تقديم

يُخبرنا التاريخ بالعلاقة الوشيجة التي جمعت الفلسفة بحقولٍ معرفية أخرى، التي احتضنتها الفلسفة واحتوتها، قبل أنْ تهمَّ بالانفصال عنها ابتداءً من القرن التاسع عشر، باحثةً عن استقلالها. ولعلّ أبرز حقلٍ معرفي اشتبكت به الفلسفة هو الأدب، بحسبانه حقلًا زاخرًا بأجناسٍ تتمتّع بمكانةٍ خاصّة في التاريخ. مثّل الأدب، ولا يزال، الحضن الأوّل الذي يرتمي فيه الإنسان، ويبلور فيه قضاياه وهمومه سواء عبر إيحاءاتٍ رمزية أو بشكلٍ بادٍ وصريح، ولا غرابة في القول إنّ الأجناس الأدبية هي المتنفّس الوحيد للإنسان الذي وجده مرتعًا لا غنى عنه لمناقشة كل شيء بكلّ حرية.

تسعى هذه الورقة إلى إبراز التقاطع الحاصل بين الفلسفة والأدب، مقتصرًا على جنس الرّواية بوصفها الجنس الأدبي الأكثر انفتاحًا على قطاعات معرفية قد لا تنقضي عدًّا، وأذكر منها على سبيل التمثيل لا الحصر: السوسيولوجيا؛ التاريخ؛ علم النفس؛ … إلخ. كما أنّها تستحضر، بكل أريحيّةٍ، الأشكال التعبيرية الأخرى كالشّعر والخاطرة مثلًا، كما يمكنها أنْ تمتحُ منهما. تتّسم الرواية بالموسوعية والشّمولية؛ الأمر الذي يمكّنها من تقديم باكورة من القيّم الإنسانية، والاستبسال في الذود عنها، كما أنّها ترفع شعار الحكيَ المسترسل والاهتمام الزائد بتفاصيل التفاصيل، لذلك تعَدّ من أرقى الأشكال التعبيرية التي ابتدعها الإنسان على مرّ التاريخ.

وبما أنّ هناك علاقة وثيقة بين الفلسفة والأدب، فلا بدّ أنْ نجد المهتمّين بالشّأن الفلسفي في المغرب تحديدًا يخوضون غمار الكتابة الأدبية. ولعلّ النّصوص الرّوائية التي أنتجها الرّوائي والمفكر المغربي عبد الله العروي خير مثالٍ على ذلك، بوصفه روائيًا اشتبك مع النّصوص الفلسفية في أعماله الفكرية، وغاص في متون أساطين الفلسفة ورموزها. وقد مثّل إنتاجه الرّوائي، في اعتقادي، تقاطعًا واضحًا بين الفلسفة والأدب، وذلك يظهر بجلاءٍ من خلال الشخصيات التي ابتدعها في عوالمه المتشابكة، هذا من جهة، ومن جهةٍ ثانية ناقش على لسانها إشكالات أكثر تأريقًا، كإشكالية الأصالة والمعاصرة التي تتمثلُ بجلاءٍ كبير في رواية أوراق: سيرة إدريس الذهنية (1989).

يعدُّ عبد الله العروي من الوجوه الرّوائية البارزة في الثقافة المغربية المعاصرة، ويأتي تميّزه هذا من نجاحه في الجمع بين حقل التاريخ وعلم السياسة والفلسفة وعلم الاجتماع والأدب في يد واحدة، ليكون بذلك استثناءً حقيقيًا في تاريخ الفكر المغربي. هل يمكن وصف العروي بالفيلسوف إذ إنّه ما فتئ يشاكسُ الفكر الفلسفي الغربي والعربي، ويتكئ على عُدّةٍ مفاهيمية فلسفية بحتة؟ يتحاشى عبد الله العروي أن يلبس عباءة الفيلسوف، وأكّد أنّ ما أنتجه لا صلة له بالفلسفة، بل يفضّلُ أن تصنّف كتاباته ضمن اجتماعيات الثقافة[2]. قمينٌ بالذّكر أنّ عبد الله العروي صرّح في كتابه الأخير: Philosophie et histoire، الصادر سنة 2017 في طبعته الأولى، أنّه مشى في دربه الأكاديمي على رِجلين، رِجلُ الزاد المعرفي التاريخي، ورِجْلُ الزاد النقدي الفلسفي [3]. يتّضحُ من هذا القول أنّ العروي مفكّر يمتهنُ حرفة الجمع بين مختلف المجالات رغم التنائي الذي يبدو منذ الوهلة الأولى، وبالتالي فمؤلفاته تتأرجحُ بين التاريخ والفلسفة، هذا من جهة، ومن جهةٍ ثانية إنّه يُوضحُ للمتلقّي من خلال قوله هذا أنّه ارتدّ على تلك الفكرة التي ما انفكّ يرددها وهي أنّ نصوصه لا تنتمي إلى حقل الفلسفة، ولا يمكن تصنيفها ضمن هذه الأخيرة.

إنّ ما يهمنا هو النّظرة التي نظر بها العروي للرّواية، وتعقّب إنتاجاته الرّوائية والقضايا التي تصدّى لها فيها، ومعرفة مميزات نصوصه الرّوائية رغم أنّه نهل من حقول معرفية متنوّعة كالتاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم السياسة. كيف تصوّر، إذن، عبد الله العروي الرّواية؟ ولِمَ اختار الرّواية كجنسٍ تعبيري دون غيرها من الأجناس؟ وكيف نجح في المزاوجة بين الإنتاج الأدبي والإنتاج الأكاديمي الصِّرف؟

أولًا: نظرة عبد الله العروي إلى الرّواية

لقد انخرطَ عبد الله العروي في جنس الرّواية لكونها الجنس التعبيري الذي يقول كلّ شيء، ويمنحُ الكاتب حريّة أكبر في التعبير، وتوظيف الخيال. ولا غرو أن تُعتبر نصوصه الرّوائية امتدادًا حقيقيًا لأعماله الفكرية التي تحملُ هاجس الحداثة، والانفلات من قبضة التأخر التاريخي الذي حكم الرّقعة الجغرافية العربية منذ الصدمة الأولى التي تلقّاها العرب عندما واجهوا جيوشًا قادمة من الضفة الأخرى في غاية القوّة والتنظيم، ومتسلّحة بأحدث الأسلحة، يقودها نابليون بونابرت. حينها اكتشف العرب ضعفهم الكبير، وتأخرهم المفجع، ليطرحوا سؤالًا يُعدّ من أكثر الأسئلة تأريقًا: لماذا تقدّم الغرب وتأخر العرب؟ ظلّ هذا السؤال يسكن ذهن العرب، وقلّما يبرحه، وقد سعوا جادّين للإجابة عنه، وتحقيق نهضةٍ شبيهةٍ بنهضة الغرب، فلم ينجحوا، بل تواصلت الهزائم والانكسارات والخيبات. هذه التحولات التي عاشتها البيئة العربية منذ الحملات العسكرية على مصر ما بين عام 1798 وعام 1801 هي التي دفعت العروي إلى تأليف كتابه العُمدة الموسوم بعنوان: الإيديولوجيا العربية المعاصرة (1967)، وقد أبرز في هذا الكتاب مكامن ضعف العرب، والأسباب التي أفضت إلى هذا التأخر التاريخي، وشخّص فيه الأعطاب التي نتجت من هذا الأخير، ولم يهمل في هذا المضمار الأشكال التعبيرية التي من شأنها الإسهام في تحقيق الحداثة في الوطن العربي، وأعني: المسرح، الرّواية، الأقصوصة.

تأكيدًا للارتباط الوثيق بين أعماله الرّوائية والفكرية يمكن القول إنّ الرواية في نظره تنبني من مسألتين أساسيتين، وهما: «الخلخلة والهدم… خلخلة التصوّر التقليدي المرتبط بالحديث عن الواقع وتسجيله، بالتوجه نحو الإحاطة بالذات وما تختزنهُ من مشاعر وأحاسيس. فهموم الذّات، تطلُّعاتها، خيباتها، هو المُهيمن على نصوص ما بعد 1967م. أمّا الخلخلة فتتمثّلُ في بناء النّص الفنّي، حيث تداخل اللغات والمنظورات، والارتهان للرّمزي والأسطوري، مع تكسير الأزمنة، واحتضان الرّواية لأكثر من جنسٍ أدبي»[4]. يتبين أنّ العروي ظلّ محكومًا بهواجسه الفكريّة التي أبرز ملامحها في مؤلفاته بدءًا من الإيديولوجيا العربية المعاصرة إلى كتابه الأخير: Philosophie et histoire، وذلك يتجلى في مفهوم الهدم الذي يشي بتكسير المنظومة التقليدية التي هيمنت على الذّهنية العربية وجعلتها مسكونة بالماضي، ومتطلّعة لاستعادته مجددًا. وبالرغم من استحالة ذلك إلّا أنّ هذا التطلع لا يزال يخامرها. وظف العروي في رواياته الأربعة: الغربة واليتيم، والفريق، ورواية الفريق، شخصية الشيخ (الفقيه العوني مثلًا) أو السلفي، وحضورها في معظم نصوصه ليس من قبيل الصّدفة، بل تعمّد إدراجها. نقرأ في رواية الفريق: «هاجرت بديني إلى هذه المدينة المباركة في جوار الولي الصالح (…) الزاوية هي المسجد (…) جاء الفتح على يد العرب. فتح العرب بابا، طريقًا، منفذا، أعادوا الشهوة، اللذة، السعادة، النشوة إلى الدنيا بعد أن ذبلت أزهارها وبهتت ألوانها ويبست أوراقها، أرجعوا القوة، النشاط، الفتوة إلى الإنسان بعد أن وهن عظمه وتصلبت أعصابه. العرب شعبٌ فتيٌّ»[5].

يربطُ العروي الرّواية بالوجدان، إذْ إنّ غايتها تنحصرُ في «استمالة القارئ وإثارة شعوره»[6] بصرف النّظر عن المادّة الحكائية والقضية المعالجة، ومن ثم فالرواية هي جنسٌ يرنو الترويح عن النفس البشرية وتخليصها من الهموم التي تنخرها. هذه ليست هي المهمة الأولى للرّواية بل إنّها تنكبُّ على قضايا المجتمع، وتحاول إماطة اللثّام عنها، وإبراز المسكوت عنه في الوسط الاجتماعي، وهذا ما يؤكده العروي نفسه بقوله: «تصفُ الرّواية المركز حيث تستقرّ الدلالة وتتولّد حركة المُجتمع، وسواءٌ انطلق السّرد من المركز في اتجاه الأطراف أو سلك الطريق المُعاكس، فإنّ الرّواية تمثل في كلّ حال رحلةً استكشافية عن خبايا المُجتمع»[7]. منح العروي لرواياته خواصّ تفرّدت بها في وقتٍ كان الإنتاج الرّوائي في المغرب شحيحًا، ومتكئًا على الواقعية التي استشرت في الوسط الثقافي العربي، ويعدّ نجيب محفوظ رائدها، وقد تمّ استلهامها من أيقونات الرّواية العالمية، وعلى رأسهم: فيودور دوستويفسكي. كسّر عبد الله العروي فكرة الواقعية في الرّواية، ليقدّم للمتلقّي نصوصًا روائية قِوامها «تكسير خطيّة السّرد، وتداخل الأزمنة، ولملمة شظايا ذاكرة تسائلُ الزمن المُنصرم، وتستبطنُ قسوة الغربة، ومرارة اليُتم»[8]. ينمّ تكسير البنية الواقعية التي وسمت مختلف رواياته عن جرأته الكبيرة، وقبل أن يباشر بكتابة رواياته فقد أكّد ضرورة التخلّص من الواقعية التي نشأت في الغرب نتيجة سياقات تاريخية واجتماعية معينة، ولتحقيقها هنا يجب أن تتوافر نفس الشروط، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى فإنّ الواقعية الغربية لها مرامٍ محددة وواضحة: «الكشف عن بنية المُجتمع من خلال تجربة فرديّةٍ تتمثّلُ بسلسلة الانتصارات والهزائم، الظاهرة والخفية، الاجتماعية والنفسانية (…) الواقعية عند الكتّاب الروس تمثّلت في جعل شخوصهم يتحاورون باللسان الفرنسي (…) ثم إنّ الطبقة البرجوازية في البيئة العربية نشأت دفعة واحدة بصفتها وارثة عالم الأجانب المغلق، أكان الأجانب أتراكًا أو فرنسيين»[9]. وبما أنّ هذه الشروط لم تتوافر في الكُتّاب العرب فإنّ الواقعية لم تتحقق بشكلٍ فعليّ كما تحققت لدى الغرب في وقتٍ سابق.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 544 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 544 حزيران/يونيو 2024

كتب ذات صلة:

المهمشون في الرواية العربية: نموذج الرواية المصرية

نجيب محفوظ: رائد الرواية العربية

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 544 في حزيران/يونيو 2024.

الصورة من أحد الصالونات الأدبية في المغرب (صالون خديجة شاكر)- عن موقع “سيدتي”.

[1]سفيان البرّاق: طالب باحث في الفلسفة، جامعة شعيب الدكالي – المغرب.

[2] عبد السلام بنعبد العالي، بين الاتصال والانفصال: دراسات في الفكر الفلسفي بالمغرب (الدار البيضاء: دار توبقال، 2002)، ص 73.

[3] مجموعة مؤلفين، الإيديولوجيا العربية المعاصرة: مكانةُ الكِتاب وأثره في الفكر العربيّ (بيروت: منتدى المعارف، 2022)، ص 23.

[4]  نور الدين صدوق، عبد الله العروي وحداثة الرّواية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1994)، ص 15.

[5]   عبد الله العروي، الفريق (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1986)، ص 198-203.

[6] عبد الله العروي، «رواية الفريق وجاذبية الواقع،» في: محمّد الداهي، التشخيص الأدبي للغة في رواية الفريق لعبد الله العروي (الرباط: دار الأمان، 2006)، ص 3.

[7] عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1995)، ص 244.

[8] عبد الله العروي: من التاريخ إلى الحبّ (كتاب الدوحة)، حوار أجراه محمد الداهي (الدوحة: وزارة الثقافة والفنون والتراث، 2013)، ص 20.

[9] العروي، المصدر نفسه، ص 241-242 (مع بعض التصرف).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز