تعَدّ السعودية فاعلًا مهمًّا في السياسة الإقليمية، فهي تسعى للقيام بدور قيادي في منطقة الخليج العربي، وفي النظام العربي والإسلامي عمومًا، هذا إلى جانب سعيها لموازنة النفوذ الإيراني في المنطقة. تتسم السياسة الخارجية السعودية عادة بالبراغماتية والمحافظة، أما بالنسبة إلى ملامح تلك السياسة تجاه اليمن فقد شهدت تغيرات متعددة تاريخيًا، فبعد سنتين فحسب من إعلان تأسيس الدولة السعودية الثالثة تحت مسمى «المملكة العربية السعودية» عام 1932 نشبت حرب خاطفة بينها وبين المملكة المتوكلية اليمنية عام 1934، وتمت تسويتها بموجب اتفاقية الطائف التي لم تكن موضع رضا تام من جانب اليمن نظرًا إلى إقرارها بسيادة السعودية على جيزان ونجران[1]. ومنذ ذلك الوقت بدأت الحساسية الشديدة من جانب المملكة تجاه أي تحولات من شأنها أن تغير من المعادلة السياسية في اليمن. واستمرت السعودية في الوقوف ضد أي محاولة للتغيير في هذا البلد. تلك الحساسية السعودية هي نفسها التي أدت إلى شدة تأثر السياسة الخارجية السعودية بالانتفاضة الشعبية التي حدثت في اليمن في شباط/فبراير2011 وتداعياتها وصولًا إلى انقلاب أنصار الله (الحوثيين) في أيلول/سبتمبر 2014، وبرز التغير في تلك السياسة أكثر مع وصول الملك سلمان بن عبد العزيز إلى السلطة، حيث ظهرت رغبة لدى المملكة في تنفيذ الردع الأمني سعيًا إلى إنهاء سيطرة الحوثيين ومواجهة تهديدهم لأمن المملكة من ناحية، ومواجهة النفوذ الإيراني من ناحية أخرى، فاتخذت قرار التدخل العسكري في اليمن في إطار ما عُرف بـ«عاصفة الحزم»[2].

ومن ثم يتحدد موضوع الدراسة في بحث التحولات السياسية اليمنية وانعكاساتها على السياسة السعودية، فالتحول السياسي في دولة ما قد يكون له مردوده على السياسة الخارجية لدولة أخرى في ضوء متغيرات تفسيرية معينة.

تمثل السياسة السعودية تجاه اليمن حالة مثالية للبحث في الكيفية التي تتأثر بها السياسة الخارجية لدولة ما تجاه دولة أخرى بتطورات الأوضاع السياسية الداخلية في هذه الدولة، ومن ثم تتحدد المشكلة البحثية في السؤال التالي: كيف انعكست التحولات السياسية اليمنية على السياسة السعودية؟

توجد علاقة ارتباطية بين التحولات السياسية الداخلية وسلوك السياسة الخارجية لدولة أخرى تجاهها، ومن ثم تفترض الدراسة أنه:

1- ثمة علاقة ارتباطية بين التحولات السياسية اليمنية والسياسة السعودية تجاه اليمن.

2- ثمة علاقة ارتباطية بين زيادة النفوذ الإيراني في السياسة اليمنية، وتغير السياسة السعودية تجاه اليمن.

3- ثمة علاقة ارتباطية بين عامل الجيوبوليتيك، والسياسة السعودية تجاه اليمن.

سوف تستند الدراسة إلى منهج تحليل السياسة الخارجية كإطار منهجي وتحليلي لظاهرة السياسة الخارجية من خلال وصف مختلف أبعادها، كالتوجهات العامة لها، وأهدافها، هذا إلى جانب تفسيرها من خلال تحديد مجموعة المتغيرات الداخلية والخارجية التي تؤثر فيها[3].

يمكن توظيف تحليل نسق السياسة الخارجية كمنهجية لدراسة السياسة السعودية تجاه اليمن من خلال التركيز على تحليل المحددات الخارجية للسياسة السعودية تجاه اليمن، التي تتمثل بالنظامين الإقليمي والدولي، والتحولات السياسية التي يشهدها اليمن منذ عام 2011، وكذلك بتحليل أدوات السياسة السعودية تجاه اليمن.

وسوف تنقسم الدراسة إلى المحاور التالية:

أولًا: تناول الأدب النظري لدراسة السياسات الخارجية تجاه النزاعات الداخلية

تعَدّ دراسة السياسات الخارجية تجاه النزاعات الداخلية من الأمور التي باتت مهمة في الوقت الراهن نظرًا إلى كثرة حالات التدخل الأجنبي في النزاعات والحروب الداخلية، ولتحليل السياسات الخارجية تجاه الحروب الداخلية ينبغي ملاحظة أن كلًا من شاغلي المناصب السياسية والمتمردين (أو الانقلابيين) والدول الأجنبية يسعون إلى الضغط بعضهم على بعض عبر التدخلات الخارجية لتحقيق مصالحهم الخاصة باستخدام قدر معين من السلطة، كما يسعى كل منهم إلى البحث عن حلفاء إلى جانب تدمير تحالفات الطرف الآخر. كما ينبغي ملاحظة أن كل المشاركين في الحروب الداخلية لا يلتزمون بالشروط التي يحددها لهم النموذج المثالي للسياسة الخارجية، ومن ثم تظهر انتهاكات حقوق الإنسان وسيادة الدول، نظرًا إلى سعي كل طرف لتحقيق مصالحه الخاصة وإضعاف الطرف الآخر.

يوضح جورج مودلسكي الخيارات المتاحة أمام السياسة الخارجية تجاه الدولة التي تشهد حربًا داخلية على النحو الآتي:

1 – مساعدة الطرف الأضعف الذي عادة ما يكون الطرف المتمرد، ومن ثم المساعدة على الشروع في التخريب.

2 – مساعدة الطرف الأقوى الذي عادة ما يكون من شاغلي المناصب الرسمية ومن ثم الشروع في المساعدة الخارجية.

3 – العمل على إيجاد حل توافقي للنزاع عبر الوساطة وبالتالي يكون التخريب، والمساعدة الخارجية، والوساطة هو الأنماط الثلاثة لردود فعل السياسة الخارجية تجاه الحرب الداخلية، وفي هذا السياق يشير مودلسكي إلى أنه لا يوجد بديل رابع، ولا سبيل للدولة الثانية لتفادي التورط في الحرب الداخلية، على الرغم من أن بلدًا ما قد يقرر عدم التصرُّف على الإطلاق، وعدم فعل أي شيء وعدم قول أي شيء إلا أنه من خلال هذا الفعل نفسه قد يساعد من غير قصد في بعض الأحيان على صوغ نتيجة العملية لأنه برفضه القيام بأي فعل فهو بذلك يساعد الطرف الأقوى على قمع الطرف الضعيف، وهذا يعني أن عدم التدخل في حد ذاته قد يحمل معنى التدخل أيضًا، بما يعني أنه لا توجد حرب داخلية من دون تدخل دولي[4].

ثانيًا: التحولات السياسية اليمنية

شهدت المنطقة العربية محاولات للتغيير والتحول منذ نهاية عام 2010، حيث ظهرت الانتفاضات الشعبية المطالبة بإسقاط النظم السلطوية، وعلى الرغم من اختلاف مسميات هذه المحاولات فهي كانت جميعًا تهدف إلى تغيير كلي من خلال إسقاط النظم السياسية لدولها أو تغيير جزئي من خلال القيام ببعض الإصلاحات، وبدأت هذه الانتفاضات في تونس ثم في مصر وليبيا واليمن وسورية، ويتضح من خلال متابعة الانتفاضات الشعبية في الأقطار العربية التي شهدت تحولات سياسية منذ عام 2011 أن الأسباب التي دفعت إلى المطالبة بالتغيير في هذه الدول متشابهة إلى حد كبير، فهي تدور حول مجموعة من العوامل السياسية المتمثلة بالاستبداد السياسي، وشخصنة السلطة، والفساد، وغياب معارضة حقيقية، وعوامل أخرى اقتصادية واجتماعية متمثلة بالبطالة، والفقر، وانخفاض مستويات الدخل، وغياب العدالة الاجتماعية، وسوء أوضاع التعليم والصحة وغيرها من العوامل الأخرى، إضافة إلى ذلك توجد عوامل خاصة بكل دولة على حدة، لأن كل دولة لها خصوصيتها الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية[5].

1 – تطور الأحداث منذ انطلاق انتفاضة اليمن في 2011
وحتى سيطرة أنصار الله على السلطة

كان نفوذ السلطة اليمنية آخذًا في التراجع قبل عام 2011 بأكثر من عشر سنوات، كما تم إيضاحه من قبل، فالسلطة اليمنية كانت مُواجهة بأكثر من تهديد من جانب أنصار الله من ناحية والحراك الجنوبي من ناحية أخرى، إلى جانب تآكل شرعيتها السياسية نتيجة للأزمات المتلاحقة وتردّي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقد اشتدت هذه التوترات السياسية إلى حد كبير في كانون الثاني/يناير عام 2011 حينما حدث خلاف بين النظام الحاكم وائتلاف يضم أحزاب المعارضة في تكتل سُمي «أحزاب اللقاء المشترك»، وقد نشأ هذا الخلاف نتيجة معارضة أحزاب اللقاء المشترك للمشروع الحكومي الساعي لتعديل الدستور على يلغي القانون الذي يقيد عدد ولايات الرئيس بولايتين فقط، ومن ثم تزايدت المعارضة لهذا المشروع كما ارتفعت الأصوات المطالبة بعدم التوريث[6].

يمكن تحليل أهم تطورات الانتفاضة اليمنية من خلال العناصر التالية:

أ – بداية التظاهرات 22 كانون الثاني/يناير 2011

بدأت تظاهرات حاشدة مكونة من طلبة وحقوقيين تطالب بإجراء إصلاحات سياسية وبتنحي الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وما كان من الحكومة سوى اعتقال عدد كبير من المتظاهرين والمحتجين ومن بينهم رئيسة منظمة صحافيات بلا قيود (توكل كرمان)، الأمر الذي زاد الموقف حدة، وانطلقت تظاهرات أخرى مدافعة عن المعتقلين، ثم اتسعت رقعة الاحتجاجات بانضمام أحزاب اللقاء المشترك، كما اتسعت جغرافيًا بالوصول إلى جميع أنحاء البلاد[7].

ب – مطالب المعارضة وارتفاع سقفها تدريجًا

بدأت مطالب المعارضة ممثلة بأحزاب اللقاء المشترك في التزايد تدريجًا، ففي شهر شباط/فبراير 2011 حددت المعارضة أهدافها في الآتي:

1 – إيقاف الحروب سواء في صعدة أو في الجنوب، إضافة إلى حل مشكلة الجنوب حلًا عادلًا.

2 – العمل بنظام الدولة اللامركزية على نحو يحقق العدالة لجميع أقاليم البلاد.

3 – إنهاء الفساد والمحسوبية وتطبيق مبدأ التوظيف على أساس الكفاءة لا على أساس قبلي أو عائلي.

4 – التنمية الاقتصادية وحل مشكلات البطالة والفساد.

لم تتوقف المطالب عند هذا الحد بل ارتفع سقفها، ففي30 آذار/مارس 2011 طالبت المعارضة بالآتي:

أ – تنحي الرئيس علي عبد الله صالح عن السلطة.

ب – إيقاف العمل بالدستور، وتأسيس مجلس وطني مؤقت، وتأليف حكومة تكنوقراط مؤقتة.

ج – الإفراج عن المعتقلين، وتفكيك أجهزة الدولة ومن بينها جهاز الاستخبارات، ومجلس الدفاع، وتأسيس منظمة أمن وطني[8].

ج – اشتداد حدة القمع من قوات الأمن تجاه المتظاهرين

استمرت الأجهزة الأمنية في ممارسة القمع والعنف تجاه المتظاهرين، وهو ما أدى إلى استمرار تزايد أعداد القتلى والمصابين، ورأى الرئيس السابق علي عبد الله صالح أن ما يجري في بلاده ما هو إلا تقليد لما يحدث في مصر وتونس من فوضى، ورأى أن هذه الانتفاضة لن تؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى، ودعا إلى حوار بينه وبين أحزاب اللقاء المشترك وقام بطرح مبادرة مضمونها استمرار تفاوض اللجنة الرباعية، وتعهد بأنه لن يمدد مدة الرئاسة ولن يقوم بتوريث السلطة، وقام بإلغاء التعديلات الدستورية التي سببت الغضب الشعبي[9].

وقد استخدمت قوات الأمن العنف والقمع تجاه المتظاهرين منذ بداية الاحتجاجات، وعمدت إلى قصف الأحياء المجاورة لأماكن الاعتصام، حيث قُدر عدد القتلى في المدة بين شباط/فبراير ونيسان/أبريل 2011 بنحو مئة قتيل على يد قوات الأمن[10].

د – تنحي الرئيس السابق علي عبد الله صالح بموجب المبادرة الخليجية

تم تقديم المبادرة الخليجية من جانب مجلس التعاون الخليجي في 3 نيسان/أبريل 2011 وذلك في إثر تعرض على عبد الله صالح لمحاولة اغتيال أُصيب فيها بجروح بالغة، وقد نُقل إلى السعودية لتلقي العلاج. وهي مبادرة سياسية أطلقتها دول الخليج لتهدئة الانتفاضة اليمنية، وعلى الرغم من أن علي عبد الله صالح قد أعلن في شهر نيسان/أبريل 2011 أنه يقبل هذه المبادرة وأنه سيتخلى عن السلطة بعد شهر من توقيع المبادرة، إلا أنه ظل يسوف في عملية التوقيع، كما أنه تراجع أكثر من مرة عن الموافقة على توقيع المبادرة إلى أن وافق أخيرًا على ذلك في 23/11/2011 [11]، ويمكن إيجاز أهم بنود هذه المبادرة في الآتي:

1 – الحفاظ على وحدة اليمن واستقراره.

2 – أن يتم انتقال السلطة سلميًا.

3 – إعطاء ضمانات للرئيس السابق علي عبد الله صالح ضد الملاحقة القانونية.

ولتنفيذ هذه المبادرة تم الاتفاق على تأسيس مؤتمر للحوار الوطني يضم القوى السياسية اليمنية كافة، على أن تكون مهمة هذا المؤتمر هي وضع رؤية مستقبلية للخروج من المرحلة الانتقالية بسلام وانتقال السلطة على نحو سلمي مع وضع حلول لمختلف القضايا المطروحة للنقاش مثل قضية صعدة وقضية الجنوب وغيرها من القضايا العاجلة[12]؟

كما تم الاتفاق على ضرورة صوغ دستور جديد، والبدء في الاستعداد لإجراء انتخابات في نهاية العملية الانتقالية، ومن الملاحظ على هذه المبادرة أنها أعطت للرئيس السابق علي عبد الله صالح أكثر من امتياز، وكان أول هذه الامتيازات هو الحماية من الملاحقة القانونية علاوة على إعطاء «صالح» مدة شهر قبل الرحيل عن السلطة، الأمر الذي طرح احتمالات أن يسعى إلى تسويف وتعطيل عملية انتقال السلطة، أو أن يحاول إحداث الوقيعة بين صفوف المعارضة والقضاء على المتبقي من الانتفاضة اليمنية، ولكن على الرغم من هذه الامتيازات تنحي علي عبد الله صالح عن السلطة وتم انتخاب نائبه عبد ربه منصور هادي في 28 شباط/فبراير 2012 رئيسًا للجمهورية[13].

2 – مؤتمر الحوار الوطني

انعقد مؤتمر الحوار الوطنى في 18 آذار/مارس 2013، وهو جاء كإحدى الآليات التنفيذية للمبادرة الخليجية، وقبل انعقاده ثارت التكهنات حول إمكان انعقاده، ومدى نجاحه المُتوقَع، وقد وصل المؤتمر إلى ختامه في 26 كانون الثاني/يناير 2014؛ من هنا بدأت التساؤلات حول مدى إمكان تنفيذ قراراته وتقييم مدى نجاحه[14].

واكب توقيت انعقاد مؤتمر الحوار الوطني عوائق كثيرة كان من الممكن أن تعرقل سيره، وعلى الرغم من ذلك استمر المؤتمر في الانعقاد حتى انتهائه، وكان ذلك نتيجة لمجموعة من العوامل من أهمها:

(أ) حيادية شخص رئيس الجمهورية الذي لم يكن طرفًا في النزاعات الدائرة بين السلطة والمعارضة قبل 2011، ومن ثم انعكس هذا الحياد على إتمام مؤتمر الحوار الوطني وخصوصًا في ظل احتواء المؤتمر لأطراف متنازعة كالحوثيين والحراك الجنوبي والسلفيين وفئات متنوعة كالمرأة والشباب.

(ب) ومن العوامل التي ساعدت على اتمام مؤتمر الحوار الوطني بنجاح صدور قرار مجلس الأمن الرقم 2051 الذي مثل رادعًا لكل من يحاول إعاقة المؤتمر عن سيره حيث نص على وقف جميع الأعمال التي تهدف إلى تقويض حكومة الوحدة الوطنية أو إلى تقويض عملية الانتقال السياسي.

(ج) من ناحية أخرى فإن مؤتمر الحوار الوطنى قد تضمن ضوابط للحوار تحول دون محاولات عرقلته من داخله حيث شكلت ضوابط الحوار آلية تحول دون قيام أحد الأطراف بإفشال المؤتمر أو عرقلته، ذلك لأن القرارات تُتخذ بالتوافق بين أعضاء كل فريق من فرق العمل وإذا تعذر التوافق يتم تحويل الموضوع إلى لجنة التوفيق لكي تقوم بالتقريب بين وجهات النظر المتعارضة، وإذا تعذر التوافق يتم التصويت على القرار وإذا حصل على موافقة ثلاثة أرباع الحضور في فريق العمل يعد نافذًا[15].

3 – الانقلاب الحوثي وتداعياته

ظلت قضية صعدة دون حل جذري لحقب طويلة، وكانت هذه القضية من الأسباب الرئيسية الداعية إلى تغيير النظام اليمني في عام 2011، فانتهز أنصار الله فرصة انطلاق الانتفاضة اليمنية وأعلن عبد الملك الحوثي خلال الاحتفال بالمولد النبوي الشريف عن مساندته لها، فانضم الحوثيون (أنصار الله) إلى ساحات التغيير، وحينما أعلن مجلس التعاون الخليجي عن المبادرة الخليجية أعلن الحوثيون عن رفضهم لهذه المبادرة لاعتقادهم بأنها لم تلبِ مطالب الشعب اليمني وأنها تمثل خيانة للشهداء، وعلى الرغم من رفضهم للمبادرة الخليجية إلا أنهم شاركوا في مؤتمر الحوار الوطني الذي هو أحد مخرجات المبادرة الخليجية، كما أنهم رفضوا الانتخابات الرئاسية المبكرة ولم يعترفوا للرئيس الجديد عبد ربه منصور بالشرعية[16].

وفي خلال سير جلسات مؤتمر الحوار الوطني وقعت حوادث عنف تضمنت اغتيال ومحاولة اغتيال عدد من كوادر الحوثيين، مثل اغتيال النائب عبد الكريم جدبان في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2013، كما خاض الحوثيون مواجهات مسلحة في منطقة دماج (حيث يوجد السلفيون) على مدى أواخر عام 2013 حتى مطلع عام 2014، وحينما انتهى مؤتمر الحوار الوطني كانت جماعة الحوثيين قد أحكمت سيطرتها على المنطقة وأخلتها من السلفيين، وهو ما مهَّد الطريق إلى الوصول إلى عمران، وهي مركز ثقل قبلي وعسكري مهم. ومن الملاحظ أن المدة التي أعقبت المباردة الخليجية قد شهدت نشأة تحالفات جديدة، حيث ظهر التحالف بين الرئيس السابق «صالح» من جهة والحوثيين من جهة أخرى، إذ تلاقت مصالح كلا الطرفين في هدف إفشال مؤتمر الحوار الوطني الشامل، حيث جاء رفض الحوثيين للمبادرة الخليجية منذ البداية نظرًا إلى أن هذه المباردة تقتضي تشكيل حكومة وطنية موحدة تفرض سيطرتها على كامل اليمن، وهو الأمر الذي يقتضي نزع السلاح من أيدي الحوثيين وهو ما يرفضونه تمامًا.

وقد أدى التحالف فيما بين صالح والحوثيين إلى تنامي قوة الحوثيين بدرجة كبيرة، حيث ساهم صالح في استيلاء أنصار الله على معسكرات الجيش اليمني في صعدة ومناطق أخرى قاموا بالسيطرة عليها، وهو ما أدى إلى تنامي قوة الحوثيين عسكريًا، الأمر الذي ساهم في نشر الفوضى في البلاد، كما أن الدعم الإيراني للحوثيين ساعد على تنامي قوتهم أكثر فأكثر أيضًا، فإيران كانت ولا تزال داعمة للحركة الحوثية منذ الحروب الستة التي خاضها الحوثيون ضد نظام صالح، فهي تنقل الأسلحة إلى جماعة الحوثي عبر طريق يبدأ من ميناء عصب الإريتري إلى مدينة شقراء التي تقع على ساحل جنوب اليمن، كما أنها أنشأت قاعدة عسكرية لها في إريتريا لمد الحوثيين بالسلاح، فإيران تمد الحوثيين بصواريخ مضادة للدبابات إضافة إلى الصواريخ البالستية وأسلحة متطورة ومواد متفجرة. إلى جانب ذلك فهي تقوم بدعم وتدريب الحوثيين وتقديم الدعم اللوجستي لهم، فضلًا عن الدعم الإعلامي والسياسي الذي تقدمه إيران إلى الحركة الحوثية. ونتيجة للدعم الكبير الذي حصلت عليه جماعة الحوثيين من صالح ومن إيران توغل نفوذ الحوثيين وبدأت سيطرتهم تقوى على مفاصل الدولة اليمنية، فوصلوا إلى عمران وأحكموا سيطرتهم عليها ثم فرضوا حصارًا محكمًا على مداخل العاصمة صنعاء، ولعل السبب الرئيس لرفض الحوثيين مسألة تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم فدرالية هو رغبتهم في السيطرة على السلطة حيث رفضوا تقسيم منطقة الشمال التي يسعون للسيطرة عليها إلى ثلاثة أقاليم فدرالية[17].

ثالثًا: انعكاسات التحولات السياسية اليمنية
على السياسة السعودية

تعدّ السعودية من أهم الفاعلين الخارجيين في اليمن، وكان الهدف العام للمملكة تاريخيًا هو منع جارتها في الجنوب من أن تصبح قوية أكثر من اللازم، ولكن مع التحولات السياسية الجارية في اليمن أصبحت السعودية غير قلقة الآن في شأن قوة اليمن أكثر من اللازم وإنما أصبحت مخاوفها تتمثل بأن تصبح اليمن ضعيفة جدًا، لأن المملكة لا تستطيع أن تتحمل عواقب وجود دولة فاشلة على حدودها ناهيك بخضوعها لنفوذ مختلف هو النفوذ الإيراني، فالآثار غير المباشرة لهذا الوضع قد تكون خطيرة على المملكة[18].

1 – أهم أهداف السياسة السعودية تجاه اليمن

تمثل اليمن بالنسبة إلى السعودية مركزًا حيويًا، وأهمية جيوسياسية، فكل ما يحدث داخل اليمن يهم السعودية، وكان هذا هو النمط العام للسياسة السعودية تجاه اليمن تاريخيًا، فالمملكة السعودية تخشى وصول نظام ثوري إلى السلطة في اليمن أو نظام ديمقراطي يكون منافسًا لسياستها، أو أي نظام يسعى إلى تغيير وضع المناطق الحدودية المتنازع عليها أو يسعى إلى تغيير اتفاقيات ترسيم الحدود بينهما. كما أن المملكة تخشى حدوث فوضى في اليمن تؤثر في أمنها. وبصفة عامة يمكن إيجاز أهم أهداف السياسة السعودية تجاه اليمن بعد عام 2011 في الآتي: الحد من تزايد نفوذ الحوثيين في اليمن، حيث تخشى السعودية من تزايد نفوذ إيران داخل اليمن بما يشكل خطرًا على أمن المملكة، ولذلك تعمل على:

أ – تأمين حدودها الجنوبية، وحماية أمنها القومي ضد أي تهديد قادم من الحوثيين أو من حليفتهم «إيران».

ب – ضمان أن يكون أي نظام جديد في اليمن مواليًا للمملكة السعودية لا مناهضًا لها.

ج – تأمين حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن.

د – موازنة النفوذ الإيراني في المنطقة والحد من تمدده في اليمن كونها البوابة الجنوبية للمملكة السعودية[19].

2 – أدوات السياسة السعودية تجاه اليمن عقب الانتفاضة اليمنية

أ – المبادرة الخليجية

جاءت المبادرة الخليجية بعدما فشل النظام اليمني في احتواء التظاهرات والحراك الشعبي، حيث انتقلت حركة التغيير من تونس إلى مصر ومنها إلى اليمن، فانتفضت الجماهير اليمنية وفي مقدمتها فئة الشباب، مطالبة بالتغيير وإسقاط النظام، فبدأت التظاهرات اليمنية في الاتساع والانتشار بين المحافظات كافة، وخصوصًا بعد سقوط النظام في مصر، وهو ما أعطى الثقة لليمنيين في إمكان اسقاط النظام.

وحينما أدرك صالح خطورة الأمر بدأ في تقديم بعض التنازلات إلى المعارضة، ولكنه حينما وجد أن عددًا من المسؤولين المدنيين والعسكريين قد انشقوا عن النظام شرع في طرح فكرة تخليه عن السلطة وفي اليوم نفسه أعلن حزبه أنه سيبقى رئيسًا للحزب حتى وإن تخلى عن السلطة، ومع تزايد حدة المطالب الشعبية المطالبة بإسقاط النظام اقترح «صالح» يوم 21 آذار/ مارس في حوار مع كبار قادة حزبه والمعارضة إمكان نقل السلطة إلى نائبه عبد ربه منصور هادي ثم تطور اقتراح صالح إلى المبادرة الخليجية، فوجدها فرصة مناسبة لإطالة أمد الانتفاضة ومحاولة إجهاضها.

ومن الجدير بالذكر أن صالح ظل يماطل في الموافقة على المبادرة الخليجية، وهو ما أدى إلى صدور أكثر من نسخة منها، إلى أن وافق أخيرًا بعد تعرضه لمحاولة اغتيال أُصيب في إثرها بجروح بالغة، وبعد تلقيه العلاج في السعودية عاد للموافقة على المبادرة الخليجية وإعلان تخليه عن السلطة وانتقالها إلى نائبه عبد ربه منصور هادي[20].

ب – عاصفة الحزم وتداعياتها

في 26 آذار/ مارس 2015 شنت السعودية غارات جوية على الحوثيين وحلفائهم في اليمن في ما عُرف بعملية «عاصفة الحزم»، التي نُفذت بدعم من تحالف عدد من الدول العربية والإسلامية ضم دول مجلس التعاون الخليجي (باستثناء عمان) والمغرب والسودان ومصر والأردن وباكستان. وفي هذا السياق قدمت الولايات المتحدة الكثير من الخدمات اللوجستية كما كان هناك تنسيق مشترك بين الاستخبارات الأمريكية والسعودية[21].

بدأت العمليات العسكرية بعد أن طلب الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي في 25 آذار/ مارس من مجلس الأمن الدولي المساعدة على وقف تقدم الحوثيين تجاه عدن، حيث كان هادي يقيم في صنعاء وقد تم اعتقاله، إلا أنه هرب بعد ذلك إلى عدن واستنجد بحلفائه في الرياض. وكان الهدف المعلن للسعودية من عاصفة الحزم هو حماية الحكومة الشرعية في اليمن، ووقف تقدم الحوثيين الذين يصف السعوديون حركتهم بمنظمة «إرهابية» تدعمها إيران، وقد كانت لهذه العملية أهداف محددة سعت المملكة لتحقيقها، كما كانت لها تداعيات على المستويات الإقليمية والعالمية[22].

ج – أهداف عاصفة الحزم

انطلقت عاصفة الحزم في آذار/ مارس 2015 وكان الهدف المُعلن لها هو استعادة الشرعية في اليمن، وإعادة الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى العاصمة صنعاء، ولكنها تضمنت أهدافًا أخرى أكثر أهمية يُمكن إيجازها في الآتي:

(1) إيقاف تمدد النفوذ الإيراني داخل اليمن: كانت تصريحات بعض عناصر القيادة الإيرانية توحي بالأهداف الحقيقية لإيران من دعم الحوثيين، حيث كانت تسعى لتحويل اليمن إلى منطقة موالية لمحورها إلى جانب سورية والعراق، وعلى هذا الأساس أرادت السعودية أن توقف تمدد ذلك النفوذ من خلال محاولة إفشال الانقلاب الحوثي وإعادة الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى سدة الحكم، وكان ذلك صعب المنال من دون عمل عسكري[23].

(2) أسباب داخلية خاصة بالسعودية: من المرجح أن الملك كان يأمل من خلال هذه العملية في تعزيز مكانة نـجله محمد بن سلمان الذي تم تعيينه رئيسًا للديوان الملكي، وأصغر وزير دفاع في العالم، ورئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والإنمائية (الذي تم تأسيسه حديثًا) وذلك عقب توليه منصب ولي العهد. وقد عززت وسائل الإعلام السعودية التي تسيطر عليها الحكومة صورة الأمير الشاب بأنه «القائد العام»، الذي يقود بشكل حاسم الهجمات على اليمن، كما نشرت وسائل الإعلام الكثير من الصور له وهو يشارك في توجيه حرب وإدارتها من مكتبه، ويزور الجنود في ساحة المعركة ويجلس في قمرة القيادة الخاصة بإحدى الطائرات المقاتلة، وغيرها من الأمور التي تضع صورة ولي العهد الجديد في موضع الاهتمام.

وكان تعيين الأمير محمد بن سلمان الشاب قد أثار وفقًا لبعض التقارير ردود أفعال سلبية من جانب الكثيرين داخل العائلة المالكة، وكذلك بين المواطنين السعوديين العاديين، كما ادعى البعض أن له تأثيرًا كبيرًا في والده، وأنه سيسيطر على مقاليد الأمور تدريجًا، وخصوصًا مع تقدم والده في العمر، كما أن منح محمد بن سلمان سلطات واسعة يعدّ تجاوزًا لإخوته الأكبر سنًا وكذلك لأولاد عمّه الأكبر سنًا، وهو الأمر الذي أثار لغطًا داخل العائلة المالكة، لذا أراد سلمان أن يعزز مكانة ابنه من خلال إظهاره كقائد للعمليات العسكرية في اليمن. كما يرى البعض أن الملك سلمان أراد أن يعزز دعائم حكمه هو شخصيًا من خلال اللعب بورقة القومية لحشد المواطنين وتوحيدهم حول هدف واحد، حيث ينظر المواطنون إلى إيران وحلفائها على أنهم خطر كبير، لذا فإن تنفيذ عمليات عسكرية ضد الحوثيين المدعومين من إيران يعد بمنزلة حشد للمواطنين وتوحدهم في صف واحد وهو ما يرسخ من دعائم حكم سلمان[24].

(3) إبقاء النظام اليمني تحت نفوذ النظام السعودي: تسعى المملكة السعودية تاريخيًا إلى إبقاء اليمن تحت نفوذها، نظرًا إلى ما يتمتع به من مكانة استراتيجية بالنسبة إلى السعودية فضلًا عن أهميته الجيوسياسية. لذا فإن السعودية تخشى دومًا وصول نظام ثوري في اليمن أو نظام ديمقراطي منافس لقيمها الأساسية أو أي نظام يحاول أن يخرج من السيطرة السعودية، فكما تم ذكره من قبل، ترفض السعودية أن يكون اليمن دولة قوية كما أنها ترفض أن يكون دولة ضعيفة جدًا أو دولة فاشلة، فهي تحاول أن تبقي عليه في حالة تجعله طوال الوقت ضمن مناطق نفوذها، وجاءت عاصفة الحزم لتؤكد هذه الفكرة، فالمملكة لا تسمح بوصول الحوثيين المدعومين من إيران إلى السلطة داخل اليمن، لذا فإنها ارتأت أن تنفيذ هذه العمليات العسكرية ضرورة لا غنى عنها لحماية أمنها القومي[25].

 (4) الرغبة في تغيير نمط السياسة الخارجية السعودية التقليدي القائم على الدبلوماسية، والسعي نحو إرساء الهيمنة السعودية في مواجهة النفوذ الإيراني: كانت هناك حالة سخط داخل السعودية من النهج القديم للسياسة الخارجية السعودية الذي كان يعتمد أكثر على التصرف بأسلوب دبلوماسي ويتحفظ في اتخاذ أي إجراء عسكري حيال دول الجوار. ومن ثم فإن إمساك السعودية بزمام المبادرة وتولي قيادة عاصفة الحزم كان بمنزلة تحول كبير في سياستها الخارجية حيث اتخذت المملكة ولأول مرة منذ عقود طويلة إجراءات استباقية. كما كان الملك سلمان يسعى إلى إرساء الهيمنة السعودية وإقامة تحالف سني في مواجهة النفوذ الإيراني الذي تشعر بأنه يحوطها من أكثر من جهة. فنظرًا إلى نفوذ إيران المتنامي في سورية والعراق ولبنان، تشعر السعودية – شأنها شأن دول الخليج العربي – بأنها محاصرة جغرافيًا وسياسيًا من جانب حلفاء إيران[26].

د – تداعيات عاصفة الحزم على الداخل اليمني

كان لعاصفة الحزم تداعيات عميقة على الداخل اليمني، فالوضع في اليمن تأزم بشدة، والأزمة الإنسانية التي تسببت بها الحرب في اليمن أثارت اهتمام العالم ككل، حيث أدت إلى مقتل آلاف اليمنيين ما بين مدنيين وعسكريين، كما أنها ألحقت ضررًا كبيرًا بالبنية التحتية للبلاد. ووفقًا لبعض التقديرات في حزيران/يونيو 2019 فإن أكثر من 90 ألف يمني قد لقوا مصرعهم من جرّاء الحرب في اليمن منذ عام 2015، بما في ذلك أكثر من 30 ألفًا في عام 2018، ونحو 12 ألفًا في عام 2019 [27].

وعلى الرغم من المحاولات المتعددة التي قامت بها الأمم المتحدة للتوسط في وقف إطلاق النار والتوصل إلى تسوية شاملة للصراع، إلا أن الأطراف المعنية نفسها تواصل عرقلة مسيرة الحلول الدبلوماسية، ففي كانون الأول/ديسمبر 2018 توسط المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لليمن مارتن غريفيث لوقف إطلاق النار، وهو ما عُرف باتفاقية ستوكهولم، التي تتمحور حول مدينة الحُديدة الساحلية المطلة على البحر الأحمر. وبعد مرور ثمانية أشهر لم يدخل الاتفاق حيز التنفيذ، وعلى الرغم من تراجع القتال حول مدينة الحديدة فقد اشتد القتال في جبهات أخرى[28].

هـ – تداعيات عاصفة الحزم الإقليمية والعالمية

أثارت عاصفة الحزم الكثير من التداعيات الإقليمية والعالمية نظرًا إلى ما تضمنته من نتائج على الأمن الإقليمي، فالوضع في اليمن بعد توسيع الحوثيين مناطق سيطرتهم مقابل السلطة المدعومة من السعودية أصبح شديد الخطورة وهو ما أثار تخوفات السعودية وسائر الدول الخليجية. كما أن الدول الغربية أيضًا تخوفت من تزايد النفوذ الإيراني في المنطقة، وخصوصًا مع الأخذ في الحسبان الخطر الذي يهدد حرية الملاحة البحرية في ظل وجود تصاعد قوة الحوثيين. لذا جاءت عاصفة الحزم لتلبّي أهداف هذه الدول في تقويض النفوذ الإيراني في المنطقة، ومن أهم التداعيات التي أثارتها:

(1) تزايد حدة التنافس السعودي – الإيراني في المنطقة: منذ عام 2015 شن الجيش السعودي وحلفاؤه هجمات جوية متواصلة ضد الحوثيين وحلفائهم، وفي المقابل بدأ الحوثيون في شن عدة هجمات بطائرات من دون طيار وإطلاق الصواريخ على المطارات السعودية في جيزان ونجران وأبها، وهو ما أدى إلى تعليق الرحلات الجوية، وقتل الكثير من المدنيين، وحتى بعد بدء أزمة كورونا العالمية ومطالبة الأمم المتحدة الأطراف بوقف العمليات العسكرية؛ إلا أن الحوثيين قد عاودوا شن الهجمات الجوية ضد السعودية ردًا على القصف السعودي. وبوجه عام بعد خمس سنوات فقط من بدء العمليات العسكرية بدا أن الحوثيين قد أصبحوا مجهزين بصورة أفضل بأسلحة متطورة مقارنة بالجولات السابقة التي خاضوها، إذ شهدت قدراتهم تطورًا هائلًا ولا سيما في ما يتعلق بالصوارايخ الباليستية وتكنولوجيا الطائرات من دون طيار[29].

(2) عجز السعودية عن حل الأزمة اليمنية عسكريًا: بعد سنوات من بدء عاصفة الحزم اتضح أن السعودية لم تنجح في إعادة الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى العاصمة صنعاء، كما أنها لم تنجح في إيقاف هجمات الحوثيين ضدها، ولكنها نجحت نسبيًا في الحد من توسع نفوذ الحوثيين وإعادة السيطرة على بعض المحافظات، ولكنها تسببت في أزمة إنسانية خطيرة داخل اليمن في المقابل[30].

(3) استفادة بعض الأطراف الدولية من الحرب في اليمن: تُشير بعض التحليلات إلى أن استمرار الحرب في اليمن يعكس رغبة من جانب بعض الدول المُستفيدة من صفقات السلاح كالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، ومن ثم تظهر هذه الدول بمواقف مزدوجة، فهي من ناحية تتخوف من تزايد حدة العنف في اليمن وكذلك تتخوف من أن تصبح اليمن بيئة خصبة لنشاط الجماعات الإرهابية كالقاعدة وغيرها، ولكنها من ناحية أخرى تقف في موقف المُستفيد من الحرب الدائرة في اليمن[31].

رابعًا: نتائج الدراسة

سعت الدراسة إلى ربط الجانب النظري بالتطبيقي من خلال الاطلاع على أهم إسهامات الأدب النظري في ما يخص مسألة العلاقة بين التحولات السياسية الداخلية في دولة ما والسياسة الخارجية لدولة أخرى تجاهها. وتمثل السياسة السعودية تجاه اليمن حالة مثالية لهذه العلاقة. ويمكن إيجاز أهم نتائج الدراسة في الآتي:

1- تأخذ السياسات الخارجية تجاه الدول التي تشهد نزاعات داخلية أوجهًا متعددة ومن بينها التدخل لدعم الطرف الأضعف وهو في الأغلب يكون الطرف المتمرد، أو التدخل لدعم الطرف الأقوى وهو في الأغلب السلطة الرسمية، أو السعي نحو إيجاد حل للنزاع.

2- هناك مجموعة من العوامل المؤثرة في السياسات الخارجية للدول، ومن بين هذه العوامل التحولات التي تحدث خارج حدود الدولة، ومن الممكن أن تؤثر التحولات السياسية الداخلية في دولة معيَّنة في السياسة الخارجية لدولة أخرى تجاهها كما في حالة السياسة السعودية تجاه اليمن.

3- كلما زادت حالة عدم الاستقرار داخل دولة ما زاد احتمال تدخل الدول الأخرى فيها سعيًا للاستفادة من حالة عدم الاستقرار فيها أو لتجنب المخاطر الناجمة من حالة عدم الاستقرار هذه.

4- تمثل السياسة السعودية تجاه اليمن حالة مثالية للبحث في كيفية تأثر السياسة الخارجية لدولة ما بالتحولات السياسية الداخلية داخل دولة أخرى، حيث إن السياسة السعودية تجاه اليمن اتخذت سلوكًا تاريخيًا شبه منتظم تجاه التحولات السياسية اليمنية. وعلى الرغم من أن الدراسة تركز على المدة الزمنية 2011 – 2019 إلا أن السياسة الخارجية السعودية تجاه اليمن اتسمت أغلب الوقت بالسعي نحو جعل اليمن غير قوية وغير ضعيفة، وذلك من خلال سياسة خارجية ساعية لإفشال أية محاولة للتحول الديمقراطي في اليمن. ومن ناحية أخرى فهي تسعى إلى رفض تحول اليمن إلى دولة فاشلة أيضًا.

5- لم تنجح السياسة السعودية تجاه اليمن في تحقيق أهدافها أكثر فأكثر من خلال عاصفة الحزم، فهي لم تنجح في إعادة الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى السلطة، كذلك لم تنجح في إيقاف تهديد الحوثيين لها، كما أنها تسببت في أزمة إنسانية خطيرة داخل اليمن.

6- يرجع استمرار الحرب داخل اليمن إلى مجموعة من العوامل من بينها اشتداد حدة الصراع والتنافس بين الجانب السعودى والجانب الإيراني، إضافة إلى استفادة بعض الأطراف الخارجية من حالة الحرب في اليمن.

إيجازًا لما سبق وعند النظر إلى مدى قدرة السعودية في تحقيق أهداف سياستها الخارجية تجاه اليمن نجد أنه يمكن تقسيم سياسة المملكة تجاه اليمن إلى ثلاثة جوانب يمكن إيجازها في الآتي:

على الجانب السياسي: من المُلاحظ على هذا الجانب أن السعودية تعسرت في حل الأزمة اليمنية حلًا سلميًا، ففى بداية الانتفاضة اليمنية كانت السعودية تخشى وصول نظام ديمقراطي في اليمن يكون منافسًا لسياستها، كما أنها كانت تخشى حدوث فوضى تؤدي إلى تضرر المملكة، لذا سارعت المملكة إلى البحث عن حل سياسي لتلك الأزمة وتمثل هذا الحل في المبادرة الخليجية في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2011 التي نصت على تنازل صالح عن السلطة لمصلحة نائبه، إضافة إلى تشكيل حكومة ائتلافية توافقية بين المعارضة والحزب الحاكم، إلى جانب تأمين «صالح» وأقاربه من الملاحقة القانونية، ولكن رفض الحوثيين للمبادرة الخليجية ومحاولتهم إفشال مؤتمر الحوار الوطني الشامل ثم سعيهم للسيطرة على مساحات واسعة من اليمن كان بمثابة إعلان لفشل الحلول السلمية[32].

على الجانب العسكري: من المُلاحظ على الجانب العسكري أن المملكة فشلت في تحقيق السيطرة العسكرية الكاملة، كما أنها فشلت في إعادة الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى صنعاء وذلك على الرغم من التكلفة المتزايدة للتدخل العسكري، فضلًا عن أنها لم تتمكن من إيقاف استهداف أراضيها بصواريخ الحوثيين. لكن التدخل العسكرى نجح في الحد من توسع نفوذ الحوثيين وإعادة السيطرة على بعض المحافظات. وتقدر الغارات الجوية التي نُفذت ضد مواقع الحوثيين وصالح بأكثر من 19 ألف غارة جوية، كما تُقدر تكاليف العمليات العسكرية للتحالف بقيادة المملكة بنحو 250 مليار دولار منذ بداية عاصفة الحزم وحتى عام 2017 فقط، كما أدت العمليات العسكرية إلى خسائر بشرية جسيمة. ويرى بعض المحللين أن عاصفة الحزم قد فشلت في حل الأزمة اليمنية نظرًا إلى أنها لم تتمكن من إعادة الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى السلطة، كما أنها لم تنجح في وقف هجمات الحوثيين على المملكة. كما يرى بعض المحللين أن بعض الدول الغربية تعد مستفيدة من استمرار الوضع في اليمن متأزمًا، حيث إن دولًا مثل بريطانيا وفرنسا وأمريكا تستفيد من صفقات السلاح التي تبرمها السعودية، ولكن في جميع الأحوال تمثل عاصفة الحزم تغيرًا في سياسة السعودية التي اعتمدت سياسة الردع الاستباقي[33].

على الجانب الإنساني والاقتصادي: أدت العمليات العسكرية للتحالف إلى أزمات اقتصادية وإنسانية حادة داخل اليمن، فوفقًا لتقديرات الأمم المتحدة فإن نحو 14 مليون شخص أو ما يقرب من نصف سكان اليمن، يواجهون خطر المجاعة، ولم تتمكن المساعدات المُقدمة إلى اليمن من حل تلك الأزمة. ويبدو أن عملية إعادة الأمل التي أطلقتها السعودية لم تحقق أهدافها هي الأخرى[34] .

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 531 في أيار/مايو 2023.

آية يوسف ذكي: مُدرسة مساعدة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.

[1](*)   تمثِّل هذه الدراسة الخلاصة التنفيذية لكتاب صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية.

رابط الكتاب:

السياسة السعودية تجاه اليمن عقب الانتفاضة الشعبية 2011  

مروى سليمان عبد الحفيظ، «العلاقات السعودية-اليمنية في الفترة 1932-1953،» (رسالة ماجستير، جامعة الزقازيق، كلية الآداب، 2004)، ص 112-135.

[2]    Roland Popp, «War in Yemen: Revolution and Saudi Intervention,» editor Christian Nünlist, CSS Analyses in Security Policy, no. 175 (June 2015), <https://al-masdaronline.net/uploads/books/files/Almasdaronline-5358.pdf>.

[3] Michael Clarke and Brain White, Understanding Foreign Policy: The Foreign Policy Systems Approach (Aldershot: Edward Elgar Publishing, 1989), pp. 27-60.

[4]         George Modelski, «The International Relations of Internal War,» in: James N. Rosenau, ed., International Aspects of Civil Strife (New York: H. Wolff Book MFG Co., 1964), pp. 19-24.

[5] دينا شحاتة ومريم وحيد، «محركات التغيير في العالم العربي،» السياسة الدولية، العدد 184 (نيسان/أبريل 2011)، ص 10.

[6] تمارا كاظم الأسدي ومحمد غسان الشبوط، عاصفة التغيير الربيع العربي والتحولات السياسية في المنطقة العربية (برلين: المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، 2018)، ص 61-62.

[7] حسن أبو طالب، «التصدع الداخلي: مأزق مبادرات الرئيس في مواجهة الثورة اليمنية،» السياسة الدولية، العدد 184 (نيسان/أبريل 2011)، ص 66.

[8] راجع ذلك بالتفصيل في: محمد كنوش الشرعة، «إشكالية التحولات السياسية في اليمن: الفرص والتحديات 1990-2012،» مجلة المنارة للبحوث والدراسات، العدد 4 (2013)، ص 314-315، وهاني الجبلي، «نتائج الثورة اليمنية: تكريس للوحدة أم تحفيز للانفصال؟،» في: التقرير الاستراتيجي التاسع: الأمة واقع الإصلاح ومآلات التغيير (الرياض: المركز العربي للدراسات الإنسانية – مجلة البيان بالسعودية، 2012)، ص 219-220.

[9] الجبلي، المصدر نفسه، ص 219-221.

[10] الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، «اليمن: تكريس الإفلات من العقاب وتهديد عملية انتقال السلطة – انتهاكات حقوق الإنسان المرتبكة في إطار قمع الحركة الاحتجاجية شباط/فبراير- كانون الأول/ديسمبر 2011،» ص 8.

[11] عبد الخالق أحمد ناصر ناجي، «انعكاسات المبادرة الخليجية على عملية الاصلاح السياسي في اليمن،» المجلة العلمية للدراسات التجارية والبيئية، العدد 1 (2016)، ص 804-815.

[12] المصدر نفسه، ص 814-817.

[13] الشرعة، «إشكالية التحولات السياسية في اليمن: الفرص والتحديات 1990-2012،» ص 315-316.

[14] علي محسن حميد، «هل من جديد في اليمن بعد الثورة،» شؤون عربية، العدد 158 (صيف 2014)، ص 99-100.

[15] عادل مجاهد الشرجبي، «وثيقة مؤتمر الحوار الوطني الشامل في اليمن الرابحون والخاسرون وإمكانية التطبيق،» سياسات عربية، العدد 7 (آذار/مارس 2014)، ص 6-7.

[16] سفيان أحمد محمود الشنباري، «السياسة السعودية تجاه اليمن في ضوء تحولات الحراك الشعبي اليمني، 2011-2015،» (رسالة ماجستير، جامعة الأزهر، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2016)، ص 120.

[17] للتفاصيل، انظر في: المصدر نفسه، ص 120-141؛ محجوب الزويري، «إيران والحوثيين: صناعة الفوضى في اليمن،» مجلة دراسات (مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة)، السنة 2، العدد 1 (2015)، ص 73-77، وعلي عاطف حسان، «إلى أي مدى وصل تطور الأسلحة الإيرانية المهربة إلى الحوثيين؟،» المركز العربي للبحوث والدراسات، 31 تشرين الأول/أكتوبر 2018، ص 18-20، <http://www.acrseg.org/40995>.

[18] Stig Stenslie, «Not Too Strong, Not Too Weak: Saudi Arabia’s Policy towards Yemen,» Policy Brief (Norwegian Peace Building Resource Centre) (March 2013), pp. 1-2, <https://bit.ly/3T9oFlM>.

[19] وسيم سالم عبد الله الزوغي، «فعالية السياسة الخارجية السعودية تجاه الأزمة اليمنية 2011-2020،» مجلة العلوم السياسية والقانون، العدد 25 (تشرين الثاني/نوفمبر 2020)، ص 49-51.

[20] عبد الخالق أحمد ناصر ناجي، «انعكاسات المبادرة الخليجية على عملية الإصلاح السياسي في اليمن،» المجلة العلمية للدراسات التجارية والبيئية، العدد 1 (2016)، ص 804-809.

[21]        Stig Stenslie, ««Decisive Storm»: Saudi Arabia’s Attack on the Houthis in Yemen,» Norwegian peacebuilding Resource Centre, May 2015, p. 1, <https://www.files.ethz.ch/isn/191021/fdae163be3c9b498ae792fb7bd161c81.pdf>.

[22]        Ibid., p. 1.

[23] مصطفى عبد العزيز مرسي، «عاصفة الحزم: ضرورتها، أهدافها، آفاقها، وتداعياتها،» شؤون عربية، العدد 162 (2015)، ص 19-20.

[24]        Stenslie, Ibid., pp. 1-2.

[25] منال بوجلال، «التدخلات العسكرية العربية في النزاعات الداخلية: دراسة حالة التدخل في اليمن،» (رسالة ماجستير، جامعة 8 ماي 1945، كلية الحقوق والعلوم السياسية، 2018)، ص 70.

[26]        Stenslie, Ibid., p. 2.

[27]        Jeremy M. Sharp, «Yemen: Civil War and Regional Intervention,» Congressional Research Service Report, 2019, pp. 1-6, <https://sgp.fas.org/crs/mideast/R43960.pdf>.

[28]        Ibid., p. 2.

[29]        Sharp, Ibid., pp. 3-5.

[30] الزوغي، «فعالية السياسة الخارجية السعودية تجاه الأزمة اليمنية 2011-2020،» ص 44-57.

[31] المصدر نفسه، ص 56.

[32] المصدر نفسه، ص 44-50.

[33] المصدر نفسه، ص 52-56.

[34] بوجلال، «التدخلات العسكرية العربية في النزاعات الداخلية: دراسة حالة التدخل في اليمن،» ص 84.


آية يوسف ذكي يوسف

مُدرِّسة مساعدة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة. متخصصة في حقل العلاقات الدولية والسياسة الخارجية. تخرجت في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة عام 2017، وحاصلة على درجة الماجستير في العلوم السياسية عام 2021 من الجامعة نفسها.

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز