أولًا: فلسطين والغرب

لا أعتقد أن كلبًا في مِذوَد يستطيع الادعاء أن له حقًا نهائيًا في مذوده مهما طالت إقامته فيه.

ونستون تشرشل، عن الفلسطينيين والهنود الحمر
(في خطاب أمام لجنة Peel الصهيونية، 1937).

نحن مهووسون بالاستيلاء على الأراضي المقدسة.

إلينور جانيغا (مؤرخة أمريكية العصور الوسطى).

إذا سقطت إسرائيل فسوف يسقط الغرب.

غريت وايدرز (نائب هولندي وزعيم حزب «من أجل الحرية»).

أبدًا، لم يعرف وعي الغرب التمييز بين فلسطين واليهود. لم يستطع أن يتصور أن أحدًا غير اليهود قد وُلد في فلسطين أو مات فيها؛ ففلسطين منذ ثلاثة آلاف سنة بأرضها وسمائها وحجرها وشجرها ومائها وهوائها لم تكن يومًا بلدًا لغير اليهود.

حين يتكرم أحدهم ويشير إلى وجود الفلسطينيين في فلسطين فإنه في أحسن الأحوال يعدّهم «حالة طارئة»، «فقاعة سكانية»، مجرد «شيء» اسمه «غير اليهود» (Non-Jewish Community)» بتعبير آرثر بلفور، أو مهزأة محتقرة من «أبناء الظلام المعادين لأبناء النور [اليهود]» بتعبير الشاعر الإنكليزي ماثيو أرنولد، أو حتى مثل «كلب في مِذوَد» (A Dog in a Manger) بتعبير ونستون تشرشل‏[1].

كل تاريخ فلسطين منذ بداية الخلق إلى اليوم تجمد في خرافات هذا الوعي المشوَّه. يوجد وجه قدري مقدس وفوق طبيعي لهذه الخرافات المدججة اليوم بكل ما لدى الغرب من طبول وأسلحة وجنون.

يرمز اصطلاح «الأرض المقدسة» بالنسبة إلى المسيحيين الغربيين اليوم، أول ما يرمز، إلى أورشليم في عهد داود أو بيت لحم في زمن يهوذا. فلسطين أرض لم تعرف غير هذا التاريخ. لقد انقطع تاريخها عن الوجود عندما انقطع وجود اليهود فيها؛ فهم في الوعي الغربي مشيمة وجودها. يوتوبيا اقتُلِع الفلسطينيون من أحشائها وأغلقت على نفسها إلى الأبد.

الأرض المقدسة هي أرض يبدأ تاريخها وينتهي في الوعي الغربي بقصص التوراة. قداستها لا تكتسبها من أنها مهد السيد المسيح بل من قصص يشوع وداود وسليمان وغيرهم من هذه الشخصيات التي لا يعرف التاريخ ولا علم الآثار لهم أصلًا أو حقيقة أو علاقة بفلسطين. لم يعد للمسيحية من أثر في هذا التاريخ بعد أن أقعت على أنقاضه الخرافات.

ماذا يفعل المسؤول الأوروبي أو الأمريكي حين يزور فلسطين؟ هل يذهب إلى كنيسة القيامة؟ إلى بيت لحم؟ إلى الناصرة؟ إلى جبل الزيتون؟ إلى بحر الجليل؟ إلى كنيسة بطرس وبولس في شفا عمرو؟ لا! هذه المعالم المسيحية لا تعنيه! إنه، بعد أن يتقبّع بالقلنسوة اليهودية، يذهب أول ما يذهب إلى «حائط المبكى»، وقد يجمح به الوجد فيكتب رسالة إلى ربه ويضعها في أحد شقوق هذا الحائط الذي اعتمدته الدبلوماسية الغربية سفيرًا فوق العادة برتبة «صندوق بريد الله»‏[2].

من المفترض أن يكون لظهور السيد المسيح في فلسطين مكانة مميزة في الذاكرة الغربية؟ ومن المسلّمات أن تكون علاقة المسيحي الغربي بهذه الأرض التي تقدست بحياة السيد المسيح وقيامته أسمى من أي علاقة أخرى. لكن هذه المكانة المميزة لفلسطين لم يعرفها التاريخ المسيحي إلا في ذاكرة المسيحيين الفلسطينيين وفي طبيعة علاقتهم بأرضهم المقدسة التي لم تنقطع منذ ألفي سنة. مسيحيو فلسطين اليوم هم المجتمع المسيحي الأصلي الوحيد في العالم. ولا شك في أن اقتلاع الفلسطينيين المسيحيين الممنهج من بيوتهم وحقولهم وكنائسهم وحرياتهم وحقوقهم المدنية في كل يوم وكل ساعة من سنوات الاحتلال، هو اقتلاع لشجرة المسيحية من جذورها وجلجلة استعراضية لكل ما هو مسيحي في الوعي الغربي قبل أن يكون جلجلة لدين المسيح في مهد المسيح.

يعتقد بعض الأمريكيين اليوم أن المبشرين (الإنجيليين بخاصة) هم الذين نشروا المسيحية بين الفلسطينيين. أذكر أن مبشرَيْن (شابًا وشابة) كانا يطرقان عليّ باب بيتي في ضواحي واشنطن كل يومين أو ثلاثة من دون جدوى. فقد كنت في تلك الأيام (1996) مُكِبًا على عملٍ‏[3] لا أميِّز معه ليلًا من نهار. حتى هذه اللحظة ما زلت أعتقد أنهما كانا يرياني كما أراهما من شباك غرفتي المطل على الحديقة الأمامية وأنهما كانا طامعين في ثواب هدايتي و«خلاصي». لهذا فإنهما حين يئسا من طَرق الباب عبَرَت المبشرةُ الشابة سور الحديقة وراحت تنقر على شباك غرفتي وتلوح لي بالكتاب المقدس الذي في يدها. بمجرد أن فتحت لهما الباب، قالا لي بعد أن ذكرا اسميهما إنهما يريدان أن يحدثاني عن نبوءات وأعاجيب الكتاب المقدس الذي كان بين أيديهما. ثم سألاني إذا كنت مسيحيًا. وحين قلت لهما إنني «أؤمن بالسيد المسيح وأعشق تعاليمه» بدت الفرحة على وجهيهما، فقالا مباشرة: إن لك لكنة خاصة، فمن أين أنت؟ قلت متعمدًا: من فلسطين. قال الشاب: «وهل هناك مسيحيون كثيرون هناك. يا إلهي، لا بد أن المبشرين قاموا بعمل هائل في تلك البرية [Wilderness]».

عندها أردت أن أنهي هذا الهراء الأمريكي بامتياز، وتذكرت كيف أن هرمن ميلفيل (Herman Melville) المشهور برواية موبي ديك (Moby-Dick)‏[4] نفسه يقول في ملحمته Clarel[5] إنه تفاجأ بأن في بيت لحم حيث ولد السيد المسيح عربًا مسيحيين! فقلت لهما: للأسف لم يبقَ مسيحيون كثيرون في فلسطين. المسيحية تحتضر هناك، وأحضرت لهما كتيب الراحلة العظيمة غرايس هالسل (Grace Halsell) المسيحية تحتضر في مهد المسيح (In the Land of Crist, Christianity is Dying) وقلت: بعد أن تقرأ هذا الكتيب تعالا إليَّ لنكمل حديثنا، وأهلًا بكما‏[6].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 567 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 567 أيار/مايو 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 567 في أيار/مايو 2026.

مـنيــر العَكـش: أستاذ متقاعد في العلوم الإنسانية،
المحرر المؤسس لمجلة «جسور».

الصورة من غيتي.

[1] Mathew Arnold, Culture and Anarchy: An Essay in Political and Social Criticism (London: Smith, Elder and Co.,1889), p. 62, and Clive Ponting, Churchill (London: Sinclair-Stevenson, 1994), p. 254.

[2] أحدث هذه الرسائل التي وضعت في «صندوق بريد الله» كانت بخط وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو، في 14 أيلول/سبتمبر 2025.

[3] كان ذلك في ربيع 1996 وكنت أنهب الوقت لإنهاء الكتاب السنوي السابع من جسور: «الثقافة، الإبداع والمنفى» (512 ص)، وفيه ملف طارئ عن رحيل أحد أعمدة جسور الموسوعي الفلسطيني المبدع جبرا إبراهيم جبرا بعد أن بلغني رحيله أثناء التحضير.

[4]         Moby-Dick or The Whale.

[5]         Herman Melville, Clarel: A Poem and Pilgrimage in the Holy Land.

[6]         Grace Halsell, In the Land of Christ, Christianity is Dying, The Link, vol. 28, no.1 (1995).

نص الراحلة هالسل كان يحتل كامل العدد الفصلي (كانون الثاني/يناير – آذار/مارس 1995).

 

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز