مقدمة

غدا الصعود الصيني إطارًا لانتقال حقيقي وملموس لمقادير القوة من الغرب إلى الشرق، وهذا ما يعكس أهمية جيوستراتيجية، وما يستدعيه هذا الصعود من تأثير في مكانة الدولة في النظام الدولي. ويرى فريد زكريا في هذا الشأن أن الحدث السياسي الدولي الذي سيطبع القرن الحادي والعشرين هو صعود الصين كقوة عظمى عالمية[1].

ترى الصين في دول جوارها أهمية استراتيجية كبرى لها، سواء من حيث الموقع الجغرافي أو من حيث البيئة الطبيعية أو العلاقات المتبادلة، ومن ثم فإن معالجة القضايا المعلقة مع جوارها الإقليمي تتطلب رؤية شاملة ومتنوعة وعابرة للزمن، كما يجب فتح مجالات للتعاون مع الدول المجاورة على أساس مبدأ تحقيق المنفعة والمصالح المتبادلة، ويجب أيضًا صناعة شبكات مترابطة للمصالح المشتركة؛ لجعل هذه المصالح تنصهر وترتفع إلى مستوى أعلى. يجب أن تسمح الصين أيضًا للدول المجاورة بأن تستفيد من التنمية الصينية، وأن تحصل الصين على النفع والدعم من التنمية المشتركة مع الدول المجاورة، ويجب غرس بذور مفهوم بناء كيان يجمعه مصير مشترك مع الدول المجاورة. ويُثبت هذا المفهوم الجديد الذي صرحت به القيادة الصينية حول الدبلوماسية مع دول الجوار أن الصين بدأت تنظر إلى هذه الدول وتتعامل معها وتعرفها على أنها كيان شامل[2].

ولا جدال اليوم في أن جمهورية الصين الشعبية تعد من أهم القوى الصاعدة، لهذا فإن تأثيرات هذا الصعود في ميزان القوى العالمي هو ما يطرح نقاشًا محتدمًا حول المضامين السياسية للصعود الصيني، واحتمالاته وصوره ونتائجه[3]. فهي تزحف بثبات نحو قمة النظام الدولي، وذلك وفق رؤية الحزب الشيوعي الحاكم الذي يسخّر كل الإمكانيات لتصبح الصين دولة متقدمة متوسطة المستوى بحلول عام 2035، وإلى قوة عظمى على مستوى الولايات المتحدة عام 2050. هذا الزحف الصيني فرض على الولايات المتحدة ضرورة مراجعة سياستها تجاه الصين وتحديثها وفق المعطيات القائمة. وهذا ما يحدث اليوم بالفعل، فمقاربة الشراكة الاستراتيجية التي سادت بعد نهاية الحرب الباردة على المستوى الدولي حلت مكانها سياسة التنافس الاستراتيجي بوسائل متعددة[4].

بناءً على ما تقدّم، تدرس الورقة تأثير صعود الصين المتنامي في منطقة شرق آسيا في التوازن الاستراتيجي في المنطقة وبخاصة في ظل تزايد حدة المنافسة مع الولايات المتحدة القوة المهيمِنة. كما تضع الورقة سيناريوهات وخيارات واشنطن المتاحة للتصدي لهذا الصعود وتجاوب الصين معه. وذلك وفق منهجية واقعية لتحليل العلاقات الدولية.

أولًا: الصعود الصيني وتأثيره في التوازن الاستراتيجي في آسيا

وفَّقت الصين بين حاجاتها الداخلية المتزايدة ومتطلبات بيئتها الخارجية المتغيرة والمعقدة[5]. وفي حقبة ما بعد عام 1978، تجسدت السياسة الخارجية الصينية في مقولة دينغ شياو بينغ الشهيرة «اِخفِ قدرتَك وانتظر وقتك». ومن ثم، ركزت جمهورية الصين الشعبية في الغالب على تنميتها الاقتصادية، لكنها حاولت بخلاف ذلك أن تبقى بعيدة من الأنظار على الصعيد الدولي. على الرغم من أن هذا كان يتغير بالفعل قبل وصول شي جين بينغ إلى سدة الحكم[6]، إلا أن الصين شهدت تحت إشرافه طفرة كبرى وصعودًا متسارعًا انعكس على نحو مباشر على وضعها الإقليمي حيث باتت اليوم القوة الآسيوية الأولى بلا منازع. وتسوق الصين خطابها الدولي بطريقة ناعمة وهادئة حيث تتمسك بآليات التعاون الدولي والتنمية الاقتصادية كعقيدة ثابتة لتعاملها مع شركائها.

لقد سبق أن كتب جوزيف ناي (Joseph Nye) في تسعينيات القرن العشرين أن الصعود السريع للصين قد يسبب نوعًا من الصراع وصفه ثيوسيديدس حينما نسب الحرب البيلوبونيزية إلى صعود قوة أثينا وما خلفته من خوف في إسبرطا. ويؤكد عالم السياسة جازمًا أن الصين لا يمكنها الصعود بأمان. ويمكن أن نضرب مثالًا تاريخيًا من الحرب العالمية الأولى، حينما تفوَّقت ألمانيا على بريطانيا في قوة التصنيع، وكان القيصر يتبع سياسة خارجية مغامرًا فيها وذات توجه كوني، حتم عليها أن تدخل بصراع مع قوى عظمى أخرى[7].

يرى بعض المحللين أن الصين تهدف على «المدى القصير إلى أن تزيح الولايات المتحدة بوصفها قوة مهيمنة في شرق آسيا، وعلى المدى البعيد ستنافس المكانة الأمريكية بوصفها قوة مهيمنة في العالم، ويقول آخرون بأن الصين تسعى إلى تقسيم المحيط الهادئ، وإبعاد الوجود الأمريكي إلى ما بعد سلسلة الجزر الواقعة مقابل سواحلها (وهذا يشمل اليابان). لكن الكثير من الخبراء لا يتفقون على أن هذا التبسيط تقييم دقيق للنيات الصينية، فالصين استفادت كثيرًا من النظام المؤسسي الدولي القائم. لكنها هي أيضًا تريد أن تجري بعض التغييرات، وحتى الصينيون لا يمكن أن يعرفوا رؤى الأجيال القادمة»[8]. كما يعتقد مارتن جاك أن القوى الصاعدة تستخدم مع مرور الوقت قوتها الاقتصادية المكتشفة حديثًا لغايات سياسية وثقافية وعسكرية واسعة، وهذا ما تفعله القوة المهيمنة، وسوف تكون الصين بكل تأكيد إحداها.

ويفترض أن يشهد الثقل الجيوسياسي تحولًا واضحًا من أمريكا وأوروبا إلى آسيا المحيط الهادئ، ويرجح أن تكون هذه المنطقة ساحة الحرب الجيوسياسية الرئيسية التي تعوّل عليها الولايات المتحدة الأمريكية في الضغط على الصين ومن ثم احتوائها. لذلك فهي تسعى بكل قواها إلى خلق وضع جيوسياسي لحرب باردة جديدة. وإلى جانب تعزيز تحالفاتها العسكرية القديمة، أظهرت الجهود الأمريكية خصائص جديدة للعمل على تكوين جبهة موحدة ضد الصين، ويتجسد ذلك من خلال تعزيز جميع العلاقات، ولا سيما العسكرية منها مع فيتنام، وتحسين شامل لعلاقاتها مع ميانمار، وتفعيل العلاقات مع لاوس، وتكوين بنية استراتيجية على شكل شبكة علاقات وتعزيز انتشارها العسكري وتدعيم عمقها الاستراتيجي، وحث اليابان على تطوير قدراتها العسكرية، وتعزيز قواعدها في كوريا الجنوبية واليابان ونشر سفن حربية في سنغافورة، والعودة إلى القاعدة العسكرية لبحر سوبيكهاي في الفيليبين، وتكثيف انتشارها على حدود شرق آسيا، وبناء تحالفات اقتصادية في المنطقة لكي تقصي منها الصين[9].

يمثل بحر الصين الجنوبي[10] أهمية استراتيجية قصوى بالنسبة إلى المصالح الأمريكية في منطقة شرق آسيا وميدانًا للتنافس بين القوتين الأمريكية والصينية من جهة والصين وجيرانها من جهة أخرى. وتعتمد الولايات المتحدة سياسة التطويق والاحتواء لثني الصين عن التوسع في هذه المنطقة[11].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 546 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 546 آب/أغسطس 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 546 في آب/أغسطس 2024.

إسماعيل الرزاوي:

جامعة محمد الخامس، الرباط – المغرب.

مرسي عبد الكريم عبد الرازق:

جامعة محمد الخامس، الرباط – المغرب.

[1]دانييل بورشتاين وأرنيه دي كيزا، التنين الأكبر: الصين في القرن الواحد والعشرين، ترجمة شوقي جلال، عالم المعرفة؛ 271 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2001)، ص 147.

[2]   جانغ يون لينغ، الحزام والطريق: تحولات الدبلوماسية الصينية في القرن الواحد والعشرين، ترجمة آية محمد الغازي (القاهرة: دار صفصافة، 2017)، ص 300.

[3]   رابح زغوني، «الاستراتيجية الصينية للعالم العربي نحو الانتقال من الجيواقتصاد إلى الجيوبوليتيك،» ورقة قدمت إلى: العرب والصين: مستقبل العلاقة مع قوة صاعدة، سلسلة مؤتمرات العرب والعالم (بيروت؛ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 328.

[4]   محمد بن صقر السلمي، التنافس الأمريكي – الصيني وانعكاساته على منطقة الشرق الأوسط (الرياض: المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، 2021)، ص 4.

[5]   Jean Kachiga, The Rise of China and International Relations Theory (New York: Peter Lang, 2021), p. 11.

[6]   Gerald E. Connolly, «The Rise of China: Implications for Global and Euro-Atlantic Security,» General Report, Nato Parliamentary Assembly, Political Committee, 20 November 2020, p. 10, <https://www.nato-pa.int/document/2020-pc-general-report-rise-china>.

[7]   جوزيف ناي، هل انتهى القرن الأمريكي؟، ترجمة محمد إبراهيم العبد الله (الرياض: شركة العبيكان للنشر، 2016)، ص 60.

[8]   المصدر نفسه، ص 62 وما بعدها.

[9]   خضير إبراهيم سلمان البدراني وعدنان خلف حميد البدراني، «استراتيجية «إعادة التوازن» الأمريكية في آسيا وأثرها في الصين،» المجلة السياسية والدولية (الجامعة المستنصرية)، العدد 30 (آذار/مارس 2016)، ص 172.

[10]   تعود جذور النزاع في بحر الصين الجنوبي إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما أعلنت «جمهورية الصين الشعبية» سيادتها على كامل جزر بحر الصين، وبخاصة باراسيل (Paracel)، وبراتاس (Pratas)، وسبراتلي (Spratly)، عقب قبول اليابان الاستسلام بموجب إعلاني القاهرة (1943) وبوتسدام (1945)، تبع ذلك قيام الصين في تشرين الثاني/نوفمبر 1946 بإرسال سفن حربية لإحكام سيطرتها على الجزر.

وقد أسس لهذا النزاع ما عرف بخط القواطع التسع (9-Dashes Line)، الذي أعلنته حكومة جمهورية الصين الشعبية بموجب خريطة نشرت في الأول من كانون الأول/ديسمبر سنة 1947، وحدد حدود سيادة الصين في بحر الصين الجنوبي. وقد أخذ الخط شكل حرف U، مكونًا من إحدى عشرة شرطة غير متصلة. وبموجب هذا الخط وقع الجزء الأكبر من البحر تحت السيادة الصينية، بما في ذلك جزر باراسيل وسبراتلي وبراتاس. للمزيد حول بحر الصين الجنوبي، انظر: محمد فايز فرحات، «النزاع في بحر الصين الجنوبي والمصالح المصرية،» مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 8 كانون الثاني/يناير 2017،      <https://acpss.ahram.org.eg/News/5638.aspx>.

[11]   Antoine Bondaz, «La Politique américaine en mer de Chine méridionale: Maintenir une influence, rassurer des alliés, garantir le droit,» Diplomatie, no. 84 (janvier-février 2017), p. 45.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز