المؤلف: رتران بديع

ترجمة: جان ماجد جبور

مراجعة: مصطفى شلش [1]

الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، سلسلة ترجمان، بيروت

سنة النشر: 2014

عدد الصفحات: 274

 

«يبدأ البث المُباشر على أغلب قنوات الأخبار العالمية والمحلية، يَظهر رئيس الولايات المُتحدة الأمريكية دونالد ترامب وإلى جواره رئيس حكومة الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو فقط مُعلنًا عن بنود اتفاقية أُطلق عليها «صفقة القرن» كتصفية نهائية للقضية الفلسطينية والاعتراف بالاحتلال الصهيوني لأرض عربية بوصفه أمرًا واقعًا، ومُعتبرًا إياها فرصة أخيرة أمام الفلسطينيين».

التساؤل الآن، أين الطرف الفلسطيني في المشهد أعلاه؟ ولماذا غُيب كل المسؤولين العرب والأوروبيين والدوليين الذين دائمًا ما كانوا طرفًا في التفاوض حول القضية الفلسطينية؟ الإجابة: للإذلال.

مثال آخر، في 28 آذار/مارس 2013 يُعلن الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند عن إجراء باريس انتخابات رئاسية في دولة مالي الأفريقية ويكشف عن مواعيد الانتخاب المالية ومُدنها ويرفق مع إعلانه جملة «لا مجال لمناقشة هذا الموضوع»، كما يقر من قصر الإليزيه الفرنسي المصالحة المالية مع قبائل الطوارق، ويقر منفردًا لجنة الحقيقة والمصالحة.

كيف كان يشعر المواطن المالي وهو يرى بلده الأفريقي يدار من غرفة في قصر الإليزيه الفرنسي؟ الإجابة: ذُل.

لم يعد «الإذلال» بوصفه علاقة إنسانية بسيطة تتصف بالشمولية – كما بالأزلية – أي أن كل إنسان يستهوي الانتقاص من الآخر، وإنكار حقوقه لكي يُحكم سيطرته عليه، ويرضي غروره، ويشعر بالرضا، ويُشبع انحرافه السلوكي المحتمل، بل صارت هذه العلاقة الإنسانية البسيطة (الإذلال/الذُل) ودمجها بالحداثة لعبة قائمة على المُنافسة والصراع على الساحة الدولية وتشويه العلاقات الاجتماعية واختلال مفاهيم السلطة وإساءة استخدامها.

والآن، كي نفهم «سياسيات الإذلال» القائمة التي صارت مشروعة في مُعاملات المجتمع الدولي، نحتاج إلى تعمق في قراءة تاريخ السياسة الدولية وإدارك التحولات التاريخية في تكون القوى وكيف رُسمت خرائط النفوذ العالمي، والوقوف على أهم صور الإذلال الدولي المتمثل بعدة أوجه أبرزها: الانتقاص مِن السيادة وإنكار المساواة والإقصاء والوصم (التشهير بالإرهاب أو بغسيل الأموال أو بالاتجار بالمخدرات… إلخ) ويقدم كتاب زمن المذلولين: باثولوجيا العلاقات الدولية لأستاذ العلاقات الدولية في معهد العلوم السياسية في باريس برتران بديع[2]، ما يشبه موسوعة تفصيلية عن سياسات الذُل مُقسمة على تسعة فصول، وهو ما يجعل تقديم قراءة دقيقة لأهم ما في الكتاب بمنزلة «محاولة» لإيجاد ضالتنا المعرفية في عالم يحاول إذلالنا.

أولًا: ضبط المفاهيم

يشير برتران بديع أن النظام الدولي المُعاصر مصاب بمرض «الإذلال» بحيث صار هذا الفعل يشكل تاريخ الشعوب والأمم وينتج الاستراتيجيات ويثير ردود الفعل، ويعد رسوخ «الإذلال» في النظام الدولي حصيلة ثلاثة عوامل:

1 – اللامساواة التأسيسية: نتيجة تفكك النظام الكولونيالي في عملية غير منضبطة وجائرة شملت أكثر من ثلثي بلدان العالم. والكولنيالية تعني تبعية مفروضة، تنطلق بالأساس من لامساواة بين الدول التي تدور في فلك العولمة.

2 – لامساواة مهيكِلة: لا تتوافر لكل البلدان فرص متساوية في الحصول على الموارد، وتعكس هذه اللامساواة حقيقة موازين القوى الديمغرافية والاقتصادية والثقافية والسياسية للدول.

3 – لامساواة وظيفية: ترتبط بظروف العمل وحوكمة النظام الحالي بوصفه نظام أوليغارشي عالمي عَفِن وإقصائي.

ويقتبس برتران مِن عالم الإجتماع الفرنسي إميل دوركايم مرض يدعى «الباثولوجيا الاجتماعية» أي علم الأمراض الاجتماعي، ويشير هذا العلم إلى تعرض أي مجتمع لاضطراب خطير في مساره بفعل تصرفات معطلة تؤدي إلى نزاعات وعذابات اجتماعية، ويعد «الإذلال» في الحياة الدولية المعاصرة هو المتسبب الرئيس في نزاعات أشد وأدهى. حيث صار الإذلال جزءًا مِن الذاكرة، وسيرة جماعية، بل نصًا تأسيسيًا لا يمكن إلغاؤه بمرسوم.

وقبل أن نضم «الذُل» لـ«السياسة الدولية» يجب أن ندرك أن تقديم أوروبا لمفهوم «سياسة دولية» ليس أمرًا بسيطًا كنحت مصطلح أو مفهوم سياسي، بل إننا أمام ميراث مباشر لسنوات من الحرب والدمار امتد إلى قرون، وإن الرابط الوثيق بين الحرب والعلاقات الدولية في الذاكرة التاريخية يعود للأوروبيين، لذا يشير الباحث السياسي تشارلز تيلي أن «صناعة الدولة» – في أوروبا – ما هي إلا نتاج «صناعة الحرب» من حيث تحديد الأرض والحدود والعلاقات السلطوية وتعبئة الموارد، وقد نتج من هذا الوضع باثولوجيا نتيجة الخليط العجيب من الدول والممالك المختلفة الألوان على خريطة أوروبا، وهذا التنوع الكبير لا نجد مثله في أمريكا أو آسيا – بدرجة أقل – ولكن سنجده في أمريكا الجنوبية التي حكمها الأوروبيون الإسبان، أو الشرق الأوسط الذي كان ساحة للاستعمار الأوروبي، لذا أعطى الأوروبيون لهذه المناطق نفس صبغة التشظي القائم على الحروب والاقتتال واختلال العلاقات الدولية بين الكيانات.

والإذلال سمة إحدى الباثولوجيات التي يعانيها النظام الدولي المعاصر. ولقد تنامى هذا الإذلال وازداد تعقيدًا بقدر ما كان النظام الدولي يبتعد من الامتثالية الوستفالية التي ثبتت ركائزها في أوروبا عام 1648 وتبلورت على شكل تعايش بين سيادات الدول الوطنية. لقد كان هذا النظام يرتكز على حلقة مغلقة تحد من فخاخ الحياة المشتركة التي كانت تقتصر على عدد محدود من القوى المتشابهة إذا لم نقل المتساوية وترتبط في ما بينها بوشائج عائلية وأسرية تكرس تضامنها.

وحين عرف النظام الدولي الانفتاح على العالم وعلى الاختلاف وعلى الأعداد الكبرى واللامساواة بدا أنه عاجز ومتردد في استنباط قواعد مقبولة من الجميع. أسوأ من ذلك، يضيف برتران، غالبًا ما كان على النظام الدولي أن يفرض بالقوة المعايير القديمة البائدة وغير المجدية على أولئك الذين لم يعودوا يعترفون بها. من هنا فرض الإذلال نفسه بوعي أو بلا وعي نمط سلوك دولي، لا بل تجسد بأشكال دبلوماسية تكاد تكون ممأسسة وعملانية وتعمل بصورة روتينية كطرائق وجود وسلوك تعدها بديهية وحتمية ولا مفر منها.

ثانيًا: الطريق إلى سياسات الذُل

لا يمكن مطابقة العصور القديمة بالحياة الدولية المُعاصرة إلا بنحوٍ محدود، كما يشير برتران في كتابه، فحتى نهاية القرن الثامن عشر كانت للحرب طقوسها المستبطنة كليًا كما في لعبة رضائية، هي أشبه بمبارزة سياسية عُليا، يتمايز فيها الغالب عن المغلوب الذي كان عليه القبول بقانون القوة، بل والمشاركة بالاحتفاء بمن ألحق به الهزيمة. وقد لخصت العبارة الشهيرة لبرينوس: الويل للمهزومين قانون الحرب على أكمل وجه، وحولت نتائج الحرب إلى قواعد مقبولة. وكان الانتحار طريقة تعفي المهزوم من المشاركة في الاحتفاء بالمُنتصر. لكن في الوقت عينه كان هناك احتواء لغطرسة المنتصر عبر طقس ترفيهي عرفته روما القديمة يتمثل بحضور ممثلين كوميديين يقومون بالتهكم على القائد المظفر لئلا يتجاوز حدود طبيعته البشرية البسيطة ويذل الآخرين بازدرائه.

وبقي الأمر هكذا حتى مع صلح وستفاليا 1648 حيث أعادت معاهدتا السلم المعقودتان بصورة آلية وهادئة علاقات القوة وغالبًا ما أفضت إلى تحالف جديد بين الأسر الأوروبية الحاكمة. فقد كان مفتاحُ اللعبة السياسية وأعباؤها في أغلب الأحيان بأيدي قلة من النخبة، في حين يبقى المجتمع خارج الحياة السياسية ومجالات الفعل والتأثير وبالتالي لم يكن هناك ثُقل إذلالي يتم الاستشعار به نتيجة الهزيمة أو اتفاقية أو هدنة.

لكن مع زيادة المشاركة المجتمعية ودخول شرائح جديدة إلى الساحة السياسية وتدمير القاعدة الوستفالية على نحوٍ تدريجي بفعل الزمن وتطور أنماط الحرب بدأت سياسات الإذلال تعرف طريقها إلى حياة الشعوب وأدى الإذلال إلى نشوء دبلوماسية جديدة غير مسبوقة.

فالنظام الدولي الجديد الذي كان في طور التكون سرعان ما ظهر قصوره، وخصوصًا في مسألة تقسيم العمل الذي اتخذ مظهرين مرضيين هما «تقسيم عمل لامعياري وتقسيم عمل مقيد» وكان يخشاهما دوركايم في زمنه حين كان يرصدهما داخل المجتمعات الأوروبية، وبصيغة أبسط، بدا لدوركايم أن الحياة الدولية المتكونة رهينة مأزق دائم بين التسلط والفوضى.

ويشير برتران بديع إلى أن النظام الدولي الذي يتنازعه فيض القوة والنقص المتنامي لفاعلية هذه الأخيرة يعمد إلى الخلط بين مفاعيل لامعيارية والتقييد. وهو يتخذ في الوقت الحاضر شكلًا غير مسبوق من حيث القوة التي تقود للعجز، والنزاعات لم تعد تعكس المنافسة إنما عدم المساواة، وباتت الحوكمة تسعى إلى إعادة إنتاج الأوليغارشية في الوقت الذي يتوجب عليها العمل لجمع شملهم كلهم.

بهذا صارت مظاهر مَرَضية متعددة تتسرب فيها جدلية الغطرسة والإذلال إلى طيات المواجهة بين الأضداد. هذه اللعبة الجديدة تستبدل النمط الاعتيادي لنزاعات القوة الكلاسيكية في الزمن الوستفالي، حيث كانت المواجهة تتم بين متساوين يقر واحدهم بحق الآخر وبمقدرته على المشاركة في إدارة الساحة الدولية الأقل اتساعًا. حينذاك كان يتم الاكتفاء بتجاور الكيانات التي تؤكد سلطة كل واحدة من الدول المتنافسة بطريقة هي أشبه بعلاقة توافقية بين متساوين كنا نعيش في نظام يعدّه دوركايم طبيعيًا وتلقائيًا.

ثالثًا: الذل قبل العالم الثنائي القطبية

شهد عام 1842، في خليج نانكين على متن سفينة تدعى «كورنواليس» توقيع إتفاقية مُذلة لم تدع مهانة إلا وأدرجتها في متنها وطُلب مِن إمبراطور الصين توقيعها، ونصت على التنازل عن هونغ كونغ للإنكليز وفتح خمس موانئ للتجارة الدولية الحُرة ودفع تعوضيات بلغت 21 مليون دولار وفرض الوصاية على العاصمة بكين ومناطق كثيرة غيرها لمدة قرن من الزمان. وحصل النبلاء الأجانب الآتون من الغرب على امتياز منع المحاكمة إلا على يد سلطات ومحاكم تابعة لدولتهم الأم، وتم التشديد على هذا الإذلال من فقدان سيادة وانعدام مساواة قانونية بين الأفراد والدول وعملية سطو على الأراضي والأموال وخلق صلاحيات وهمية للغرب على أراضي الصين لكونها تجرأت على محاربة الأفيون! ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تم تكرار طقس الإذلال للصين مرة آخرى في معاهدة تيان تسين عام 1858. ولهذا عماد سياسة الصين الخارجية – بوعي أو لاوعي – متشددة ضد الغرب وتعمل في كل فرصة لاستعادة هيبتها.

مثلت هزيمة ألمانيا في الحرب العظمى (العالمية الأولى) حيث تعرضت لسياسة إذلال نموذجية ولقت في فرساي معاملة سيئة لم تكن معهودة في التاريخ آنذاك، إذ لم يدعُ أحد من مفاوضيها إلى المشاركة في المحادثات. هذا على عكس ما تم مع فرنسا المهزومة التي دعيت إلى فيينا عام 1815 وكذلك روسيا القيصرية التي دعيت إلى باريس عام 1856، ولم تصبح المحادثات لوضع تسوية بل لفرض شروط مُذلة حيث تجاوزت الشروط المفروضة التقاليد المُتعارف عليها كإقطاع الأراضي بل تم فرض نزع السلاح الألماني وتقليص عدد قوات الدولة وحظر التسلح الثقيل والمدفعي والمدرعات والطائرات، ومنع التجنيد، وتحول مناطق شاسعة من الأراضي الألمانية تبلغ 50 كم مناطق منزوعة السلاح، وتسليم قيادات الحرب ومِن ضمنهم الإمبراطور الألماني للعدالة بوصفهم مجرمي حرب، ويجب على ألمانيا تسديد 269 مليار مارك ذهبي. وهذه الشروط المُذلة جعلت الاقتصادي الإنكليزي الشهير جون مينارد كينز يستقيل من اللجنة التي تفرض هذه العقوبات اعتراضًا عليها.

لم تكن هذه المرة الأولى لإذلال الألمان، فمع معركة يينا 1806 التي مثلت منعطفًا في تاريخ العلاقات الدولية عمومًا وفي تاريخ المجتمع الألماني خصوصًا حيث تم إذلال بروسيا العظيمة وتعرضت فكرة الأمة الألمانية لجرح عميق ظهرت تجلياته في صدور كتاب مجهول بعد معركة يينا حمل عنوان ألمانيا والإذلال. يدعو الكتاب إلى مقاومة المحتل الفرنسي وقد أعدم ناشر الكتاب يوهان فيليب بالم رميًا بالرصاص.

كما تم العمل على إنعاش الحركة القومية الألمانية على يد الفيلسوف يوهان فيخته الذي أصدر كتابه خطابات إلى الأمة الألمانية 1807 لكي يصبح تمهيدًا لأفكار هيغل فيما بعد في كتاب أساس الحق الطبيعي لكي ينظر إلى الغيرية والمواجهة مع الآخر على أنها مصدر الحريات الأساسي لكل فرد. وهكذا تم التحول في الخطاب القومي داخل المجتمع الألماني. وبدلًا من الحديث عن توازن القوى صارت الغيرية والمواجهة تحرك المجتمع الألماني تجاه التطرف والحقد والانغلاق والرفض، وهذا كله نتج من «الإذلال» الذي مهد الأرض للحرب العالمية الثانية وما حدث فيها مِن إبادات جماعية مدفوعة بنية الانتقام ورغبة الألمان في الحصول على الاعتراف بوجودهم وكرامتهم.

رابعًا: الذل في عالم ثنائي القطبية

في نظر برتران أن الارتهان لعالم ثنائي القطبية بالتأكيد هو نوع من الاعتراف غير المكتمل، ما يعني الإذلال. لكن كان مع ذلك إذلالًا معتدلًا كونه يشكل قاعدة يخضع لها الجميع بالتساوي في هذا النظام. لم يظهر الإذلال حقًا بكل قساوته إلا حين بدأت الثنائية القطبية تواجه بالرفض وتتداعي بفعل الانسحابات الفردية الأولى. استندت هذه الانشقاقات أساسًا إلى إحباط أصاب الآمال في إمكان قيام إدارة مشتركة داخل الكتلتين، وإلى إخلال بالاعتراف، فالجنرال ديغول أحس بالإذلال لقلة الاهتمام الذي قوبلت به المذكرة التي رفعها في أيلول/سبتمبر 1958 والتي كان يطالب فيها بمجلس يدير شؤون حلف شمال الأطلسي (الناتو) وشعر بالإهانة بسبب الاتفاقات الخاصة بين لندن وواشنطن في برمودا بين أيزنهاور وماكميلان في آذار/مارس 1957، وبين كينيدي وماكميلان في عامَي 1961 و1962، التي أرست تعاونًا نوويًا بين البلدين. لتشهد فرنسا في أيار/مايو 1962 إعلانًا عن برنامجها النووي لكي تبدأ برسم معالم سياستها الاستقلالية التي تحاول أن تعيد بها كرامتها إزاء إذلال أمريكي-إنكليزي بدأ يطل برأسه.

إن مشاعر الذل يمكنها أن تخترق حتى الأنظمة الكبيرة المُحكمة البناء، وهذا قد تم أيضًا بعد لقاء جمع ماو تسي تونغ وستالين عام 1950 حيث شعر ماو بخذلان سوفياتي على الصعيد السياسي والعسكري والاقتصادي في ما يخص حرب كوريا وانتفاضة التيبت فيما بعد، وبهذا لا تضمن المعاهدات على الورق المنافع الرمزية بصورة تلقائية حين يتشكل الإذلال على أي صعيد.

من هنا يصير السباق نحو المكانة الفضلى الأمر الأكثر ألفة في اللعبة الدولية. وما من شك أن انتهاء الثنائية القطبية عزز هذا التوجه إلى حد كبير. في زمن الحرب الباردة كانت هذه المكانة رهنًا بالموقع الذي تحتله أي دولة في إحدى الكتلتين المتواجهتين. وكان الخروج من اللعبة أو البحث في قيمتها المعيارية محدودًا ومُحرجًا في أغلب الأحيان، وهذا ظهر في مؤتمر باندونغ الذي كان التعبير الأول عن هذا التوجه، والذي سرعان ما اصطدم بمحدودية حركته. والحال أن مكانة الدول المنبثقة من إزالة الاستعمار، التي انضوت تحت لواء حركة عدم الانحياز، سرعان ما ارتهنت، وباتفاق مضمر، للحماية الأمريكية أو السوفياتية. وهذا ما ينطبق مثلًا على باكستان في المعسكر الأمريكي، ومصر مع الحماية السوفياتية.

خامسًا: الاعتراف في السياسة الدولية

قبل التعريج على حقبة انهيار القطبية الثنائية للعالم يشير برتران إلى مفهوم «الاعتراف» وهو في غاية الأهمية في ضوء المنظور الهيغلي حيث يكتسي أهمية كبيرة في العلاقات الدولية، فهيغل يصور الوضع البشري على أنه صراع يسعى كل امرئ فيه لانتزاع الاعتراف من الآخر. إن هذا المبدأ يبدو جليًا في المجال الدولي أكثر منه أي مجال آخر. هذا لأن القانون العام والقانون الدولي اللذين رفضهما هوبز وطعن بهما ورثته السياديون، يجدان قدرًا من الصعوبة في فرض نفسيهما وإنتاج مكانة مُلزمة، لأن التنافس دوليًا هو أمر طبيعي إضافة إلى كونه لا يخضع لقدر كبير من التنظيم، ولأن السيادة التي نطمح إليها لا تكون فعلية إلا إذا تم الاعتراف بها من الآخر تحديدًا.

كما يشير برتران إلى إشكالية تتمحور حول سهولة حصول المرء على الاعتراف بذاته حين يكون العدد محدودًا لا ضخمًا، والاعتراف أيسر بين متشابهين منه بين مختلفين، وبين فاعلين من لون واحد مما لو كانوا من انتماءات متنوعة. فبين عدد محدود من النظراء نصل بسهولة إلى التواطؤ، كما في زمن «الكونسرت الأوروبي» (توازن للقوى الأوروبية وفق مؤتمر فيينا 1815)، لا بل ربما نصل إلى أبعد من ذلك. إزاء الفرق في الحجوم الذي فرض نفسه في زمن الاستعمار، وازداد في حقبة إزالة الاستعمار، بدا تحقيق غاية الاعتراف أكثر صعوبة وهو ما لا يمكن الوصول إليه كذلك في أيامنا إلا إذا عوَّض الصغير عن ضعفه بالتمثل بالكبير. فإذا لم يلجأ إلى مساومة كهذه، يكون الاعتراف صعب المنال. لكن إذا جمع أحدهم بين ضآلة الموارد والمطالبة بهوية تتخطى حجمه كدولة، فإن الاعتراف يكون منعدمًا بكل بساطة. والاعتراف يكون في حده الأدنى إذا كان المرء على درجة من التواضع ولم يطالب إلا بالحق في إبداء رأيه.

هذا يقودنا إلى الأهمية الدولية التي يكتسبها «إنكار الاعتراف» الذي قام بتحليله عالم الاجتماع الألماني آكسل هونت، ويكمن هذا المفهوم في عدم الإقرار للآخر بالهوية التي يطالب بها، وبالتالي رفض المكانة التي تمكنه من تحقيق الهدف الذي حدده لنفسه. من هنا فإن الضرر المعنوي اللاحق بالآخر يتحول إلى سلاح دبلوماسي شديد البأس. فإذا ما قُرن الضرر بصدقية من يتسبب به (المادية/الرمزية) فإنه يولد إذلالاً ذاتيًا حيث يعد المتضرر في مرتبة أدنى. وفي مطلق الأحوال، لا يمتلك ما يكفي من القدرة.

ينضم برتران إلى رأي بول ريكور الذي وجد في الاعتراف هذه النظرة التي يكونها كل واحد عن إمكاناته مقارنة بإمكان الآخرين. ولتوضيح نقطة ريكور حول تخيل الإمكانية والتفوق على الآخر كتب آلبير كامو مقالًا يتناول القمع الفرنسي في الجزائر ومدغشقر: «إذا كان بعض الفرنسيين اليوم على دراية بالوسائل التي يستخدمها أحيانًا فرنسيون آخرون ضد جزائريين أو مدغشقريين ولا ينتفضون لذلك، فهذا يعود إلى ذاك اليقين الذي ترسخ في لاوعيهم بأننا متفوقون بطريقة ما على تلك الشعوب، وبالتالي قلّما تهم الوسائل التي يتم اختيارها للتعبير عن هذا التفوق».

وهذا الشعور بالفوقية وتخيل الإمكانات ينطبق على حالات مثل الإمبراطورية العثمانية التي استُعبدت بسهولة من الكونسرت الأوروبي في القرن التاسع عشر، والتعنت في السماح لتركيا فيما بعد لتنضم إلى الاتحاد الأوروبي، أو استبعاد دول الجوار مع إيران في حل مسألة الملف النووي.

سادسًا: انهيار القطبية

بعد عام 1989 بدا أن سجل التوترات الدولية بأكمله قد انحصر بدينامية الاعتراف المنشود والإذلال المفروض. لم يأتِ هذا التغير نتاج دينامية حربية كما كان يتخيل عالم السياسة الأمريكي روبرت غيلبين. فالحرب صارت أساسًا بين أنماط الحُكم والمفاوضات والعلاقات الدبلوماسية. وكانت روسيا التي في طور التكون هي الضحية الأولى لنظام الإذلال الجديد.

فبعدما أُجبرت موسكو على ترك دورها كشريك في إدارة العالم تركت لكي تفتش لها على اعتراف ومكانة دولية جديدة، وهو ما أصاب الرأي العام الروسي بخيبة بالغة. تعرض السوفيات لإذلال في أيامهم الأخيرة بصورة مُتعمدة مِن جانب مجموعة الدول السبع، ففي تموز/يوليو 1991 أُجبر ميخائيل غورباتشيف على الانتظار ساعات طويلة خارج قاعة المؤتمر الذي كان من المفترض أن يتم خلاله تقديم حُزم من المساعدات الاقتصادية والسماح بدخول روسيا لنادي مجموعة السبعة وضمها إلى منظمة التجارة العالمية. وقد رُبط كل هذا فيما بعد بقبول روسيا بتوسع حلف الناتو ليضم بلدانًا من بلدان الاتحاد السوفياتي السابقة.

كما أن بوريس يلتسن – خلف غورباتشيف – ظل يشارك بصورة غير رسمية حتى مؤتمر مؤتمر برمنغهام عام 1998 رغم حضوره المؤتمرات منذ عام مؤتمر نابولي 1994. ثم تحول اسم مجموعة السبع إلى «مجموعة السبع زائد واحد» التي منحت لدول السبع مشروعية للإبقاء على روسيا الزائدة لبضع ساعات خارج قاعات الاجتماعات وبقيت هذه الحال حتى قمة كانانانسكيس في كندا عام 2012. وفي عام 2014، عُلقت مشاركة روسيا في اجتماعات الدول الثماني الكبرى لتعود الدول الغربية واليابان لسابقتها لكي تسحب الاعتراف السياسي في محاولة لإذلال روسيا على مواقفها السياسية.

بهذا صارت دبلوماسية التهميش والمساومة كما يشير برتران أحد أهم الأسلحة السياسية وتمثل نقطة قصوى لمنطق الإذلال عبر الإقصاء والمنع أو المنح، فتم تهميش حركة حماس وحصارها بعد أن تصدرت المشهد السياسي الفلسطيني بعد انتخابات شباط/فبراير 2006، وتهميش الدور السوري في لبنان عن طريق مجلس الأمن بإصدار القرار 1559، وحصار كوبا وفنزويلا وبيلاروسيا وزمبابوي وإيران والسودان، والأخيرة – السودان – صار الآن يتم مساومتها لكي يتم منحها الاعتراف وإعادتها للحظيرة الأممية أن تطبع علاقتها وتعترف بالكيان الصهيوني المحتل للأراضي الفلسطينية.

وتعد معاهدة الحد مِن انتشار الأسلحة النووية التي أقرت 1968 مثالًا صارخًا على المنع أو المنح، فهي أقرت لكي تغلق الباب على مجموعة بلدان من الصفوة هم من يقرروا المنضمين الجدد إلى نادي المهتمين بهذا السلاح لتكرس سياسة الانتقائية التي تعد أحد أوجه الإذلال في المجتمع الدولي، فبالنظر سنجد أن «الهند» لم تتعرض لأي عقوبات من جراء رفضها توقيع المعاهدة بل أُعلن في عام 2006 عن تعاون هندي – أمريكي في المجال النووي، ونعمت باكستان أيضًا بنفس القدر من الرضا لكي تحصل على سلاح نووي يكافئ جارتها الهندية، وتمت مساعدة الكيان الصهيوني سرًا من أجل الحصول على القنبلة النووية، بينما عوقبت وحوصرت إيران ورُفع في وجهها كل الحجج لمنع دخولها النادي النووي.

إضافة إلى مصادرة الحق في التفاوض حول مسائل في غاية الخطورة، مثل الأمن القومي للدول والمناقشات بين المعنيين للوصول إلى حل للقضايا المتعلقة بهم، كما لم تستعدِ الولايات المتحدة أي جهات فلسطينية قبل إعلان صفقة القرن، وكما حاولت القوة الغربية جاهدة منع روسيا وإيران وحزب الله المُنضم حديثًا إلى قائمة الإرهاب الأمريكية (2013) من مناقشة أي تسوية للوضع في سورية لكي يتم وضع حد للاقتتال هناك، وقد تم مشاركة روسيا وإيران في المناقشات كأمر واقع نتيجة سيطرة قوتهم العسكرية على الأرض السورية لحماية مصالحهم الاستراتيجية – كما يتصورونها.

سابعًا: مداواة الذل

لقد أصبح أثر الذل السياسي تجاه المنطقة العربية والأفريقية والفقيرة والمختلفة ضخمًا (فلسطين ومالي والسودان وإيران وكوبا… إلخ). ولا عجب في هذه الحال، حيث إننا نرى كيف أن إقامة نظام دولي ذي توجه إذلالي يدعو إلى المساواة شكلًا بينما لا يزيد إلا مِن حدة مآسي الآخرين وجعلها لا تطاق. وبهذا المنحى تندرج الإذلالات في الأجندة الدولية سرًا أو علانية وتمثل أمرًا اعتياديًا في السلوكيات الاجتماعية ما إن يتعلق الأمر بشأن عالمي، وهو ما بات شائعًا على نحوٍ مطرد.

وأخيرًا، فإن هذه الإذلالات بوجه خاص هي ما يصنع السياسات، فتساهم في خلق أنواع جديدة من المواجهة في المواقع التي كانت العلاقات الدولية الكلاسيكية تضع في مجال المبارزة متساوين يتنافسون على السيطرة انطلاقًا من موارد متكافئة. بكلام آخر، لم يعد النظر إلى الإذلال بوصفه سمة نفسية بل كمؤثر في النظام الدولي وطريقة تكونه، ويظهر الإذلال كتجريد من الصفة الإنسانية لنظام قائم على منحى إنساني (الحداثة).

ومسألة الإذلال تقودنا بوضوح، كما يكتب برتران، إلى قصة الإندماجات الفاشلة وإلى عدم أهلية النظام الدولي الحديث لإرساء علاقات اجتماعية متينة ومعولمة، وإلى الآلية الملحة الهادفة إلى تفضيل التحالفات الوستفالية والقطاعية على العلاقات المتقاطعة المخولة لأن تبني العولمة، وإلى العجز عن تأمين الحد الأدنى من التضامن المطلوب إزاء تقسيم العمل الدولي. فبينما القوة معطلة أو تفعل فعلها بصورة سيئة، تتعرض عملية الإندماج للفشل بحيث تتقلص مساحاتها باستمرار وبصورة غير معقولة، فإلى تماسكها الهزيل على المستوى العالمي، يضاف إحباطها على المستوى الإقليمي وهشاشتها المتزايدة على الصعيد الوطني. ومن أجل تعويض هذا الفشل يتم اللجوء إلى أشكال مهينة من العنف القمعي والرمزي أو إلى آلية إذلال لقهر الآخر بما يتخطى المعايير التي بنى عليها توقعاته. هكذا يستحق الإذلال وعن جدارة مكانته بوصفه عاملًا مساعدًا للدبلوماسية.

ويكمن جزء مِن الحل، طبقًا لبرتران، في السيطرة على الغرور الدولي، ليس فقط من خلال معرفة الآخر ولكن أيضًا من خلال إعطاء المكان الملائم لثقافته، وتحفيز إدماجه الاجتماعي الدولي، وحقه في التفاوض حول مكانته من دون أي ضغوط سلطوية. وفي معالجة السلطوية يجب أن نعالج ونتجاوز التوتر الناتج من محاولة الإدماج، ونقاوم حبال الضرورة التي تصنع تاريخ العلاقات الدولية لاستخدام القوة للحصول على الاحترام.

هذا ما يجعل السلم الدولي اليوم أكثر من أي مرحلة ماضية قائمًا على مفهوم «الاحترام». فالاحترام من وجهة نظر كانط هو أمر مُلزم للعقل، والعقل سيحد النفس الإنسانية وبالتبعية المجتمع الدولي من الانزلاق في صراعات يومية كارثية. فالاحترام الكانطي هو أكثر النظرات حداثة من أجل تنظيم التنوع المتنامي في الفضاء العالمي وضبط التوترات التي تنجم عنه، فهو يعبر عمليًا عن مبادئ دبلوماسية عملية وليست مثالية، حيث ينزع كانط الاحترام من مدلوله الأخلاقي البسيط ويجعله تعبيرًا عن المسافة التي تقود في الواقع لإبراز قيمة الآخر.