مقدمة

[1]يقف ابن رشد على قمة الفلسفة الإسلامية، بل على قمة الفلسفة الوسطوية، ويعَدّ بحق موسوعةً معرفيةً، حيث جمع بين الفلسفة والطب والقضاء وعلم الفلك والفيزياء والفقه. ويمكن القول إن هناك عاملين ساعدا ابن رشد على تبوؤ هذه المكانة، العامل الأول ذاتي، راجع إلى كون ابن رشد ينتمي إلى عائلة من المثقفين في الأندلس، مارست القضاء والفتوى والتدريس، إضافة إلى أنها من الأسَر الأكثر وجاهة في الأندلس، إذ كان جد ابن رشد الحفيد شيخ المالكية وقاضي القضاة في قرطبة التي كانت موطن العلماء والفلاسفة. أما العامل الثاني فهو سياسي، يتمثل بالمناخ السياسي الذي عاش ابن رشد الحفيد في كنفه، ألا وهو الحكم الموحدي الذي كان نظامًا سياسيًا أكثر رحابة وانفتاحًا، مشجعًا على طلب العلم والمعرفة. فقد بادر الخلفاء الموحدون إلى استقطاب العلماء والفضلاء ومجالستهم في مجالسهم والتشاور معهم في أمور الدين والعلم والفلسفة، وخصوصًا خلال حقبة حكم أبي يعقوب يوسف، الخليفة المحب للعلم والعلماء، الذي سيتعرف إليه ابن رشد من خلال الطبيب الخاص للخليفة ابن طفيل، وهذا الأخير اشتكى إليه الخليفة الموحدي صعوبة فهم بعض العبارات في كتب أرسطو. وبحكم أن ابن طفيل كان مشغولًا داخل البلاط، إذ كان يشغل منصب المستشار الثقافي، استدعى ابن رشد وقال له إن الخليفة يشكو قلق عبارة أرسطو، وأريدك أن تتولى مهمة شرحها وكشف الغموض عنها. تكلف ابن رشد بالمهمة وقام بشرح جميع مؤلفات أرسطو، ثلاثة أنواع من الشرح، الشرح الأكبر، والشرح الأوسط، والشرح الأصغر، حتى سمِّي «الشارح الأعظم»، كما ألّف ثالوثه الشهير: تهافت التهافت الذي خصصه للرد على الغزالي، وفصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال، وهو عبارة عن مقال في المنهج للتوفيق بين الفلسفة والدين، ثم كتاب الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، الموجَّه لنقد علم الكلام.

إن القارئ لمؤلفات ابن رشد، سواء الشروحات أو المؤلفات الخاصة، سيكتشف النزعة النقدية المبثوثة في كتاباته، إلى درجة يمكن القول معها بأنه فيلسوف النقد بامتياز في العصر الوسيط، يقف إلى جانب أرسطو في الفلسفة اليونانية وكانط في العصر الحديث.

سنحاول في هذه المقالة إبراز بعض أوجه النزعة النقدية في فكر ابن رشد من خلال الانفتاح على ثلاثة نماذج خصها فيلسوف قرطبة بالنقد، نماذج تنهل من حقول معرفية مختلفة، يتعلق الأمر بعلم الكلام والفلسفة والدين.

سوف نقسم هذه المقالة إلى ثلاثة محاور، سنخصص المحور الأول منها لأدلة المتكلمين على وجود الله، وتصورهم لعلاقة الذات الإلهية بالصفات، والنقد الذي وجهه ابن رشد لهم، ثم البديل الذي قدمه في البرهنة على وجود الله وعلاقة الذات بالصفات. أما المحور الثاني فسوف نتعرف فيه إلى دليل الممكن والواجب أو برهان الصدقين عند ابن سينا كدليل على وجود الله، ونظرية الفيض التي حاول ابن سينا من خلالها أن يبين كيف صدر العالم عن الله أو كيفية صدور الكثرة من الواحد، والاعتراض الذي وجهه ابن رشد لدليل الواجب والممكن ولنظرية الفيض، والبديل الذي جاء به. في حين خصصنا المحور الثالث والأخير للمعرفة الصوفية، من خلال إبراز بعض خصائص هذه المعرفة في مجال الإلهيات، والنقد الذي وجهه ابن رشد للاتجاه الصوفي. وأخيرًا نختم الموضوع بخلاصة تركيبية نحدد فيها النتائج التي توصلنا إليها من خلال إبرازنا بعض أوجه النزعة النقدية عند ابن رشد.

أولًا: نقد ابن رشد للمتكلمين

حاول ابن رشد أن يقيم تمييزًا دقيقًا بين الأقوال الخطابية والأقوال الجدلية والأقوال البرهانية، جاعلًا البرهان أعلى مراتب اليقين. وفي سياق البرهنة على وجود الله، قام ابن رشد بعرض أدلة المتكلمين بوصفها لا ترقى إلى مستوى البرهان وعمل على نقدها، ثم بعد ذلك يأتي بموقفه البرهاني، وسنقوم بعرض كل دليل على حدة كما جاء عند أصحابه. ينطبق الأمر نفسه على مسألة علاقة الذات بالصفات، إذ يعرض ابن رشد موقف المتكلمين ثم ينتقده ويأتي بموقفه الشخصي. وتفيد الإشارة إلى أن نقد ابن رشد كان موجهًا أساسًا للأشاعرة، لأن كتب المعتزلة لم تصل إلى الأندلس حيث يقيم. وعن هذا يقول ابن رشد: «وأما المعتزلة فإنه لم يصل إلينا في هذه الجزيرة من كتبهم شيء نقف منه على طرقهم التي سلكوها في هذا المعنى، ويشبه أن تكون طرقهم من جنس طرق الأشعرية»[2].

1 – أدلة المتكلمين على وجود الله

أ – دليل الحدوث

الدليل الأول الذي يعرضه ابن رشد والذي قال به المتكلمون هو دليل الحدوث، ويتكون من مقدمة صغرى ومقدمة كبرى ثم نتيجة. جاء في المقدمة الصغرى أن العالم حادث أي مخلوق من العدم، وجاء في المقدمة الكبرى أن كل حادث يحتاج إلى محدث، والنتيجة هي أن العالم له محدث الذي هو الله تعالى. إن التأمل في هاتين المقدمتين سيفضي بنا إلى القول إن المقدمة الأولى ليست بديهية بل نظرية، ومن ثم وجب البحث عن دليل يؤكد أن العالم حادث، أي لم يكن موجودًا منذ الأزل. أما المقدمة الثانية التي تقول إن كل حادث لا بد له من محدث، فهي بمنزلة البديهة، تستند إلى مبادئ العقل التي تقول إن لكل سبب مسببًا.

وللبرهنة على صحة المقدمة الأولى قدم الأشاعرة دليلين، يفيد الأول أن العالم يتألف من جواهر وأعراض، والأعراض كلها حادثة، وكل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، ومحدث هذه الجواهر والأعراض هو الله. ويمكن التعبير عن ذلك كما يلي:

– الجواهر لا تنفك عن الأعراض؛

– الأعراض حادثة؛

– ما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث؛

إضافة إلى هذا الدليل العقلي، دعم الأشاعرة موقفهم بآيات من القران الكريم، مثل قوله تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾[3].

أما الدليل الثاني فهو أقرب إلى الطريقة التجريبية منه الى ما هو نظري، لأنه مبني على الملاحظة، ومفاده أنه لو كان هذا العالم قديمًا لاستحال أن يوجد على هذه الصورة، فلو كانت الشمس قديمة فلن تبقى مضيئة إلى الآن، لأنه لو استمرت ما لا نهاية له من الزمان لانطفأت، لكن العالم مضيء غير مظلم ومنه فالعالم ليس قديمًا، فتغير الموجودات دليل على حدوثها وأنها مخلوقة من عند الله تعالى وهو خالق قديم لا يتغير.

يبدأ ابن رشد، في معرض نقده لدليل الحدوث، بنقد المقدمة الأولى التي تقول إن الجواهر لا تنفك عن الأعراض. يقول «إنهم إن عنوا بالجواهر الأجسام – المشار إليها القائمة بذاتها فهي مقدمة صحيحة، وإن عنوا بها الأجزاء – التي لا تتجزأ، وهذا ما يقصدونه ففيها، أي في هذه المقدمة، شك ليس باليسير. ذلك بأن وجود جوهر غير منقسم ليس معروفًا بنفسه، وفي وجوده أقاويل متضادة شديدة التعاند»[4]. يفيد هذا النقد أن طريقة الأشاعرة غير برهانية، ما دام الشك يعتريها ما لم يحددوا بدقة طبيعة الجوهر الفرد. بعد ذلك ينتقل ابن رشد إلى نقد المقدمة الثانية، التي تقول إن الأعض حادثة، إذ يرى أن الأشاعرة اعتمدوا فيها على منهج قياس الغائب على الشاهد الذي ينتقده ابن رشد بشدة، حاسبًا إياه دليلًا خطابيًا، إذ لا يجوز استعماله إلا إذا استوت طبيعة الشاهد مع طبيعة الغائب. يقول: «فتؤول أدلتهم على حدوث جميع الأعراض إلى قياس الغائب على الشاهد، وهو دليل خطابي إلا حيث تكون النقلة معقولة بنفسها، وذلك عند اليقين باستواء طبيعة الشاهد والغائب»[5]. أما المقدمة الثالثة التي تفيد أن ما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث، فيسري عليها ما يسري على المقدمة الثانية، أي أنها ليست يقينية وبرهانية.

ب – دليل الإمكان

يفيد هذا الدليل أنه من الممكن عقلًا أن يكون العالم على غير ما هو عليه، كأن يكون  أكبر مما هو عليه أو أصغر مما هو عليه، وهو ما يعني أن وجوده بهذا الشكل ليس واجبًا. وحتى يترجح لدينا هذا العالم بهذا الشكل وليس بشكل آخر، لا بد له من مرجح، وهو واجب الوجود الذي هو الله تعالى. يقول أبو المعالي الجويني «إن العالم، بجميع ما فيه، جائز أن يكون على مقابل ما هو عليه، حتى يكون من الجائز مثلًا أصغر مما هو أو أكبر مما هو أو بشكل آخر غير الشكل الذي هو عليه، أو عدد أجسامه غير العدد الذي هي عليه، أو تكون حركة كل متحرك منها إلى جهة ضد الجهة التي يتحرك إليها، حتى يمكن في الحجر أن يتحرك إلى فوق، وفي النار إلى أسفل، وفي الحركة الشرقية أن تكون غربية، وفي الغربية أن تكون شرقية»[6].

يرى ابن رشد أن النظر العقلي في الموجودات يقودنا إلى تكذيب هذا الدليل، حيث نجد أن هناك علة وغائية وترابطًا ضروريًا بين كل موجودات العالم، وهو ما يتنافى مع منطق الجواز وعدم الضرورة عند الأشاعرة الذين اعتقدوا أن كل موجود يمكن أن يكون بخلاف ما هو عليه، ولم يدركوا بذلك الترتيب والنظام والحكمة التي تتمثل بالثبات والضرورة وليس التغير والجواز. يقول ابن رشد في كتابه الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة: «فهذه المقدمة من جهة أنها خطابية قد تصلح لإقناع الجميع، ومن جهة أنها كاذبة ومبطلة لحكمة الصانع، فليست تصلح لهم». ويضيف: «وإنما صارت مبطلة للحكمة لأن الحكمة ليست شيئًا أكثر من معرفة أسباب الشيء. وإذا لم يكن للشيء أسباب ضرورية تقتضي وجوده على الصفة التي هو بها ذلك النوع موجود، فليس هاهنا معرفة يختص بها الحكيم الخالق دون غيره. كما أنه لو لم تكن هاهنا أسباب ضرورية في وجود الأمور المصنوعة، لم تكن هنالك صناعة أصلًا، ولا حكمة تنسب إلى الصانع دون من ليس بصانع. وأي حكمة كانت تكون في الإنسان لو كانت جميع أفعاله وأعماله يمكن أن تتأتى بأي عضو اتفق، أو بغير عضو؟ حتى يكون الإبصار مثلًا يتأتى بالأذن كما يتأتى بالعين، والشم بالعين كما يتأتى بالأنف! وهذا كله إبطال للحكمة وإبطال للمعنى الذي سمى (=الله) به نفسه حكيمًا، تعالى وتقدست أسماؤه عن ذلك»[7].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 529 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 529 آذار/مارس 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 529 في آذار/مارس 2023.

[1]رضوان السعدي: أستاذ في الفلسفة – المغرب.

[2]  أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، أو نقد علم الكلام على الترسيم الأيديولوجي للعقيدة ودفاعاً عن العلم وحرية الاختيار في الفكر والفعل، مع مدخل ومقدمة تحليلية وشروح للمشرف على المشروع محمد عابد الجابري (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998)، ص 118.

[3]  القران الكريم، «سورة آل عمران،» الآية 190.

[4]  ابن رشد، المصدر نفسه، ص 77.

[5]  المصدر نفسه، ص 78.

[6]  المصدر نفسه، ص 112.

[7]  المصدر نفسه، ص 113.

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز