مقدمة

لا شك أننا نعيش في عالم تكتنفه المخاطر وتجتاحه الأزمات من كل اتجاه، ولا يكاد العالم يتعافى من أزمة حتى تجتاحه أزمة أخرى، وهكذا في حلقات متواصلة من التناوب بين الاقتصادية تارة والسياسية والصحية تارة أخرى. وكل أزمة تذهب يخرج العالم منها بدروس وعِبر تُدرس عبر العصور والأجيال، إلا أنه لا توجد ضمانات كافية لتجنب الشعوب هذه الأزمات والكوارث؛ فنحن نعيش في عالم تملؤه الريبة والشك في الثوابت والحالة السائلة هي الحالة السائدة في عالمنا اليوم.

تظهر تقارير المنظمات الدولية ارتفاع وتيرة النزاعات المسلحة في العالم وتزايد المعونات الإنسانية المطلوب تلبيتها، وهذا ما يؤشر إلى زيادة في المخاطر وتفاقم الأوضاع الإنسانية. ولعل هذا التزايد في حالات النزاع يلقي بظلاله على جل مناحي الحياة الاجتماعية، ويُفاقم الظروف ويؤدي إلى تزايد الحاجة إلى المعونات والحماية.

عانت ليبيا أوضاعًا سيئة عبر تاريخها الطويل والمرير ومر على أرضها الكثير من الغزاة والطامعين وكان لكل حقبة أزماتها وتأثيراتها الإنسانية التي تركت ندوبًا في تاريخ هذا البلد. فمن الفينيقيين (1000 عام قبل الميلاد) إلى الإغريق ثم الرومان وصولًا إلى الإيطاليين في عام 1911، وصولًا إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية حين اتخذت من ليبيا مسرحًا مفتوحًا لتصفية الحساب بين دول المحور والحلفاء. وكان دخول ليبيا إلى مرحلة الاستقلال هدنة مؤقته مع الأزمات المتوالية، ووفر النفط مصدرًا مهمًا لتسكين عطش الأزمات في ليبيا وخصوصًا بعد الانقلاب العسكري في عام 1969، إذ توافر له الكثير من المال ولم ينجح في خلق مشروع وطني حقيقي رغم استمرار هذا النظام مدة طويلة من الزمن. إن ما أفضت إليه الأحداث الأخيرة في ليبيا في 17 شباط/فبراير 2011 كان متوقع الحدوث، وأي مراقب للوضع الداخلي في ذلك سيتضح لديه – بما لا يدع مجالًا – للشك أن الأمور تسير في هذا الاتجاه بل وأسوأ من ذلك.

ندرك جيدًا كباحثين في مجال العلوم الاجتماعية أهمية المدخل النظري والتأصيل الفكري للمصطلحات وضبطها والوقوف على مضامينها واستخداماتها المتنوعة والنظريات المفسرة لها؛ لأن هذا سيكوّن قاعدة صلبة للمضي قدمًا في عملية التفسير والفهم لما يدور حولنا. وكلما كان الباحث على دراية وإلمام بالأبعاد النظرية مكنه ذلك من فهم الظاهرة وتفسير تداعياتها بثقة واقتدار. ويساهم عمق التأصيل النظري دون شك في فهم واقع الظاهرة ويساهم في استشراف مستقبلها.

تحاول هذه الورقة توضيح مصطلح الأزمة والتحقيق في قدرته التوصيفية نظرًا إلى أننا مهتمون على نحو أساسي باستكشاف أبعاده ومضامينه، بالرغم من أن المناقشة التالية ستكون نظرية إلى حد بعيد، إلا أنها تكون مفيدة أيضًا لأولئك الذين يشاركون في التدخل في الأزمات لتقييم عملهم ومساعدتهم في وضع تصور أكثر وضوحًا حول هذا المفهوم.

في البداية أود أن أسجل تحفظين، أحدهما عن مفهوم الأزمة الذي لا يزال يكتنفه الغموض وعدم الوضوح، وفيه الكثير من الفخاخ، وخصوصًا لدى المتخصصين في علم الاجتماع، بسبب الاستخدام الواسع للمصطلح، وهذا ما جعله يفتقر إلى الدقة والموضوعية؛ حتى إن أولئك الذين يعملون في مجال التدخل والبحث في الأزمات يترددون في الالتزام بتعريف واحد، أما التحفظ الثاني فيشير إلى طريقة توظيف واستخدام المصطلح التي تبدو في كثير من الأحيان موجهة ومبرمجة، أو غير ناضجة في أحيان أخرى[2].  تحيلنا الأزمة الليبية الحالية على أحداث ومواقف مفصلية في تاريخ المجتمع الليبي لم يقع تفكيكها أو تناولها بالنقد والتمحيص وإنما تم ترحيلها ومعالجة توابعها من دون التوجُّه إلى أتون الأزمة ومكافحة مفاعيلها الحقيقية. لقد بدا الفكر عاجزًا عن الخروج من دائرة التاريخ، وأصبح طموح المنظر والفاعل العودة إلى الوضع السابق.

أولًا: الأبعاد النظرية لمفهوم الأزمة

هناك افتقار واضح في الاتفاق حول مفهوم الأزمة، وتمت الإشارة في أكثر من موضع إلى ضرورة صقل الفهم والمعنى معًا قبل الشروع في تقييم محاولات التعريف والنقاش الجاد حول هذا المفهوم، وتم تعريف الأزمة مبدئيًا على أنها حلقة تبدأ بحدث معجل معروف يتبعه إما عدم رد فعل ملحوظ أو ببعض ردود الفعل.

ومن أجل تصور فكرة الأزمة وتجاوز مفاهيم الاضطراب أو عدم التوازن، يجب على الباحث أن يتصور المجتمع أو المنظمة على أنها بنية معقدة تخلق علاقات أكثر تعقيدًا ينتج منها أزمات. هذا يعني أنه يجب على الباحث أن يفترض ثلاثة مستويات من الوجود لهذه الأنظمة: المستوى النسقي، ومستوى الترابط المعلوماتي، وحالات اللانظام[3].

كما يشار إلى الأزمة على أنها هي واحدة من تلك المفاهيم الصعبة المعروفة بكثرة في العلوم الاجتماعية. بسبب الاستخدام الواسع للمصطلح رغم افتقاره إلى الدقة والتحديد؛ حتى إن أولئك الذين يعملون في مجال التدخل والبحث العلمي في الأزمات يترددون في الاجتماع على تعريف واحد. ولكن مع ذلك حاول المتخصصون تشخيص الأزمة من خلال المتغيرات التي تتناول وجودها أو عدمه، ومنها محاولة بلوم حيث يرى أن هناك خمسة متغيرات توضح وجود أو عدم وجود «أزمة» وهي:

المعرفة أو نقص المعرفة حول الأحداث.

سرعة ظهور ردود الفعل أو تأخرها.

الوعي أو نقص الوعي من جانب المسؤولين.

التنظيم أو عدم التنظيم.

توافر الحلول والبدائل أو عدم توافرها[4].

يتعامل الناس عادة على نحو مناسب مع المواقف المستعصية باستخدام الاستجابات التي لديهم خبرة سابقة بجدواها من أجل الحفاظ على التوازن وتحدث الأزمة عندما يكون هناك عدم توازن بين المشكلة والموارد المتاحة للتعامل معها بصورة مناسبة، وتكمن الخطورة في هذا الموقف أن الأمور تصل إلى تهديد إشباع الحاجات الأساسية (حاجة البقاء – بحسب ترتيب ماسلو) بشكل آلي يتم تجريب واستحضار الخبرات السابقة في التعامل مع المواقف المشابهة ولكن إذا كانت آليات الاستتباب هذه غير كافية (الموارد)، يتبعها ارتفاع غير محسوب في التوتر والفوضى والعنف. وهنا تظهر أهمية آليات التوازن حسب كابلان للتخفيف من حدة الأزمة[5].

يمثل أيلول/سبتمبر 2008 علامة فارقة في استعمال مفهوم «الأزمة» مثلما وصفها عدد لا يحصى من المراقبين والمحللين الاقتصاديين والسياسيين بأنها حقبة الأزمات بامتياز وأصبح مصطلح الأزمة الكلمة الأساسية لوصف الأوضاع في الوقت الحالي كما أن التفسير المقدم إلينا لهذه الظاهرة هو نوع من الصور النمطية. ولكن كيف ينبغي فهم الأزمة؟ إلى حد بعيد، يخبرنا كتاب جاك أتالي أن أبسط شيء علينا فعله تتبع تسلسل الأحداث، بعد ذلك يتم تكرار القصة نفسها دائمًا، باستثناء بعض الاختلافات في التفاصيل[6]،  كما أن الأزمة في المقام الأول بنيوية، كانتشار الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في مستوى محلي أو عالمي مثل ما يعرف بالبطالة «التقنية»، وإلغاء الوظائف، وإغلاق الشركات، والفقر، وما إلى ذلك. ربما سيكون لها تداعيات سياسية دراماتيكية تأخذ شكل العنف وأعمال الشغب وأشكال التطرف الشعبوية أو القومية أو اليسارية المتطرِّفة. عاجلًا أم آجلًا، بعد مدة صعبة من المعاناة (التي نكون مدعوين إلى تحملها)، سيتم تفكيك الأزمة وسيكون هذا هو الطريق للخروج[7]. وهنا يمكننا التفكيك بحسب المراحل أو بحسب المخرجات.

يصنف روش الأزمات بحسب المراحل ويقسمها إلى الآتي:

أزمات البدايات الخاطئة (المدخلات).

أزمة استحضار الذاكرة الانتقائي.

أزمة القرار.

أزمة النتائج (المخرجات)[8].

كما يشير كابلان إلى أن هناك سمات أساسية للأزمة تتمثل بالآتي:

أ – الانغلاق، حيث يطرح الحدث حالة غير قابلة للحل في المستقبل القريب.

ب – الاضرار المترتبة على الموارد فهي خارجة عن أساليب حل المشكلات التقليدية.

ج – تهديد الوجود للفرد والجماعة على السواء.

د- تصاعد حالة التوتر باستمرار وتطورها إلى حالة مستمرة[9].

وللاقتراب من الأزمة كان لزامًا توظيف مقارب نظرية سوسيولوجية تعالج مفاعيل الأزمة نظريًا وفكريًا تحيلنا بعد ذلك إلى الاقتراب الآمن من مركز الأزمة، وللقيام بذلك تم اختيار مداخل نظرية كبرى هي المنظور الماركسي والعضوي الوظيفي وأخيرًا مدخل الأزمات لإدغار موران، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى تم توظيف مدخل العلاقات الدولية من خلال توظيف ثلاث أبعاد نظرية رئيسية هي البعد البنائي والبعد الواقعي وأخيرًا البعد الليبرالي.

1 – المداخل النظرية السوسيولوجية لفهم الأزمة

أ – المنظور الماركسي

في العلوم الاجتماعية، يمكن تمييز طرائق التفكير التي تركز على المجتمع أو النظام، وتلك التي تتعارض معها، والتي تعَدّ في مجملها تركز على الحفاظ على التكامل؛ هذا يعززه نهج قائم على فكرة عدم كفاية، أو نقص أو خسارة، أو عجز في الصراع. ينشأ الصراع عندما ينخرط الفاعلون في علاقة يعترفون بأنها ملزمة لهم وتعارض طموحاتهم؛ ويعترفون بأنها (العلاقة) تنطوي على قضايا، وأن هذه القضايا تمس الجميع (طرفي الصراع)، وأن كل واحد منهم يسعى للسيطرة عليها[10].

لدى ماركس، على سبيل المثال، يمكن أن تنشأ الأزمات في الرأسمالية من تناقض أصبح واضحًا بين علاقات الإنتاج وتطور القوى المنتجة. ثم تنشأ الأزمة عندما يصبح النظام غير قادر على حل الصعوبات التي كان حتى ذلك الحين قادرًا على حلها. فالأزمة هي غياب الحل (إلغاء التنظيم والاضطراب) الذي ينتج منه استعصاء الخروج من الموقف المتأزم.

في المقابل، على المستوى التاريخي، تظهر الأزمة عندما يكون الصراع الاجتماعي إما غير ممكن وإما لم يعد ممكنًا، عندما يدمر الدولة ويتجاوزها، وعندما يكون غير قادر على تمثيل كيان اجتماعي في صورته الحالية ولا أيضًا في مستقبله وفي ماضيه، كما تظهر عندما لا توجد سلطة الدولة أو عندما يتم اختزالها إلى مجرد ممارسة القوة والغلبة من دون مراعاة مبدأ الشراكة مع الآخر. إن الدولة التي تمر بأزمة عميقة تولِّد أشكالًا تفاعلية من السلوك قد تتوج في النهاية بالثورة[11].  من هنا تظهر معالم الهشاشة كحالة مرافقة للأزمة في معظم الاتجاهات التي ننظر من خلالها، سواء أفقيًا أو رأسيًا في مثل هذه اللحظات من التمزق، يكشف العالم الاجتماعي حقيقة الأزمة وعوامل وجودها ومفاصلها وكيف تعمل بالفعل. فالهشاشة حالة يمكن قبولها بشكل مؤقت من دون تجاهلها أو تمريرها، والنظر إليها كنتاج أزمة وليس سببًا لها. وبوصفها حالة من انعدام الأمن وجب التحرر منها من خلال محاولات علائقية مستمرة في شكل فعل تواصلي (أعمال هابرماس) يناقش توزيعات القوة ومحاورها الرئيسية (أعمال ستيفن لوكس)[12].

بناءً على هذا الزعم لا بد من إعادة النظر في مكانة مفهوم الأزمة في صورته المعقدة لفهم الحالة الاجتماعية الهشَّة والتحديات المصاحبة لها بالاعتماد على رؤى أساسية من هيغل وماركس لاستعادة أهمية نقد المفاهيم لنقد المجتمع. ولعل هذا يدعونا إلى اعتماد مقاربة يتمثل فيها النقد كجوهر أساسي لهذه العملية. بالانتقال من الأزمة إلى النقد ومن النقد إلى الأزمة يستعرض الماركسيون صورة نمطية في تفسير الأحداث بالإشارة إلى – من دون حاجة إلى التصديق – أن البنية التحتية الاقتصادية سيطرت على البنية الفوقية السياسية – الأيديولوجية، كما لو أن الفاعلين السياسيين لم يكونوا بأي حال من الأحوال مسؤولين عن كارثة محققة. ويصبح كل ما هو مطلوب ببساطة انتظار انعكاس الوضع، الذي بدأ يتكون بالفعل ويشار إليه باسم «عودة الدولة».

هذا التحليل له أيضًا إيحاءاته «الملحمة» بوجود نهاية سعيدة تكون بالصيغة التالية: سوف نعاني، علينا التحمل والصبر، ثم سنتجاوز الأزمة في النهاية. إن الذين ابتكروا هذه الصيغة، سواء كانوا خبراء أو اقتصاديين أو غيرهم، لم يروا ما سيحدث، لكنهم قدموا أنفسهم على أنهم مؤهلون لشرح ما حدث بطريقة مدروسة وكيف سيكون مستقبلنا، حتى إنهم ذهبوا إلى أبعد من اقتراح السياسات العامة الأكثر ملاءمة لاعتمادها. علاوة على ذلك، عندما يتم محاورتهم يذكرون أن بعضهم توقع السيناريو الذي حدث وتنبأ بالأزمة قبل وقوعها، وهم أنفسهم يقرون في الغالب بأنهم لم يتخيلوا امتدادات وتوسع الأزمة وكيف امتدت تأثيراتها في روابط معقدة جدًا.

ب – المنظور العضوي الوظيفي

تطورت العلوم الاجتماعية على أساس التعامل مع أسباب القلق التي كثيرًا ما أثارت فكرة الأزمة. وهكذا، فإن مفهوم الأنومي، الذي أشاعه إميل دوركهايم، يشير مباشرة إلى فكرة الأزمة. من وجهة النظر هذه، تعني الأزمة أن النظام (على وجه الخصوص النظام الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي) لا يعمل جيدًا، ويتعثر ويتغير بطريقة لا يمكن السيطرة عليها؛ وهو ما يُسفر عن ردود فعل في السلوك مرتبطة، على سبيل المثال، بالإحباطات والمخاوف. وبالتالي تشير الأزمة إلى نقص أو عدم كفاءة المعايير في المجتمع[13].

على سبيل المثال، في أوقات الأزمات المالية، يكثر التوجه نحو الانتحار ويسود الشعور بالإحباط واليأس، وتم تناول مفهوم الأنومي أيضًا بواسطة روبرت ميرتون (1938) لشرح الانحراف، حيث يرى أن الانحراف يتوقف على الأعراف والقيم التي تصبح مشوشة أو تختفي؛ فالمنحرف يقبل القيم المعترف بها اجتماعيًا ولكنه يستخدم وسائل غير شرعية لتحقيقها (الغاية تبرر الوسيلة) فنجدهم في أوقات الأزمات يستخدمون وسائل غير مشروعة، كالجريمة أو الانحراف، لتحقيق النجاح الفردي الذي يكسبه الآخرون نتيجة الدراسة أو الأنشطة المهنية.  فالمستفيدون من الأزمة مثل أي شخص آخر، يريدون المال أو علامات النجاح الاجتماعي، لكنهم يحققونها بوسائل لا تتوافق مع المعايير السائدة في المجتمع. تظل الحقيقة أنه، يتفق معظم الوظيفيين على أن الأزمة تشير في المقام الأول إلى فكرة انهيار النظام العام، وعلى وجه الخصوص، إلى مشكلة تفكك الروابط الاجتماعية وانتشار التهديد بقطع التضامن أو النسيج الاجتماعي؛ هنا تظهر الخطابات والدعوات إلى اتخاذ جملة من التدابير لاستعادة الثقة والنهوض بالمصلحة العامة للمجتمع وفي ذلك لا يختلف علم الاجتماع الكلاسيكي أو علم اجتماع ما بعد الحداثة[14].

يؤيد علم الاجتماع الكلاسيكي فكرة أنه من خلال مكافحة الأزمة بكفاءة، «الإصلاح من داخل النظام» «التكيف» سيتم تجنب العنف، والحد من التطرف، والانتقال إلى أقصى درجات الانتظام (هنا وجب الإشارة إلى الهيمنة الوظيفية). تتمظهر الأزمة هنا كمشكلة مؤقتة في النظام الاجتماعي ولا تبدو في صورة كارثية لجماعة أو مجتمع، وهو ما يستوجب البحث عن سبل لإنهائها، بجهود محلية أو مساهمات دولية تهدف في النهاية إلى خلق وضعية جديدة من دون الاهتمام بمفاعيل الأزمة الحقيقية (وهو أشبه بالهروب من النافذة وتجاهل إخماد الحريق) بصرف النظر عن بواعثها الحقيقية.

يمكن أن تؤدي مقاربات الأزمة التي نشأت عند دوركهايم أو في الوظيفية إلى فكرة أن الوقت لم يحن لتغيير النظام الاجتماعي أو نوع المجتمع، وفي أفضل الحالات تمتد إلى نداءات من أجل إنهاء الصعوبات الحالية والعودة إلى الوضع السابق للأزمة من دون كثير نظر في عواقب هذا التوجه.

ج – علم اجتماع الأزمات

يُعدّ إدغار موران أحد علماء الاجتماع المعاصرين القلائل الذين طوروا نظرية محددة حول الأزمة. إنه يرى في ظاهرة الأزمة فرصة غنية للتعلم والمعرفة، لكنه شدد على ضرورة تجديد الأدوات النظرية والمنهجية. وقد نشر ورقتين بحثيتين بين عامي 1968 و1976 تمثلان مسارًا تحليليًا يظهر فوائد الدراسة الاجتماعية للأزمة، ويقترح إطارًا للظاهرة ضمن نظرية الأنظمة الاجتماعية ليتم تحليل مفهوم «الأزمة» متعدد المعاني ومتعدد الأشكال في أبعاده التأسيسية؛ وكذلك في مسار نظرية التغيُّر الاجتماعي، كما يقدم فكر موران مؤشرات مختلفة، نظرية ومنهجية على حد سواء، للتغلب على الدراسة المجزأة للأزمة ويقترح تبني فكر معقد للإمساك تمامًا بتناقضات الظاهرة[15].

في أواخر الستينيات، اقترح إدغار موران (1968) تطوير دراسة علمية للأزمة، أو «علم الأزمات» ورأى أن الأزمة يمكن أن تكون حدثًا أداتيًا يكشف مواطن الضعف ويمكن أن تؤثر في المجتمع في الوقت نفسه.

أولًا، كحدث أداتي تكشف ما هو غير ظاهر من عيوب المجتمع أو ما هو مسكوت عنه، أو تجبرنا على سماع أمور لا نرغب في سماعها. تكشف الأزمة عناصر متأصلة في الواقع وليست مجرد حوادث. إنها تمثل لحظة الحقيقة. وهكذا يمكننا القول إن الأزمة الليبية الحالية تكشف عن سنوات من الضعف البنيوي، ولا سيما في مفهوم الدولة سياسيًا واقتصاديًا، بكل وحشية الأزمة الحالية التي تعصف بالمجتمع الليبي وظلمها الشديد إلا أن معالمها بدأت في التمظهر منذ مدة وما حدث هو نتيجة تجاهل لمفاعيلها واستمرارها هو بسبب تجاهل أسبابها[16].

ثانيًا، كحدث له تأثير، يوضح موران أن الأزمة لا تحرك قوى التحلل والفوضى والدمار فحسب، بل تحرِّك أيضًا قوى التحول. وفي هذه الحالة، تكون أيضًا نقطة حرجة في عملية تتضمن أبعادًا للبناء والابتكار والاختراع ويتم تعزيز فكرة النقطة الحرجة من خلال ارتفاع سقف الانتظارات من قبل قوى التحول التي توجه أنظارها إلى المستقبل من دون أن تتجاهل الحفر في الماضي.

فالأزمة هي النقطة الحاسمة التي تمكننا من التشخيص، من وجهة النظر هذه، فإن الأزمة ليست مرادفة للألم فقط، والعجز فقط بل الأمر أبعد من ذلك فهي تحمل النقيض؛ فربما تكون الأزمة محفزًا للتعويض وهذا ما يشار إليه بالتعقيد المرتبط بالأزمات، ومن ثم فإن الأزمة تمثل حافزًا للابتكار، وهذا أمر مألوف في كثير من الأزمات عبر التاريخ ومن خلال الأزمة تبرز حركات وتفاعلات اجتماعية حيث من المرجح أن تتطور الشعبوية، ويصبح الفاعلون أكثر راديكالية ومظاهر العنف تكون طافية على السطح. يجب التأكيد بقوة أن أشكال السلوك في أوقات الأزمات قد تنطوي أيضًا على الطائفية، وتلجأ إلى اللاعقلانية، وتتخذ لباس الحركات الثيوقراطية. كما أن أشكال السلوك معظمها مثير للقلق نظرًا إلى أن الجهات الفاعلة أو النظام في أزمة ويستجيب بطرائق أقل مما هو متوقع كثيرًا وبصورة عشوائية، ولكن يمكن أن يتخذ السلوك أثناء الأزمة أشكالًا أخرى كثيرة يصعب التنبؤ بها. على وجه الخصوص، قد يشمل ذلك الإحباط واللامبالاة، كما لاحظ بول لازارسفيلد وهانس زيزيل (1933) في الدراسة الكلاسيكية للعمال العاطلين من العمل في مارينثال[17]، حيث كان الأنومي هو الشكل السائد للسلوك في بداية الثلاثينيات قبل أن يحولها النازيون إلى أشكال من السلوك الجماعي والتعبئة[18].

يرى إدغار موران أن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في علم اجتماع الأزمات يكمن في تصور لا الاضطراب الخارجي، بل الاضطراب الداخلي وعمليات تخلخل التنظيم الناتج من: الاختلال الوظيفي وإلغاء الضوابط. وهكذا تظهر لدينا مسارات أو فرضيات قد تمكننا من معالجة الأزمات الحالية بمقولات غير تلك الخاصة بالخطاب النمطي الذي يسود فيه الاقتصاد والسياسة بوصفهما السبب الرئيسي للأزمة ومنهما يمكن أن نفكك الأزمة من دون الحاجة إلى الربط بينهما وبين المجتمع رباطًا عضويًا وهذا الفهم يتجاهل مركز العاصفة الحقيقي[19].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 544 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 544 حزيران/يونيو 2024

كتب ذات صلة:

دراسات في تاريخ ليبيا المعاصر

ليبيا الثورة وتحديات بناء الدولة

دراسات ذات صلة:

المشاركة الانتخابية في ليبيا (2014-2024)

تحديات المواءمة بين مخرجات التعليم وسوق العمل في ليبيا

محددات وقضايا التنافس الفرنسي الإيطالي في ليبيا

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 544 في حزيران/يونيو 2024.

[1]محمد فرج صالح رحيل: أستاذ مساعد علم الاجتماع، رئيس قسم العلوم الاجتماعية – جامعة قطر.

[2] Katherine Eastham, Donald Coates, and Federico Allodi, «The Concept of Crisis,» Canadian Psychiatric Association Journal, vol. 15, no. 5 (1970), pp. 463–472.

[3] Edgar Morin, «For a Crisiology1,» Industrial and Environmental Crisis Quarterly, vol. 7, no. 1 (1993), pp. 5–21.

[4] Bernard L. Bloom, «Definitional Aspects of the Crisis Concept,» Journal of Consulting Psychology, vol. 27, no. 6 (1963), p. 498.

[5] David M. Kaplan, «Observations on Crisis Theory and Practice,» Social Casework, vol. 49, no. 3 (1968), pp. 151–155.

[6]           Jacques Attali, La Crise, et après? (Pars: Fayard, 2008).

[7]           Morin, «For a Crisiology1».

[8]           Jurgen Ruesch, Therapeutic Communication (New York: W. W. Norton Co., 1961).

[9]           Kaplan, «Observations on Crisis Theory and Practice».

[10]         Simon Clarke, Marx’s Theory of Crisis (Singapore: Springer, 2016).

[11]         Ibid.

[12] Kristin J. Forbes, «Are Trade Linkages Important Determinants of Country Vulnerability to Crises?,» in: Sebastian Edwards and Jeffrey A. Frankel, eds., Preventing Currency Crises in Emerging Markets (Chicago, IL: University of Chicago Press, 2002), pp. 77-132, and Mohamed F. Saleh Raheel, «Definition of Power & Power Relations Parsons’ System Theory (Family and Society) Luke’s Power Theory (Women with Different Status) Social System and Social Power (2016).

[13] Alain Lipietz, «Behind the Crisis: The Exhaustion of a Regime of Accumulation: A «Regulation School» Perspective on Some French Empirical Works,» Review of Radical Political Economics, vol. 18, nos. 1–2 (1986), pp. 13–32.

[14]         Ibid.

[15] Stella Milani, «La Sociologie face à la crise: Una rilettura di Edgar Morin,» Società Mutamento Politica, vol. 1, no. 2 (2010), pp. 195–204.

[16]     Morin, «For a Crisiology1».

[17]      بلدة صغيرة في النمسا.

[18]      Milani, Ibid.

[19]      Morin, Ibid.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز