تمهيد

يتابع هذا الكتاب المسيرة الفلسفية، التي بدأها نصار، في كتابه الأول طريق الاستقلال الفلسفي ولاحقًا في الجمّ من كتبه الأخرى، مثل: منطق السلطة، وباب الحرية، والذات والحضور، وأخيرًا النور والمعنى. ويوظّف نصار الكثير من الأفكار، التي طرحها في تلك الكتب، لتخدم تجربة جديدة يخوضها في عالم الفلسفة وهي كتابة النص الفلسفي كحوار بين شخصيّتين: «الحكيم» و«عشتار». الأفكار هي أفكار نصار والآراء هي آراؤه، ولكنّها تظهر على ألسنة هاتين الشخصيّتين.

أولًا: كتابة الحوار في الفلسفة

تروي «عشتار» قصة الكتاب، وتذيّله بتوقيعها في «المنارة [بيروت] في 21 كانون الأول/ديسمبر 2020». ولكنّ نصار لا يسكن في المنارة، وهو ما يدعو إلى تساؤل عمّن يكون المؤلّف؟ ولكنّ قراءة النص بتمعّن، تدلّ على أنّ الكتاب من تأليف نصار، و«عشتار» مثل «الحكيم» هي شخصية استخدمها لمقتضيات الحوار الفلسفي. يعلن «الحكيم» في محاضرة عامة «حول الفلسفة والحياة اليومية» أنّ الفلسفة يمكنها أن تدخل معترك الحياة اليومية، وتعالج مشاكلها وتقدّم إليها الحلول المناسبة. فتسمعه «عشتار» وتفهم مقاصده بطريقة حدْسية وفوريّة، فيطير عقلها. عندها «مشكلة مزمنة في حياتها اليومية». فلتسرع، إذًا، وتعرض عليه مشكلتها، التي تتمحور حول مسألة اللباس وما يتعلق به. فيعِد ببحثها وإيجاد حلول لها. ولكنّهما يتّفقان على إجراء حوار دون وضع حدود له مسبقة، والابتعاد ما أمكن عن استخدام لغة تجريدية صعبة، ودون «توسع في المذاهب والنظريات المألوفة لدى أهل الاختصاص»[3]. يلتزم كتاب عشتار هذه الحدود برصانة وأمانة؛ فيأتي النص جريئًا في مقاصده، جسورًا في أفكاره، دقيقًا في تعابيره، رفيقًا في توجيهاته، أمينًا في تعاليمه، وفلسفيًا في جوهره. ويمكن أن يَقرأ بعضُ القرّاء النص كحوار فلسفي بلمسة فنية مسرحية، فتزيد من متعة قراءته.

ترمز شخصية «الحكيم» إلى فيلسوف هو نصار نفسه وتوجّهه الفلسفي. أما «عشتار» فترمز إلى شخصية تضرب جذورها في أعماق التاريخ. وُلدتْ في مدينة فينيقية على الساحل اللبناني. وسمَّاها والداها «عشتار» تيمُّنًا بإلهة الحب والجمال «عشتار» في أسطورة جلجامش البابلية وأسطورة أدونيس وعشتروت الفينيقية. عشتار، إذًا، شخصية تاريخية، وفي الوقت عينه، عالمية في اهتماماتها المعاصرة، إذ تحمل هموم الكون كله، وبخاصة الاهتمامات النسوية. فهي تمثل «عشتار جديدة» تعيش التاريخ بكل أبعاده الإنسانية. وهي أيضًا سيدة عالية الثقافة وفنانة ملتزمة، تجيد فنّ التمثيل على المسرح وفي السينما، وتحترم العلوم والفنون وتقدّر إنجازاتها في خدمة الإنسانية. وقد اشتركت في بعض الأفلام الشهيرة، التي تدافع فيها عن حقوق المرأة وحريتها واستقلاليتها؛ وهي ترأس إحدى الجمعيات النسائية، وتطالب، كمناضلة اجتماعية، بحياة اجتماعية عادلة للنساء والرجال معًا؛ وتهتمّ بحقوق الأطفال والنساء من ذوي الحاجات الخاصة. كما هي زوجة مقتنعة بدورها الأساسي في الحياة الزوجية، وأمّ تعتني بأولادها وتسهر على راحتهم وتعليمهم. وقبل أي شيء، هي امرأة راضية بجسدها. تقدره حقّ قدرة، وتعدّه هدية كريمة من نعم الرحمن وحنان الطبيعة، فتُجلّه وتحافظ على صحته وجماله وأناقته. وتسعى جاهدة لتثقيف ذاتها، فتكسب المعارف المختلفة وتتخلق بالقيم الأخلاقية والروحية السامية.

شخصية الحكيم واضحة المعالم والتوجّه، لأنّها تمثل فيلسوفًا معروفًا. بينما هناك مجال واسع، لتفسير شخصية عشتار. يستقيم نص الكتاب إذا ما اعتبرناها شخصية عينية مستقلة عن الحكيم. كما يستقيم إذا ما حسبناها شخصية متخيّلة، أوجدها الحكيم لمقتضيات الحوار. أحيانًا شعرتُ وأنا أقرأ الكتاب أن عشتار شخص حيٌّ متعيّن يخاطب الحكيم ويخاطبها، يختلف عنها وتختلف معه في الآراء. وأحيانًا شعرت أن الحكيم يسأل عشتار وتجيبه، وكأن كلامها كلامه، والعكس صحيح. وظني أن هذا التساؤلُ سيرافق الكتابَ طوال حياته. تمامًا كما يرافق تساؤل مماثل لحوارات أفلاطون حول هويّة «سقراط» : هل هو انعكاس لشخصية سقراط التاريخي، أم أنه شخصية وهمية تحاكي سقراط التاريخي، ابتدعتها مخيّلة أفلاطون؟

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 531 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 531 أيار/مايو 2023

كتب ذات صلة:

كتاب عشتار في اللباس والجسد

الإنتاج الفلسفي في الفكر العربي المعاصر في أطروحات ناصيف نصار

التنبيهات والحقيقة : مقالات إضافية حول الفلسفة والديموقراطية

منطق السلطة : مدخل إلى فلسفة الأمر

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 531 في أيار/مايو 2023.

وهي تشكل قراءة نقدية لكتاب ناصيف نصار المعنون “كتاب عشتار في اللباس والجسد” والصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية عام 2022.

[1](*)  الإهداء إلى: هناء.

[2]إبراهيم النجار: أستاذ في الفلسفة.

[3] ناصيف نصار، كتاب عشتار: في اللباس والجسد (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2022)، ص 10.

كتاب عشتار في اللباس والجسد

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز