عطفاً على ما انتواه المشروع النهضوي في بابه عن التجدّد الحضاري، فإن حصاد السنوات الخمس المنقضية، يري كل ناظر أن النكوص الحضاري كان ميسمها الواسم.

ينتصب سؤال: لماذا؟، لأن الأمة تقبع الآن عند برزخ الشفق الذي تتوه فيه الملامح، وتختلط فيه الأوراق، وتضطرب فيه الرؤى.

طيب، لماذا هي فيه، وكيف وصلت إليه؟. سؤال كبير: لكن ما هو أكيد هو أن تنزيل طبائع السياسة على أرضيات الثقافة شوّه معالم الحضارة عند العرب: مجتمعات، وسلطات، وأمة.

أولاً: كيف تشوّه التراكم الحضاري الذي كان عليه العرب عند مفصل الألفية… ومنذ ذاك؟

بمفاعيل تراكم الخيبات المتصلة في رحلة قرن من الزمان: من سايكس – بيكو، مروراً بوعد بلفور، ونكبة فلسطين، والفتنة القومية – الشيوعية (1958 – 1963)، والانفصال السوري (1961)، وتهاوي مشروع الوحدة الثلاثية (1963)، وكارثة 1967، ورحيل جمال عبد الناصر، وأيلول الأسود (1970)، وخيبة 1973 (باستثناء الأيام الأربعة الأولى)، والحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990)، والحرب المجنونة بين العراق وإيران (1980 – 1988)، واجتياح الكويت، ملحوقاً بالحرب على العراق (1990 – 1991)، ونظام العقوبات الشاملة عليه لسنوات ثلاث عشرة، واحتلاله عام 2003، وما ترتب عليه من ذرّ قرن فتنة مذهبية دموية وصلت الآن إلى ذرىً غير مسبوقة… كل هذا معطوفاً على تبعية شبه مطلقة من جلّ الرسمية العربية للسيد الأمريكي، وعلى نهب منظّم للثروة العربية من قبل تلك الرسمية وجماعاتها الزبائنية، وعلى تغوّل فاحش للأمة العربية، تسلطاً على حياة الناس.

جمعُ كل هذه العوامل وضربها وتقسيمها يفرز – وقد أفرز – زلزالاً مهولاً يعصف بما حوله ويحيله ركاماً – حوليةٌ تدور وقائعها أمامنا بسرعة الضوء.

لقائل أن يقول: ما كان لما يجري أن يجري لولا ابن تيمية والمودودي وقطب.. في قولهم بعض صحة وكثير تزيّد… فكتابات هؤلاء كلهم كانت بين أيدي الناس في خمسينيات وستينيات العشرين، ولم نرً لها أثراً فارقاً، بل ولا وازناً، في استلاب أذهان جموع واسعة من العرب، لا شيباً ولا شباناً… فيما بدأنا نتلمس أثراً متصاعداً لها منذ خيبة 1973، مصحوبة ببزوغ الحقبة السعودية.

ما معنى هذا الكلام؟، معناه أن ما وقّى مجتمعات العرب من شرور الفتنة المذهبية، والتشقق الإثني، والتنازع القبلي، كان المشروع النهضوي التوحيدي العربي الذي أمسك بعنان المنطقة في الفترة (1955 – 1970)، وفرض على كل القوى الدولية والإقليمية، ناهيك بامتداداتها «العربية»، مرجعيته المركزية.

في المقابل، فما إن دنا المشروع نفسه من الغروب، بدءاً بكارثة 1967، ومروراً برحيل عبد الناصر، وانتهاءً بخيبة 1973 ومفاعيلها، إلا ووجدنا الكتب القديمة الصفراء، وقد أصبحت ضابط إيقاع شرائح متسعة من الشباب العربي، وناظم تفكيرها بامتياز، عبر رحلة امتدت عقوداً أربعة، ونحن الآن على أعلى موجاتها.

والحال أن يُسر استخلاص الدواء يتأتى من حُسْن تشخيص الداء، أي في انصراف المرء إلى فصل الخطاب، لا في التيه في دهليز حلزوني من وصف السيئات: هي سيئات، لكن قيمتها تطفو عندما لا يعود هناك مشروع، وعندما تبهت معه حوامله.

كانت حصيلة الهيمنة الغربية، والتبعية العربية، والاستبداد، والفساد القطري، استيلاد ردود فعلٍ شائهة أصاب ركام خيبات قرن أصحابها بعطب استقراء وذهان تقدير… جيلان من الشباب ضربهم اليأس من اليسار واليمين.. القومية والعلمانية… الحداثة وما بعدها، وبحثت عن سبيل انعتاق، فلم تجده إلا في الارتداد إلى الغابر، وتنبيش الكتب الصفراء القديمة، علّ ضالتها تقبع هناك.. ووجدتها فيها، أو هي ظنت وتظن.

ويشتد تعقيد المسألة عندما تحال على الإسلام كموطئٍ لهذه الانزياحات القادمة من سراديبٍ التأويل، فتُطيّر ملاءة واسعة من اللوم والملامة تقول ظاهراً وباطناً إن آيات وأحاديث وتفاسير هي أسّ الإشكال، وتحيل صراعاً متعدد الجهات، لكنه سياسي بامتياز، إلى منازلة قيامية ذات بعد واحد: طائفي أو مذهبي أو قبلي أو إثني أو جهوي، متكئة على بعض من هذه النصوص.

ليس في التوصيف هذا طمسٌ لضرورة إصلاح أو منفعة تنوير، إذ هو بابٌ طال انتظار ولوجه كونه مطلوباً لذاته، ومن باب أن الدين حمّال أوجه، والعبرة في من يحمله، ويحمل له فهماً يرعى الأصول، ويتسق مع المتغيرات.

أهم ما يحتاجه الدين هو فصله عن الحاكم، وبعلم أن سيرته، منذ ما بعد الراشدين، هي في تسلط الأخير عليه، لا في سطوته على الحاكم.. هذا أولاً.

وثانياً، فهو وسيلة استنفارٍ للدفاع عن الأوطان، لا لزجّه في صراعات بنيه، ولا سيّما في زمن باتت فيه الدولة الحديثة – بالتعريف – تسلطيةً بطبائعها وقدراتها، وعلى قاعدة احتكار الدولة للعنف، ومن ثمّ فمن يمضى من عناصر مجتمعها إلى تحدّيها بالسلاح مآله الخسران، أو تراه يأخذ بيد وطنه إلى لجّة صراع دموي يكفل الخارجي أسباب استدامته.

وثالثاً، فالرهان على فتّ عضد دعاوى المتشددين باللجوء إلى تقنياتهم للرد والتفنيد، سيلحق بنفسه دواراً لا شفاء منه، ذلك أن كثيراً من تلك الدعاوى قد يجد سنداً في آية أو حديث أو أكثر، ومن ثم عبثية القول بتكفيرهم – كما يفعلون بغيرهم – أو وصمهم بالمرتدين والزنادقة: هو سلاح مفلول.

هل يُفهم من قولي أن نترك ساحة الدين لمنتهبيه أن ينفردوا به ونسلّم الراية؟… أبداً، لكن سبيل فلّ سلاحهم هو بالسياسة، لا بالدين… هو بمشروع نهضوي عروبي، لا بمحاججتهم سباً لابن تيمية، وقذفاً بابن باز.

ورابعاً، فما يعسر عليَّ فهمه هو كيف لقوميين أن يدينوا المتشددين وينعتوهم بأشنع الصفات، فيما هم ضعيفو الحيلة أمام منظومتهم العقدية ومقارباتهم الفكرية… أمرٌ يقودني خامساً إلى نقطتين:

1 – إنّ الإسلام ليس حكراً على الإسلاميين… هو للمسلمين وللعرب المسيحيين أجمعين، وهو وعاء حضاري يضم الثقافة والتاريخ في حومته، ويتشارك في الغرف من فيضه كل بني العرب، بصرف النظر عن المعتقد لما هو ثقافةٌ قوميةٌ بامتياز، وهو ليس ملكاً لفئة بعينها تصادره بدعوى مرجعيته الوحدانية.

2 – إنّ فشل العرب لعقود ستة في سبك ثنائية العروبة – الإسلام يعود في حيّز رئيسي منه إلى إرث قبوع الإخوان لقرابة نصف قرن (1955 – 1990) في أحضان التبعية العربية، التي انتفعت بخدماتهم العقائدية – منضافة إلى سلفيتها الجلفة – لشنّ حرب ضارية على فكرة وحركة القومية العربية، كما تُعزى في جزئيةٍ إلى غلظة البعث «السوراقي» في تعامله مع تجلياتٍ إسلاميةٍ في قطريه.

في المقابل، لقد حقق الإسلام السياسي في كل من إيران وتركيا مواءمة وظيفية معقولة مع نزوعاتهما القومية، على الرغم من توترات مضبوطة بين المكوّنين، وهو أمرٌ لعمري كان أجدر بالعرب أن يحققوه من الجارين، إن لشيء، فلأن الإسلام عربي التربة، ولأن العروبة حجر الرحى في بنيان شرق مسلم، لا أن يقف واحد في وجه الآخر مناطحاً بالكلمة والرصاص.

ثانياً: كيف نلحظ النكوص الحضاري في المناط الديني؟

لا يتسع الحصر لعدد المؤشرات: إسهال الفتيا لغير المؤهلين… ارتفاع حس المتخلّفين على المستنيرين بأشواط… الانفصال الشبكي بين مظاهر التدين ورداءة السلوك… تغليب المفرقات على المشتركات بين المذاهب… تدخل المفتين في ما لا يملكون ناصيته، والطلب عليهم لنيل التسويغ. والأكيد أن مظاهر كتلك لم تكن إلا على الهامش، لا في المتن، أيام ما كان من مشروع نهضوي عربي، وهي ستعود إلى الهامش مع قيامة سلف له.

إن الحرب الأهلية الدموية العربية في العراق وسورية واليمن وليبيا وسيناء مصر، قد أفرزت، بين ما أفرزته من كوارث، تجهيل جيلٍ هو بين العاشرة والعشرين من العمر، لم يعرف من الحياة إلا الرصاص والدم، ومن التعليم إلا هجرته والتسرب من مدارسه، ومن القيم إلا ما يتنافى مع مكارم الأخلاق، فلما ينضاف ذلك إلى تسرّب مدرسي مزمن في كثير من أقطار العرب، وعلى نمط تعليم تلقيني لا يعرف لرعاية المهارات والمواهب درباً، وعلى طبقية تعليم وخصخصة تدريس، نكون أمام نتاجٍ شائهٍ من الشخصية العربية سيتبوأ سدّة قيادة شعوبه بعد عقد أو عقدين… رعاكم الله.

هذا كله في جاري الحوادث، فما بالك بخلفياتها ودواعيها… إذ العدّ هنا بلا حدود: مثال كافٍ أن ثروة الطاقة، لعقود أربعة، تثمّن في حدود 6 تريليونات دولار، ذهب منها قرابة 1,5 تريليون إلى النمو، و1,5 تريليون إلى السلاح، أما الـ 3 تريليونات الباقية فمكثت في جيوب حكامٍ وتبّعهم.

وإذا أعملنا النظر في بضعة مؤشرات للحضارية، لوجدنا النكوص، لا التجدّد، هو سمة المسار، فالأمية صفة 70 مليوناً من أصل 400 مليون عربي، وإنتاج المعرفة زهيد، ونسبة الإنفاق على البحث العلمي متواضعة، وارتباط الجامعات بمراكز الإنتاج محدود، وتوطين العلوم بالعربية مكدود: وهنا أتوقف لأشير إلى حقيقة أن لا نهضة علمية جادة إلا باللغة القومية، وما حال الصهاينة واليابانيين والكوريين، ناهيك بمن أدنىَ منهم سويةً علمية، إلا برهان على صحة المقولة.

والشاهد أن الترجمة الواسعة والفورية لكل مراجع الغرب العلمية هي المدماك الأساسي في تأمين انسياب المعرفة المتلقاة، بالتوازٍي مع إنتاجها الذاتي. ولمركز دراسات الوحدة العربية – عبر حليفته منظمة الترجمة – جهد مقدّر في هذا الصدد.

ثالثاً: كيف تتجلى آيات النكوص الحضاري في المناط السياسي؟

مثلاً، بسماع معزوفة أن الفدرالية هي الحلّ، ليس فقط من بعض مبشّريها منذ قرابة عقد، ولا من الغرب الكولونيالي الذي يرى في تجويف الكيانات الرئيسية عبر فدرلة تحاصصية – إثنية ومذهبية – سبيله إلى ضمان التبعية من جهة، وأمن وسلام إسرائيل من جهة أخرى… ليس من هؤلاء فقط، بل وصلت العدوى إلى دوائر لا يفترض أن يذهب تفكيرها ذلك المذهب، فتراها تنوس بين التهامس والصراحة، بزعم أن سورية والعراق واليمن وليبيا أفضل بالتفدرل منها باستمرار الحرب فيها.

والثابت أن المثال العراقي ذاته كافٍ للدلالة على فداحة تهافت هذا المنطق وعوَره، فقد مضى على فدرلة العراق دزينةٌ من الأعوام ساءت خلالها أحواله مئة مرة عما كانت حتى غداة الاحتلال… ومزيد من التفدرل، عبر إنشاء أقاليم جديدة مذهبية الطبيعة، وصفة خرابٍ مروّعة تنزل بالقاع إلى قاعه.

ثم لنتذكر معاً النموذج السوداني الذي قدّم إلينا عام 1998 على أنه مخرج المخارج من ويل الحال إلى معرج الأفق، فإذا به ينتهي بانفصال جنوبي، وفتنة دارفورية، وتأهبات بيجوية وكردفانية ونوبية.

الفدرالية تقوم بين دول تريد أن تتحد، لا أن تكون أداة انفصال مغلف لمكونات دولة قائمة، ثم إن اللامركزية والحكم المحلي أمران لازمان لحياة الدولة الحديثة، ولا يتناقضان مع وحدانيتها ومركزية بنيانها، أي لا صلة لهما بالفدرلة، ولا حتى بالأقلمة (التي هي تلفيق متذاكٍ للفدرلة).

ثم إن استحضار ضروراتٍ بعينها لا يجعلها أداة قياس، فالحكم الذاتي لشمال العراق الكردي، الذي عقده بعث العراق مع صاحب التمرد الكردي المسلح البرزاني، كان لإثنيةٍ طاغية في جغرافيا متصلةٍ على بقعةٍ معينة، وبالتالي فلا تثريب عليه… أما التحول من الحكم الذاتي إلى إقليم فدرالي، فهو الولوج إلى الانفصال الواقعي أو غير المعلن.

ثم إن الحكم الذاتي لكرد شمال العراق لا ينبغي أن يشمل مناطق ليس لهم فيها رجحان طاغٍ، ولا يمكن أن يُقتبس في سورية، حيث يتوزعون على مناطق جغرافية ثلاث لا تواصل بينها، بل وليس لهم في أكبرها إلا 40 بالمئة من تعداد مواطنيها.

القصد هو أن الاستثناء لا يصنع قاعدة، وأن وحدة القطر المركزية، مع لامركزية الحكم المحلي لمحافظاته، هي الصيغة المثلى للحفاظ على أوطان الأمة العربية وشعوبها ومجتمعاتها.

نقطة أخرى من نقاط الفوات الحضاري: وضع الأمازيغية من جهة، والزنجية من جهة أخرى في وجه العربية والعروبة… بل والتنبيش في قديم الهويات لتخليق سندٍ يناصب العروبة العداء، وكأن أصحاب هذا النهج لا يعرفون أن الهوية هي سبيكةٌ من طبقات عمودية الارتسام، فيها المحلي والعشائري والجهوي والديني والمذهبي، ناهيك بسابقات الفرعوني والكنعاني والآرامي والسومري والبابلي والآشوري وغيرها.

ثم إن الأمازيغية لغةٌ لا تستطيع أن تجد أفقاً وظيفياً لها إلا بالتساند مع العربية، أي بتبني حرفها، لا حرفٍ مصطنعٍ هو التيفيناغ الذي اخترعه المستعمر الفرنسي ليخلق انفصالاً ثقافياً هو أخطر من صنوه السياسي.

الأمازيغية بالحرف العربي تحفظ تراث السلف… تتكامل مع لغة الوطن والأمة… وتتواصل مع العصر، فيما التيفيناغ ما هو إلا قناع للفرنسية، أي هو تجلٍ لتواصل الاستعمار بالثقافة، لا بالسلاح.

أما عن الزنجية: فالسودان لا يعرف أقلياتٍ بمقدار ما هو تركيبة من أكثريتين: واحدة ناطقة بالعربية وثانية زنجية اللون، فحتى في جنوب السودان المنفصل تعلو راية العربية على الإنكليزية، بل وتنافس اللهجات المحلية.

يغدو النكوص الحضاري أجلى ما يكون في تيه المفاهيم وفوضى المصطلحات الممسك بتلابيب شرائح متسعة من الأمة: الشعب ليس أمة… الأمة هي من شعوب مايزها شيءٌ من التاريخ من بعضها البعض، لكن ما بينها من ثقافة وجيوستراتيجيا وجغرافيا يكفل بوتقتها في أمة واحدة، وإن كانت – بالتعريف – غير مكتملة التكوين بحكم غياب دولتها القومية بعد… فلا يقال أمة ليبية أو سورية، بل هي أمة عربية، وشعب ليبي مثلاً.

هناك أيضاً من يقفز في تعريف الهوية من القطري إلى الديني، متجاوزاً العربي، أو يستبدله بالشرق الأوسطي أو المتوسطي، ناهيك بمن يحيي عظام القديم من هوياتٍ تراكبت فوقها عبر القرون تلك الرئيسية: العربية، فأضحى ذكر القديم من باب النكاية المفتعلة، لا الاستحضار الحضاري.

والهوية الأمازيغية، مثلاً، هي أحد متلازمات ثلاث تصف من هم المغاربيون: أولها وثانيها هما العروبة والإسلام.

أما أعجوبة الأعاجيب، فهم من يبتغي جرّ عقارب الساعة إلى الوراء بتقسيم ما تم توحيده، رغم تماثل الانتماء: أقصد اليمن… فالفرق بيّنٌ بين مظالم نتجت من صراع سياسي، اتخذ منحىً جهوياً، وبين النكوص إلى ما كان من تشطير الوطن الواحد: أمرٌ دونه خرط القتاد، مهما تلاعب بالمسألة عدو وصديق!

خاتمة

إن ما تكسّر رويداً من مشروع نهضوي عربي عبر العقود الأربعة المنصرمة هو في فحواه مخرج الأمة الآمن إلى معراج جديد، يطرح فيه عنه ما ساءه مما حُسب عليه ممن حكموا باسمه، ويغادر إهاب الرومانسية إلى فضاء الضرورة، التي من شقين: البقاء والنماء.

لقد وصلت الأيام بالأمة إلى أن أضحت عروبتها لا ضرورة عروةٍ وثقى بين أشطارها فحسب، بل عاصم وحدة كلٍ من هذه الأقطار واحدةً واحدة، أي إنّ قيمتها والحاجة إليها تضاعفتا مرات ومرات بالقطري قبل القومي، ثم بالقومي منجاةً.

إن التبشير بالعروبة هو أضعف الإيمان في هذه الأوقات المأزومة والعصيبة، فاستعادة جيل من أعاصير الفتنة إلى رحاب القاسم المشترك الأعظم، جهدٌ تنيخ تحت كلكله الجبال، وصوغ الذهن الجمعي العربي العام تحت عناوين الجَمع لا القسمة، وبترياق العروبة، لا سمّ المذهبية والطائفية والقبلية والجهوية والإثنوية، مهمة منوطة بنخبٍ لم تضع البوصلة ولم تَطْوِ في الصدور جذوة إيمان بأن ليس أمامها إلا شرف المحاولة، مهما كانت الصعاب والعقبات… آمالها في العلا وأقدامها على أرض الحقيقة.

 

قد يهمكم أيضاً  العرب والتجدد الحضاري

#مركز_دراسات_الوحدة_العربية #الحضارة_العربية #الأمة_العربية #النكوص_الحضاري #التجدد_الحضاري #المشروع_النهضوي_العربي #القومية_العربية #وجهة_نظر