مقدمة

تسعى هذه الورقة البحثية، انطلاقًا من مجالَي سوسيولوجيا التنمية وسوسيولوجيا الثقافة، إلى مناقشة العلاقة المعقدة بين نوعية النموذج التنموي السائد من ناحية، وحالة التراكم على صعيد رأس المال الثقافي، بما ينطوي عليه من بنى وعمليات وقيم من ناحية أخرى. كيف أفضى تبنّي النموذج الرأسمالي الكوكبي – طوال العقود الماضية – إلى نتائج سلبية على مستويات متعددة ومختلفة، وبخاصة الاجتماعية – الثقافية المرتبطة بتدهور أحوال الطبقات الوسطى، التي تعدّ موئل رأس المال الثقافي بمكوناته الثلاثة الرئيسة: المتجسِّد إنسانيًا، والمتمأسس، إضافة إلى المتجسّم، وما ترتب على ذلك من مشكلات اجتماعية – ثقافية ذات طابع بنائي. ونختتم بطرح رؤية تنموية بديلة تكرس أنساقًا قيمية ثقافية إيجابية وفاعلة، تتيح تراكمًا اجتماعيًا – ثقافيًا متكافئًا، على أسس أكثر عدالة وإنصافًا، تنفتح من خلالها آفاق تنموية أكثر حيوية وشمولًا واستدامة، موضوعًا في الحسبان ما يمثله النسق الثقافي؛ بمكوناته كافة، من أهمية بالغة في استراتيجيات التنمية الشاملة.

نناقش في ما يلي ما تطرحه الورقة من تساؤلات وما تثيره من إشكاليات عبر المحاور الآتية:

– ما رأس المال الثقافي؟

– الهوية الطبقية لرأس المال الثقافي.

– النمط التنموي كمحدد لفرص تراكم رأس المال الثقافي.

– المآلات السلبية لتبنّي نمط التنمية الرأسمالية المتطرفة على الصعيد الثقافي (حالة المجتمع المصري).

– البديل: التنمية من أجل تراكم متكافئ لرأس المال الثقافي.

أولًا: ما رأس المال الثقافي؟

يشير هذا المفهوم إلى أنواع متعددة من المعارف، والمهارات، والسلوكيات التي نمتلكها بفضل كوننا نمثل جزءًا من جماعة اجتماعية محددة. وهو المفهوم الذي طرحه بيير بورديو في عمله المعنوَن: إعادة الإنتاج الثقافي وإعادة الإنتاج الاجتماعي[2]، حيث ذهب إلى أن رأس المال الثقافي يؤدي دورًا مهمًا في المركز الاجتماعي للشخص، وغالبًا ما يتم تمريره من جيل إلى جيل. وبالإشارة إلى التعليم، فإن هؤلاء الذين تتوافر لديهم القدرة على تحصيل تعليم ذا نوعية جيدة، فهم في الأغلب سينتمون إلى الشرائح الاجتماعية الأعلى في المجتمع وتكون لديهم القدرة على تأمين مستقبلهم، ومن ثم إتاحة نوعية التعليم الجيد لأبنائهم وهكذا.

وفي عمله المعنوَن: أشكال رأس المال الصادر عام 1986، يمايز بورديو بين ثلاثة أنماط من رأس المال الثقافي؛ المتجسد إنسانيًا، المتمأسس (Institutionalized)، والمتجسّم .[3] (Objectified)

وقد يتبادر إلى الذهن أول وهلة، أن مفهوم بورديو لرأس المال الثقافي يتعاطى حصريًا مع الجوانب والأبعاد الرمزية أو اللامادية لرأس المال، إلا أن من ينظر في عمق هذا المفهوم يجد أنه ينطوي على تقاطعات لأشكال وصيغ رأس المال المادي والرمزي في آن معًا. ذلك أن التراكم على صعيد رأس المال الثقافي، سواء على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي أو المجتمعي، يقتضي توافر القدر الملائم والمتطلب من رأس المال المادي من أجل تحقيقه، إذ تحتاج مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وعلى رأسها الأسرة والمدرسة، إلى هذا القدر الملائم من رأس المال المادي، أو لنقل القدرات المالية واللوجستية لكي تقوم بأدوارها في إكساب المنتمين إليها قواعد السلوك الاجتماعي اللائق، وطرائق الحديث والحوار المهذب، وأساليب انتقاء اللباس وما يلائمه من ملحقات، فضلًا عن تفضيلات المشاهدة الفنية والمطالعة الأدبية، والاقتناء المحمل قيميًا ومعنويًا، ومؤخرًا كيفيات التعامل السليم مع وسائط التواصل الاجتماعي المتعددة والمختلفة.

بناء عليه، فإن المؤسسات المعنية بالتنشئة الاجتماعية Socialization) (The – الأسرة منذ البداية وتتقاطع معها المؤسسة التعليمية لاحقًا – لا بد من أن تتوافر لديها بداية مقومات الوجود الاجتماعي في مستوياته اللائقة والمتطلبة التي تمكنها من أداء أدوارها، وأن تعمل في تناغم واتساق، متبنية أنساقًا قيمية تتسم بقدر واضح من الرقي والتميز حتى يحدث التراكم الثقافي المطلوب لدى أبنائها، وبخاصة ذلك الذي أطلق عليه بورديو رأس المال المتجسد إنسانيًا (The Embodied Capital). من ناحية أخرى، وإذا كان بورديو قد ركز على معيار كم السنوات الدراسية التي يقضيها الفرد أو الجماعة الاجتماعية في المؤسسات التعليمية، وصولًا إلى التخرج في الجامعة؛ بدرجاتها المختلفة ووصولًا إلى أعلى مراتبها، فقد يكون من الأوقع ألّا يتوقف هذا المعيار على «كمّ» السنوات التعليمية فقط، بل إن الأكثر أهمية وتأثيرًا ما يتعلق بـ«نوعية» هذا التعليم، بداية من المستوى التعليمي الذي تقدمه المدرسة في المراحل الأولى، وصولًا إلى الجامعة، من حيث ترتيبها على مستوى العالم، ونوعية التخصص الدراسي، ومدى حداثته، ومدى الطلب على خرّيجيه في مؤسسات العمل المرموقة التي توفر لمنتسبيها الدخل المادي المرتفع، جنبًا إلى جنب المكانة الاجتماعية المميزة، محققة ذلك التراكم على صعيد رأس المال المتمأسس؛ فالمؤسسات التعليمية هي المعنية بإصدار الشهادات الرسمية والوثائق ذات الصلة.

على مستوى آخر، ومن بعد مرحلة إكساب الفرد/ الجماعة رصيدًا من رأس المال الثقافي/ الاجتماعي عبر طرائق التنشئة الاجتماعية، تأتي مرحلة تالية، ومترتبة على سابقاتها، تتعلق بـ«نوعية» المقتنيات ذات القيمة والدلالة الاجتماعية/ الثقافية، تلك التي تتمثل بما يقتنيه الفرد من سلع ومنتجات تمايزه عن غيره من أصحاب الأرصدة الثقافية المتباينة، حيث تصير الكتب القيمة، والموسوعات العالمية، والتحف واللوحات الزيتية الأصلية أو حتى المستنسخة التي تنتمي إلى مدارس فنية عريقة لفنانين عظام، والملابس والإكسسوارات التي تتلاءم مع كل طقس اجتماعي، والسيارات ذات الطرز القيّمة بأكثر من كونها فارهة باهظة الثمن، والمسكن الملائم في الحي المتوسط وحتى الراقي، والنادي الاجتماعي/ الرياضي… إلخ، كلها بمنزلة عمليات للمراكمة على صعيد رأس المال الثقافي، تحديدًا رأس المال المتجسِّم، الذي هو في علاقة اعتماد عضوي على ما سبق مراكمته من رصيد اجتماعي/ ثقافي خلال مراحل التنشئة الاجتماعية.

تلك هي المصادر الثلاثة الرئيسة لرأس المال الثقافي في المجتمع، التي يمثل مستوى تراكمها، ارتفاعًا وانخفاضًا، المكانة الثقافية/الاجتماعية التي قد يتبوأها الفرد أو الجماعة في المجتمع. وهي مصادر لا يعتمد الحصول عليها على مجرد امتلاك الشخص أو الجماعة لرأس المال المادي، أو لنقل الثراء المالي، لكن الأهم أن يتوافر لدى هذا الشخص أو الجماعة القدر الملائم والمتطلب من الوعي الثقافي والمعرفي بقيمة تلك المقتنيات الفنية والأدبية وكذا السلعية، وما تتمتع به مدارس وجامعات وشهادات ومهارات بعينها من أهمية بالنسبة إليه، حال سعيه الواعي لإنجاز تراكم على صعيد رأس ماله الثقافي.

ومن ثم نخلص إلى القول بأنه كلما ارتفعت وتائر تراكم أرصدة رأس المال الثقافي في مجتمع من المجتمعات، ازدادت فرص هذا المجتمع في إحداث نقلة نوعية على المستوى التنموي الشامل، وبخاصة التنمية الإنسانية الوثيقة الصلة بتحقيق إنسانية الإنسان وتحريره من العجز عن إشباع حاجاته المادية البحتة، أو ما أطلق عليه رونالد إنغلهارت (Ronald Inglehart)، في مسوحه للقيم العالمية، حالة الانتقال من تبنّي القيم المادية إلى تبنّي القيم ما بعد المادية (The Post Materialistic Values)،[4]، تلك – الأخيرة – التي رصد إنغلهارت أهم وأبرز سماتها وخصائصها فيما يلي:

1 – الرغبة في الابتعاد من المظاهر الترفية والاعتدال في الرفاهة الذاتية.

2 – التشديد على المثابرة والقدرات الإبداعية، بدلًا من التشديد على بذل الجهد الشاق في العمل.

3 – التعبير عن الذات بإنجاز عمل ذي معنى أو هدف.

4 – قبول المعايير الذاتية في العمل.

5 – التشديد على الخبرات النوعية في العمل.

6 – أولوية الأهداف الاجتماعية على معايير الإنجاز.

7 – التشديد على المستقبل المهني للمرأة.

8 – أولوية التعبير عن الذات، والمشاركة في صنع القرار على كل المستويات.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 534 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 534 آب/أغسطس 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 534 في آب/أغسطس 2023.

[1]محمد عبد المنعم شلبي: أستاذ علم الاجتماع، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية – القاهرة.

[2]   Pierre Bourdieu, «Cultural Reproduction and Social Reproduction,» in: Richard Brown, ed., Knowledge, Education, and Cultural Change: Papers in the Sociology of Education (London: Routledge, 1973), pp. 56- 68.

[3]   Pierre Bourdieu, «The Forms of Capital,» in: John Richardson, Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education (Westport, CT: Greenwood, 1986), pp. 241-258.

[4]   رونالد إنغلهارت، «القيم المتغيرة والتنمية الاقتصادية والتغير السياسي،» المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية، العدد 145 (أيلول/سبتمبر 1995)، ص 9 – 29. انظر أيضًا: Ronald Inglehart, Culture Shift in Advanced Industrial Society (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1990), and Ronald Inglehart and Christian Welzel, Modernization, Cultural Change and Democracy: The Human Development Sequence (New York; Cambridge, MA: Cambridge University Press, 2005).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز