقنية، العدد 65 (2003).

[7]         Baller Silja [et al.], eds., The Global Information Technology Report, 2016: Innovating in the Digital Economy (Geneva: World Economic Forum, 2016).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز