ملخص

تشير الكتب المقدسة (العهد القديم والعهد الجديد والقرآن الكريم) للديانات السماوية الإبراهمية الثلاث (اليهودية والمسيحية والإسلام) إلى أهمية شجرة الزيتون ومكانتها المقدسة. وفي هذا السياق، سيتناول هذا البحث أهمية شجرة الزيتون ومكانتها ببُعدها الديني الإسلامي، كذلك بالنسبة إلى الثقافة والتاريخ والتراث والعادات والتقاليد فيما يتعلق بشجرة الزيتون للمجتمع الفلسطيني في فلسطين المحتلة.

أولًا: البعد الديني لشجرة الزيتون

إسلاميًا – وكما هو مذكور في القران الكريم والسنَّة النبوية الشريفة – فإن شجرة الزيتون، على وجه الخصوص، لها احترام وتقدير كبيران لكونها شجرة مباركة، وأن ربَّ العزة أقسم بها إلى جانب شجرة التين. حيث يقول ربُّ العزة في القرآن الكريم  ﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيۡتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٱلۡأَمِينِ (3) لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ (4) ثُمَّ رَدَدۡنَٰهُ أَسۡفَلَ سَٰفِلِينَ (5) إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعۡدُ بِٱلدِّينِ (7) أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَحۡكَمِ ٱلۡحَٰكِمِينَ﴾ (8).” الآيات 1–8، سورة التين من القرآن الكريم.

في هذا البحث المختصر، وبناءً على بعض التفسيرات لهذه الآية الكريمة التي جاء ذكرها في سورة التين (وهي سورة مكيّة)، سوف يقتصر الحديث على آية “والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين”. أقسم الله سبحانه وتعالى بهذه الأشياء الأربعة: التين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين. أما “التين” فهي الفاكهة التي تُؤْكَل والمعروفة بفوائدها الصحية الكثيرة، وأما “الزيتون” فهي الثمرة المعروفة بأكل ثمرتها وعصر زيتها ولِمَا في ثمرتها وزيتها فوائد صحية عظيمة تعود على الإنسان بالفائدة والمنفعة، وأما قَسَمُ الله بهما فَفُسِّرَ ذلك لكثرتهما في فلسطين خصوصًا وفي بلاد الشام عمومًا. تلك هي أرض فلسطين التي سكنها الأنبياء وكان آخرهم عيسى ابن مريم عليهم السلام جميعًا. كذلك أقسم الله عزَّ وجل بطُور سينين أي جبل سيناء (وذلك حسب بعض التفسيرات) لأنه الجبل الذي أنْزَلَ الله تعالى رسالته على نَبِيِّه موسى عليه السلام. قال العلماء: معنى قوله “وَطُورِ سِينِينَ”: أي طور سيناء وهو الجبل المبارك وما حوله والذي وصفه الله سبحانه وتعالى بـ “الوادي المقدس” الموجود في صحراء سيناء المصرية، حيث قال ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (أي المُطَهَّرْ المُبارَكْ) (الآية 12 من سورة طه). وأما البلد الأمين فهو مَكَّةَ المُكَرًّمَة التي بَعَثَ الله منها وفيها وللبشرية جمعاء نبي الإسلام محمدًا ﷺ.

وفي السُّنَة النبوية الشريفة فقد جاء عن نبي الإسلام محمد ﷺ أنه قال (عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهم جميعًا): “كَلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ”. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ: “كلّوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ، فَإِنَّهُ طَيِّبٌ مُبَارَكٌ”. وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: “كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ، فإن فِيهِ شِفَاءً مِنْ سَبْعِينَ دَاءً مِنْهَا الْجُذَامُ”. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: “عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُبَارَكَةِ زَيْتِ الزَّيْتُونِ فَتَدَاوَوْا بِهِ، فَإِنَّهُ مَصَحَّةٌ مِنَ الْبَاسُورِ”. وَالْبَاسُورُ عِلَّةٌ مَعْرُوفَةٌ وَالْجَمْعُ الْبَوَاسِيرُ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ.

ثانيًا: البعد الوطني لشجرة الزيتون

أما بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني، فَتُمَثِّل شجرة الزيتون العزة والكرامة والسؤدد والولاء للشعب والأرض والفلاحة الأصيلة والاستمرارية والنبل، والمقاومة والصمود والتمرد على الظلم والاستعمار والاحتلال، والثبات على الحق والتمسك بالأرض. لذلك يُمْكِنُ وصف شجرة الزيتون في فلسطين انها تمثل مقاومةً للمستعمر الاجنبي والاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين. لهذا فإن شجرة الزيتون في فلسطين ليست مجردَ شجرةٍ بل هي شاهِدٌ صامت على تاريخ وقصص ونضالات وبطولات وتطلعات الشعب الفلسطيني. تُجَسِّد شجرة الزيتون في فلسطين جَوْهر فلسطين حيث صمودها ومقاومتها وأملها الخالد. وبالرغم من جسامة التضحيات التي قدمها، وما زال يقدمها الشعب الفلسطيني والتحديات التي تواجهُهُ وتواجه شجرة الزيتون، إلاَّ أن شجرة الزيتون ضاربة بجذورها عميقًا في أرض فلسطين، شأنها شأن روح الشعب الفلسطيني. هذا دليلٌ واضحٌ كل الوضوح على أن شجرة الزيتون لا تزال صامدةً تابتةً مقاومةً لا تتزَحْزَح ولا تَبْرَحُ مكانها، حيث ترتبط الشجرة بالأرض والمقدسات والغذاء والهوية والإنسان ارتباطًا وثيقًا لا انفكاك فيه، وبناء على ذلك تُصبِح زراعة شجرة الزيتون بِحَدِّ ذاتها فِعْلٌ مُقاوِمٌ للشعب الفلسطيني بكل مكوناته وإمكاناته.

وبصفتها محصولًا أساسيًا ورمزًا للهوية والإرث والكرامة الإنسانية وروح الشعب الفلسطيني الثابت على أرضه مُطالِبًا بحريته وحقوقه، تقف شجرة الزيتون شامخة في المشهد الفلسطيني. إن قُدْرَةَ شجرة الزيتون على تحمل الظروف القاسية، وخصوصًا في ظل التغيرات المناخية من شح الأمطار والجفاف والتَّصَحُر وفي ظل الممارسات الاحتلالية والإحلالية الإسرائيلية التدميرية، تجعلها رمزًا للصمود والتصدي والاستمرارية وكفاح شعب وأرض يعيشان تحت حصارٍ واحتلالٍ عسكريٍ عنصريٍ بغيضٍ طال أمده. كل شجرة زيتون في فلسطين تُذَكِّرُ بتاريخ الآباء والأجداد وإرثهم على مر العصور وتعزيز الهوية الفلسطينية للأجيال الماضية والحالية والقادمة.

ثالثًا: البعد التاريخي والوجودي لشجرة الزيتون

دخلت شجرة الزيتون إلى منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، ​​ومن ضمن ذلك فلسطين، منذ نحو 6000 عام. تنمو شجرة الزيتون ليصل ارتفاعها إلى 3–12 مترًا (10–40 قدمًا)، وهي من أقدم الأشجار المزروعة في العالم، وتوجد بعض أقدم أشجار الزيتون عالميًا في فلسطين. لآلاف السنين، أدَّت شجرة الزيتون دورًا جوهريًا في تاريخ وجغرافيا وتوبوغرافيا (التضاريس) وديمغرافيا (السكان) فلسطين. كذلك أدّت شجرة الزيتون دورًا مهمًّا فيما يتعلق بالمعتقدات والمقدسات (حيث “جبل الزيتون” في القدس) ومفاهيم التربية والتعليم والثقافة والدين والممارسات والمأكولات والعادات والتقاليد للشعب الفلسطيني على أرض فلسطين التاريخية وفي الشتات.

يوجد في فلسطين نحو 10 ملايين شجرة زيتون موزعة على مساحة 940–960 كم2 (أي نحو 94,000–96,000 دونم). معظم تلك الأشجار من الأنواع المحلية المُقاوِمَة للجفاف، موزعة على أكثر من نصف إجمالي الأراضي الزراعية في الضفة الغربية وقطاع غزة المُحْتَلًّيْن. أما بخصوص قطاع غزة على وجه التحديد، فقد دَمَّرَ الاحتلال الإسرائيلي جميع إمدادات المياه والقطاع الزراعي ومقومات الحياة عمومًا، بما في ذلك أشجار الزيتون. كان ذلك خلال عدوان جيش الاحتلال الأخير (2023–2025) على قطاع غزة، والذي تمثل بحرب الإبادة والتطهير العرقي للبشر والشجر والحجر، وذلك كما تم وَصْفُه من جانب مؤسسات الأمم المتحدة المختلفة وهيئات دولية متعددة.

رابعًا: شجرة البدوي: شجرة الزيتون الفلسطينية الأقدم عالميًا

يفخر الفلسطينيون بوجه خاص بأن أقدم شجرة زيتون في العالم، “شجرة البدوي” (الشكل الرقم (1))، تقع في قرية الولجة الصغيرة في محافظة بيت لحم، ويبلغ عمرها زهاء 5000 عام. تنتمي هذه الشجرة إلى عائلة أبو علي في الولجة، وتقع في وادي جْويزَة بقرية الولجة، جنوب غرب مدينة القدس المحتلة. الشيخ أحمد البدوي (المعروف أيضًا باسم السيد البدوي) هو زعيم روحي صوفيٌّ مُسْلِم، وُلد في مدينة فاس في المغرب وتوفي في مدينة طنطا بمصر عام 675 هـ (أي 1276 م) عن عمر يناهز 79 عامًا. تخليدًا لذكرى الشيخ البدوي، يُطْلِقُ سكان الولجة على هذه الشجرة اسم “شجرة البدوي” حيث زارها الشيخ البدوي واعتنى بها كثيرًا. ويحتفل اهل الولجة وبعض الزائرين بشجرة البدوي في الأعياد حيث يتم توزيع الطعام والحلويات على أهالي البلدة وخصوصًا المحتاجين منهم، كون شجرة البدوي ذات قيمة مُقَدَّسة وجزءًا لا يتجزأ من هوية قرية الولجة خصوصًا وفلسطين عمومًا.

الشكل الرقم (1)

شجرة البدوي وهي الأضخم في فلسطين والأقدم عالميًا

شجرة البدوي يجلس بداخلها من يرعاها السيد صلاح أبو علي

   جدار الفصل العنصري الإسرائيلي الذي لا يبعد عن شجرة البدوي سوى بضعة أمتار

قبل أن يستقر السيد صلاح أبو علي على كرسيِّه في ظل “شجرة البدوي” (الصورة في الوسط)، يدور ببطء حول شجرة الزيتون العتيقة هذه (الصورة في اليسار) ويقول: “هذه الشجرة هي أجمل شجرة في فلسطين. إنها تأسر الألباب بضخامتها وأناقتها الفريدة.على مر السنين” ثم يكمل: “أُطْلِقَ على هذه الشجرة أسماء عديدة منها: “شجرة البدوي”، “عروس فلسطين”، “أم الزيتون”، “العجوز”، و”القلعة””. يكمل أبو علي: “كانت الشجرة تُنتج نحو 500 كغ (أي نصف طن) من الزيتون سنويًا، لكنها في عام 2018 لم تُنتج سوى 250 كغ، وفي بعض السنوات، لم تُنتج الشجرة شيئًا على الإطلاق”. ويضيف أبو علي: “لدينا مشكلة نقص الماء التي تؤثر على شجرة الزيتون هذه، فالشجرة عطشى وتحتاج إلى الكثير من الماء نظرًا لحجمها الضخم وعمرها الطويل، لكن هذا الماء غير متوفر، ومياه الينابيع المجاورة لا تكفي”. ويتابع أبو علي حديثه قائلًا: “أحاول الحفاظ على البيئة المحيطة بـ “شجرة البدوي” وذلك من خلال الحفاظ على صحة وتخصيب تربتها وتقليمها في بعض الأحيان. حقًا يؤلمني أن أرى “شجرة البدوي” على هذا النحو”.

شجرة الزيتون التاريخية هذه، في نظر أبو علي، معرَّضة للأخطار، إذ يقع نبع الماء الذي يغذيها حاليًا تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي وأصبح مزارا للمستوطنين الصهاينة، وهو ما يجعل استخدام النبع مستحيلًا على الفلسطينيين. إضافةً إلى ذلك، ولأن جدار الفصل العنصري الإسرائيلي يقع بالقرب من “شجرة البدوي” (الشكل 1– إلى اليمين)، فإن الشجرة معرضة باستمرار لأخطار حرقها أو قصها أو خلعها وسرقتها من قِبَل جنود الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه، وخصوصًا أن موقعها ليس بعيدًا من جدار الفصل العنصري الذي أقامته سلطات الاحتلال في عام 2005 بطول نحو 750 كم حول الضفة الغربية المحتلة.

خامسًا: البعد الاقتصادي والاجتماعي لشجرة الزيتون

تُمثّل أشجار الزيتون نحو 87 بالمئة من إجمالي المناطق المزروعة بأشجار الفاكهة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. تُنتج هذه المناطق ما بين 5000 و180,000 طن من الزيتون سنويًا بمعدلات متفاوتة، وذلك حسب دورة إنتاج الزيتون نصف المتعاقبة والمناخ بوجه خاص والظروف البيئية والأحوال السياسية بِوجه عام. على سبيل المثال، في عام 2019، تم عصر نحو 177,000 طن من الزيتون، ما أنتج 39,600 طن من زيت الزيتون، أي ما يُعادل 43,560,000 لتر تقريبًا. وبما أن كثافة زيت الزيتون أقل من واحد، فإن كيلوغراما واحدًا من زيت الزيتون يُعادل 1.1 لتر (أي 0.917 كغم/لتر).

أما في العام 2020، فلقد انْخَفَضَ ​​إنتاج زيت الزيتون في فلسطين الى ما بين 7000 و 8000 طن من الزيت فقط من إجمالي محصول الزيتون الذي يُقدر بـ 81 ألف طن، وذلك بناءً على معلومات وزارة الزراعة الفلسطينية. وعندما ينخفض إنتاج زيت الزيتون إلى هذا المستوى، يوصف الموسم بـ “موسم شلتوني” (أيْ ضعيف بامتياز). يُعْزَى هذا الانخفاض في إنتاج شجرة الزيتون في فلسطين الى عوامل مختلفة، منها تأثيرات التغيرات المناخية في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط والعالم عمومًا، وكذلك سوء الأحوال الجوية السنوية من حيت انخفاض نسبة الأمطار وتقلبات درجات الحرارة طوال موسم الإزهار والرياح الخماسينية المُحَمَّلَة بالغبار والأتربة، هذا إضافة إلى استمرار آثار الحرب الأخيرة 2023–2025 على قطاع غزة، وهو ما أدى الى تدمير حقول الزيتون وكذلك معاصر الزيت خلال تلك الحرب على غزة. أما معدل إنتاج قطاع غزة من زيت الزيتون فيراوح ما بين 1500 و 2000 طن سنويًا. أما بالنسبة إلى الضفة الغربية المحتلة فلقد اقتلعت سلطات الاحتلال منذ عام 1967 نحو مليون شجرة مثمرة منها الكثير من أشجار الزيتون، علمًا أن عدد أشجار الزيتون في الضفة الغربية وقطاع غزة (قبل الحرب الأخيرة) هو قرابة 10 ملايين شجرة، كما ذُكر أعلاه.

اقتصاديًا، في السنوات الجيدة، يمكن لقطاع زيت الزيتون أن يُساهم في دخل المجتمع الفلسطيني بأكثر من 100 مليون دولار أمريكي سنويًا. ووفقًا لمركز التجارة الفلسطيني بال-تريد، تُقدر قيمة قطاع الزيتون عادةً ما بين 160 مليون دولار أمريكي و 191 مليون دولار أمريكي خلال السنوات المزدهرة أو جيدة الإنتاج. كذلك، فمن خلال توفير 3–4 ملايين يوم عمل موسمي سنويًا في موسم قطف الزيتون، يساعد قطاع الزيتون على التخفيف من آثار البطالة والفقر في المجتمع الفلسطيني، تمامًا مثل صناعة الحجر الجيري في فلسطين، التي تساهم بنحو 25 بالمئة من إجمالي الناتج القومي السنوي. يأتي ما بين  50 بالمئة و 90 بالمئة من إيرادات المزارعين في الضفة الغربية من قطاع الزيتون ومنتجاته، وهو ما يجعله أحد القطاعات الاقتصادية الرئيسية في الضفة الغربية المحتلة. فضلًا عن ذلك، يوفر موسم قطف الزيتون دخلًا لما بين 80,000 و 100,000 أسرة فلسطينية. علاوة على ذلك، تعمل أكثر من 15 بالمئة من النساء العاملات في موسم قطف الزيتون سنويًا من تشرين الأول/أكتوبر إلى كانون الثاني/ديسمبر أو كانون الثاني/يناير من العام التالي وذلك بناءً على الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية المختلفة.

سادسًا: البعد الصناعي لشجرة الزيتون

من خلال مجموعة مُتَنَوِّعَة من الصناعات، بما في ذلك الغذاء والأدوية ومستحضرات التجميل والطاقة (التدفئة) والأسمدة، وغيرها من الصناعات مثل الصابون التقليدي والحرف اليدوية، ساهمت شجرة الزيتون في فلسطين إلى حد بعيد في الاقتصاد الفلسطيني. ولأن شجرة الزيتون مُنْتَج ذو أهمية تاريخية كبيرة، تشتهر مدن مثل نابلس في شمال الضفة الغربية بصابونها التقليدي المصنوع من زيت الزيتون. فمنذ العصور القديمة، يُصنع صابون زيت الزيتون هذا ويُقدّر لنقاوته ونظافته وفوائده الصحية. تُعدّ صناعة صابون الزيتون جزءًا أساسيًا من التاريخ والثقافة والتراث الفلسطيني، فهي تدعم المجتمعات المحلية وتخلق فرص عمل لا بأس بها، تمامًا مثل الكثير من الفوائد التي يقدمها قطاع الزيتون ككل في فلسطين.

إضافة إلى ذلك، يحظى قطاع الحرف اليدوية لصناعات خشب الزيتون بشهرة واسعة في مدن فلسطينية، بما في ذلك بيت لحم وبيت ساحور في جنوب الضفة الغربية. تُوَفِّر الحرف اليدوية المَعْنِيَّة بخشب الزيتون فرص عمل لا بأس بها، تمامًا كما تفعل صناعة صابون زيت الزيتون في شمال الضفة الغربية. ومع ذلك، ووفقًا لأصحاب الحرف اليدوية التي تعمل في مجال خشب الزيتون، فإن هذا المجال الحِرَفي في محافظة بيت لحم مُهَدَّدٌ بالانقراض، وذلك نتيجة مباشرة لثلاثة عوامل: الاضطرابات السياسية المستمرة، وتراجع السياحة، والضائقة الاقتصادية الكبيرة الناجمة عن الاحتلال العسكري الإسرائيلي. بينما كان يعمل في قطاع الحِرَف اليدوية، فيما يتعلق بخشب الزيتون على وجه الخصوص، زهاء 3000 شخص حيث بلغ ذروته في ثمانينيات القرن الماضي. انخفض هذا الرقم على نحو مثير للقلق، كما انخفض عدد الوُرَشِ بصورة كبيرة، ولا تزال هذه الصناعة في تراجع حاد.

سابعًا: البعد البيئي لشجرة الزينون

من إنتاج زيت الزيتون الفلسطيني التقليدي عالي الجودة إلى إنتاج سلع صديقة للبيئة من مخلفات عصر الزيتون، يبحث المزارعون ورواد الأعمال الفلسطينيون عن أساليب مبتكرة لرفع قيمة منتجات الزيتون. على سبيل المثال، عند استخدامها بطريقة تُعزز الاقتصاد الأخضر المستدام والصديق للبيئة، يُمكن أن تكون نفايات الزيتون الصلبة (الجِفْتْ) مُنَاسِبَة تقنيًا، وجيدة بيئيًا، ومُنْتِجَة اقتصاديًا، ومُجْدِيَة ماليًا. ويمكن تطبيق طريقة إنتاج الطاقة بنجاح، وذلك باستخدام التسميد الهوائي (بوجود الأوكسجين) والتسميد اللاهوائي (بغياب الأوكسجين) لنفايات الجِفْت وغيرها من النفايات الصلبة الناتجة من قطاع الزيتون.

ثامنًا: تأثير جدار الفصل العنصري الاحتلالي وشجرة الزيتون

يؤثر جدار الفصل العنصري الإسرائيلي تأثيرًا مباشرًا في أشجار الزيتون وموسم قطف الزيتون في الضفة الغربية المحتلة، إذ يُقْتَلَع أو يُقْطَع أو يُحْرَق الكثير من أشجار الزيتون على يَدِ الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، أو لوقوعها خلف الجدار ومنع المزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى حقول اشجارهم. إلّا أن المزارعين الفلسطينيين يحتاجون عادةً إلى تراخيص خاصة أو تنسيق مُسْبَق مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي للوصول إلى أراضيهم الزراعية الواقعة بين الجدار والخط الأخضر (خط الهدنة لعام 1949) وذلك من اجل قطف أشجار زيتونهم. في السنوات الأخيرة، تمت الموافقة على ما بين 50 بالمئة و 60 بالمئة فقط من طلبات التصاريح التي قدمها المزارعون الفلسطينيون وذلك من أجل الوصول إلى حقول الزيتون الخاصة بهم خلال موسم قطف الزيتون. تلك التصاريح الإسرائيلية تسمح لحامليها الوصول إلى حقول زيتونهم الخاصة بهم، وذلك من خلال 85 بوابة مُحَدَّدَة على طول جدار الفصل العنصري الإسرائيلي، هذا وِفْقَا لمعلومات من مؤسسات الأمم المتحدة المختلفة. وإضافة الى الحصار الشامل الذي تفرضه سلطات الاحتلال على الضفة الغربية المحتلة فقد فات مَوْسِمُ قطف الزيتون على المزارعين الفلسطينيين لعامَي 2023 و 2024 وذلك بسبب الحرب على قطاع غزة، وكذلك بسبب الحصار الشامل الذي تفرضه سلطات الاحتلال الإسرائيلي على الضفة الغربية المحتلة. أما ما حصل في العام الماضي 2025 من اعتداءات المستوطنين وجنود الاحتلال على المزارعين الفلسطينيين فقد كان سببًا كافيًا لعدم تمكن وصول الكثير منهم إلى حقولهم لقطف زيتونهم وهذا ما يمكن تسميته “الاستعمار الاستيطاني والظلم البيئي وغياب العدالة البيئية” بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني.

خاتمة

في الحصيلة، يعتقد الفلسطينيون جيلًا بعد جيل أن أفضل وقت لاستكشاف التاريخ والثقافة والتراث والعادات الفلسطينية والانتماء إلى أرض فلسطين هو موسم قطف الزيتون، لأن شجرة الزيتون الفلسطينية هي شجرة مباركة طيبة ثابتة صابرة وضاربة جذورها بعمق في أرض فلسطين – أرض الآباء والأجداد.

 كتب ذات صلة:

دينامية التنمية المستدامة: تجليات التكوين وتحديات التمكين

التنوع الحيوي والتنمية المستدامة والغذاء (عالمياً وعربياً)

دراسات ذات صلة:

الأمن المائي والتنمية المستدامة في المغرب في ضوء التغيُّرات المناخية

المياه في المغرب العربي: معضلة الأمن المائي ورهان التنمية المستدامة

المصادر:

حلمي سليمان سالم: عمل مستشارًا لبعض مؤسسات الأمم المتحدة، وذلك في مجالات متعددة منها أكاديمية وصناعية وزراعية وجيوسياسية وذلك في حقول هندسية وعلوم طبيعية وعلوم إنسانية مختلفة،وغيرها. كما عمل على تأسيس عدد من مراكز الأبحاث وقاد مشاريع وبرامج بحثية متعددة.

صاحب المبادرة الأولى لتأسيس المؤتمر والمعرض الدوليَّين للزيتون اللذين عُقِدا لأول مرة عام 2010، ويعقدان مرة كل عامين أو بما تسمح به الظروف في فلسطين. حيث كان الرئيس الفعلي والتنفيذي للجان المؤتمر العلمية والتنظيمية والمكانية والزمانية أثناء انعقاد المؤتمر للمرة الأولى في جامعة خضوري في مدينة طولكرم.

إهداء خاص

يُهدي المؤلف هذا البحث إلى روح والِدَيْهِ سليمان وسارة اللذين غرسا فيه حبًا عميقًا للطبيعة والبيئة، وشغفًا خاصًا بشجرة الزيتون. كما غَرَسا فيه مبادئ الاستدامة والتنمية المستدامة.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز