المؤلف: رياض شديد

مراجعة: ابراهيم النجار 

الناشر: منشورات دار النهضة العربية، بيروت

سنة النشر: 2023

 

من صميم جبل لبنان إلى رحاب العالم: رياض شديد في سيرة ذاتية مستشرفًا نظامًا عالميًا جديدًا

صدر للدكتور رياض شديد كتاب تحت عنوان: سفر إلى عوالم متباينة: سيرة أكاديمي في زمن الحروب والتحولات. بيروت، منشورات دار النهضة العربية، أكتوبر/ تشرين الأول 2023. يتحدث فيه عن رحلة عمر لا تزال مستمرّة في سعيها وعطائها. وله العمر المديد والمزيد من العطاء. رحلة هي استراحة محارب. يتطلّع فيها إلى الوراء، ليشير إلى الطريق الذي سلكه والإنجازات التي تركها. فلا الطريق قصير ولا الإنجازات قليلة. وهناك طرق كثيرة لمراجعة الكتاب لإظهار فائدته. ولكني سأركّز على ما لفت انتباهي من ظاهرتَي القدر والحريّة. فلمشيئة القدر دور مهم في توجيه حياته وجهة الخير والصلاح. أمّا الحرية فتظهر في عصاميّته وتركيزه على ما هو أهم في الحياة. إذ يعمل ويجاهد ويكافح بلا كلل، لينجح ويتفوّق في كل مراحل حياته.

أولًا: أسلوب الكتاب وفصوله وفحواه

يتميّز الكتاب بأسلوب سهل، سلس وواضح؛ يميل إلى الرقّة والعذوبة والشاعرية في تشابيهه واستعاراته، مما يجعل قراءته ممتعة. إضافة إلى أنه يُقَسَّم إلى فصول يتماشى ترتيبها مع تقدّم المؤلّف علميًا وتطوّره أكاديميًا ومهنيًا. فتروي سيرة إنسان مرّ بفترات عصيبة ابّان الحرب الطاحنة في لبنان وهو لا يزال في عمر الزهور. فعضّ على الجراح واستسلم ليد القدر، الذي عرف بالسليقة انها تقدّم له سترة النجّاة. ركب قطار المجهول وسافر إلى عوالم بعيدة ومتباينة، تشهد تحولات مصيرية سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. لكنّ إرادته الحرّة أمّنت له التفوّق. فعاد إلى لبنان ليعلّم النشء أفضل ما توصّل له العلم في مجال تخصّصه، واضعًا خبرته في تصرف مجتمعه، وآملًا أن يساهم في بنائه وانمائه، ويزيد من الخير في العالم. كما شهد في أسفاره تحوّلات مهمة في العالمين الإشتراكي والليبرالي يرويها بسلاسة. ويحلّل أحداثها بعين ثاقبة. ويستشرف مستقبل العالم ومستقبل بلاده من خلالها. فتضيف إلى الكِتاب، كسيرة ذاتية، رؤية سياسية إنسانية شاملة.

1- البداية من الجْدَيْدة

بدأت رحلته مع بدايات الستّينيّات من القرن المنصرم بولادته في قرية الجْدَيْدَةْ المجاورة لبلدة المختارة الشهيرة في التاريخ اللبناني الحديث. يجيد الكاتِب في وصف جمال طبيعة قريته وإرثها الأخلاقي المتأصّل في عقائد الطائفة الدرزية الكريمة وتقاليدها. رصيد أهلها في معاملاتهم التجارية والإجتماعية، كلِمتُهم. يعيشون بصدق حياةً تتميّز بالطييبة والإلْفة والتعاون ولَهْفة المظلوم ومساعدة المحتاج. من عادات القرية ومن ايمان عائلته الكريمة، تعلّم الخصائل الحميدة وطيب الخُلق والتحلّي بروح سامية عابرة للتقاليد والطائفية والإيديولوجيات. أُشبِّهه بذلك الإعرابي النموذجيّ، الذي يعيش في خيمته الروحية في صحارى العالم ومدنه بأمان وسلام وطمأنينة. كلما دعته حاجة الرحيل سعيا وراء المزيد من العلم والإبداع، يحزم خيمته الروحية، ويرحل غير عابئ بأعباء السفر. روحه فيه. مبادئه معه. وعقله النيّر في رأسه. طاقته تتدفّق من داخله. لا أحد يستطيع خبله. واثق النفس والخطى. لا يسمح لأحد أو لشيطان كي يزيّن له، ويقوده إلى مسلك غير سويّ أو طريق شائن. رغباته ثابتة في تقاليده. وأهواؤه رابضة في مرافئها، ساكنة. وكما يقول:”يرغب في العيش في ظلّ الورع الإلهي” (ص. 9). في خيمته تلك، يجد طمأنينة الروح وسلام النفس وثبات المقاصد، بينما كثير من الناس حوله يفتّش عمّا يريد، بغير هدى وفي اقتتال بغيض.

2- بيروت والحدث

نرى ظاهرة القدريّة باكرًا في صغره، بينما كان يعيش مع أهله في بلدة الحدث، بالقرب من بيروت، ويذهب إلى مدرسة القديس يوحنا، التي التحق بها وهو في عمر “لا يتجاوز الثلاث سنوات، ]وبقي[ فيها حتّى اندلاع الحرب الأهلية في العام 1975.” (ص. 21) طيلة المراحل التعليمية، كان الأول في صفّه، “وأحيانا قليلة، كنت أحلّ ثانيًا، محبًّا للدراسة وتوّاقًا لتلقّي المعرفة” (ص. 22). وكان يعشق مدينة بيروت والحدث، التي أحبّ حدائقها وبساتينها يلعب فيها مع أترابه، قبلما تروّعهم الحرب، وتدفع بهم للهروب إلى الجبل الأكثر أمانا. وسيبقى هذا سبيله في التحصيل العلمي الجامعي وبعده. يركّز دائمًا على النواحي الإيجابية في كل شيء، مبتهجًا بها، شاكرا لله عليها ومتنعّما بها. رائده عقله، الذي يوجّه بَوْصَلةَ حياته من موقع رياديّ وطليعيّ أبدا. ولم يُهمِل العمل لكسب قوته اليومي لمساعدة نفسه وأهله. فعمل أثناء الصيف في مصنع لصنع الأحذية الرياضية. وفي صيف آخر عمل في مجلّة أسبوع بيروت. وعندما اندلعت الحرب اللبنانية، اضطرّ إلى العودة إلى الجديدة، قريته في الشوف، وهناك اختار الخدمة الإجتماعية كتنظيف شوارع القرية وتعليم تلامذتها أثناء عطل الصيف. بينما كان يُنهي دراسته الثانوية في مدرسة بعقلين، محصّلا منحة لتكملة دراسته الجامعية في الاتحاد السوفياتي، سابقًا.

3- السفر إلى موسكو

قبْل قُبوله للمنحة، أعمل تفكيره جيّدًا ومحّص الأمر بايجابيّاته وسلبيّاته. شكر من سعى لحصوله على المنحة. وفضّل الإبتعاد عن أهله وأصحابه، والرحيل من وطنه، الذي تشتعل فيه حرب مدمّرة. رحل إلى موسكو، عاصمة الاتحاد السوفياتي، ليكمل علومه في الهندسة الكهربائية. ومن سلبيّات الدراسة في موسكو، كان جهله للّغة الروسية، مقارنة بمعرفته الجيدة للّغة الفرنسية، التي درسها منذ دخوله المدرسة حتى حصوله على الشهادة الثانوية. ولكنه فكّر أنه خير للإنسان أنْ يخسر سنة أو سنتين من حياته، على أن يخسر عمره في الحرب والقتال. فانتقل إلى موسكو في آب/أغسطس سنة 1979. ولكن رغم برد العاصمة الروسيّة وصقيعها واختلاف طبيعتها عن الطبيعة اللبنانية، سرعان ما تأقلم معها وبدأ يدير دفّة حياته إلى النجاح الأكيد والتفوّق الثابت. مّرت السنوات الست بحلوها ومرّها. وتخرّج الطالب النجيب بتفوّق بالدبلوم الأحمر، الذي يعادل درجة الماجستير في جامعات لبنان والجامعات الأمريكية. وحصل على منحة ليكمل دراسة الدكتوراة في موسكو، ولكنه فضّل التخلّي عنها والعودة إلى لبنان في ربيع سنة 1986.

ثانيًا: مزايا خيمته الروحية

من المزايا التي زيّنت كهفه الروحيّ أو خيمته الروحية وألِفتها نفسه وقَبِلَها عقلُه هو تمحيصه لكل قراراته قبل اتخاذه القرار النهائي. ولهذا لم يكن اتّخاذه القرار بالعودة إلى لبنان والعدول عن قبول منحة لتكملة علومه في موسكو أمرًا سهلًا. فبعدما أمضى ست سنوات من الحياة والدراسة في الاتحاد السوفياتي، عشقت نفسه الحياة في موسكو. فها هي قد قدّمت له أفضل المروج وأجملها كي تسرح وتمرح فيها روحه. شاهد تطبيق العدالة الاجتماعية، التي تميل إليها نفسه بالطبع. إذ إنّها تحقّقت في دول الاتحاد السوفياتي بعامة، وموسكو بخاصة، كما لم تتحقّق في أيّ مكان آخر في العالم. تنعم الناس بحياة متساوية في الكرامة والأمان وتحقيق الذات. يعطي الإنسان المجتمعَ كلَّ طاقاته. وفي المقابل يلبّي المجتمعُ كلَّ احتياجات الفرد، دون أن يستجدي واسطة أحد أو يربح منّته. يحقّق الشخص طموحاته بنفسه من دون أن يُرغِمه على لجمها أي مانع، سوى قدرته الشخصية وطاقته العقلية وموهبته الفنّية الإبداعية. استفاد شديد من هذا المجتمع وسْعه. وأشبع نهمه للتحصيل العلمي في الهندسة الكهربائية، وبخاصة في موضوع الطاقة. وروى غليله من قراءة الأدب الروسي المشهور عالميًا والفنون التشكيلية والموسيقى. ولتفوّقه في صفوفه، استحقّ أن يزامل أنجح العلماء في جامعته، ويستفيد من المزايا والتفضيلات المخصصة للطلاب، لزيارة مدينة سوتشي وغيرها من المناطق الترفيهيّة في روسيا. ومع هذا، كان يرى أنّ المجتمع الإشتراكي رغم تحقّق العدالة الإجتماعية فيه، وتقدّم العلوم، إلا أنّه لا يزال بعيدًا من تحقيق الحرّية الشخصية في التفكير والمعتقد والتعبير عن الذات، التي هي من ثوابت المجتمع الغربي اللبيرالي. ربما كانت المقارنة بين الإيجابيّات والسلبيّات في المجتمع الإشتراكي متكافئة. ولكنّ شوقه للعودة إلى لبنان، وإحساسه بواجبه للعمل لكسب المال لمساعدة عائلته، رجحت الكفة لمغادرته موسكو.

ثالثًا: المشهد السياسي في الاتحاد السوفياتي

وكما بحث إيجابيّات البقاء في موسكو وسلبيّاته، كذلك وزن رغبته في العودة إلى لبنان من كلّ الجهات. إذ إنّ الميزات، التي زيّنت كهفه الروحيّ تضمّنت ميله الطبيعيّ لتمثّل المشهد السياسي بمجمله. وكأنّ الطبيعة قد وهبته عينًا خاصة ليتابع المشهد السياسي حوله وفي العالم، ويصوّره بصدق. لقد صادف وجودُه في الاتحاد السوفياتي، وبخاصة في موسكو، أن شهِد البلادَ تمرّ في حقبة عصيبة من التغيّرات السياسية والتحوّلات الإقتصادية، تُنذر بالثبور وعظائم الأمور. كان قد اطّلع على آراء ماركس ولينين وستالين وغيرهم من المفكرين والساسة الاشتراكيين في تدعيم أسس الاشتراكية. لكنْ خلال وجوده هناك، بدأت تحصل تغييرات سياسية واجتماعية في المجتمع. كان يرصدها ويتتبّع أحداثها عن كثب، وبخاصة بعد وصول ميخائيل غوربتشوف إلى رئاسة الأمانة العامة للحزب الشيوعي، ورئاسة الاتحاد السوفياتي. بدأ غوربتشوف عملية التغيير أو الغلوسنوست، التي أدّت لاحقا إلى انهيار الاتحاد السوفياتي ونشوء الاتحاد الفيدرالي الروسي واستقلال الدول الشرقية. ويصف شديد هذه الحقبة وصفا دقيقا. ويتتبّعها في مراحلها اللاحقة، حتى مجريات الحرب بين روسيا وأوكرانيا حاليًا.

رابعًا: المشهد السياسي في لبنان

يفعل الشيء نفسه مع المشهد السياسي والإجتماعي في لبنان، الذي يصوّره بتفصيل منذ اندلاع الحرب في سنة 1975 وحتى انهيار النظام المصرفي وتبخر أموال المودعين وجائحة كورونا وأزمة انتخاب رئيس جديد للجمهورية وما يجاريها حاليًا. ولكنْ في سنة 1982 اجتاحت دولة الكيان الإسرائيلي لبنان واحتلت بيروت. وأُجبرت المنظمات الفلسطينية، التي كانت تسيطر بزعامة ياسر عرفات على جنوب لبنان وبيروت الغربية وبعض المناطق الأخرى، على الخروج من لبنان. وفي الظروف التي عاد فيها في منتصف الثمانينيّات، كانت النزاعات بين الأحزاب اليمينية في المناطق الشرقية أو المسيحية على أشدّها، بين حزب الكتائب والقوات اللبنانية وحزب الأحرار وغيرها. ولم يمنع الوجود السوري هناك من تفاقمها. وكذلك كان الوضع في المناطق الغربية أو الإسلامية، التي شهدت صراعات بين حركة أمل والفصائل الفلسطينية وبين حركة أمل وحزب الله وغيره من قوى مسلحة والجيش السوري. لم يكن الوضع الأمني، إذنْ، مستتبًّا، مما جعل حصوله على عمل يتناسب وتطلّعاته وكفاءته بعيد المنال. ولكنّ الأقدار أسعفته وهيّأت له مجال الإلتحاق بكليّة الهندسة في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث شغرت وظيفة في احد المختبرات، التي تُدرَّس فيها موادُ تخصّصه في الطاقة، ونجح في الحصول عليها. وابتسم له الحظّ بعد ذلك، إذ أثبت قدرته الشخصية على تعليم تلك المادة للطلاب. وحثِّهم على فهمها والإبداع فيها. لم يفت ذلك على انتباه عميد كلّية الهندسة، الذي شجّعه على تقديم طلب للحصول على منحة من مؤسسة رفيق الحريري التربوية، لمتابعة دراسته العليا. فتمّ له ما أراد. وسافر إلى المملكة المتحدة لنيل شهادة دكتوراة في الهندسة.

1- إلى رحاب المملكة المتحدة

سيحمل الإعرابيُّ خيمته الروحيّة ويحزم حقائبه من جديد. ويرحل إلى رحاب المملكة المتحدة في أواخر صيف 1989. سينقل كهفه الروحي إلى لندن. وستنتصب الخيمة في صلب العالم الرأسمالي. ولكن هذه المرة لا يحتاج إلى دراسة اللغة الإنكليزية، كما كانت الحال عندما رحل إلى موسكو. فهو يجيدها جيّدًا ولا يحتاج إلى مرشد أو معين. هو سيّد نفسه. منحته معه. وقبوله في يده. مدّة الدراسة محدّدة. في غضون ثلاث سنوات سينهي أطروحته. ويعود حاملًا شهادة الدكتوراة، ليزاول عمله المفضّل: تدريس مواد الهندسة الكهربائية، وبخاصة الطاقة البديلة، في الجامعة الأميركية. في جعبته أفضل الطرق وأحدثها لتعليم الطاقة. سيبهر طلابه ويحصل على احترام زملائه. وينشر حصيلة أبحاثه ودراساته في أعرق المجلات العلمية المتخصّصة والمحكّمة. ويترقّى بالسرعة المعهودة. ويصبح أستاذا مشاركًا ثم أستاذًا متفرّغًا.

2- الحياة المثيرة في لندن

ولندن عاصمة المملكة المتحدة، هي محطّ أنظار العالم الحديث بلا منازع. ولن تكون مأوى كهفه الروحي فقط، بل ستغدو مدينته المفضّلة، بعد بيروت. فيها سيجد الراحة النفسية والمتعة الفنّيّة والإثارة العلمية. حطّ رحاله في قلب العاصمة التاريخي. وجهته الحرم الجامعي للكلية الملكية (Imperial College) حيث سيحضّر أطروحته وينال شهادته. فسكن في محلة آرل كورت (Earl’s Court) الشهيرة في تاريخ مدينة لندن. وكان في طريقه إلى الكلية، يمرّ أمام متحف التاريخ الطبيعي (Natural History Museum)، المجاور لمتحف العلوم، اللذين سيزورهما مرارًا لاحقًا. كما سيزور متاحف لندن الكثيرة وحدائقها الغنّاء المنتشرة في كلّ الأرجاء، مضْفيةً عليها رونقًا تاريخيًّا يعبق بالحريّة. لقد وجد في لندن مدينة مثيرة، على عكس موسكو الهادئة. الحرية الشخصية والإقتصادية المفرطة، في لندن والعالم الرأسمالي، ضربت بالعدالة الاجتماعية عرض الحائط، تاركةً كثيرين يتسكّعون في الشوارع وينامون في العراء، مهمَلين من مجتمع يلهث وراء الثراء والبذخ واللذة. وكانت لندن تعيش فترة الإقتصاد الحر والخصخصة، التي تزعمت الدعوة لها المرأة الحديدية مارغريت ثاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك، بينما كان ميخائيل غوربتشوف رئيس الاتحاد السوفياتي يبشّر بحركته التغييرية غلاسنوست في العالم الاشتراكي. لم تكن ظاهرة التسكع والنوم في الشوارع والفقر المدقع معروفة في مدن الاتحاد السوفياتي، التي كان ينعم أهلها بمستوى لائق من العيش الكريم والمتكافئ. ولكنّه النظام الرأسمالي، يؤدّي إلى انتشار هذه الظاهرة، التي يندى له الجبين.

خامسًا: فرص جديدة للعمل والنجاح

لقد ذاع صيته في لبنان والأوساط الأكاديمية عالميا في مجال الهندسة الكهربائية والطاقة. وتم اختياره كمستشار لوزير الطاقة والمياه. فالتقى العديد من الوزراء وصنّاع القرار في الدولة اللبنانية. واجتمع مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري، رئيس الوزراء في ذلك الوقت. فكان حدثًا مهمًّا وبارزًا في حياته الشخصية والمهنية. إذ عرض على الرئيس الحريري وجهة نظره عن إمكانيّة وضع خطّة للكهرباء في لبنان، متأثرًا بأفكار الخصخصة، التي نادت بها ثاتشر. ولكنّ الرئيس الحريري لم يجدها مناسِبة كفاية للأوضاع اللبنانية. وعندما ترك العمل الاستشاري مع وزير الطاقة والمياه، زكّى الدكتور ريمون غجر ليحلّ مكانه، لكفاءته العلميّة وعصاميّته. وأصبح غجر لاحقًا وزيرًا للطاقة والمياه في الوزارة، التي شكلها الدكتور حسّان دياب. وما دعاه لترك العمل المحبّب لديه في كهرباء لبنان، قبوله عرض عمل في السعودية ليرأس جامعة الأمير فهد بن سلطان. فها هي التحدّيات تكثر وتتشعّب. فيلبّي الدعوة وينتقل إلى السعودية ليصبح الموجّه الأول والمسؤول عن قيادة جامعة ناشئة في قلب الوطن العربي، وفي بيئة تقليدية محافظة. وبعد إنهائه مدة رئاسته جامعة الأمير فهد بن سلطان في تبوك، دُعي إلى لبنان ليترأس جامعة رفيق الحريري. وضمّن شديد كتابه ملاحظاتٍ كثيرةً مهمةً ومتنوّعة عن كل مفاصل حياته وبخاصة مراحل رئاسته للتعليم الجامعي.

سادسًا: خلاصات من تجربته الإنسانية

لقد ذكرتُ بعض ميزات إرثه الروحي. ومنها حفاظه على التقاليد والعقلانيّة وولعه بتصوير محيطه السياسي والبيئة، التي يعيش فيها. وأضيف اليها الآن ميله للتّقييم والمساءلة لنفسه ولغيره، مستخلصا الدروس والعبر. ولعل هذا الميل هو الرغبة الدفينة، التي كانت تلحّ عليه وباستمرار كي يدوّن تجربته الشخصية في كتاب، يروي الأحداث التي حفلت بها حياته “بما فيها الخلاصات التي توصلتُ اليها”. ومن تلك الخلاصات القيّمة، سأختار تحليله للأزمة، التي يعانيها الناس في لبنان، قائلًا: “إن أزمتنا تكمن في أننا نجهل معنى أن نكون أحرارًا في معتقداتنا، وممارستنا لرغباتنا، وفي انتقاد ومحاربة ما نراه عائقًا أمام تطور مجتمعاتنا” (ص. 14 التشديد مضاف) يشخّص شديد الأزمة ويعتقد أن أساسها هو الاعتقاد الخاطئ بأن “دورنا] في الحياة[ ينحصر داخل حزب أو مذهب أو عشيرة. لكنّ الحقيقة هي أننا أُعطينا كبشر، إمكانياتٍ فكريةً هائلة، مرتكزة على تاريخ طويل من التطور الثقافي والعلمي والمعرفي، نستطيع من خلاله أن نُحلّق على أجنحة إنسانيتنا متخطّين بيئتنا، لنكون روّادًا في بناء أوطاننا وفاعلين في مواجهة التحدّيات الكبرى التي تواجه البشرية” (ص. 14-15 التشديد مضاف). تحتلّ هذه الخلاصة مركزًا جوهريًا في كتابه. ومن مجال اختصاصي الفلسفي، يمكنني القول أنه قد عبّر في تلك الأمنية عن طرح فلسفي مهم. إن الطرح السائد، ومنذ أن طرحه أرسطو في القرن الثالث قبل الميلاد، يقول إن الإنسان حيوان أو كائن اجتماعي أو سياسي بالطبع. ولكنّ شديد، وبعفوية الأماني، يقول إن ميل الإنسان بالطبع ليكون اجتماعيًا، لا يستنفد كلَّ إنسانيّتِه أو جوهرَه كإنسان. إذ لا بدّ أن يكون لعقله الشأنُ الأعلى والقولُ الفَصْل. ولكن ليس هنا مكان برهنة صحة هذا الطرح أو شرحه.

1- الاعتقاد بأن جوهر الإنسان عقلانيته

من خلال هذا الاعتقاد، أثبت شديد كيف استطاع ولد مثله ان ينتقل بالغريزة من ولدٍ في عمر الخامسة عشرة يرزح “تحت وطأة الشحن المذهبي والسياسي، ولدٍ يلهو كسائر الأولاد،” إلى صبيّ يقرأ كتابات في الحرية والثورة والعدالة وحقوق الإنسان. أي أنّه تحوّل إلى إنسان يُعِدّ نفسه، من خلال التركيز على قدراته العقلية ومواهبه الذاتية، ليعيش واثق الخطى في عوالم متباينة. ثم يعود إلى لبنان في ظلّ حروبه وصراعاته المتتالية وفوضاه المستمرّة، ليخوض غمار تجربة التعليم في الجامعة الأميركية، وهو لم يتعلم اللغة الإنكليزية إلا لمدة وجيزة، بينما كان يحصّل علومه في الهندسة الكهربائية في موسكو. ويتابع من بعدُ صعودَه النجومي ليرحل إلى لندن ويعود حاملًا دكتوراة في الطاقة، ويعلّم وينشر أبحاثا متقدّمة في الطاقة. ويصبح مستشارًا لوزير الطاقة والمياه. ومن ثمّ رئيسًا لجامعة الأمير فهد بن سلطان وجامعة رفيق الحريري تباعًا. لقد أنجز مسيرة عالمية باهرة، والمّ بكل نواحي الحياة العلمية والإجتماعية والسياسية في عالم الإقتصاد الحر والعالم الاشتراكي، مما أرهف احساسه الجيوبوليتيكي للسياسة العالمية وجعل نظرته في هذا المضمار رياديّة، كما سنرى بعد قليل. فنجح في أخذ الأفضل من كلا العالمين والتأقلم معهما، من دون أن يتخلّى عن عقلانيّته وإنسانيّته وكهفه الروحي الأصيل. ولم يكن له سلاح سوى عصاميّته وإيمانه بقوة عظمة خالقه واعتماده على عقله لينير له سبل خياراته وقراراته. وكان يعرف أنّه بهذا لم يكن فريد عصره ووحيد دهره، وإنما واحد من آلاف اللبنانيين أمثاله الذين جاهدوا، رغم ظروف الحرب والحياة الصعبة في لبنان، ليرتقوا إلى أعلى المراكز العلمية والإجتماعية، ويبذلوا وسعهم في سبيل رفعة العلم وتقدّم البشرية.

2- الإرادة الحرّة

ذكرتُ سابقا أن الكاتِب يؤمن بأن مشيئة القدر تؤدي دورًا مهمًا في حياة الإنسان. ولكنّه في الآن ذاته يؤمن بأهمية الإرادة الحرّة، كطرفين لعملة واحدة. ومثالًا على ذلك، أذكر حصوله على المنحة للانضمام إلى برنامج الدكتوراة من جامعة معهد الطاقة في موسكو. وكان يعلم أن هذا لشرف رفيع، وقلة فقط تحصل عليه، بينما كثيرون يتمنّونه. ولكنّه تخلّى عن هذه الفرصة الذهبية طوعًا ليعود إلى لبنان، مستجيبًا لواجب وضعه على نفسه، وبإرادته ليعمل ويساعد أهله وإخوته.

سابعًا: ترؤسه لجامعة رفيق الحريري

وأذكر مثالًا آخر من الفصل السادس في الكتاب. فعندما عُرض عليه أن يكون رئيسًا لجامعة رفيق الحريري، لبّى النداء بكل سرور ورضى. لقد أتت مناسبة ليردّ الجميل إلى مؤسسة الحريري التربوية، التي هيّأت له منحة تعوّض عليه المنحة، التي تخلّى عنها في موسكو، ويحصل على شهادة الدكتوراة في لندن. لقد عانت جامعة رفيق الحريري ركودًا في نموّها. فتمّ اختياره لرئاستها، لمقدرته على حلّ المشاكل الأكاديمية، كما أثبت ذلك في جامعة الأمير فهد بن سلطان في السعودية. فكان له ما أراد، وأعادها إلى سكّة النجاح والتقدّم.

ثامنًا: نظرته الاستشرافية لمستقبل لبنان والعالم

أعطي مثلًا آخر من الفصل السابع، يجسّد إحساسه بارادته الحرّة. فيسأل نفسه عمّا استفاد من أسفاره وترحاله، التي هيأّتها له يد القدر؟ ويقول: “لم يكن السفر أمرًا عابرًا في حياتي. فمن خلاله انقشعت أمام عينيّ عادات وتقاليد ومفاهيم … أغنت الأسفارُ … شخصيتي، وغيّرت من طباعي، وعمّقت من فهمي لكثير من الأمور الجوهرية في الحياة … أسأل نفسي … بمَ أغنتني تلك التجارب وما هي نظرتي إلى المستقبل بناءً على ما رأيته وخبرته؟ (ص. 299). ويضيف: “سأحاول أن أقدّم نظرة إلى مستقبل بلادي، وأتجاوزها في الفضاء الإنساني الرحب انطلاقًا من تجربتي الخاصة” (الصفحة ذاتها). بكلام آخر، كان يشعر بواجب نقل خبرته وخلاصة معرفته إلى الجيل الجديد في وطنه والعالم، بعيدًا من التنظير والتعميم، ملتزمًا حدود تجربته الشخصية. فلنحدّد، إذن، ماذا يريد أن يفعل من أجل بلاده؟ سيقدّم “نظرة إلى مستقبل بلادي”، متجاوزًا اياها إلى “الفضاء الإنساني الرحب”. وبالتالي لن يقدّم فقط حلولًا عمليّة لأوضاع سياسية أو اجتماعية راهنة في بلاده، تؤلمه وتحزّ في نفسه،  إنّما سيستشرف مستقبل بلاده من خلال استشرافه لمستقبل العالم، من منطلق خبرته الشخصية، حتى لا يدخل في متاهات النظريات المتعدّدة حول اسختولوجيا العالم (نهائيّته) أو تيليولوجيّته (غايته) هو بغنى عنها، وإن تطرّق لها بشكل عابر ومقتضب.

تاسعًا: الطريق الثالث

بناءً على تلك الخبرة والتجارب الشخصية، التي يشرحها بإسهاب في هذا الفصل، سيقترح نشوء “طريق ثالث” بين النظام الرأسمالي والنظام الإشتراكي، “رسَم خطوطه المفكر كمال جنبلاط عندما تحدّث عن اشتراكية أكثر إنسانية، ورفدها ببعد روحاني وأخلاقي”. ويدعم هذا التوجّه عالم الاجتماع الانكليزي المعاصر أنطوني غيدنز (Anthony Giddens (1938-)) الذي قدّم “رؤية تجمع بين حيويّة النظام الرأسمالي والحمايات الاجتماعية للنظام الاشتراكي، من أجل تحقيق توازن بين “شراهة الرأسماليين ومثاليّة الاشتراكيين التقليديين”” (ص. 334). والطريق الذي يستشرفه شديد هو نشوء “تحالف دولي جديد، لن يكون بالضرورة مبنيّا على نظرية معاكسة للرأسمالية، بل قد تكون أسسه مرتكزة على اكتشافات العلوم وتطور التكنولوجيا، وتجدّد الاقتصاد، والحاجة إلى التعاون الدولي في مواجهة التحدّيات المشتركة، تمكّنه من تسهيل قيام تنمية مستدامة على الكرة الأرضية. وما النفور المتصاعد بين الصين وروسيا من جهة، والولايات المتحدة الأميركية من جهة ثانية، إلا دليل على إمكان نشوء تلك التحالفات” (ص. 335 التشديد مضاف).

1- التحدّيات والمخاطر المشتركة في العالم

لقد أبرزت العلوم والتكنولوجيا مخاطر وتحدّيات تواجه دول العالم أجمع، مثل ظاهرة الإحتباس الحراري، وتغيّر المناخ، وانتشار جائحات جرثومية كجائحة الكورونا، والحد من خطر الأسلحة النووية. وهي جميعها من المخاطر، التي تتقدّم على غيرها. ولكن هناك مخاطر لا تقلّ شأنًا عنها، مثل “ندرة المياه الصالحة للشرب، وتوفّر الغذاء، ومحاربة الفقر، وإيجاد علاج للأمراض المزمنة مثل الإيدز، وعدد من أنواع السرطانات.” أضف إلى ذلك، تلك المخاطر، التي تعاني منها الدول النامية نفسها “وتؤثّر على العالم أجمع، ومنها الهجرة، والأمن، وحقوق الإنسان، وممارسة الديمقراطية والمساواة بين الجنسين… إلخ.” (ص. 328) والأدهى من كل تلك التحدّيات، أن الإنسان لم يغيّر في نفسه وميوله شيئًا. فلا يزال يصطاد في الماء العكر ويحضّر لحروب لا تبقي ولا تذر. ويزيد من ترسانة أسلحته الفتّاكة، التقليدية والبيولوجية والنوويّة وغيرها من أسلحة الدمار الشامل. ولا تزال ميوله للتوسع والاستعمار والسيطرة على الغير والإستيلاء على ثروات الآخرين سيّدة الموقف. لقد حاربت الرأسماليةُ النظامَ الإشتراكي في الاتحاد السوفياتي لعقود، بعد الحرب العالمية الثانية، وحاصرته اقتصاديا. وما أنِ انهار، وعادت روسيا الاتحادية إلى نظام الإقتصاد الحر والعالم الديمقراطي والليبرالي، حتى تولّدت العداوات من جديد وتأجج الصراع، كما نراه حاليًا، بين روسيا وبين أوكرانيا، التي تدعمها الولايات المتحدة الأميركية وحلف الناتو، في مواجهة لا تقبل معها دول الناتو الا بهزيمة روسيا. كما لم تقبل روما قديما الّا بهزيمة قرطاجة هزيمة نكراء وكاملة. يتبع ذلك، دون شك، تقسيمها والاستيلاء على ثرواتها، مثلما حصل مع قرطاجة، التي لم تقم لها قائمة بعد ذلك. ان منطق هزيمة الأعداء المبنيّ على مبدأ “نحن أو لا أحد” أو على منطق “القطب الأوحد في العالم”، لن يقود الاّ إلى الخراب والمزيد من الدمار في العالم.

2- بذور الخير والشر

يعتقد الكاتب أنّ حرية التفكير والملكية الفردية في النظام الرأسمالي قد سمحت بتفوّقه. وطبعت واقعنا بظواهر مهمة مثل العولمة، ونشوء الجيل الرقمي أو جيل ألفا (Alpha Generation) والثورة الهائلة في تكنولوجيا المعلومات، ووسائط التواصل الإجتماعي والذكاء الاصطناعي. ولكن على الرغم من كل تلك الإنجازات، لم تتمكّن البشرية من الوصول إلى مستقبل زاهر ومستقر؛ لأنها لم تنجح في بناء الإنسان الذي “تطغى في نفسه بذور الخير على الشر، من خلال إغناء وعيه بأهميّة دوره في الوجود، إن في مجال المحافظة على صيرورة الحياة، أو في مسار تحقيق إنسانيته” (ص. 330). فمن الضرورة بمكان إعادة تثبيت الدور البنّاء لمنظمة الأمم المتحدة في الحفاظ على السلام في العالم، والذي من أجله وجدت. وعلى الدول الغنية أن تقتنع بأنها لن تنعم بالاستقرار ما دام الملايين في عالم الجنوب، يعيشون في فقر مدقع. وكل ذلك يؤيّد قناعته بوجوب إيجاد الطريق الثالث، الذي يجمع بين حيويّة النظام الراسمالي والحمايات الاجتماعية العادلة في النظام الاشتراكي، مؤدّيًا إلى تفتّح الإنسان على حقيقة وجوده ودوره في الحياة.

2- مستقبل لبنان في النظام العالمي

يعتقد الكاتب أن لبنان يعاني ، كونه من دول الجنوب النامية، كغيره من دول العالم، التحديات السابق ذكرها. مثلما يعاني التحدّيات والمخاطر، التي تتعرض لها دول جنوب الكرة الأرضية، كحجم الديون المترتّبة عليه وتزايد الفقر والبطالة وفرص الإستثمار، مع أنّه يمتلك طاقات بشرية هائلة وثروات طبيعية دفينة كبيرة، تضاف إلى خبرة وغنى أبنائه المغتربين. ولكنّه يشكو، مثل باقي الدول النامية، من سوء الإدارة في الدولة وضعف الحوكمة وتفشي الفساد، إلى جانب ظاهرة الطائفية الخاصة بالمجتمع اللبناني، والتي تفتك به كآفَةٍ مزمنة، متسببةً في حروب لا تنتهي وشلل سياسي مقيت وتعطيل مرعب لمؤسسات الدولة.

عاشرًا: ما الحل؟

يقول الكاتب إن أسفاره وتجاربه لم تزده “الا قناعة بأنّ كل ما يعترينا من مشاكل، يعود إلى طبيعة الإنسان بما هو مجبول عليه من أنانيّة مفرطة، وجشع، ونفس أمّارة بالسوء، وأن كل ما نشهده من تطور يعود الفضل فيه إلى الإنسان الذي يشكّل دماغه منصة لامتناهية للخلق والإبداع …” (ص. 330). التعليم أساسي في بناء الأوطان والمجتمعات. ومن خلاله يتمّ توجيه “الفكر الإنساني نحو الخير والإبداع” (ص. 336)، وبالتالي يحدوه الأمل بأن تخرج أجيال جديدة في المستقبل ومنها “النخب التي تستطيع مواجهة العصر، قافزة فوق ماضٍ سحيق من النزاعات العرقية والقبلية والطائفية، ومتفهّمة للتوازن الدقيق بين أهميّة الحفاظ على صيرورة الحياة وتحدّيات التنمية” (ص. 336)، وفي لبنان يقوده ذلك الأمل إلى التطلّع إلى أجيال جديدة لا تعتبر الطوائف المتعدّدة مصدر نزاع، وإنما مصدر ثراء اجتماعي. لأن كل واحد منّا يولد في عائلة أو قرية أو حيّ ومن طائفة. الكلّ، إذن، سواسية. لا أحد منّا يختار أين يولد ومن أي طائفة. يد القدر لها كلمة الفصل هنا. ولا ضير في أن يكون انتماؤنا لها. ولكن لكي نعيش في وطن مشترك، يجب أن نعيش جميعنا فيه بحريّة وكرامة وعدالة اجتماعية. فلهذا لا مناص لنا من توجيه إرادتنا الحرّة ليكون ولاؤنا للوطن، الذي يشكّل هويّتنا المشتركة. أمّا إذا بقي ولاؤنا لانتمائنا إلى طوائفنا، فلن يكون بمقدورنا أن نتخطى المكان الذي وضعتنا فيه حتميّة القدر. وبذلك تبقى إرادتنا الحرّة معطّلة. نراوح مكاننا. لا بل نتقهقر إلى الوراء، بينما الركب الحضاري في العالم يغزّ السير لإنجاز المزيد من التقدّم والتطور. فلا وطن لنا نعتزّ به، ولا طائفة نفخر بها حقّا. نوئد إرادتنا في مهدها. لأنها لا تقود إلى بناء وطن نتركه لأولادنا وأحفادنا، يرفعون رأسهم به ويقيهم العوز ويمنع عنهم التغرّب والحرب والدمار. إذن، علينا أن نوجّه إرادتنا الحرّة لبناء وطن يحترم طوائفنا، وطن يجمعنا جميعًا بولائنا له واتحادنا بهوّيته. أما بالنسبة إلى ساستنا، الذين تقع على عاتقهم قيادتنا إلى هذا المصير، فعليهم أن يكونوا واعين متفهّمين لموقعنا على خريطة العالم ونظامه العالمي. كي يستطيعوا قيادة الوطن إلى برّ الأمان. ويعيش أهله باستقرار وبحبوحة وسلام.

لافال، كيبك، كندا في 6 يناير/ كانون الثاني 2024