مقدمة

نتطلع في هذا المقال إلى تحليل دور المرأة في ما يتعلق بالجانب التنموي في المغرب في علاقته بالتغير الاجتماعي بوجه عام ومقاربة النوع على وجه التحديد. سوف نعتمد في تحليلنا هذا المقال على المنهج السوسيولوجي، لما يوفره من آليات وتقنيات في الفهم والتحليل، وخصوصًا لجهة فهم طبيعة هذه المساهمة. من هنا، سوف نرصد مجمل التغيرات التي طرأت على هذه المساهمة في علاقتها بالأدوار الاجتماعية، علمًا أنّ المجتمع المغربي ما زال يطبعه نوع من التقسيم التقليدي لمثل هذه الأدوار بناء على محددات ثقافية غارقة في المجتمع.

وفي السياق ذاته، يمكن القول بأنه في مرحلة ما من مراحل العمل التنموي في المغرب كان لغياب دور المرأة أثر واضح في كل هذه الأعمال، بدءًا من داخل المجالس المنتخبة، سواء المحلية منها أو الجهوية والوطنية. واستمر هذا الغياب سنين طويلة، بالرغم من حضورها، لكنه حضور محتشم لم يلبِّ بعد الأدوار التي تصبو إليها الدولة، خصوصًا في ما يتعلق بتقسيم الأدوار وجعل المرأة في مكانة واحدة مع الرجل، مع الأخذ بالحسبان تبني الدولة – ما يسمى في علم الاجتماع – مقاربة النوع. من ناحية ثانية لا يمكن نكران مساهمة المرأة في كل الفعاليات التي ينظمها المجتمع المدني؛ فهي حاضرة في مجالات شتى وفي مرحلة ما من مراحل تطور المجتمع. من هنا نتساءل عن مدى أهمية دور المرأة في التنمية في المغرب؟ وما العلاقة التفاعلية القائمة بين الأدوار التي تقوم بها المرأة والعمل التنموي كأفق للتغير الاجتماعي؟ ثم كيف ترى الدولة أهمية مقاربة النوع في مختلف مراحل تطور الأدوار الاجتماعية خصوصًا لدى المرأة؟ وأين تتجلى مساهمة المرأة في المجالس المنتخبة في علاقتها بالتنمية المحلية والجهوية والوطنية؟

من خلال مجمل هذه التساؤلات المطروحة، نسعى إلى تحليل هذه الظاهرة وفق براديغم سوسيولوجي، وذلك للاعتبارات العلمية التي يوفرها هذا المنهج. كما أننا نسعى أيضًا، إلى جانب الإشكالية المركزية المسطرة لهذا المقال، لأن نبحث في العلاقة التفاعلية القائمة بينها وبين الأسئلة المطروحة مسبقًا.

أولًا: الإشكالية المركزية

انطلق هذا المقال من إشكالية مركزية تهدف بالدرجة الأولى إلى فهم طبيعة الأدوار داخل المجالس المنتخبة بين النوع الاجتماعي، وكيف تساهم هذه الأدوار في فهم طبيعة العمل النسوي داخل هذه المؤسسات، في ما يتعلق بالجانب التنموي من جانب، ومن جانب آخر، نصبو أيضًا إلى ضرورة نقد الرواسب الثقافية ولا سيما تلك التي تحدد دومًا للمرأة المكان الخاص بها.

كان ولوج المرأة هذه المرافق الحيوية والعمل فيها، هو المدخل الرئيسي لفهم طبيعة التفاوت بين الجنسين في كل القطاعات، إذ كانت هناك سيطرة على هذه القطاعات منذ مدة. ولا بد لتحقيق تكافؤ اجتماعي يليق بالمرأة من جعلها تتبوأ هذه المكانة، لكن هذا يستوجب في الأساس محاربة العنف ضدها وتعليمًا يليق بها وجعلها مسؤولة عن قراراتها والحد من التمييز الجنسي في الأدوار. حيث «يبدو جليًا أن مواقع النساء قد عرفت نوعًا من الاقتراب من مواقع الرجال خلال القرنين الأخيرين، وبخاصة لجهة الحقوق وإمكان الولوج إلى مختلف المناصب. فقد أمنت مساواة المواقع للنساء نوعًا من الارتقاء بفضل التمتع بمختلف الحقوق السياسية والاجتماعية. من هنا عُـدَّ عمل المرأة المأجور شرطًا أساسًا للمساواة؛ فمن خلاله تضمن المرأة نوعًا من الاستقلالية والحماية الاجتماعية اللتين تمرّان عبر حقوق الزوج في حالة عدم المرأة. ومن هذا المنظور، كان على النساء انتزاع المساواة من خلال الحصول على الشغل، كما كان بإمكانهن الحصول على المساواة التي هي حق لهن، ولكن مع الأخذ بالحسبان لطبيعتهن ولموقعهن داخل منظومة التقسيم الجنسي للعمل»[2].

يعَدّ هذا الانتزاع، على حد تعبير فرونسوا ديبي، أمرًا مهمًا للنساء وذلك من أجل فرض سيطرتهن داخل منظومة العمل، والحد من التمييز الذي يصيبهن في كل ما يتعلق بالمجالات التي تتقاسم فيها مع الرجال طبيعة العمل المشترك.

«لقد تعززت مكتسبات المرأة المغربية في إطار استمرارية مسلسل الإصلاحات التنموية الشاملة، وبناء شراكات وطنية ودولية ينخرط فيها كل الفاعلين، حيث قطع المغرب أشواطًا متقدمة وموفقة في إعمال منهاج بكين وبلوغ الأهداف الإنمائية للألفية، معربًا عن انخراطه الدائم في مواصلة جهود العمل من أجل مواكبة تفعيل التوصيات المتفق حولها في الدورة الـ59 للجنة وضع المرأة حول «تقييم خطة عمل بكين 20، وقرارات الجمعية العامة في دورتها السبعين حول خطة التنمية المستدامة لعام 2030»[3].

لقد انخرط المغرب في مجموعة من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وخصوصًا تلك التي تتعلق بتعزيز دور المرأة ومكانتها داخل المجتمع، ولا سيما الشق المتعلق بتعليم المرأة واشتغالها وتسهيل إمكان ولوجها قطاعات أخرى، ولم يأتِ هذا الانخراط من فراغ، بل هو نتاجٌ لتغيرات اجتماعية شهدها المجتمع المغربي في السنوات الأخيرة، وخصوصًا الجانب المتعلق بالتشريعات، إذ شهد المغرب تغيرًا قانونيًا جذريًا يتعلق بـ «مدونة الأسرة» التي ساهمت في إبراز دور المرأة إلى جانب الرجل في الحياة اليومية، لكنها تبقى مسألة جدل سياسي وفقهي وعلمي في كل الأوساط إلى اليوم. «إذا كانت مدونة الأحوال الشخصية، قد شكلت موضوعًا اتسع فيه الخلاف، ليس فقط من الناحية القانونية – لكن، أيضًا، من الناحية السياسية – فإن ذلك راجع إلى كون مدونة الأحوال الشخصية ظلت لما يربو على نصف القرن من الزمن، تكرس دونية المرأة، وذلك بإقصائها كفاعل في مؤسسة الأسرة. لقد جاءت هذه النزاعات نابعة من التغيرات التي أضحت تعرفها الأسرة، كمظهر من مظاهر التغير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، الذي يعيشه المجتمع المغربي، خصوصًا مع سيادة مفهوم حقوق الإنسان، وتوقيع المملكة المغربية على الاتفاقيات الدولية المناهضة للميز ضد المرأة»[4].

أدى هذا التغير إلى ضرورة إعادة النظر في الأدوار الاجتماعية بين الرجل والمرأة، ومحاولة قدر المستطاع رد بعض من الحقوق المهضومة للمرأة، وخصوصًا أنها مهضومة نتيجة عوامل ثقافية تحتاج إلى إعادة التفكيك والنقد والبناء من جديد.

فقضية البناء هاتِه لم تواجه المجتمع المغربي فقط، بل هي قضية تواجه كل المجتمعات منذ زمن آفل، «حيث ظل سؤال تحرير المرأة وتمكينها ضرورة تنموية تحتاج إليها الدول للنهوض بمجتمعاتها، أم هي قضية إنسانية تتعلق بتحقيق العدالة المنشودة بين فئات المجتمع، وبخاصة أنّ هناك حرمانًا تاريخيًا للمرأة في جل المجتمعات الإنسانية. وهذه قضية قديمة تطرق إليها مفكرون عرب منذ القرن التاسع عشر»[5].

لقد شكلت قضية المرأة لدى جل المجتمعات قضية يلفها الكثير من الغموض، وفي المغرب ظلت الهاجس الأكبر خصوصًا في العقود الأخيرة، وذلك نتيجة لما أشرنا إليه سابقًا والمتمثل بانخراط المغرب في مجموعة من المعاهدات الدولية واتفاقيات شراكة تهدف أساسًا إلى النهوض بالمجتمع وتنميته. وفي ظل هذا، كانت قضية المرأة المحور الرئيسي في كل هذه الشراكات، وخصوصًا في المجال القروي، إذ أصبح تمدرس الفتاة من الأمور الرئيسية التي ستحقق هذا التكافؤ المنشود.

لقد مثّل انقطاع الفتاة عن المدرسة في العالم القروي تعميقًا لأزمة غياب المرأة بوجه عام عن كل ما يتعلق بالمجتمع. ولمحاربة هذه الآفة، كان لا بد من وضع خطة محكمة تهدف أساسًا إلى وضع حد لهذا النزيف. ومنذ انخراط المغرب في مجموعة من الاتفاقيات بدأ الوضع يتغير شيئًا فشيئًا، ولا سيما في العقود الأخيرة.

لعل المتتبع شأن التغيرات الاجتماعية وخصوصًا في مسألة الأدوار، سيمكنه ملاحظة رصد مجموعة من التغيرات في الجانب المتعلق بمكانة المرأة.

وفي هذا السياق، كانت المرأة تاريخيًا تحظى بمكانة ذات أهمية بالغة في المجتمع المغربي، وهذه المكانة لا تزال إلى الآن حيث لا يمكن الاستغناء عنها بوجه عام. فهي حسب الأدبيات الماركسية المدخل الرئيسي لقياس تقدم المجتمع. لكن إلى أي حد ساهمت المرأة في العمل التنموي سواء داخل المؤسسات أو الفضاءات الجمعوية ذات الطابع النسوي في المغرب؟

لقد شهد حضور المرأة في هذه المؤسسات، ومن داخل الأحزاب السياسية والجمعيات والمجالس المنتخبة، حضورًا لافتًا للانتباه..، حيث بات من الضروري إشراكها في مثل هذه المجالات وذلك لأهمية الأدوار التي تؤديها. ومن الناحية القانونية، صادق المغرب أيضًا على ضرورة إدراج المرأة في العمل الانتخابي أو ما يمسى التمثيلية النسائية في اللوائح الانتخابية، فقد عزز القانون من مكانة المرأة على صعيد المجتمع ككل، حيث منحها صلاحيات ممارسة العمل السياسي كأفق للتنمية المحلية والجهوية والوطنية. آخذًا بالحسبان أنّ المغرب يسير في اتجاه تطبيق مبدأ الجهوية الموسعة والمركزية واللاتمركز.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 543 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 543 أيار/مايو 2024

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 543 في أيار/مايو 2024.

الصورة من موقع “الجزيرة”، تعود لسائقة تاكسي في مراكش المغربية.

[1]معتصم بوبكر: طالب باحث في سلك الدكتوراه.

جامعة ابن طفيل، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية – المغرب، تخصص علم الاجتماع.

[2]   فرونسوا ديبي، المواقع والحظوظ: إعادة تفكير التفاوتات الاجتماعية، ترجمة كنزة القاسمي (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2016)، ص 24.

[3]   وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية، «تمكين المرأة والتنمية المستدامة: تقرير المملكة المغربية،» نيويورك، آذار/مارس 2016، ص 8، <https://tinyurl.com/5864adzh>.

[4]   عبد الرحيم عنبي، الأسرة القروية بالمغرب: من الوحدة الانتاجية … إلى الاستهلاك دراسة ميدانية لاتجاهات التغير الأسري بالوسط القروي بالمغرب (أكادير، المغرب: منشورات جامعة ابن زهر، 2014)، ص 289.

[5]   البدر الشاطري، «المرأة والتنمية .. هل من علاقة؟،» البيان (الإمارات)، 21/10/2019.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز