مقدمة

تعَدُّ العلاقات السعودية – التركية أحد محدِّدات موازين القوى في المنطقة العربية، وتؤثر تحولاتها بصورة واضحة في استقرارها، لذلك أظهر الطرفان قدرة كبيرة على إدارة الجانب التنافسي للعلاقات الثنائية وضبط بقائها ضمن حدود تمنع انزلاقها إلى التصادم والمواجهة المباشرة، وهي تستجيب أيضًا للتغيرات في المنطقة العربية، وخصوصًا التحوُّلات التي شهدتها بعد ثورات الربيع العربي. لكن استجابتها لسقوط النظام السوري كانت أكثر تطرفًا، فهو لم يكن مجرد تغيير في بنية الحكم، وإنما كان حدثًا مفصليًّا وضع بلدان الشرق الأوسط على أعتاب مرحلة جديدة من التحولات في بنية وهيكلية النظام الإقليمي، نتيجة اندفاع الكثير من القوى الإقليمية والدولية لاستغلال الفراغ الأمني والجيوسياسي في سورية لإعادة التموضع على خريطة النفوذ والسيطرة وفق توازنات جديدة تضمن لها مركزية التأثير في سياسات المنطقة.

يعكس التنافس السعودي – التركي في سورية صورة دقيقة عن واقع الصراع والتنافس الإقليمي والدولي الذي تشهده المنطقة، فكلتا الدولتين تتبنيان رؤية محددة لطبيعة النظام الإقليمي الذي سيحكم المنطقة، والتناقض الحاد بين الرؤيتين يمثل ديناميات التنافس بينهما، ويدفعه إلى حدود تجعل التوافق وتجاوز الاختلاف في السياسات أمرًا غير ممكن في المستقبل القريب، وذلك في ظل انهماك البلدين بتسخير كل أدواتهما السياسية والعسكرية والاقتصادية لترجيح ميزان السيطرة والنفوذ لمصلحته في سبيل تعزيز مصالحهما ونفوذهما في المنطقة انطلاقًا من سورية، وهو ما يجعل قراءة مستقبل التنافس بين البلدين أمرًا بالغ التعقيد.

تحفز الأزمات والنزاعات العقلية التنافسية لدول الشرق الأوسط بوصفها فرصة لتعزيز المكاسب الاستراتيجية، لذلك جاءت المقاربة السعودية والتركية للحدث السوري (بدأ بانتفاضة شعبية عام 2011، وانتهى بسقوط نظام الأسد) انطلاقًا من حسابات استراتيجية لتعزيز الهيمنة والسيطرة الإقليمية، وتحييد التهديدات والمخاطر المحتملة، لذلك يطرح هذا البحث إشكالية محددة تتمحور حول طبيعة التنافس السعودي – التركي ودينامياته في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة العربية بعد سقوط النظام السوري، وتتشعب هذه الإشكالية إلى التساؤلات الآتية:

– ما ديناميات التنافس السعودي – التركي؟

– ما السياسات التنافسية التي صاغتها كل من السعودية وتركيا في سورية؟

– ما مستقبل التنافس بين البلدين؟

تهدف الدراسة إلى تسليط الضوء على ديناميات التنافس السعودي – التركي في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة انطلاقًا من الحدث السوري، وتحليل السياسات التنافسية لكل من السعودية وتركيا لتحديد أدواتهما للتأثير في مسار الأحداث في سورية لمصلحتهما بعد سقوط نظام الأسد، إضافة إلى تقديم قراءة استشرافية لمستقبل التنافس السعودي – التركي، وتحديد فرص الانفراج أو التصعيد بين البلدين.

تعود أهمية هذه الدراسة إلى قلة الدراسات التي تتناول العلاقات السعودية – التركية بوجه عام، وجانبها التنافسي على وجه الخصوص، يمثّل هذا البحث قيمة علمية للباحثين والمهتمين بالعلاقات الدولية، والصراعات في الشرق الأوسط، والآليات التي تحكمها، كما أنه قيمة عملية لكونه يسلط الضوء على سقوط النظام السوري السابق كحدث مفصلي بتداعياته ونتائجه على موازين القوى التي تحكم المنطقة العربية، فهو يتناول بالتحليل العلاقات التنافسية بين السعودية وتركيا في ظل هذه التحولات.

تفترض الدراسة أن الاستجابة التنافسية لكل من السعودية وتركيا، كمتغير تابع، للتحوُّلات التي شهدتها المنطقة، كمتغير مستقل، إنما هي إعادة التموضع وكسب المزيد من النفوذ والسيطرة الإقليمية، وذلك من خلال سياسات تنافسية تؤثر في مسار الأحداث وتوجهها لمصالحها.

اعتمد الباحث على عدة مناهج بحثية لإتمام بحثه، المنهج التاريخي، وذلك لتتبُّع بعض المراحل التاريخية التي عبرتها العلاقات السعودية – التركية، وتحديد ملامحها الأساسية، والمنهج الوصفي التحليلي، الذي اعتمد الباحث عليه في كل مراحل البحث لوصف الأحداث وتتبُّع تطورها، وتحليل التنافس بين السعودية وتركيا كظاهرة مميزة للعلاقات بين البلدين، وتوضيح سياساتهما التنافسية.

أولًا: مسار تطوُّر العلاقات بين السعودية وتركيا

يعود تاريخ تأسيس العلاقات السعودية – التركية إلى 8 كانون الثاني/يناير 1926 عند اعتراف كمال أتاتورك رسميًا بالسعودية، وتبادل ممثلين دبلوماسيين في السابع من أيار/مايو[1]. وتطورت العلاقات بعد الدعوة التي وجهها الملك عبد العزيز إلى كمال أتاتورك لزيارة مكة عام 1926، واتفاقية الصداقة والتعاون بين البلدين عام1929. وفي عام 1932 زار الأمير فيصل (الذي أصبح لاحقًا الملك الثالث للسعودية) أنقرة، وأسست هذه الانطلاقة لعلاقات صلبة ومتينة استمرت حتى الحرب العالمية الثانية[2]. غير أن انقسام العالم إلى معسكرين، شرقي وغربي، بعد نهاية الحرب، وقيام الحرب الباردة بين المعسكرين، دفع تركيا إلى الانضمام إلى المعسكر الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة، لتنتهج بعدها سياسة عدائية تجاه الدول العربية استمرت طوال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، بما في ذلك السعودية التي تميزت علاقاتها مع تركيا بالجفاء، بسبب تبنّي تركيا رؤية جديدة لعلاقاتها الدولية تنسجم مع مصالح الولايات المتحدة في المنطقة العربية التي تقوم على حماية أمن إسرائيل[3]. لذلك جاءت مواقف تركيا مؤيدة للغرب في ما يخص القضية الفلسطينية وأزمة السويس، واستمر الفتور في العلاقات حتى عام 1966 عندما زار الملك فيصل تركيا، وقابله الرئيس التركي جودت صوناي بزيارة إلى السعودية عام 1968، ثم تعزز التقارب بين البلدين بعد معارضة تركيا حرب إسرائيل على البلدان العربية عام 1967، ورفضها استخدام الولايات المتحدة قاعدة أنجرليك في تركيا لدعم إسرائيل[4].

شهدت ثمانينيات القرن العشرين تطورًا في العلاقات الثنائية بين البلدين في ظل سياسة الانفتاح الاقتصادي والتحوُّل الليبرالي التي قادها الرئيس تورغوت أوزال، والتي انعكست على نحو واضح على سياستها الخارجية. وساهم تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981 في تعزيز هذه العلاقات أيضًا، وانعكاسها على مجمل العلاقات الخليجية – التركية[5]. استمر تطور العلاقات السعودية – التركية في التسعينيات التي شهدت غزو العراق للكويت عام 1990، وحرب الخليج الثانية عام 1991، وكان لهذه الأحداث تداعيات على العلاقات بين السعودية وتركيا، فعلى خلفية الإدانة التركية للغزو العراقي للكويت[6] قدمت السعودية لتركيا نصف وارداتها من النفط كمنحة، إضافةً إلى معونات لدعم برنامجها لتحديث قواتها العسكرية[7]. ومن جهة أخرى، ساهمت نهاية الحرب الباردة في تغيُّر موقع السعودية في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة، الذي كان له عميق الأثر في العلاقات السعودية – التركية التي بلغت مرحلة متقدمة من التعاون على أكثر من مستوى[8].

دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية، وتولي الرئيس رجب طيب أردوغان السلطة في تركيا، التي تبنت سياسة اقتصادية جديدة تقوم على التصدير والاستثمار، حيث تقاطعت توجهاتها مع بلدان الخليج العربي في الكثير من الملفات أهمها الأمن الجماعي، والمصالح الاقتصادية[9]. وجدت تركيا في رؤوس الأموال الخليجية فرصة لتغذية اقتصادها بالاستثمارات الأجنبية في وقت كانت هي بحاجة ماسة إلى دعم رؤيتها للنهوض بالاقتصاد التركي، وساعد ارتفاع أسعار النفط على تدفق رؤوس الأموال الخليجية إلى تركيا، وهو ما ساهم في تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين[10].

إضافة إلى المتغير الاقتصادي يمكن رصد متغيّرَين آخرين ساهما في تعزيز العلاقات بعد تولي أردوغان السلطة في تركيا، أولها إغلاق أوروبا أبواب الاتحاد الأوروبي أمام تركيا، والثاني الفتور في العلاقات بين تركيا من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، الأمر الذي دفع تركيا إلى الانفتاح في اتجاه البلدان العربية[11].

لكن أحداث الربيع العربي كشفت حجم التباين والتناقض بين مصالح السعودية ومصالح تركيا على المستوى الاستراتيجي، المرتبطة بصورة رئيسية بمساعي كل من البلدين لتوسيع نفوذه الإقليمي على خلفية الفوضى التي نتجت من أحداث الربيع العربي، حيث أظهر الدعم التركي، السياسي والعسكري والاستخباراتي، لتنظيم الإخوان المسلمين في سورية، وتونس، ومصر، وليبيا، حجم التهديد الذي يمثله المشروع التركي في المنطقة. وكان لتناقض الرؤى بين البلدين لمسار الحل السياسي في هذه الدول العامل الأساسي في توتر العلاقات. كما أرسى التلاقي في وجهات النظر بين تركيا وقطر في ما يخص مآلات الأزمات التي شهدتها بلدان الربيع العربي عاملًا آخر لتوتير العلاقات بين السعودية وتركيا، فكانت قطر الدولة الخليجية الوحيدة التي تبنت موقفًا داعمًا لصعود تنظيم الإخوان المسلمين إلى السلطة في هذه الدول، وعلى الرغم من المصالحة السعودية والتركية إلا أن العلاقات بين البلدين دخلت مرحلة جديدة، تتميز بعدم الثقة والشك بسبب التناقض والتضارب العميق بين مصالحهما الإقليمية[12].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 572 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 572 تشرين الأول/أكتوبر 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 572 في تشرين الأول/أكتوبر 2026.

علي السردي: متخصص في الشؤون والعلاقات الدولية.

[1] Mehmet Akif Koç, «Atatürk Dönemi Türkiye-Suudi Arabistan İlişkileri,» Atatürk Ansiklopedisi (2022), <https://ataturkansiklopedisi.gov.tr/bilgi/ataturk-donemi-turkiye-suudi-arabistan-iliskileri/>.

[2] Sinem Cengiz, «The Emergence of Saudi-Turkish Relations: Ataturk and Ibn Saud’s Pragmatism,» Gulf International Forum, 25 April 2022, <https://gulfif.org/the-emergence-of-saudi-turkish-relations-ataturk-and-ibn-sauds-pragmatism/>.

[3] بندر بن عبد الله التركي، «الأبعاد الاستراتيجية لتطور العلاقات السعودية التركية، 2001م – 2013م،» (رسالة ماجستير منشورة، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، 2014)، ص 30 – 32.

[4] İsmail Numan Telci and Aydzhan Yordanova Peneva, «Turkey and Saudi Arabia as Theo-political Actors in the Balkans: The Case of Bulgaria,» Insight Turkey, vol. 21, no. 2 (Spring 2019), p. 240, <https://doi.org/10.25253/99.2019212.14>.

[5] Muhittin Ataman, «Leadership Change: Özal Leadership and Restructuring in Turkish Foreign Policy,» Alternatives: Turkish Journal of International Relations, vol. 1, no. 1 (Spring 2002), p. 129.

[6] التركي، «الأبعاد الاستراتيجية لتطور العلاقات السعودية التركية، 2001م – 2013م،» ص 33.

[7] ميشال نوفل، عودة تركيا إلى الشرق: الاتجاهات الجديدة للسياسة الخارجية التركية (بيروت: الدار العربية للعلوم – ناشرون، 2010)، ص 14.

[8] İsmail Numan Telci and Gökhan Ereli, Dönüşen Türkiye-Körfez İlişkileri: Krizler, Fırsatlar ve Beklentiler (Ankara: Center for Middle Eastern Studies [ORSAM], 2022), p. 7, <https://orsam.org.tr/yayinlar/donusen-turkiye-korfez-iliskileri-krizler-firsatlar-ve-beklentiler>.

[9]        Cengiz, «The Emergence of Saudi-Turkish Relations: Ataturk and Ibn Saud’s Pragmatism».

[10] Ö. Z. Oktav, «Quo Vadis Turkey-GCC States Relations? A Turkish Perspective,» Journal of Gulf and Middle Eastern Studies, vol. 4, no. 2 (2018).

[11] عبد الله الحبابي، «تحولات السياسة الخارجية التركية بعد انتخاب أردوغان تجاه الخليج العربي،» مجلة المعرفة، العدد 30 (2025)، ص 164.

[12] المصدر نفسه، ص 165.

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز