مقدمة
سعت أوروبا لسد حاجتها من الغاز نتيجة النقص الحاصل من جرّاء تقليص حجم تدفق الغاز الروسي، فاتجهت إلى تنويع مصادرها منه، لذلك لجأت إلى الاعتماد على بدائل متعددة، لتأمين حاجتها. وهي (أي أوروبا) وإن نجحت نسبيًا في الاعتماد – على المدى القريب – على بدائل أخرى كالغاز المسال من أمريكا أو قطر، إلا أن هذا ليس حلًا جذريًا نتيجة ارتفاع تكلفته، ولأنه يُحمّل الاقتصاد الأوروبي تبعات اقتصادية كبيرة مع إمكان استيراد الغاز من مناطق أخرى بأقل تكلفة نتيجة التجاور الجغرافي معها، وهنا نقصد الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ذات الإمكانيات الطاقية الواعدة مع بدء الاستكشافات الضخمة للغاز والنفط فيه.
هذه الثروة النفطية التي يكتنزها الحوض الشرقي للبحر المتوسط ستغير الواقع الجيوسياسي والجيوقتصادي لدول المنطقة، وتدفع بها إلى آفاق جديدة من الازدهار وكذلك السلام إن أحسنت هذه الدول إدارة هذه الملف وتجاوزت الخلافات الحدودية المعقدة ولا سيّما البحرية منها التي تحوي القسم الأكبر من مصادر الطاقة. لكن المكشلة المزمنة في المنطقة التي تحول دون ذلك هي الكيان الصهيوني الذي يحتل فلسطين برًا وبحرًا وجوًا، وأجزاء من والأراضي السورية، والأراضي واللبنانية، بما فيها الواقعة على ساحل الحوض الشرقي للبحر المتوسط، ويحول دون التعامل مع الثروة النفطية فيه على نحو سلمي وسلس. ويبقى على هذه الدول الاحتكام إلى المعاهدات والمواثيق الدولية في تحديد حدودها، وكيفية تقاسم الثروات المكتشفة فضلًا عن إمكان استثمارها وتصديرها إلى الخارج، في إطار من الشراكة الإقليمية التي تعود بالفائدة على كل دول المنطقة، ضمن سياسة حفظ الحقوق، لكل دولة في استثمار ثرواتها وتصديرها. إلا أن هناك مشكلات كثيرة تعيق تحقيق التكامل الإقليمي في استخراج وتصدير غاز المنطقة إلى الخارج، وفي طليعتها الأطماع الإسرائيلية، فضلًا عن النفور الشعبي العربي من وجود الكيان الصهيوني من أساسه، وما يستتبعه ذلك من انعكاس على الشراكة معه في ملف النفط، ومن أعمال فدائية تستهدف خطوط الغاز المارة في الأراضي العربية، وهذا ما حصل في منطقة العريش في مصر من خلال تفجير خط الأنابيب المصري المؤدي إلى الكيان الصهيوني. أضف إلى العقدة الإسرائيلية في الشراكة على غاز الحوض الشرقي للمتوسط، الخلاف التركي – القبرصي والتركي – اليوناني.
تحولت الاكتشافات الضخمة للثروات الطاقية في حوض شرق البحر المتوسط إلى مادة للنزاع الداخلي والإقليمي والدولي، فضلًا عن تحولها إلى سبب في زيادة التوتُّرات السياسية والأمنية، قد يفضي في مرحلة من المراحل إلى الصدام بدلًا من التعاون.
انطلاقًا ما تقدم، سنركّز في هذا الدراسة على حجم الثروة الطاقيَّة الموجودة في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، وأبرز المشاكل الناشئة إزاء هذا الملف، وأيضًا على دور القوى الكبرى، فضلًا عن السياسة الإسرائيلية في التعامل مع هذا الملف لناحية فرض الأمر الواقع وتحقيق مكاسب سياسية مجانية انطلاقًا من ملف الغاز.
تهدف هذه الدراسة إلى تقديم رؤية تحليلية للتنافس الجيوسياسي على غاز الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، من خلال عرض إمكانيات الطاقة الكبيرة التي يكتنزها، وإمكان استخراجها وتصديرها مع ما يستتبعه ذلك من آفاق للتعاون أو الخلاف الذي يمكن ان يصل في حده الأقصى إلى الصدام العسكري، مع وجود عوائق كثيرة لناحية ترسيم الحدود والاصطفافات الإقليمية، هذا فضلًا عن التدخلات الدولية التي تحاول التأثير في هذا الملف لما له من أبعاد جيوستراتيجية وجيوسياسية يمكن أن توظف في موضوع السيطرة والهيمنة العالمية.
اعتمدت هذا الدراسة عدة مناهج وهي: المنهج القانوني، والمنهج التاريخي، والمنهج التحليلي. يركز المنهج القانوني على دراسة وتحليل النصوص والقواعد والمبادئ القانونية، من حيث التعرف إلى نشأتها وتطورها ومضمونها وتطبيقاتها وفقًا لتطورات البيئة الدولية. وكذلك التعرف إلى القواعد الحاكمة لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار سنة 1982، والمنطقة الاقتصادية الخالصة لحقوق الدولة الساحلية، وكيفية حلّ النزاعات الدولية بالطرق السلمية والاحتكام إلى قواعد القانون الدولي العام.
من ناحية ثانية، استُخدم المنهج التاريخي الذي يعتمد على فهم الماضي، لتحليل الأحداث المعاصرة. بينما ركّز المنهج التحليلي على التحليل العلمي والتفسير المنطقي لموضوع الدراسة ومتغيراته.
انطلاقًا من الأهداف سنتحدث في هذه الدراسة عن الأهمية الجيوسياسية للطاقة أولًا، وعن الأهمية القانونية لناحية القواعد الناظمة لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار سنة 1982، من خلال حقوق الدول في مياهها الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري ثانيًا، ثم نتحدث، ثالثًا، عن الثروات النفطية التي يحويها الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط وما يستتبع ذلك من آفاق للتعاون أو الصراع، فضلًا عن دور القوى الكبرى للتعاون أو للصراع.
أولًا: الأهمية الجيوسياسية للطاقة
في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، شهد موضوع أمن الطاقة اهتمامًا دوليًا تقدم على سواه من الملفات، لما لهذه المادة من أهمية مركزية في اقتصادات الدول المتقدمة والنامية على حدٍ سواء، وأصبح يحتل أهمية مركزية في أجندات كل الدول التي جعلت من تحقيق أمنها الطاقي أولوية تقدم على ما عداه من الملفات، وذلك لما لهذا الموضوع من أهمية بالغة مرتبطة بالأمن القومي للدول. فقد جعلت بعض الدول، وخصوصًا الدول المنتجة، من ملف الطاقة عنوانًا لسياستها الخارجية التي تعتمد في اقتصاداتها على عائدات النفط. أما الدول المستوردة ذات الاقتصادات الحديثة فإن تأمين حاجاتها الطاقية لناحية العقود وتنوع المصادر، فضلًا عن سلامة وصول هذه المادة وما يستتبعه من إجراءات مكلفة لحمايتها، سواء عبر توفير الحماية لخطوط الإمداد البرية والبحرية، أو من خلال السيطرة على المناطق الغنية بها واخضاعها لنفوذها لضمان استمرار تدفق هذه المادة الحيوية إليها، جعل من المواد الطاقية مصدرًا من مصادر الصراع والمنافسة بين القوى الكبرى في سعيها الدؤوب لتعزيز مكانتها الدولية عبر تأمين نفوذها في مناطق الإنتاج الذي أخذ أشكالًا متنوعة من الوجود العسكري إلى العقود الطويلة الأجل إلى بناء شراكات استراتيجية بينها وبين الدول المنتجة، مجندة قواتها العسكرية ودبلوماسيتها في معركتها الطاقية، الأمر الذي خلق تحديًا لكل الدول ولا سيما في ظل ارتفاع الطلب عليها. وبالتالي فإن المحرك الأساس للنزاعات أصبح مرتبطًا على نحوٍ وثيق ﺒ «جيوبوليتيك الطاقة»، التي أصبحت وقود معظم الصراعات في العالم، وما الانتشار العسكري الأمريكي الواسع في العالم وخصوصًا في منطقة الخليج وغرب آسيا إلا دليل واضح على أهمية هذه المادة في استمرار الهيمنة الأمريكية، يقابله الدبلوماسية الصينية التي دأبت منذ نهضتها الصناعية في أواخر القرن العشرين إلى تشبيك اقتصادي مع دول الإنتاج ولا سيما في الخليج وأمريكا الجنوبية وأفريقيا عبر شراكات استراتيجية تسمح لها بإجراء عقود طويلة الأجل فضلًا عن المشاركة في عملية البحث والاستخراج عبر شركاتها العاملة في هذا المجال. هذا مقارنة بروسيا التي تعدّ مسألة الموارد الطاقية أساسًا لسياستها الخارجية، لا بل إن عماد دبلوماسيتها تقوم على تأمين أسواق لغازها عبر شبكة من الأنابيب البرية والبحرية، ولا سيما إلى أوروبا المتعطشة للغاز الروسي الذي يصلها بطريقة سريعة يلبي حاجتها وبأسعار زهيدة مقارنة بالغاز الأحفوري الأمريكي والغاز القطري الذي يصلها من طريق البواخر المخصصة لنقل الغاز وبأسعار تعادل ثلاث مرات سعر الغاز الروسي، وما الحرب في أوكرانيا إلا انعكاس للسياسة الأمريكية الرامية إلى محاصرة روسيا وإيقاف مدها لأوروبا بالغاز لمصلحة الغاز الأحفوري الأمريكي، أملًا منها (أي أمريكا) في تعويم اقتصادها المتعثر نتيجة لحروبها العبثية عبر المعمورة.
يبقى أن نعرّج انطلاقًا من عنوان دراستنا على أهمية هذه المادة بالنسبة إلى منطقة حوض شرق البحر الأبيض المتوسط الذي يحوي قدرات واعدة من الغاز وأيضًا النفط، وحاجة هذا المادة بالنسبة إلى دوله التي ترى في هذا الملف فرصة للنهوض باقتصاداتها المتعثرة نتيجة عدة عوامل، في طليعتها عدم الاستقرار السياسي والأمني المتأتي من السياسة الأمريكية تجاهها من خلال ضرب اقتصاداتها وإخضاعها للضغوط المستمرة التي تقف عائقًا أمام تنمية حقيقية فيها.
إن المخزون الطاقي الموجود في هذه المنطقة يحررها ولو بصورة نسبية من الهيمنة الغربية، إن هي أحسنت استخدامه كسلعة سياسية تحررها من الكثير من الضغوط الخارجية، وكسلعة اقتصادية تجعل من عوائدها رافدًا لتنمية بقية قطاعاتها الاقتصادية وصولًا إلى بناء اقتصاد قوي متماسك يعود عليها بنمو اقتصادي قادر على تحقيق التنمية الشاملة على كل المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتكنولوجية.
وعند الحديث عن أمن الطاقة لا يمكن إلا أن نستشف التصور النظري لأمن الطاقة انطلاقًا من الأُسس النظرية الناظمة للعلاقات الدولية من خلال المدرسة الواقعية وكذلك الليبرالية.
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 542 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:
مجلة المستقبل العربي العدد 542 نيسان/أبريل 2024
كتب ذات صلة:
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 542 في نيسان/أبريل 2024.
[1]علي قاسم مقداد: أستاذ محاضر في حقوق الإنسان – لبنان.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



