مقدمة

تصورت المؤتمرات الصهيونية الخمسة الأولى 1897-1901 القدرة على عقد صفقة سياسية توحد ديون الدولة العثمانية مقابل الحصول على فلسطين لمصلحة مشروع الوطن القومي اليهودي. ورأى تيودور هرتزل أن نخب اليهود الأوروبيين، ولا سيما رابطة روتشيلد العائلية، لا يسعهم إلا مؤازرة الحركة الصهيونية التي انطلقت مما كان يعرف بمنطقة نطاق الاستيطان في غرب روسيا القيصرية[1]. ولكن قادة الصهيونية أخفقوا في تفاوضهم مع الدولة العثمانية، حتى بعد لجوئهم إلى وساطة القيصر الألماني[2]. وأدرك هرتزل استغلال العثمانيين تردده على إسطنبول عام 1902، كورقة ضغط في تفاوضهم مع البنوك الفرنسية لتوحيد الديون[3].

تباينت المطالب داخل المؤتمرات الصهيونية تباعًا، وانقسمت التوجهات، منها الروحية التي تريد إنشاء مركز ديني في القدس يجمع اليهود روحيًا فقط[4]، ومنها الإقليمية التي تريد الاستحواذ على إقليم كمرحلة في الطريق إلى فلسطين[5]. ثم اندلعت موجة مذابح ثانية في نطاق الاستيطان عام 1903، تسببت في إطلاق موجة هجرة يهودية ثانية[6]. وعملت جمعية الاستعمار اليهودي، التي كان البارون إدموند روتشيلد (1845-1934) في مجلس إدارتها، على تنظيم الهجرات[7]، ووصلت أكبر الأعداد إلى الولايات المتحدة، والأرجنتين، وأقلها إلى فلسطين[8]. فتبنى هرتزل مشروع مستوطنة سيناء كحل مرحلي.

تهدف هذه الدراسة إلى تتبُّع مشروع مستوطنة سيناء (1902-1903). وتجيب عن السؤال البحثي، لماذا لجأ هرتزل إلى رابطة روتشيلد العائلية، وطرح عليها مشروع مستوطنة سيناء؟ كما تهدف الدراسة إلى كشف دور اللورد ناثانيال روتشيلد (1840-1915)، في رعاية المشروع[9]، وتنقسم إلى خمسة أقسام. الأول، الفاعلون الدوليون في العلاقات الدولية. الثاني، طرح هرتزل مشروع مستوطنة سيناء. الثالث، البعثة الصهيونية في مصر. الرابع، تقرير اللجنة الفنية. الخامس، فشل المشروع والبدائل.

أولًا: الفاعلون الدوليون في العلاقات الدولية

تتسم عملية تعريف الفاعل الدولي بالدينامية، وهي ارتكزت في البداية على فكرة الوحدات المكونة للنظام الدولي. ثم أثبتت الأحداث تنوع الفاعلين المؤثرين في مختلف القضايا الدولية. وحتم هذا تطورًا في حقل العلاقات الدولية، ساهم فيه عدة مدارس مثل الواقعية، والليبرالية، والبنائية وغيرها؛ مع ملاحظة أن تحديد أنواع الفاعلين تتبع السؤال البحثي ونطاق الدراسة المستهدف. وهذا ما نبّه رواد المدارس الكبرى في الحقل لتتبع الأطراف المؤثرة في مختلف القضايا، واستدراك أنواع الفاعلين المختلفين[10].

بصورة عامة، استقر حقل العلاقات الدولية على تقسيم الفاعلين الدوليين إلى خمسة أنواع، وهي: 1- الدول؛ 2- المنظمات الدولية الحكومية؛ 3- المنظمات غير الحكومية؛ 4- الشركات المتعددة الجنسيات؛ 5- حركات التحرر الوطني والمجموعات العابرة للحدود القومية. وأحيانًا يضاف الأفراد المؤثرون كفئة سادسة مستقلة. تستخلص الدراسة من هذه التقسيمات تعريف الفاعل الدولي بكل كيان رسمي، بمعنى قانوني، أو معنوي، بمعنى عرفي، يؤثر في السياسات والقضايا الدولية في المجالات السياسية، أو الاقتصادية، أو الجيوستراتيجية.

ينطبق هذا المفهوم على أحد عناصر الدراسة، وهي الحركة الصهيونية ومؤسساتها التابعة وأهمها المنظمة الصهيونية العالمية. وفي ما يلي تطبيق للمفهوم على العنصر الثاني في الدراسة وهي رابطة روتشيلد العائلية العابرة للحدود القومية، ذات المراكز السياسية والاقتصادية المؤثرة في بلدان غربية شتى، حيث يتبين موافقة الرابطة لكل نواحي تعريف الفاعل الدولي. وتعَدّ رابطة روتشيلد هي نفسها الكيان المعنوي، أو العرفي. وهي القوة الفاعلة التي تنشئ البنوك والشركات العابرة للقومية، والمؤسسات والمنظمات غير الحكومية المعنية بالتنمية والأعمال الخيرية، ولها حضور فعلي في مؤسسات دولية على رأسها الكونغرس اليهودي العالمي. يتسم هذا الكيان العرفي بصفات تنظيمية متعددة أضفت عليه خواص مؤسسية. كما تعمل هوية الرابطة كمحدد لأهدافها الاجتماعية والسياسية، التي ارتبطت بدفع قضية التحرر اليهودي عبر العالم. وتميز حضور الكيان العرفي للرابطة بخواص مشابهه للمنظمات العابرة للقوميات، في ما يبدو وكأن الرابطة نموذج سابق لمنظمات المجتمع المدني الدولية، ولكنها تتميز في عضويتها من غيرها بكون عناصرها الأساسية مرتبطة بصلات الدم وروابط القرابة[11].

ومن ثم يتبين توافق رابطة روتشيلد مع تعريف الفاعل الدولي في مختلف جوانبه؛ فهي كيان ذو أذرع قانونية متنوعة تعمل في نطاق عابر للحدود القومية. وهو أيضًا كيان معنوي، بمعنى عرفي له أبعاد قيمية مرتبطة بهويته، وتحدد قضاياه السياسية وأهدافه، وله مواقف معلنة ومستدامة. والرابطة مؤثرة في القضايا الدولية، حتى من قبل حصولها على إعلان بلفور عام 1917، ومن قبل إنشاء دولة إسرائيل عام 1948، وهي مستمرة حاليًا في قيامها بأدوار في القضايا الدولية، ولا سيما التغيّر المناخي، والشمول الرأسمالي. وفي النقطة التالية عرض لدور الرابطة كفاعل دولي في مشروع مستوطنة سيناء. علمًا أن الدراسة اختارت هذا المشروع لكونه سابقًا على إعلان بلفور بسنوات، وهو ما يبرهن على استمرارية دور الرابطة في التأثير في العلاقات الدولية.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 533 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 533 تموز/يوليو 2023

كتاب ذات صلة:

دور عائلة روتشيلد في إنشاء دولة “إسرائيل”

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 533 في تموز/يوليو 2023.

معتمر أمين: مدرس مساعد، قسم العلوم السياسية،

كلية إدارة الأعمال، والاقتصاد والعلوم السياسية، الجامعة البريطانية في مصر.

الصورة: عائلة روتشيلد في بداياتها (الموسوعة البريطانية)

[1]  Michael J. Reimer, The First Zionist Congress: An Annotated Translation of the Proceedings (Albany, NY: State University of New York Press, 2019), pp. 49-54.

[2]   Irfan Ertan, «The Orient Journey of Kaiser Wilhelm II (1898),» (A Thesis Submitted for the Masters of Arts to the Graduate School of Social Sciences at Middle East Technical University. 2018), pp. 40-45.

[3]   Raphael Patai, The Complete Diaries of Theodor Herzel, translated by Harry Zohn (London: Herzl Press and Thomas Yoseloff, 1960), p. 1256.

[4]   Mordechai (Motti) Friedman, Theodor Herzl’s Zionist Journey – Exodus and Return (Berlin: Walter de Gruyter GmbH, 2021), pp. 202-204.

[5]   Stuart A. Cohen, «Israel Zangwill’s Project for Jewish Colonization in Mesopotamia: Its Context and Character,» Middle Eastern Studies, vol. 16, no. 3 (October 1980), pp. 200-208, <https://bit.ly/3Q3pECo>.

[6]   Shlomo Lambroza, «The Pogroms of 1903-1906,» in: John D. Klier and Shlomo Lambroza, eds., Pogroms: Anti-Jewish Violence in Modern Russian History (Cambridge, MA: Cambridge University Press, 1992), pp. 193-200.

[7]   Edmond James de Rothschild (1845-1934), «The Rothschild Archive,» <https://bit.ly/3KaI14K>.

[8]   Theodore Norman, An Outstretched Arm a History of the Jewish Colonization Association (London: Routledge and Kegan Paul, 1985), pp. 23-59.

[9]   Nathaniel Mayer (Natty) de Rothschild (1840-1915), «The Rothschild Archive,» <https://bit.ly/3O1tLOj>.

[10]   Anton Weenink, «The Relevance of Being Important or the Importance of Being Relevant? State and Non-State Actors in International Relations Theory,» in: Bas Arts, Math Noordmann, and Bob Reinalda, eds., Non-State Actors in International Relations (London: Ashgate Publishing Limited. 2001).

[11]   Sam N. Lehman-Wilzig, «The House of Rothschild: Prototype of the Transnational Organization,» Jewish Social Studies, vol. 40, nos. 3-4 (Summer – Autumn 1978), pp. 251-253, <https://bit.ly/3qQwQGO>.


معتمر أمين

باحث متخصص في العلاقات الدولية، ومهتم بالبحث في المسائل التاريخية المؤثرة في الحاضر، والملفات الجيوستراتيجية، وأهمها تأثير خطوط أنابيب الطاقة في التوازنات في الشرق الأوسط.
يعمل مدرسًا للعلوم السياسية في الجامعة البريطانية في مصر، ويكتب في صحيفة الشروق المصرية، وهو ساهم في لجنة الخمسين لكتابة الدستور المصري لعام 2014.

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز