مقدمة:

تميزت البلاد التونسية بعد الاستقلال باختلال التوازن الجهوي والإقليمي بين الشمال من جهة والوسط والجنوب من جهة ثانية، وذلك نتيجة للعوامل الطبيعية ومخلفات الاستعمار بالخصوص، حيث تركزت الجالية الأوروبية بأخصب الأراضي وبالمدن في الوقت الذي اقتصرت فيه على بعض الضيعات في الوسط والجنوب. أما اليوم فإن أكبر اختلال يوجد بين السواحل والدواخل، وهي سمة تعَدّ وليدة التوجهات الاقتصادية بعد الاستقلال؛ حيث إن نمط التنمية في تونس يقوم على استثمارات في المدن الساحلية بنسبة 90 بالمئة مقابل استثمارات في مدن الداخل بنسبة 10 بالمئة فقط. وهو يقوم بشكل كليٍّ على خدمة الاقتصاد الأوروبي بسبب رخص الأيدي العاملة التونسية؛ فهو اقتصاد هامشي وهَشٌّ يعتمد بنسبة 48 بالمئة على قطاع الخدمات الذي لا يوفر فرص عمل مستمرة، مقابل 16 بالمئة فقط على قطاع الفلاحة والصيد البحري والصناعات التحويلية والغذائية الخفيفة. إن ما يميز النمط الاقتصادي التونسي افتقاده تنمية متوازنة ومستدامة بحيث انجرّ عنه تفاوت جهوي أنتج عدداً من المشكلات والتحركات، من بينها ما وقع خلال ثورة كانون الثاني/يناير 2011.

وفي هذا الإطار يتنزل هذا البحث الذي يتناول أولاً الأسباب المختلفة لاندلاع الثورة التونسية، مع إبراز خاص لتأثير التفاوت الجهوي بين الولايات في ذلك؛ ثانياً سنبرز بعض إفرازات الثورة في قطاعات حساسة كالاقتصاد والتنمية الجهوية.

أولاً: التنمية الجهوية بالبلاد التونسية من الاستقلال إلى ثورة 2011

تاريخياً، طُرحت مسألة التنمية الجهوية في مرحلتين وذلك في إطار الدولة الراعية لكن بتوجهات مختلفة:

  •  الأولى، في الستينيات في إطار التوجه الاشتراكي والتجربة التعاضدية التي لم تعمِّر طويـلاً، إذ تم إنهاؤها بفشل هذا التوجه واعتناق التمَشي التحرري مع بداية السبعينيات. وقد كان للتجربة التعاضدية الأثر البالغ في اندلاع موجة نزوح وهجرة نحو المدن – والعاصمة أساساً – خلال النصف الثاني من الستينيات وبداية السبعينيات، وهو ما جعل المدن تسجل نسب نمو ديمغرافي مرتفعة جداً ودفع السلطة الحاكمة إلى القيام بعدة دراسات شملت أهم المدن كتونس وصفاقس وسوسة مع بداية السبعينيات للتحكم في النمو الحضري وتلبية الحوائج من خلال التجهيزات والمرافق.
  •  الثانية، مع بداية الثمانينيات، وقد تميزت بإنشاء المندوبية العامة للتنمية الجهوية وثلاثة دواوين للتنمية الجهوية بكل من الجنوب والوسط الغربي والشمال الغربي. وكذلك وضع برنامج التنمية الريفية المندمجة سنة 1987.

لكن الأزمة التي اندلعت مع منتصف الثمانينيات أدت إلى اعتماد برنامج التكيُّف الهيكلي، وجعل الدولة تتخلى عن المسألة الاقتصادية وتُدخل الخصخصة من بابها العريض مع عقد الشراكة مع الاتحاد الأوروبي سنة 1996 وإعداد الاقتصاد التونسي لذلك على مدى 12 سنة (1996 – 2008). وفي هذا الإطار تم اعتماد اندماج الاقتصاد التونسي في العولمة، الأمر الذي حتّم تقسيم البلاد إلى نصفين: تونس الساحلية أين تتجلى الدينامية الاقتصادية وإبرازها وكأنها الوحيدة القادرة على الاندراج في النظام العالمي؛ وتونس الداخلية التي لا تملك الموارد، فقدرها الإعانة من طريق مساعدة الدولة للسكان على تحسين أوضاعهم الحياتية عبر آلية إعادة التوزيع.

ثانياً: أسباب الثورة التونسية

لم تكن الثورة الشعبية التي أطاحت حكم زين العابدين بن علي مُؤطرةً من جانب الأحزاب والحركات الأيديولوجية التقليدية (الماركسية والقومية والإسلامية)، التي لم تستطع أن تركب موجة الحراك الاجتماعي وأن تقود المتظاهرين في شوارع المدن التونسية، وهنا تكمن فرادتها الحقيقية، إذ إنها ثورة غير أيديولوجية بالمعايير التي نعرفها عملياً ونظرياً. فالقوة التي أدت دور المحرك الرئيس في هذه الثورة، وفي قيادتها حتى سقوط الرئيس بن علي، هي الحركة الشبابية المتكونة أساساً من طلاب الجامعات والخريجين الجامعيين العاطلين من العمل، وتعاظم الإحساس بالظلم الاجتماعي الناجم عن حالة الفساد التي عرفتها تونس، واستئثار قلة قليلة من المستفيدين من عائلة الرئيس بجزء مهم من الاقتصاد الوطني في قطاعات متنوّعة، مثل البنوك والصناعة والعقارات والسياحة. بهذا المعنى نفهم لماذا انطلقت هذه الثورة الاجتماعية من الوسط الغربي، وانتشرت أساساً في المناطق المحرومة التي تُعاني الظلم وفي أجواء الشعور بالحيف الجهوي والغبن الساري بين أبناء تلك الولايات المنسية، الذي لم يكن ينتظر أكثر من عود ثقاب، سرعان ما قدحه الشاب محمد البوعزيزي. هي إذاً ثورة مدنية عفوية غير مسيسة، رغم التحاق بعض المتحزبين بها بعد اندلاعها. ولا ننسى هنا انحياز عدد كبير من نقابيي الاتحاد العام التونسي للشغل إلى جانب هذه الثورة باعتباره القوة الشعبية الكبرى والمنظمة في تونس منذ عهد الاستعمار فالاتحاد تجاوز بنضالاته الشعبية الوطنية حدود نضالات الأحزاب السياسية المعارضة. فالملحوظة الواجب إبرازها هنا هي أن هاته الثورة ما كانت لتقع لولا هبة الشعب التونسي كرجل واحد. ففي سنة 2008 وقعت احتجاجات كبرى بولاية قفصة دامت أكثر من شهر، وقد نجح النظام القائم في حصرها مجالياً آنذاك، ثم حصل الأمر نفسه في مدينة بن قردان في رمضان 2010، لكن في أواخر 2010 وأوائل 2011 ساهم تضامن الشعب ضد الهجمة البوليسية في اندلاع الثورة وفي إخراجها للعالم من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، فهذه الثورة لم تكن لتقوم لو لم تكن الإنترنت.

1 – الأسباب الاقتصادية والاجتماعية

يلاحظ المتأمل في وضع الاقتصاد التونسي قبيل الثورة أن تونس كانت – كما يراها الكثير من الدول الغربية والمتتبعين المتخصصين ومؤسسات الرصد السياسي الدولية – بعيدة من أن تكون دولة مؤهلة لإحداث التغيير السياسي والاجتماعي؛ حتى ولو كان إصلاحياً ومحدوداً. فلقد كانت كل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الوطنية توحي بالاستقرار الاجتماعي، وبأن الوضع العام لا يعاني أي خلل يمكن أن يسهم بهذا الحد أو ذاك في خلق احتقان شعبي وتوتر اجتماعي. إلا أن الواقع هو تميُّز الوضع الاقتصادي بتونس بوجود اختلال كمّي وفوارق نوعية وهيكلية بين الجهات تتمثل بنوعية الخدمات في علاقات الإنتاج والروابط الاجتماعية، ونوعية الصناعات والذهنيات والسلوكيات والتركيبة الاجتماعية. تتميز الدواخل والأرياف والمناطق الفقيرة بتهميش اجتماعي واقتصادي أساساً بحيث جعل المطالب الأساسية للسكان بعد ثورة 14 يناير 2011 تتلخص في التشغيل والتنمية والكرامة وتوافر العدالة الاجتماعية وكل مقومات الحياة الكريمة، وانتهاج سياسة اقتصادية واجتماعية شعبية ووطنية تقضي على الرشوة والغش والمحسوبية والفساد، من دون تمييز بين الجهات والمناطق المختلفة للبلاد، وتعمل على تنمية كل المناطق الهشة التي كانت مقصية في المرحلة السابقة، إضافة إلى تركيز الديمقراطية وغرس ثقافة حقوق الإنسان.

ولإبراز التفاوت الجهوي بين الولايات في الحصول على متطلبات الحياة الكريمة للسكان، سنطبق ضمن إطار بحثنا طريقة تحليل المكونات الرئيسية (ACP) على مجموعة من المؤشرات لسنة 2010 (14 مؤشراً) باستخدام البرمجية XLSTAT. هذه الطريقة تسعى لتجميع معلومات واضحة في جدول واحد لهدف يتمثل بإبراز مجموعات متجانسة من الولايات أخذاً بالاعتبار مؤشرات التنمية المختارة (انظر الملحق الرقم (2)). بعد قراءة الرسم البياني الناتج من تطبيق طريقة تحليل المكونات الرئيسية (ACP) يمكن أن نقسم ولايات الجمهورية إلى ثلاث مناطق متجانسة مختلفة في ما بينها حسب مستوى التنمية (انظر الشكل الرقم (1)):

الشكل الرقم (1)

التفاوت المحلي حسب طريقة تحليل المكونات الرئيسية

المصدر: المؤلف.

– مناطق متميزة بتنمية ضعيفة وتشمل – حسب الترتيب من حيث ضعف التنمية – ولايات القصرين، سيدي بوزيد، القيروان، سليانة وجندوبة (المناطق المنقّطة في الشكل الرقم (2)).

– مناطق متميزة بتنمية متوسطة وتشمل ولايات زغوان، باجة، الكاف، قفصة، مدنين، تطاوين، المهدية، بنزرت، قابس، توزر، قبلي، منوبة، صفاقس ونابل (المناطق المرقّطة في الشكل الرقم (2)).

– مناطق الأكثر تنموية بالجمهورية وتشمل ولايات تونس، أريانة، بن عروس، المنستير وسوسة (المناطق المخطّطة في الشكل الرقم (2)).

تاريخياً، وفي إثر الاستقلال، ركزت الدولة استراتيجياتها التنموية في مناطق محددة أين يبرز الساحل التونسي كمنطقة تنمية ذات أولوية؛ وذلك نظراً إلى التمثيل القوي لهاته الجهة في مختلف دواليب الدولة. زد على ذلك اعتبار المناطق الداخلية للبلاد – وبخاصة منها الجنوبية – مناطق معارضة للرئيس السابق الحبيب بورقيبة ومسانِدة لعدوِّه اللدود الزعيم صالح بن يوسف. وخلال مدة حكم بن علي ظل هذا التمشي مسيطراً على دواليب الدولة بسيطرة بعض الأشخاص (رجال أعمال ورجال سياسة) من جهة الساحل على القرار الوطني، سواءٌ أكان تنموياً أو دبلوماسياً، بحيث نتج منه تفاقم التفاوت الجهوي. فهذا التفاوت بين الولايات هو نتاج لسياسة تنموية غير مجدية اتبعتها تونس منذ عقود، مما يستوجب اعتماد سياسات مستقبلية تنتج تحقيق التنمية المستديمة لكل الولايات وبخاصة الداخلية منها. ولقد اندلعت ثورة 14 يناير لتبرز غضب الشعب التونسي من الفساد المستشري بالبلاد، وارتفاع أسعار الغذاء، وزيادة الفقر (وبخاصة في المناطق الداخلية)، وارتفاع متوسط معدل البطالة، وتجاهل الدولة هذه المشكلات ذات الطابع التنموي والاجتماعي إضافة إلى تزييف الإعلام الوطني للحقيقة.

الشكل الرقم (2)

خريطة تبرز التفاوت الجهوي في تونس

المصدر: المؤلف.

 

الشكل الرقم (3)

خريطة تُبرز التفاوت الجهوي لمؤشر الفقر بتونس سنة 2010

المصدر: المؤلف – اعتماداً على مؤشرات المعهد الوطني للإحصاء.

فعند متابعتنا الشكل الرقم (3) نلاحظ تمركز النسب العالية للفقراء في الجهات الغربية من البلاد – وبخاصة بالوسط الغربي – بـ 32.3 بالمئة سنة 2010. أما مؤشر البطالة حيث كان المعدل الأعلى للبطالة سنة 2011 في البلاد لجهة الوسط الغربي (28.6 بالمئة)، تليها جهة الجنوب الغربي (24.8 بالمئة)، في حين أنها لم تتجاوز 11 بالمئة في الوسط الشرقي. أما في ما يتعلق بمعدل البطالة من خريجي الجامعات فولاية قفصة تحتل المركز الأول بنسبة 47.4 بالمئة، أي نحو ضعفي المعدل الوطني المقدر بـ 23.3 بالمئة. ثم ولاية جندوبة (40.1 بالمئة) ثم سيدي بوزيد (41.0 بالمئة) ثم ولاية قابس (39.4 بالمئة)، فتطاوين بـ 39.1 بالمئة والقصرين بـ 38.9 بالمئة. أما خلال سنة 2012 فكانت ولاية تطاوين بأقصى الجنوب التونسي في المرتبة الأولى وطنياً في نسبة العاطلين بقرابة 51.7 بالمئة 51.7 (انظر الشكل الرقم (4)).

كذلك تشهد مؤشرات الصحة المتعلقة بالإفراد تفاوتاً كبيراً في تونس، وكمثال على ذلك نجد مؤشر أمل الحياة عند الولادة، الذي رغم ارتفاعه نتيجة تحسن عام في الأوضاع الصحية والمعيشية، حيث بلغ 74.5 خلال سنة 2009، فإن هناك اختلافات كبيرة بين المناطق الساحلية والداخلية فيه، إذ إن متوسط ​​أمل الحياة يقدر بحوالى 77 سنة في ولايات تونس وصفاقس، في حين يقدر بـ 70 سنة في ولايات القصرين وتطاوين (الشكل الرقم (5)).

يُعَدّ التفاوت الجهوي من أهم المشكلات التي تعيشها تونس، نظراً إلى الوضع الراهن لمستوى التنمية والتفاوت الملاحظ، الذي أصبح بالأساس ومنذ نهاية السبعينيات تفاوتاً بين منطقتي الساحل والشمال الشرقي وبين ولايات الداخل وبخاصة منها الوسط والشمال الغربي. فتاريخياً وفي إثر الاستقلال، ركزت الدولة استراتيجياتها التنموية في مناطق محددة أين يبرز الساحل التونسي كمنطقة تنمية ذات أولوية، وذلك نظراً إلى التمثيل القوي لهاته الجهة في مختلف دواليب الدولة. فهذا التفاوت بين الولايات هو نتاج لسياسة تنموية غير مجدية اتبعتها تونس منذ عقود، وهو ما يستوجب اعتماد سياسات مستقبلية تنتج تحقيق التنمية المستدامة لكل الولايات وبخاصة الداخلية منها. بهذا المعنى نفهم لماذا انطلقت هذه الثورة الاجتماعية من أبناء العائلات الفقيرة والوسطى بجهات الوسط الغربي (ولايتَي سيدي بوزيد والقصرين)، وانتشرت أساساً في المناطق المحرومة التي تُعاني الظلم وفي أجواء الشعور بالحَيف الجهوي والغبن الساري بين أبناء تلك الولايات المنسية. وقد اندلعت ثورة 17 ديسمبر 2010 – 14 يناير 2011 لتُبرز غضب الشعب التونسي من الفساد المستشري بالبلاد، وارتفاع أسعار الغذاء، وزيادة الفقر – وبخاصة في المناطق الداخلية – وارتفاع معدل البطالة، وغلاء المعيشة، وتجاهل الدولة هذه المشكلات ذات الطابع التنموي والاجتماعي إضافة إلى تزييف الإعلام الوطني للحقيقة.

الشكل الرقم (4)

خريطة تبرز التفاوت الجهوي لمؤشر البطالة بتونس سنة 2012

المصدر: المعهد الوطني للإحصاء (2012).

 

الشكل الرقم (5)

خريطة تبرز التفاوت الجهوي لمؤشر أمل الحياة بتونس

المصدر: وزارة التنمية الجهوية الكتاب الأبيض للتنمية 2011.

 

الشكل الرقم (6)

خريطة تبرز تطور الاحتجاجات بتونس من سنة 2008 إلى غاية ثورة 2011

المصدر: المؤلف.

2 – الأسباب السياسية

كان لسياسة النظام السابق الأثر الكبير في تنامي الغضب الشعبي في تونس حيث برز النظام بضعفه، ولا سيَّما بدءاً من أواخر التسعينيات، حين بدأ أخطبوط عائلة زوجة الرئيس ليلى الطرابلسي في البروز. كما أن الملاحظ هنا هو تركيز النظام على إبراز بعض المؤشرات الطيبة – رغم أنها مشكوك في صحتها – والتغاضي عن بعض المؤشرات الأخرى والتقليل من أهميتها وأهمية التفاوت الواضح بين الجهات (مثل مؤشر البطالة والفقر). كما أن عدم المصارحة بوجود المشاكل ونفيها أسهم في زيادة شحن المواطنين، وبخاصة منهم الشباب الذي لم يجد مكاناً يعبِّر فيه عن آرائه ومواقفه بخلاف ملاعب كرة القدم التي أصبحت مسرحاً للصراعات الجهوية والصراعات مع الأمن. كما أن عدم قدرة بعض الولاة والوزراء على إيجاد الحلول لمشاكل الجهات ولّد غضباً شعبياً – غير معلن خوفاً من العصا الأمنية للنظام – سرعان ما تفاقم بمرور الوقت نتيجة بقاء النظام نفسه في السلطة؛ وهو ما أسهم في انغلاق الحياة السياسية واحتكار الحزب الحاكم للشأن العام وهيمنته على دواليب الدولة؛ وسيطرة المجتمع السياسي على مؤسسات المجتمع المدني ومحاصرتها؛ وسيادة النمط العائلي في الحكم، والسيطرة على منظومة الاتصالات والمجال الإعلامي؛ إضافة إلى أن القضاء تميز بتبعيته المطلقة لأوامر وزارة الداخلية وتوصياتها حيث استعمل كأداة لتصفية الحسابات مع المعارضين السياسيين والنقابيين والحقوقيين الذين تُفبرَك لهم المحاكمات وتلَفَّق لهم التهم ليتم الزج بهم في السجون. نشير هنا على سبيل المثال إلى ما تعرض له التحرك التاريخي الذي أقلق النظام السابق سنة 2005، وهو هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات التي جمعت قوى اليمين واليسار لمواجهة النظام وفضح ممارساته وفساده في العالم، وقد كان نشاطها بارزاً خصوصاً خلال قمة المعلومات العالمية التي احتضنتها تونس في 2005.

3 – الأسباب المتعلقة بالفساد

يمكن القول إن المفكر التونسي الكبير عبد الرحمن بن خلدون كان أول من انتبه إلى مركزية عامل الفساد السياسي في استقرار الدول وانحطاطها، من خلال ما أطلق عليه «علم العمران» في مقدمته الشهيرة، وإضافته لما يعرف بالنسق الخلدوني الذي وضعه لقيام الدول وانقراضها؛ حيث حدد خمسة أطوار لحياة الدول، معتبراً أن الطور الذي يخترق فيه الفساد مؤسسة الدولة مؤشر لطور انحطاطها ودليل على حتمية انقراضها. وفي تونس شهدت البلاد خلال السنوات الأخيرة من حكم بن علي تغلغـلاً كبيراً للرشوة والفساد، وبخاصة في الأوساط ذات النفوذ السياسي أو الاقتصادي أو الإداري التي تستغلّ نفوذها للحصول على امتيازات ومنافع كبيرة مثل الصفقات العموميّة أو التفصّي من دفع الأداءات الجبائية؛ إذ كدس المقربون من النظام ثروات هائلة من خلال سيطرتهم على قطاعات متعددة من الاقتصاد التونسي. وضربت شبكة أقرباء الرئيس وزوجته «خيوطاً عنكبوتية» حول كل القطاعات، مثل الهاتف النقال والبنوك والتعليم الحر ومجال الطيران والنّزل ومحطات الراديو الخاصة، ومركّبات لتجميع السيّارات ومؤسّسات الاستثمار العقاري. كما ضربت آفة الرشوة عدة قطاعات، وبخاصة الديوانة والانتدابات في الوظيفة العمومية (قطاع التعليم الثانوي بصفة خاصة)، وأصبحت وكأنها من البديهيات في التعاملات، وبخاصة في الإدارات المركزية. كما تجاوزت شبهات الفساد واستغلال النفوذ حدود الدولة التونسية لتشمل اتفاقيات مشبوهة مع جهات خارجية مثل صفقة مطار النفيضة ولزمات الهاتف الجوال.

 

ثانياً: تونس ما بعد الثورة

تعيش تونس منذ الثورة مرحلة صعبة ومعقدة تتميز بتزاحم الأفكار والخيارات والقرارات في الوقت الذي تتزايد المشاكل والتحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية؛ وهو ما أنتج تراخياً في الإجماع الوطني الذي ميّز المرحلة الأولى من الثورة، حيث أصبحت الصراعات الحزبية والنقابية والعقائدية بارزة للعيان. وتميزت هاته الفترة بمطالب شعبية مشروعة لدى مختلف القطاعات الاجتماعية، إلا أن بعض من يرفعون تلك المطالب يعتقدون أن الحكومة تملك مفاتيح الحل السحري لجميع المشاكل وفي أقرب الآجال، وهذا أمر يصعب تحقيقه في هذه المرحلة نظراً إلى محدودية الإمكانات بتونس، ونتيجة ما ورثته البلاد من أزمات اقتصادية واجتماعية أيضاً، إلى جانب تصدع علاقة المواطن بالدولة وفقدان الثقة بين الطرفين وضغوط الأحداث الخارجية من جوار إقليمي متوتر، وارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية في الأسواق الدولية.

1 – الاقتصاد ما بعد الثورة

تواجه تونس بعد مضي نحو ست سنوات على ثورة 14 يناير 2011، تحديات كثيرة نابعة من طبيعة العلاقة بين القوى السياسية العاملة على الساحة، وبخاصة تلك التي تقاسمت مقاعد مجلس نواب الشعب بنتيجة انتخابات عام 2014. ولا تزال هناك تخوفات متعددة لدى الشارع من النجاح في التحدي الاقتصادي والاجتماعي. فإيجاد حلول للفقر والبطالة والتفاوت التنموي الجهوي في تونس يعَدُّ من الإشكاليات الرئيسية التي يجب على الحكومة مواجهتها بفعالية، في ظل إغلاق الكثير من المصانع والمؤسسات الخاصة نتيجة الصعوبات الاقتصادية وتأثير الوضع الأمني المتدهور في ليبيا، أضف إلى ذلك تذبذب حركة السياحة التي كانت تشكل مصدراً مهماً من مصادر الدخل الوطني التونسي، وبروز ظاهرة الإرهاب الذي زاد من وطأة الأوضاع الاقتصادية. فاليوم تُعَد التنمية المحلية وإيجاد مواطن شغل للعاطلين من العمل من أهم الملفات الشائكة التي تواجهها تونس؛ إذ لم تفلح كل برامج التنمية في إيجاد الحلول المناسبة لها. ففي الإطار العام للانفتاح والعولمة، من الصعب جداً أن يقع العدول الفوري عن بعض الخيارات التي انتهجتها البلاد التونسية منذ زمن، لكن في الوقت نفسه لا يمكن أن تتواصل السياسات المحلية لتنمية الجهات بالطريقة نفسها. وهذا يستوجب القطع مع الحكم العمودي والمسقط إلى الحوكمة أو الحكم الرشيد النابع من الشعب، الذي من المفروض أن يتحمل العبء الأكبر في تحديد الخيارات ورسم التوجهات وإقامة المنوال الجديد للتنمية.

يعَدّ الاقتصاد التونسي أكثر المتضررين بعد الثورة، حيث زادت البطالة بفعل غلق الكثير من المؤسسات من جراء الاعتصامات وغياب الأمن، كما تميزت هاته الفترة بارتفاع ملحوظ للتضخم، إضافة إلى عجز في الميزانية وارتفاع للمديونية وتدهور القدرة الشرائية. بيد أن الوضع الاقتصادي لا يتوقف فقط على تحسين الظروف الحياتية من نوع توفير الشغل والغذاء والدواء والمسكن وتطوير البنية التحتية، ولا على المعاناة من جرّاء الأزمة الاقتصادية الخانقة نتيجة اتباع اقتصاد السوق وخوصصة القطاع العام، وإنما هو أيضاً نتيجة لعوامل روحية أخلاقية وثقافية تتعلق أساساً بقيم الكرامة والقناعة والعزة والمساواة والعدالة التي تم تدنيسها واستبدالها بقيم معولمة تستمد من السوق، وبخاصة بعد انتشار سابق للظلم والغطرسة والتفاوت والفوقية والإذلال التي تعرضت لها فئات شعبية. ورغم محاولات الحكومة فإن الوضع الاقتصادي يشهد صعوبات كثيرة بشهادة أصحاب القرار وبعض الوزراء أنفسهم. كما أسهمت القوى النقابية في تعميق الضغوط على ميزانية الدولة من خلال اشتراط زيادة في أجور الموظفين في الإدارات العمومية وهو الذي أسفر عن الكثير من الإضرابات القانونية وغير القانونية.

2 – التنمية الجهوية بعد الثورة

تعَدّ التنمية الجهوية من أوكد اهتمامات حكومة ما بعد الثورة، وتتمثل أهدافها المؤمل تحقيقها في الولايات المتميزة بتنمية ضعيفة بأربع نقاط:

(أ) التوازن المجالي، وهو يتمثل بالعمل على إيجاد بنية ترابية متوازنة قابلة للتأقلم مع جل الظروف الخارجية والداخلية. وتتمثل هذه البنية بتوزيع معتدل للسكان والمدن والأنشطة الاقتصادية والتجهيزات الأساسية على نحوٍ يضمن تنمية كل الولايات بصورة متكافئة؛ (ب) المواطنة، وهي تتمثل بالإنصاف بين الأفراد والولايات والحد من الفوارق بين الجهات؛ (ج) الديمقراطية، وهي ترتكز على تمكين الفرد من أن يكون مواطناً بأتم معنى الكلمة، وذلك عبر المساهمة الإيجابية والفعلية في كل جوانب الحياة الاجتماعية في مختلف المستويات الترابية؛ ثم (د) الحوكمة (أو الحكم الرشيد)، وتتمثل بالمشاركة الفعلية في الشأن المحلي والجهوي والتصور والخيارات بما يتطلب تشريك كل الفاعلين في المنطقة في عملية وفاقية تضمن اندراج كل الأطراف في العملية التنموية؛ فالدولة موجودة من خلال من يمثلها، لكن المسيِّر الفعلي يجب أن يكون منتخباً وممثـلاً للسكان، إضافة إلى مجالس تضم المصالح الفنية الجهوية والمحلية لتتولى الاستشارة والدراسات.

إلا أن الملاحظ أن التنمية الجهوية لم تحقق تغييراً كبيراً مقارنة بما كانت عليه قبل الثورة، وذلك لعدة أسباب، منها التعطيلات وبطء العمل الإداري والفوضى الأمنية وعزوف المستثمرين عن الاستثمار في هاته المناطق. وقد أسفر هذا الوضع عن وقوع عدة احتجاجات في كثير من الولايات الداخلية التونسية، وهو الأمر الذي يزيد في عراقيل الاستثمار في هاته المناطق. ولتحقيق التنمية الجهوية في هذه المرحلة الجديدة في إثر الثورة يتحتم المرور بعناية بكل ما هو مرافق وخدمات؛ ولكن يجب عدم الاقتصار على هذين المقوِّمين الأساسيين لتتعدى إلى ما هو هيكلي وبنيوي، أي النهوض بالجهات من الداخل وجعلها تقوم بدور فعّال على المستوى الوطني على نحوٍ متكافئ مع مختلف الجهات، لتسهم في صيرورة البلاد والوطن. ولا يتم ذلك إلا من خلال تمكينها من آليات وإمكانيات الاعتماد على الذات ولو نسبياً وبدرجة محدودة تبعاً لإمكاناتها وخصوصياتها ومعوقاتها. ولتحقيق ذلك يتحتم تلميع صورة الجهة لتكون منطقة جذب السكان والإطارات والمستثمرين بدءاً بأصيلي المنطقة، لا منطقة تنفير لا تستطيع حتى شد سكانها لعدم توافر الشغل. فلا وجود لتنمية جهوية أو محلية من دون وجود فاعلين جهويين أو محليين، يأخذون على عاتقهم عملية التنمية، إضافة طبعاً إلى الفاعلين الخارجيين، سواء كانوا من الوطن أو من خارجه، وتدخّل الدولة التي تُعَدّ من أهم الفاعلين، أيّاً كان النظام السياسي والاقتصادي المتبع، وذلك لمساعدة الفاعلين المحليين إن وجدوا وخلقهم إن فقدوا. من هنا وجب العمل الفعلي على اللامركزية الإدارية والاقتصادية مع تقييم كل السياسات التنموية التي جرى اتباعها إلى حد اليوم، إضافة إلى وجود شفافية تسمح بإصلاح شامل للنظام الجبائي، من شأنه أن يمكِّن المناطق المحظوظة من أن تسهم في تنمية المناطق المحرومة والفقيرة على نحوٍ يمكِّن من تمويل التنمية الجهوية والمحلية.

خاتمة

يُعَدُّ التفاوت التنموي الجهوي والمحلي من أكبر المشكلات التي تواجهها تونس؛ فاليوم بات أكثر من ضروري إعادة النظر في منوال التنمية المتبع، وتحديد رؤى جديدة وبلورة مقترحات وحلول كفيلة بإعادة صوغ نمط جديد للتنمية الجهوية في تونس بالاستئناس بالتجارب المسجلة في بعض البلدان النامية والمتقدمة. فمنذ الاستقلال تركزت جهود التنمية في المناطق الساحلية التي كان يُظنُّ أن تنميتها بالاعتماد على السياحة والصناعة سوف يؤدي بصفة آلية إلى تنمية الجهات الداخلية، غير أن ذلك لم يحدث. وهذا الأمر لا ينفي تطور مختلف الولايات منذ الاستقلال، على مختلف الصعد من ناحية التجهيزات الأساسية والتمدرس والصحة والسكن والطرقات. وهذا أمر طبيعي جداً خلال فترة تجاوزت الخمسين سنة، لكن غير الطبيعي هو بقاء التفاوت التنموي الجهوي على حاله بين مناطق الساحل والشمال الشرقي وبين مناطق الوسط الغربي والجنوب. فالتنمية الجهوية أو المحلية لا تقتصر على خلق مواطن شغل أو بعث بعض المشاريع أو المرافق، ولا تقتصر على تحقيق معدلات نمو وطنية إيجابية، وإنما تكمن أساساً في مقاومة الإقصاء والتهميش وتوزيع الثروة بصفة عادلة بين مختلف الولايات، الأمر الذي ينتج توفير مواطن الشغل وإنشاء التجهيزات الأساسية والاقتصادية وبعث المرافق الاجتماعية. من هنا، على الدولة إعادة تحديد دورها في المنظومة الاقتصادية، وإعادة النظر في العلاقة بينها وبين القطاع الخاص لتحديد استراتيجية لفترة ما بعد الثورة. هذا الأمر يستوجب إيجاد التمويل المناسب من خلال إرساء آليات وإنشاء مؤسسات في شكل بنوك وشركات تنمية جهوية وبعث صندوق للتنمية الجهوية في الولايات المهمَّشة، كما يستوجب الأمر تحوير مجلة الجباية لتمكين الجهات والمناطق الفقيرة من موارد مالية مناسبة وتمكين الولايات من نسبة من عائدات مواردها الطبيعية كما ينص على ذلك دستور الجمهورية التونسية.

 

عن تونس أيضاً  مؤسسة الرئاسة في تونس بين الثابت والثورة الدستورية

#مركز_دراسات_الوحدة_العربية #التنمية #تونس #التنمية_في_تونس #التفاوت_الجهوي #التمنية_الجهوية_في_تونس #أسباب_الثورة_التونسية #الوضع_الاقتصادي_في_تونس #الاقتصاد_التونسي #دراسات