مقدمة

يؤدي دمج المرأة في النشاط الاقتصادي وارتفاع نسبة مشاركتها في سوق العمل إلى تحقيق جملة من المكاسب الاقتصادية، من أهمها الحصول على فرص التوظيف التي تؤمن لها مصدرًا للدخل. كما تعَدّ المشاركة الاقتصادية للمرأة ركيزة أساسية لتحقيق التنمية. فمشاركة المرأة في سوق العمل هي أفضل سبل استثمار طاقاتها وإمكانياتها، وتساعد على تحويلها من فئة «المعالين» إلى فئة المشاركين اقتصاديًا «المعيلين»، وبخاصة في ضوء حقيقة أن إنفاق المرأة في الأساس يكون على نواحي التعليم والصحة والرفاهية، فكلما كانت المرأة أكثر تمكينًا ارتدّ ذلك على رفاهية الأسرة ومن ثم المجتمع ككل[1].

رغم ما تحقق من تقدم ملموس في العقود الماضية، فلا تزال مشاركة النساء في سوق العمل في موريتانيا أدنى من مشاركة الذكور. زيادة على ذلك فإن معظم الأعمال التي تقوم بها غير مدفوعة الأجر، في حين أن تمثيل المرأة في القطاع الموازي وشرائح السكان الفقيرة يتجاوز كثيرًا تمثيل الرجل.

تشير منظمة العمل الدولية إلى أن الفجوة بين الرجال والنساء في سوق العمل العالمية بلغت 26.7 بالمئة في سنة 2017، إذ وصل معدل مشاركة الرجال في سوق العمل إلى 76.1 بالمئة في حين شاركت النساء بنسبة 49.9 بالمئة.

أما في البلدان العربية فتعَدّ فجوة النوع الاجتماعي أحد أهم التحديات التي تواجه الاقتصادات العربية، حيث لم تزد نسبة مشاركة المرأة العربية في القوى العاملة على 18.2 بالمئة من إجمالي الإناث في سن العمل عام 2018 مقارنة بـ49.9 بالمئة للمتوسط العالمي[2].

إن وضع المرأة الموريتانية في سوق العمل ليس بعيدًا من أوضاع نظيراتها في البلدان العربية، وإدراكًا لأهمية دور المرأة في تحقيق التنمية، وضعت الدولة الموريتانية نظامًا تشريعيًا منظمًا يساهم في تحسين مكانة المرأة وإدماجها في الاقتصاد. تجسد ذلك من خلال دستور 20 تموز/يوليو 1991 الذي ينص على المساواة القانونية بين الرجال والنساء، وبالتحديد المادة 6 التي أكدت أن جميع المواطنين متساوون أمام القانون. وهو ما يعني أن المرأة بوصفها مواطنة لها الحق في التمتع بكامل حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

عرف وضع المرأة الموريتانية تحسنًا بيِّنًا خلال العقدين الماضيين عزز دورها داخل المجتمع. تظهر تجليات هذا التحسن في الكثير من المجالات، وبخاصة المجال السياسي والاجتماعي (قانون 2006، الذي حصلت النساء بموجبه على نسبة لا تقل عن 20 بالمئة من المقاعد في البرلمان بعد أن كانت هذه النسبة لا تتجاوز 2 بالمئة؛ واعتماد لائحة وطنية خاصة بالنساء 2014)؛ (قانون إلزامية التعليم ومجانيته 2001). وعلى الرغم من هذا التحسن، لا تزال مشاركة المرأة الموريتانية على المستوى الاقتصادي دون المأمول، إذ أوضح تقرير الفجوة بين الجنسين في المنتدى الاقتصادي لعام 2021، استقرار موريتانيا في المرتبة 146 عالميًا من أصل 155 دولة. كما بلغت نسبة مشاركة النساء في القوة العاملة 30.8 بالمئة، مقابل 63.8 بالمئة للرجال. وسجل معدل البطالة في صفوف النساء نسبة 17.3 بالمئة، مقابل 9.3 بالمئة للرجال[3]. من هنا تأتي أهمية هذه الورقة التي سنحاول فيها الإجابة عن الأسئلة التالية: ما مدى مشاركة المرأة في سوق العمل الموريتانية؟ وما هي العوائق والتحديات التي تواجه ولوج المرأة الموريتانية إلى سوق العمل؟ وما هي مؤشرات أو محددات قياس مشاركة المرأة في سوق العمل؟

تنطلق هذه الورقة من الفرضية الآتية: رفع مستوي التعليم لدى النساء يساعدهن على ولوج سوق العمل؛ كما ترتفع نسبة البطالة عند النساء كلما ارتفع مستواهن التعليمي، ويؤثر عامل السن في مشاركة المرأة في سوق العمل الموريتانية.

أولًا: سوق العمل الموريتانية

إن محدودية المعلومات والبيانات الخاصة بسوق العمل الموريتانية تحول دون دراسة هذه السوق ومعرفتها بصورة دقيقة، إذ إن معظم المعلومات المتاحة تم تجميعها من بعض المسوحات الوطنية (وبخاصة المسح الدائم للظروف المعيشية للأُسر) والتعداد العام للسكان والمساكن، حيث تتضمن هذه التقارير عادة أجزاء قليلة تتعلق بحالة التشغيل، وغالبًا ما تكون هذه المعلومات غير كافية. على هذا الأساس أجرت الدولة الموريتانية مسحين حول وضع العمالة والقطاع غير المنظم (2012 -2017)، من أجل الحصول على قاعدة بيانات عن وضع سوق العمل الموريتانية. وعليه، سوف نحاول في هذا المحور تسليط الضوء على دراسة سوق العمل الموريتانية من خلال التعرض للبيئة الاقتصادية لسوق العمل وواقع العمالة في هذه السوق.

1 – البيئة الاقتصادية لسوق العمل الموريتانية

ساهم إدخال أنشطة استخراج المعادن الجديدة (النفط والذهب، وأحجار الزينة والنحاس)، في إضفاء حيوية على الاقتصاد الموريتاني، لكن الدينامية الاقتصادية ظلت تعتمد على أنشطة الخدمات (البناء والأشغال العامة، والاتصالات والخدمات العامة المختلفة).

شهد الاقتصاد الموريتاني تغيرات هيكلية بعدما كان يهيمن عليه القطاع الريفي (الزراعة والثروة الحيوانية ومصايد الأسماك)، حيث توسعت أنشطة استخراج المعادن وأنشطة الاتصال وأصبحت تهيمن عليه قطاعات المرتبتين الثانية والثالثة بوجه خاص[4].

لم يصاحب تحول الهيكل الاقتصادي لمصلحة المرتبة الثالثة إضفاء الطابع المصنف على الاقتصاد الموريتاني باستثناء شركات التعدين وشركات الاتصالات، بينما بقيت معظم الأنشطة الاقتصادية غير مصنفة، وهكذا فإن مساهمتها في الناتج الإجمالي يصعب قياسها. لذلك فإن أنشطة البناء والأشغال العامة (أكثر من 6 بالمئة من الناتج المحلي الخام المتوسط)، التي تتطلب ارتفاعًا على طلب اليد العاملة، تبقى مقامًا بها بصورة غير مصنفة وأنشطة الخدمات التجارية التي تمثل أكثر من 34 بالمئة من الناتج المحلي الخام المتوسط، التي شهدت نموًا في السنوات الأخيرة نتيجة لتطور قطاع النفط والتعدين، لا تزال أيضًا في أغلبيتها مسيرة على نحوٍ غير مصنف[5].

2 – وضع العمالة

تجسدت التحولات الناتجة من الجفاف وما لازمه من تصحر في اختفاء الكثير من الأنشطة التي كانت توفر فرص عمل، وكذلك وسائل البقاء لدى سكان الريف النشطاء. أسفر هذا الوضع عن انتشار البطالة سريعًا، ومن ثم نزوح السكان، وبخاصة الفئات العمرية النشطة، إلى المراكز الحضرية، ولا سيما نواكشوط ونواذيبو. يضاف إلى هذا الوضع أن القطاع العام، الذي كان المصدر الرسمي للوظائف، ولا سيما لمصلحة حَمَلة الشهادات، لم يعد قادرًا على إيجاد وظائف بأعداد كبيرة بدءًا من عام 1985 بحكم سياسة الإصلاح الهيكلي[6].

إن السكان في سن العمل هم جميع الأشخاص الذين تراوح أعمارهم ما بين 14 و64 سنة وتمثل هذه الفئة من السكان أكثر من نصف إجمالي السكان (54 بالمئة)[7].

وبحسب نتائج المسح الدائم حول الظروف المعيشية للأسَر 2014، فإن الجزء الأكبر من السكان العاملين يتمركز في نواكشوط (33.3 بالمئة)، والحوض الشرقي (11.1 بالمئة)، وكوركل (10.8 بالمئة)، ولعصابة (8.7 بالمئة)، والحوض الغربي (7.6 بالمئة)، وغيدماغا (7.1 بالمئة)[8]، وفي الوسطين تُظهر نسبة العمالة تفاوتًا بين الرجال (62.16 بالمئة) والنساء (22.17 بالمئة).

يتكون السكان النشطاء المشتغلون أساسًا من الموريتانيين (98.1 بالمئة) مقابل 1.9 بالمئة فقط من الأجانب، ويتكون هؤلاء السكان الأجانب في الغالب من الدول الأعضاء للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (67.6 بالمئة) أو من المغرب العربي (18.3 بالمئة).

يمثل النشطاء العاملون في القطاع غير المصنف نحو 86.5 بالمئة من السكان العاملين البالغين السن القانونية للعمل، وفي المقابل تمثل العمالة في القطاع المصنف نسبة 13.5 بالمئة فقط من السكان العاملين الذين يكون أساسهم تابع للإدارة العمومية أو المؤسسات العمومية أو شبه العمومية. أما القطاع المصنف الخصوصي فلا يمثل سوى 4.3 بالمئة من وظائف القطاع المصنف[9].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 546 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 546 آب/أغسطس 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 546 في آب/أغسطس 2024.

آمنة أحمد: باحثة في وحدة البحث، الاقتصاد الكلي، النمو والتنمية.

محمد محمود ملاي أرشيد: أستاذ في كلية العلوم القانونية والاقتصادية.

الداه بلاهي: أستاذ في كلية العلوم القانونية والاقتصادية.

محمد بوي الزين: باحث، كلية الحقوق، المحمدية.

الصورة من موقع “الفاو” (منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة).

[1]   الصندوق الأردني الهاشمي للتنمية البشرية، مؤشرات تمكين المرأة اقتصاديًا في الأردن نيسان/أبريل 2013.

[2]   صندوق النقد العربي، دور صندوق النقد العربي في تمكين المرأة العربية (أبو ظبي: الصندوق، 2018)، ص 8.

[3]           Enquête Permanente sur les Conditions de Vie (EPCV), 2019-2020, p. 9.

[4]   المكتب الوطني للإحصاء، وضعية العمالة والقطاع غير المصنف في موريتانيا (2012)، ص 35.

[5]    المصدر نفسه.

[6]   التقرير الوطني حول التنمية البشرية المستديمة والفقر 2005، ص 40.

[7]           Enquête Permanente sur les Conditions de Vie (EPCV), 2019-2020.

[8]    الوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل الديمغرافي والاقتصادي، ملامح الفقر في موريتانيا، 2014، ص 69.

[9]   المكتب الوطني للإحصاء، وضعية العمالة والقطاع غير المصنف في موريتانيا (2012)، ص 17.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز